ما قبـل السقـوط
01-20-2011 12:01 PM

شئ من حتي

ما قبـل السقـوط

د.صديق تاور كافي

٭ تسقط الأنظمة عملياً عندما تنقطع الصلة بينها وبين الشعب الى مرحلة لا يجدي معها التغبيش والتضليل والشعارات المستهلكة، والقول الذي لا يصدقه العمل، لأن الناس عادة ما يعتبرون بالنتائج ويربطون بين القول والفعل، ويستندون في ذلك على ذاكرة جمعية لا يصيبها الوهن أو يطرأ عليها الصدأ وهى ذاكرة تُبنى بالصبر ونسج خيوط الاحداث وتوثيق الممارسات وقياس السلوك اليومي للمنظومة الحاكمة.
لذلك فإن الجماعات التي تنسرق الى السلطة بوسائل غير معبرة عن رضا الشعب مثل الانقلاب العسكري أو تزوير الانتخابات أو سرقة الإنتفاضات، تكون قد أدخلت نفسها في ورطة حقيقية من نوع الوقوع في الشرك والتأمل في الشباك. فمثل هؤلاء يطلقون الوعود والشعارات ويتعهدون للناس بما لا يقدرون عليه، ولا هم مؤهلون له من ناحية التربية النضالية.
مثل هؤلاء يبررون الإستيلاء على السلطة بالقوة والانقلاب على المؤسسات الديمقراطية التي أتى بها الشعب نفسه بأن الأمر يحتاج الى فعل (انقاذي) للبلد وللشعب حتى لا تضيع البلاد وتتقسم، وحتى لا يموت الشعب بالجوع والمرض والمعاناة، وأنه لا تفريط في شبر من تراب الوطن، وأن الفقر هو عدوهم اللدود وأنهم جاءوا حرباً على الغلاء والفساد والمحسوبية. وأنها بالنسبة لهم إنما (هى لله لا للسلطة ولا للجاه) ، ولكن تمضي الأيام سريعاً لتسقط كل الشعارات التي أُطلقت في البداية تباعاً الواحد تلو الآخر، حيث يكتشف الناس أن وطنهم قد ضاع أكثر من ثلثه بعد عشرين عاماً، والمتبقي منه ربما يمضي الى نفس المصير إن هم ظلوا يتفرجون على ما يجري. ويكتشفون أيضاً أن معاناتهم قد تضاعفت آلاف المرات مما كان القوم قد وعدوهم به، حيث أنهم عليهم أن يقتطعوا من لبن اطفالهم ومن قوت أسرهم ومن حبة دوائهم ويتوشحون بشظف العيش، كيما يهنأ حكامهم الذين صاروا طبقة جديدة من رأسمالية السلطة، التي تتطاول في البنيان وتحفها مواكب السيارات الفخمة، وتعيش أسرهم في نعيم فندقي بدرجة سبعة نجوم. يكتشف الناس أن عليهم أن يدفعوا الضرائب والرسوم والأتاوات والجمارك والجبايات دون أن يُستثنى منهم أحد إبتداء من بائع الخضار والباعة الخريجين الذين يجلسون على (الطبالي). والصبي الذي يدحرج (الدرداقة)، مروراً بسائق التاكسي أو سيارة الأجرة (الأمجاد) أو المزارع أو الحرفي أو بائعة الشاى والكسرة أو العامل أو المعلم أو الموظف أو الراعي. كل هؤلاء عليهم أن يتصببوا عرقاً ليصبوا حصاد عرقهم في خزانة الدولة التي في مقدمة اولوياتها الانفاق على الحكام وحماتهم.
يكتشف الناس أن حصاد عشر سنوات من انتاج البترول في غرب بلادهم وأطنان الذهب التي أُستخرجت من شرقها والمليارات التي ترد من شركات الاتصالات ومن تحصيل الزكاة ومن الجمارك والضرائب، يكتشفون أن ذلك كله قد انتهى بهم الى مفارقة إنقاذية عجيبة فيها إتسعت دائرة الفقراء وإزدادوا فقراً على فقرهم، بينما تشكلت طبقة جديدة مترفة ومرفهة من رحم السلطة وامتيازاتها، أى إكتشفوا أنها لم تكن هى لله العدل الرحمن الرحيم الرؤوف، وإنما كانت للسلطة وللجاه.
٭ وتسقط الأنظمة عملياً عندما تبدأ عهدها بالقمع والقهر والتضييق على الصوت المعارض، والطرب للصوت المطبِّل. أى عندما تعتقد بأن القمع والعسف هو وسيلة البقاء في السلطة والاستمرار فيها لأن هذه الوسيلة التي يمكن أن تبقى نظاماً لمدة ما بهذه الكيفية، إنما تعمق من إحساس الظلم والغبن في نفوس الآخرين من عامة الناس الذين يُراد إستعبادهم وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.
فالحرية الشخصية والجماعية هى من طبيعة البشر ومن أصل الدين. فقد خلق الله الانسان وميزّه بالعقل والإرادة كيما يختار ما يريده، ويتحمل تبعات ما إختاره بوعي وإرادة حرة (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنما انت مذكّر لست عليهم بمسيطر،..الخ). لذلك لا يمكن لأية فئة كائناً من كانت أن تعتبر نفسها الوحيدة التي تمتلك الصواب وتفرض مفهومها ومنهجها على العباد بالقوة، بحجة أنها تمثل إرادة الله على الارض وحامية لدينه. فالله سبحانه وتعالى لا يحتاج الى أن يحمي دينه ممن يمارسون الظلم على عباده وهو أقدر على حماية الدين من التشويه والطمس والتدليس (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
وعندما تفقد بعض الانظمة مبررات بقائها فإنها تحاول أن تحتمي بالشعارات الدينية وبالشريعة الاسلامية حتى تضفي على نفسها درجة من القدسية الوهمية. وفي ذلك تستخدم بعض فقهاء السلطان الذين لا شغل لهم سوى توزيع فتاوي الكفر والزندقة والخروج عن الملة على معارضي حكامهم حتى لو أجمعت الدنيا كلها على جور حكمهم وظلمهم للعباد. ونسمع فتاوى من نوع ان طاعة الحاكم واجبة على المسلم ولو كان الحاكم ظالماً لانها طاعة لاولي الامر، ولكن لا يذكر فقهاء السلطان ان الساكت عن الحق شيطان أخرس، ولا ان افضل الجهاد هو جهاد الحاكم الظالم، ولا يذكر هؤلاء قول الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري «عجبت لرجل لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه» ناهيك عن شعب باكمله لا يجد قوت يومه.
يجتهد أهل «الانقاذ؟!» في محاولة ربط حكمهم بالشريعة الاسلامية وتصوير أنفسهم بالمدافعين عنها، بينما لا تقوم الشريعة السمحاء على الجلد الانتقامي الفوضوي كما في حالة «فتاة الڤيديو»، ولا تقوم على ترك الشريف اذا سرق «الجوكية، اخيار سوق المواسير، أثرياء السلطة..الخ» ولا تقوم الشريعة على إتاحة كل الاسباب للموالين كيما يفعلوا ما يريدون بينما يتم التضييق على الآخرين حتى من مجرد التعبير عن مشاعرهم الانسانية في الوقت الذي سُمح فيه لصاحب منبر السلام العنصري بالقيام بكل ما يستفز مشاعر أهل السودان بخصوص انفصال الجنوب بالذبائح والاحتفال والابتهاج واللافتات التي تغطي الطرقات والمواقع المختلفة، في هذا الوقت داهمت قوة أمنية منزل الزعيم اسماعيل الأزهري ليلة الاحتفال بالاستقلال، وأنزلت وشاحاً اسود اللون كان الاخوة الاتحاديون قد علقوه على الجدران تعبيراً عن حزنهم على انفصال الجنوب»، شريعة الاسلام تقوم اساساً على العدل «واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل» واحترام انسانية الانسان الذي كرمه الله وميزه على غيره من الخلق، باتاحة الحرية له أن يعبر عن نفسه وأن يُسمع صوته ويُحترم. شريعة الاسلام غير شريعة «الانقاذ؟!». فالاولى تقوم على العدل بينما الاخيرة تقوم على قهر الخصوم وقمعهم وتقوم على الظلم البين والفوضى «مسيرة النساء الناشطات، اضراب نواب الاختصاصيين، الاعتداء على النشاط الطلابي في الجامعات، تفريق التظاهرات بالقوة، قطع الطريق على قوافل العودة الطوعية لابناء الجنوب، إعتقال ناشطي دارفور، حملات مطاردة الباعة الذين يبحثون عن رزقهم في الاسواق والطرقات، اعدامات ضباط حركة رمضان..الخ».
مما يحاول جماعة الانقاذ التشبث به مثل الفريق الذي يتعلق بالقشة، موضوع الدستور وأنهم يحكمون وفق شرعية دستورية وانتخابات «حرة ونزيهة!!» وما الى ذلك.
ومع اتفاقنا على أن الدستور يجب أن يُحترم ويجب الالتزام به، إلا أن الانقاذ نفسها كانت إنقلاباً على الشرعية الدستورية في 03 يونيو 9891م، حين قادت انقلاباً عسكرياً ضد مؤسسة حكم منتخبة ديمقراطياً في انتخابات لم يتحدث أي طرف فيها عن مقاطعة أو عدم اعتراف بالنتيجة أو إنعدام نزاهة أو عدم حيادية لجانها مما شاب انتخابات أبريل 0102م التي يخدعون أنفسهم بوصفها بالنزيهة والحرة. فهؤلاء هم آخر من يتحدث عن احترام للدستور أو عن شرعية ديمقراطية. اضافة الى ان الفوز بالانتخابات لا يعني منع الآخرين من التعبير عن مواقفهم وآرائهم بالوسائل التي يقرها الدستور نفسه. فالأخير يقرر حق الندوات العامة واللقاءات الجماهيرية والمواكب والمسيرات والتظاهر والاضراب طالما انه ابتعد عن التخريب والفوضى، وعلى المؤسسات الأمنية الرسمية مساعدة من يريد أن يعبر عن رأيه وموقفه بأي من هذه الوسائل بضمان سلامته وحمايته بالتنسيق معه على ذلك، وليس تهديده بالقانون والشرطة.
٭ أخيراً فإن مؤشرات السقوط تتمظهر في تخبط التصريحات لدى المسؤولين من قمة السلطة، وتهديد المعارضين، واعتقالهم، ومحاولة قمع الاحتجاجات المطلبية السلمية، واتهام الخصوم بالتخريب ومعاداة الشرع، والتكفير، وتتمظهر من جانب آخر في السخط العارم وسط الناس جراء الغلاء وجراء التفريط في الجنوب واستخدام القانون لقهر المعارضين، وتأزيم الاوضاع في دارفور، والمكابرة على أية فكرة لمخرج وطني ينقذ ما تبقى من السودان.
لكل ذلك فإن الوضع الماثل لا يختلف كثيراً عن الحالة التونسية بل هو أكثر احتقاناً منها بحكم الخراب الذي حاق بالبلد.

الصحافة


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2099

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#82639 [ابوعلا]
0.00/5 (0 صوت)

01-22-2011 02:05 PM
الاخ/ صديق شكرا لك على مقالك الضافى للحالة الانقاذية بالسودان وقد ذكرت كل ما هو محفز لقيام ثورة لاتبقى ولاتذر بكل عقلانية وكتابة راقية وتحليل منطقى بعيدا عن الكلمات السوقية من التى تعودنا سماعها هذه الايام . ونحن اذا نحييك نحيى فيك قلمك الجرئى العقلانى والذى ياخذ الامور بمنطق التحليل الواعىللحالة السودانية بعيدا عن سفيه القول وكما فى احد الردود بان الشعب والحكومة ياسفان لما سيحدث للجنوب افتكر انو الشعب ليس له قول ولا مشاركة فيما سيحدث للجنوب لانه لم يستشار فى ما تمخضت عنه نيفاشا ولم ياخذوا اى ممثل للشعب هذا الوزر يتحمله اثنان المؤتمر الوطنى و الحركة الشعبية واى قول غير هذا يعتبر مكابرة لا طائل منها.


#82121 [isam]
0.00/5 (0 صوت)

01-21-2011 09:23 AM
ما قلت الا الحق
فالحكومة اصبحت تترنح وتتخبط
الخوف يلؤها من كل الاتجاهات
لا تدرى من اين ستاتى الكارثة
التى سوف تقضى عليها
اننى اتصور انهم هذه الايام لا ينومون
فالثورة التونسية اججت المشاعر
ووحدت الشعب السودانى على هدف واحد
وهو سقوط هذا النظام ومهما كان الثمن
الثورة تشتعل الان فى النفوس------والانفجار قادم
الاخ السر المعلق الاول على هذا الموضوع
اظنه من سدنة هذا النظام (امنجى )


#82034 [السر ]
0.00/5 (0 صوت)

01-20-2011 11:55 PM
الاخ صديق سلام عليك

الصحفي الحصيف يعلم ماذا يكتب ومتي يكتب .... واعلم ان الشعب يشعر بالذنب ومجروح لا نشطار جنوبنا الحبيب وكذلك الحكومه تشعر بمراره الاستغفال من قبل الحركه لشعبيه وضغوط خارجيه فلا تجعل بمقالاتك هذه كبش الفداء الشعب السوداني فيكون الالتحام تدميرياعندما يلتقي الجريحان ( الحكومه والشعب ) ... نحن نري ان كان لابد من التغيير فلابد من ان يكون تغييرا سلمي... ولكي يكون كذلك فلا الزمان ولا المكان يسمحان بمثل مقالك هذا..... ولك العتبي حتي ترضي


د.صديق تاور
د.صديق تاور

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة