المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. عمر بادي
مساومة الإصلاح السياسي بالعفو عما سلف
مساومة الإصلاح السياسي بالعفو عما سلف
02-17-2014 07:08 AM


لقد تريثت في كتابة مقالتي الحالية عن وثيقة الإصلاح السياسي الشامل و التي عرفت بوثيقة الوثبة حتى أستجمع خيوط تحريك اللعبة و أعرف محركيها فيتبين لي الخيط الأبيض من الخيط الأسود و يسهل علي وضع النقاط على الحروف , و دائما في التأني السلامة ...
قبل عام تقريبا كان لقاء النائب الأول آنذاك السيد علي عثمان محمد طه مع الدكتور علي الحاج القيادي في حزب المؤتمر الشعبي رغما عن بعده و إقامته في ألمانيا , و كانت مخرجات اللقاء الدعوة إلى الحوار السياسي بين الفرقاء في السودان . منذ ذلك الحين إرتفعت نبرة الحوار و لا زالت مرتفعة رغما عن مرور ما يقارب العام و الوضع كما هو و كأن الزمن الإنقاذي يراوح مكانه !
كنت قد كتبت مقالة بعنوان ( مقتضيات الخروج من نفق التشتت الوطني ) بتاريخ 29 / 3/ 2013 , و رغم مرور قرابة العام عليها فإنها تعكس الوضع السياسي العام حاليا , و هي خير دليل على أن لا تغيير في الساحة السياسية و أن ما يحدث لا يتعدى الأماني . سوف أقتطف لكم بعضا ما كتبته في تلك المقالة :
( إن التطورات السياسية التي أطلت برأسها على الساحة السياسية هذه الأيام , تبشر بانفراج سياسي و إقتصادي سوف يعم السودان إذا ما صدقت النوايا و لم تكن مجرد أساليب تكتيكية الغرض منها زعزعة و تشتيت رؤى المعارضة و إطالة أمد الحزب الحاكم , كما درج الإنقاذيون على ذلك في مبادرات سابقة . من هنا وجب على الحكومة ان تبدي مصداقيتها بيانا بالعمل على تأكيد شفافية طرحها و على نزاهة مخرجات الحوار , حتى لا يكون رقما لمشاركة الطيف السياسي لا غير ) . و ( لقد تمت الدعوة للحوار بين الحكومة و المعارضة , على خلفية لقاء السيد علي عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية مع الدكتور علي الحاج في ألمانيا في الأسابيع الماضية و بإشراف من السفارة السودانية هناك , حيث تم طرح الوضع المتفاقم في السودان و الذي سوف يؤدي إلى تفتيته , و أن الحل العسكري قد فشل في مواجهة المعارضة المسلحة , كما فشل في الحفاظ على حدود الوطن , و أن لا بد من الحوار بين أطراف النزاع حتى يعود السودان إلى مساره الصحيح . هكذا بدأت مبادرات الدعوة للحوار و أستقصاء آراء أحزاب المعارضة و الحركات المسلحة . لقد أبدت معظم أحزاب المعارضة موقفها من الحوار , و قد أتى في مجمله متشابها حيث شددت الأحزاب على إبداء حسن النية من الحكومة بأن تبسط الحريات العامة الأساسية . أما جبهة القوى الثورية فقد أوصل الدكتور علي الحاج دعوة الحوار لرئيسها السيد مالك عقار و لم يصل ردها بعد . من هنا يجب إلتقاء الأطراف الموقعة على وثيقة الفجر الجديد الإطارية و التي تحدثت عن مستقبل السودان حتى يعاد طرح البنود التي بها بعض المآخذ , حتى تجد الوثيقة كل التأييد من الجميع , و عند ذلك يسهل الحوار مع الحكومة و سوف تكون نتيجة الحوار ملزمة للجميع بدون إعطاء اي فرصة لتمرد جديد . من اجل هذا يجب إشاعة الحريات و إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ) . و ( كنت قد كتبت قبلا عن رؤساء أتوا إلى الحكم عن طريق الإنقلابات العسكرية , و لكنهم عادوا إلى النظام الديموقراطي و كونوا أحزابهم و خاضوا الإنتخابات و فازوا و صاروا رؤساء لدولهم , و ضربت أمثلة بأباسانجو في نيجيريا و شافيز في فنزويلا و أورتيقا في نيكاراجوا و محمد ولد فال في موريتانيا , و كنت قد تمنيت أن يحذو السيد رئيس الجمهورية حذوهم . الآن و بعد أن أعلن السيد رئيس الجمهورية عن عدم ترشيحه في الإنتخابات القادمة , فإنني أدعوه هذه المرة و هو يريد أن يطمئن على كيفية المسيرة المستقبلية لبلده قبل أن يغادر كرسي الحكم , أدعوه هذه المرة أن يحذو حذو الجنرال فرانكو . لقد إستولى الجنرال فرانكو على الحكم في أسبانيا عن طريق إنقلاب عسكري في عام 1936 على حكومة الجمهورية الثانية الديموقراطية المكونة من الجبهة الشعبية و السبب كان ظاهريا في حل حكومة الجمهوريين للنظام الملكي , و قد وجد الجنرال فرانكو مقاومة شرسة أدخلت أسبانيا في حرب أهلية بين الجمهوريين و بين أنصاره القوميين منذ 1936 إلى 1939 راح ضحيتها مليون من المواطنين , و قد إنتصر في نهايتها بمساعدة هتلر و موسيليني و بذلك حكم أسبانيا حكما شموليا لمدة ستة و ثلاثين عاما بواسطة حزب الكتائب الذي أسسه , و خلال حكمه هاجرت أعداد كبيرة من المثقفين الأسبان إلى الخارج . عندما أحس الجنرال فرانكو بمرضه أتى بالأمير خوان كارلوس حفيد ملك أسبانيا الذي تم عزله و عينه خلفا له في عام 1969 و أجاز القانون الأساسي لإنتقال الحكم , و هكذا بوفاة الجنرال فرانكو في عام 1975 تم تنصيب خوان كارلوس ملكا على أسبانيا فأعاد الديموقراطية و الأحزاب و الحكم النيابي ) .
هذا ما ورد في مقالتي السابقة آنفة الذكر و ما اراه حلا لأزمة السودان الحالية و مخرجا للإنقاذيين لا يعفيهم من المساءلة القانونية . فماذا الجديد حاليا ؟
الجديد أولا : وثيقة الإصلاح السياسي الشامل التي أعدها حزب المؤتمر الوطني الحاكم و قدمها رئيس الحزب المشير عمر البشير و المعروفة بوثيقة الوثبة لما بها من تطلعات و حلول سوف تؤدي بالسودان إلى وثبة أو طفرة سياسية و إقتصادية و إجتماعية كما يقولون , عملا بأربعة محاور كما وردت فيها و هي إنهاء الحرب و إحلال السلام في كل ربوع السودان , محاربة الفقر الذي ضرب بأطنابه معظم قطاعات الشعب السوداني , إشاعة الحريات السياسية , و العمل على تعزيز الهوية السودانية . لقد قوبلت هذه الوثيقة بالتندر و الإستهجان من معظم المعلقين للغتها المعممة و غير المفهومة و التي لم تضع أية حلول إجرائية للمشكل السوداني الذي كان الإنقاذيون هم السبب الرئيسي فيه , و كأن من يستمع إلى الوثيقة تجول بخاطره البيانات الأولى للآتين إلى السلطة في نقدهم لما وجدوه قائما , فلم تتم أية إعترافات أو إعتذارات عن كل التردى الذي قاد السودان إلى ما هو فيه الآن . في الأسابيع القريبة الماضية أشار الرئيس البشير أن هذا العام 2014 هو عام الحسم للتمرد في السودان و قام بإرسال الأرتال تلو الأرتال من الجيوش و المليشيات من قوات الدعم السريع إلى مناطق العمليات , لكن يبدو أن عام الحسم هذا سيكون مثل عام حسم الرئيس أنور السادات الذي حدده لدخول الحرب مع إسرائيل و الذي تأخر لأكثر من عامين ! هذه الوثيقة مفعمة بالأماني العذبة و بالمصداقية و الأيام القادمة جديرة بسبر غورها .
الجديد ثانيا : الوثيقة الناعمة لهبوط الرئيس البشير , و هي وثيقة أمريكية صدرت و تم تسريبها من معهد السلام الأمريكي و قد أعدتها مجموعة من المؤسسات الأمريكية و شخصيات من بينهم برنستون ليمان المبعوث الأمريكي لدولة السودان . تشمل الوثيقة فيما تشمل : حوار الإسلامويين , تأجيل الإنتخابات الرئاسية و البرلمانية لضمان مشاركة كل القوى السياسية فيها , تناول مسألة المحكمة الجنائية الدولية حتى يمكن محاكمة البشير و المتهمين الآخرين داخل السودان , عمل تغيير أو تطوير في السودان بقيام حكومة ديموقراطية عريضة لتحقيق مصالحة وطنية , حل النزاعات و الحروب , الوصول لتسوية سياسية تضمن الخروج الآمن داخليا و من ملاحقة المحكمة الجنائية خارجيا , و الحوار مع شقي المعارضة المدنية و المسلحة . لقد تضاربت الآراء حول الوثيقة , فمن قائل إنها طوق نجاة للإنقاذيين و الإسلامويين في الحكم كان وراءها تنظيم الإخوان المسلمين العالمي بمساعدة دولة قطر حتى لا يفقدوا أول و آخر معقل لهم في الحكم , و من قائل مثلي أن أمريكا قد غيرت من سياستها نحو تفتيت السودان بعد أن رأت ما حدث و يحدث في دولة جنوب السودان , فسعت للم الشمل على إعتبارات التوافق .
الجديد ثالثا : تدويل قضايا المنازعات في دولة السودان , و كانت البداية في زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر , ثم زيارة وزير خارجية بريطانيا للشؤون الأفريقية , ثم وساطة الإتحاد الأفريقي , و ها هو الإتحاد الأوربي يطلب من الأحزاب و حاملي السلاح و المنظمات الأخرى أن تلتقي من أجل الحوار في ألمانيا , و ها هم المبعوثون و الوسطاء الدوليون يقربون أوجه الخلاف بين الحكومة و الحركة الشعبية قطاع الشمال في أديس ابابا حاليا . هذا التدويل يدل على عدم إستطاعة الفرقاء السودانيين من التوصل إلى حلول لمشاكلهم و السبب كما هو معروف تعنت الإنقاذيين و تشبثهم بالحكم . هذه المرة قد شمل التدويل كل قضايا السودان و لن ينفع نقض العهود الذي إعتادت عليه الحكومة .
الجديد رابعا : مقاصد الإنقاذيين من وثيقة الوثبة , و قد تجلت في التصريحات العفوية من بعض القياديين في نظام الإنقاذ و التي عكست ما يجول بخواطرهم . الشيخ عبد الجليل النذير الكاروري في خطبته الراتبة في يوم الجمعة قبل الماضي تحدث عن خطاب الوثبة و عن جدية الحوار هذه المرة و قال أن هنالك من القياديين من كان يقول أنهم لن يسلموا مقاليد الحكم إلا لعيسى قبيل قيام الساعة لكن المؤتمر الوطني جاهز الآن للجلوس مع ( أبو عيسى ) ذاته ! و حذر من الصراعات السياسية التي تقود إلى الحرب و ما تجره من ويلات و ضرب مثلا بما يحدث في دولة جنوب السودان . الدكتور إبراهيم غندور قال في تصريحات له أن كل حزب سوف يطرح رأيه في الحوار و سوف تتضارب الآراء و سوف يأخذون الحلول الوسط التوافقية التي يوافق عليها الغالبية ! الدكتور أمين حسن عمر كتب في مقالة له أن الوثبة و التعديلات هي مجاهدة لإكتساب القوة و الحيوية من جديد ! أما الرئيس البشير فقد قال في الإجتماع التمهيدي لشورى حزبه أنهم هم ( الألفة ) على كل القوى السياسية بتفويض من الشعب ! من هنا يتضح أن مقاصد الإنقاذيين من وثيقة الوثبة أن تشاركهم المعارضة في تحمل أعباء الوضع المزري في السودان تحت هيمنة حزب المؤتمر الوطني و الإسلامويين .
الجديد خامسا :تحالف الإسلامويين , الذي ورد في الوثيقة الأمريكية ربما كان حافزا للحكومة كي تكون أكثر جدية في مساعي الحوار و تطبيق مفرزاته , فالموافقة على عودة الديموقراطية و الإنتخابات الحرة النزيهة تتطلب التيقن من المنافسة و الفوز فيها , و لن يتيقن المؤتمر الوطني رغما عن عضويته التي وصلت إلى ثمانية ملايين عضوا كما يقولون إلا إذا ضم إليه أصوات الإسلامويين الآخرين في أحزاب المؤتمر الشعبي و الأمة القومي و الإتحادي الديموقراطي أتباع السيد محمد عثمان الميرغني . هكذا سيتم فرز (الكيمان ) !
الجديد سادسا : توحيد قرارات تحالف قوى الإجماع الوطني مع الجبهة الثورية , و قد إتخذ رؤساء أحزاب و منظمات تحالف قوى الإجماع الوطني هذا القرار و ذلك بالرجوع إلى وثيقتي الفجر الجديد و ميثاق البديل الديموقراطي . لقد رفض تحالف قوى الإجماع الوطني الدخول في الحوار بدون إبداء حسن النية من الحكومة عن طريق بسطها للحريات , و هو نفس موقف التحالف كما كان في العام الماضي , و قد عزز من هذا الموقف ما يدور حاليا من مفاوضات بين الحركة الشعبية قطاع الشمال و الحكومة , فقد طالب قطاع الشمال بتوحيد المنبر التفاوضي ليجمع كل القوى السياسية و منظمات المجتمع المدني و أن يتم بسط الحريات و تتم مناقشة كل القضايا السودانية , و هذا هو نفس موقفه في المفاوضات السابقة قبل عام مضى . لقد وافق حزب الأمة على الدخول في الحوار و كذلك وافق حزب المؤتمر الشعبي , و كل له وجهة نظره الخاصة التي ربما تختلف عن وجهة نظر التحالف , و وردت أنباء عن قبول الحركات الدارفورية الحاملة للسلاح لمبدأ الحوار . لذلك أرى على قيادة تحالف قوى الإجماع الوطني أن تتحلى بالحصافة و أن تجمع كل مكوناتها من أحزاب المعارضة و الجبهة الثورية و منظمات المجتمع المدني و شباب الأحزاب و تنظيمات الشباب و توحد مطالبها التي هي متجانسة أصلا و تتقدم بها إلى الحوار , و في ذلك تعزيز لموقف الحركة الشعبية قطاع الشمال في مفاوضاته .
على ما يبدو أن مخرجات المفاوضات و الحوار كلها سوف تكون بأيدي الوسطاء من أمريكا و بريطانيا و الإتحاد الأوربي و الإتحاد الأفريقي و سوف تتخذ نهج المساومة عملا بطريقة ( أعط و خذ ) المعروفة , و هذا هو القصد من هبوط البشير الناعم كما ورد في الوثيقة الأمريكية , و كما دعا له السيد الصادق المهدي , و كما تبنته وثيقة الوثبة و إن لم تفصح به عيانا . هل تجمعت لديكم خيوط اللعبة ؟
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !


[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1443

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عمر بادي
د. عمر بادي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة