المقالات
السياسة
لصوص جديرون بالاحترام 1/2
لصوص جديرون بالاحترام 1/2
02-20-2014 04:00 PM




تناقضات هذا العالم تدفعك إلى الجنون، ولا أظنني أستطيع، بعد ما عشت ورأيت ما رأيت من مآسٍ وتناقضات، أن أنفي بنفس حماستي ما كان يحاول أن يغرسه في عقولنا في سن الشباب ذلك الكاهن من شهود يهوه وهو يؤكد لصديق طفولتي المبدع الراحل سامي يوسف ولي بأن العالم في قبضة الشيطان يتحكم فيه وفي حياة البشر منذ نجح في إغواء آدم وزوجه وتسبب في طردهما من الجنة.
يقول الكاهن أن الشيطان تحدى الخالق بقدرته على إثبات عدم جدارة الإنسان بالتكريم الإلهي الذي أسبغه عليه.
وأن الإنسان كمشروع لخلافة الرب الخالق على الأرض هو خيار فاشل. لأنه بحكم التكوين ظلوماً جهولاَ ولذا فإنه بدلاً من إعمارها سيفسد فيها ويسفك الدماء.
وقَبِل الإله التحدي على شروط الشيطان، بأن يضع بين يدي الأخير مفاتيح سلطة الصحة والمرض والأرزاق والتحكم فيها ليوزعها بين الناس وفق إرادته، و بها سيكشف للخالق مدى تفاهة الإنسان وعدم جدارته بخلافة الخالق في الأرض ليعمرها كما يشتهي الرب، ويعدل فيها كما يأمل ويريد.
والآن حين يقال لك أن أن 85 ثريا في العالم يكتنزون ثروات تعادل ثروة نصف سكان العالم مجتمعين حسب تقرير نشرته وكالة الإغاثة الدولية أوكسفام، وأن ثروات أغنى 100 شخص في العالم كفيلة بالقضاء على الفقر أربع مرات في العالم، لا تملك أن تسأل نفسك : هل يمكن أن يختل ميزان العدالة في العالم أكثر من ذلك؟.
وحين ترى ما يحدث في الجانب الآخر ما يتمزق له الضمير الإنساني حيث يصل الحال بالآباء والأمهات إلى بيع بناتهن لبيوت الدعارة ومعهن شهادة من المستشفى الحكومي تثبت عذريتهن كما يحدث في كثير من المجتمعات الفقيرة بدول العالم، من نوع ما روته الممثلة الهوليوودية والناشطة في مجال حقوق الإنسان، ميرا سورفينو التي كانت في جولة بصحبة الرئيس التنفيذي لبعثة ABAPE الدولية لمكافحة الاتجار بالأطفال للدعارة دون بروستر، عن قصة الفتاة الكمبودية (كييو)، التي تبلغ من العمر 12 عاماً.
لقد طلبت منها والدتها الغارقة في الفقر والديون أن تستلم وظيفة جديدة، وأخذتها إلى المستشفى للحصول على ورقة تثبت عذريتها، ثم أخذتها إلى غرفة بأحد الفنادق، حيث قُدمت لأحد الزبائن الذي قام باغتصابها على مدى يومين.
لكن محنة الطفلة لم تنتهي حينها، بل أخذتها والدتها إلى بيت للدعارة لثلاثة أيام، حبست فيه بقفص مثل الحيوانات، واغتصبت من قبل ثلاثة إلى ستة رجال يومياً ، وعندما عادت إلى المنزل قامت ببيعها مرة أخرى لبيتين آخرين للدعارة، بعد ذلك علمت بأن والدتها تنوي بيعها مجدداً، عندها قررت الهروب من المنزل والاختفاء في أحد بيوت الحماية، وهي الآن تبلغ من العمر 14 عاماً.
المفارقة أن هذا يحدث في كمبوديا التي كانت تُصنف ضمن افقر دول العالم‏,‏ وأصبحت الآن مركز جذب و‏‏قبلة‏' لكبريات الشركات العالمية الهاربة من أسعار التنين الصيني الجنونية‏, حيث ينمو اقتصادها لدرجة ينافس ثاني أكبر اقتصاد في العالم في جذب الاستثمارات الأجنبية. إذ تتسابق الشركات الأمريكية واليابانية والأوروبية لتجد موطيء قدم لها في كمبوديا لفتح خطوط إنتاج لصناعات تبدأ من تلميع الألماس وتصنيع أسلاك السيارات والشاشات التي تعمل باللمس للهواتف المحمولة إلي أحذية الرقص وإطارات نظارات الشمس. وقد وصل حجم الاستثمار الأجنبي في كمبوديا إلي نحو70 % عام2011, وهو ما ينبغي أن ينعكس إيجاباً علي المستوي الاجتماعي وينتشل الملايين من الفقر المدقع.
ولكنهم يبيعون أطفالهم لشبكات الدعارة رغم الوفرة والنمو الاقتصادي المتصاعد!.
ولماذا تذهب بعيداً إلى كمبوديا الفقيرة/النامية إذا كان بالدولة الأعظم في الولايات المتحدة حسب إفادة البروفسور ريتشارد فيدر الباحث وأستاذ الاقتصاد في جامعة أوهيو الأميركية، والمختص في علاقة النظام التعليمي بالاقتصاد في أميركا، هناك 8.000 نادل أميركي حاصلون على شهادة الدكتوراه أو ما يعادلها، كما أن هناك 5.057 منظفا بنفس الشهادة، وهناك 317.000 نادل و18.000 حارس للحظائر حاصلون على إجازة جامعية!.
وإذا كان يعيش أكثر من طفل من بين كل خمسة في نيويورك وسط عائلة لا تملك ما يكفي لسد رمقها بحسب وكالة الأنباء الفرنسية، وفي 2012 شمل الفقر نحو 47 مليون أمريكي، بينهم 13 مليون طفل بحسب مكتب الإحصاء.
إذا كان ذلك يحدث في الدولة ذات الاقتصاد الأقوى في العالم، فإننا يجب أن لا نستغرب أن يعيش حوالي "خُمس العرب" تحت خط الفقر، وبالكاد يجدون قوت يومهم، في ما حوالي 15% من سكان الدول العربية يعيشون في بطالة ويبحثون عن عمل، ً بحسب التقرير العربي للأهداف الإنمائية للألفية 2013، الذي تطلقه الأمم المتحدة.
ربما لا يحتاج الشخص لأن يطلع على تقارير المنظمات الأممية أو قد لا يضطر حتى إلى مطالعة صفحات الحوادث والجرائم والتقارير الإخبارية في الصحف المحلية لتتكامل في ذهنه صورة بانورامية عن مدى حجم الظلم والبؤس والوحشية التي تسود العالم، وعن مدى عمق هوة التفاوت في الحقوق والقيمة الانسانية بين الدول والمجتمعات، ما يجعل الشك يساورك ليس في حكمة البشر، بل وفي مدى مصداقية رؤية كاهن شهود يهوه بأن العالم يحكمه الشيطان بالفعل.
في عالم بمثل هذا القبح والتوحش لا تدري بأي معيار أخلاقي يمكنك أن تحكم على لص يسرق ليعطي الفقراء والمحتاجين؟!.
فقبل نحو أسبوع قالت شرطة أبو ظبي أنها تلقت بلاغا يفيد بقيام أحد موظفي خدمة العملاء في جهة حكومية، باختلاس ما يقرب من 650 ألف درهم من جهة حكومية يعمل بها ، وتبرع بـ 100 ألف درهم منها، بشراء كوبونات "فاعل خير" لصالح جمعية خيرية.
موقف هذا الموظف العربي الجنسية (أي غير إماراتي) يجعلك تتساءل حول الدوافع التي جعلته يسرق، وهو الذي يعيش في دولة أحرزت هذا العام وللمرة الثانية على التوالي مركزاً متقدماً جداً في مؤشر الرضا والسعادة بين شعوب العالم في المسح الذي أجرته الأمم المتحدة. ومؤشرات الرضا والسعادة – لمن لا يعلم – تعكس مدى التقدم الذي أحرزته الدولة، وهي نتاج مجموعة متداخلة من المقومات، منها القيادة الرشيدة وتحسين نوعية الخدمات العامة والصحة والضمان الاجتماعي، وتقديم أرقى الخدمات، وغيرها من المقومات التي تبعث على الاطمئنان، وتحقق الرضا والاستقرار النفسي والاجتماعي للمواطن والمقيم على أرض الدولة.
حسناً يا هداك الله.
يمكنك – طالما الأخ "الحرامي" ليس من أبناء دولة الإمارات – أن تستنج بأنه ربما ينتمي إلى واحدة من الدولة العربية التعيسة التي تعاني الأغلبية الساحقة من مواطنيها جحيم الفقر والعوز والجوع، وأن عاطفة أو مشاعر مزدوجة ما، من الحسد أو الحقد على مواطني مهجره، والتعاطف مع الفقراء أيا كان موطنهم، هو ما دفعه لهذه المغامرة الطائشة للتضحية بوظيفته الحكومية وما تمنحه من أمان واستقرار.
إلا أن "فاعل خير" أو "لص" آخر (إذا شئت)، ولكنه مواطن (ليس مقيماً أو مهاجراً) في دولة أكثر تحضراً ورفاهية من الإمارات هي النمسا، فعلها أيضاً وقام بسرقة ثلاثة ملايين جنيه إسترليني من شاحنة أمنية لنقل الأموال، من أجل التبرّع بها إلى المحتاجين في إفريقيا.
وقالت صحيفة "ديلي ميرور"، التي أوردت الخبر، إن اللص، الذي لا يمكن الكشف عن هويته بموجب قوانين الخصوصية، تآمر مع امرأة لتنفيذ أكبر سرقة من نوعها تشهدها النمسا تحت تهديد السلاح، بحسب "يو بي آي". وأضافت أن الرجل، وهو رجل أمن (على فكرة!) اضطر للتقاعد من الشرطة النمساوية بعد إصابته بأعيرة نارية أثناء الواجب. كان قد عمل لاحقاً في إفريقيا مع جمعية خيرية، حيث شهد بعينه على أرض الواقع الفقر والجوع والمرض، فخطط لسرقة الشاحنة التابعة لشركة الأمن الخاص "لوميس" بعد أن اكتشف أنها تنقل كمية كبيرة من المال في فيينا، وتمكن من إقناع موظفة سابقة في الشركة الأمنية بالانضمام إلى خطته لسرقة الشاحنة والتبرّع بالمال إلى إفريقيا.
الشرطة عثرت في منزل الرجل على كميات من المال خبّأها في أماكن مختلفة، واعترف بأنه وضع مبالغ نقدية من خلال صناديق البريد كتبرّعات من مجهول لأشخاص كان يعرف أنهم يُعانون مشكلات مالية، كما اعترف بأنه وزّع جزءاً بسيطاً من المال، وكان يرغب في التبرّع بالجزء الأكبر منه للأيتام في إفريقيا لبناء مدارس ومنازل في غينيا الاستوائية.
موقف هؤلاء اللصوص يجعلك تعيد البصر كرتين وثلاثة وعاشرة حول تعريفنا وتوصيفنا لقيمنا المعيارية، وحول مفاهيمنا الأخلاقية الراسخة المتوارثة، أو "ثوابتنا" الدينية الإنسانية، كما نصرّ على إطلاق ذلك عليها.
ولكن ذلك كله يعيدني شخصياً إلى السؤال: من الذي يحكم العالم الإله الخالق .أم الشيطان؟!.
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1643

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#922284 [عمدة]
0.00/5 (0 صوت)

02-21-2014 06:06 PM
شكرا يا عز على المقال الرائع. أحسب أن أبليس يقف الان متفرجا فى ابداعات شياطين الانس وفنونهم فى الضلال والغواية وكما ذكرت فى ردك على عبده صارت الكشوفات العلمية وللأسف اخطر ما يهدد وجودنا ودعك عن السلاح النووى وامكانية استخدامه بل أنظر حولك للتكلفة المادية للحصول عليه وللنفايات الناجمة عن تصنيعه ومخلفات الصناعات الالكترونية و للمواد المسرطنة التى لا يخلو منها بيت فى هذا العالم. لقد أصبحنا فى عالم تتحكم فيه شياطين الانس ربما ببعض المساعدة من شياطين الجن وأخطر شاطين الانس على الاطلاق الذين يرتدون ثياب الوعّاظ ويمتهنون التضليل عن قصد كان أو نتيجة جهل وما أكثرهم فى زماننا هذا وحسبك ما صار اليه حالنا فى السودان نموذجا حيا لكل ذى بصر اذ تركزت ثروتنا فى أيدى الضالين المضلين الجهلاء وصارت أرضنا مكبا لنفايات العالم. وللأسف أصبح مجرد اثارة هذه المواضيع أو مناقشتها جريمة قد تقودك لحبل المشنقة فى زمان اصبح فيه المثقفاتية جيش من المطبلين المقتاتين على موائد السلطان واللئام. نسأل الله العفو والعافية.
تحياتى وودى


ردود على عمدة
United States [عزالدين صغيرون] 02-22-2014 10:41 AM
بالفعل يا عمدة .. كل ما العلماء أكتشفوا قانون من قوانين الطبيعة اتجهت قوى الإستكبار والسيطرة لتحويله إلى سلاح يهدد الحياة على الأرض .. وعمنا المتنبئ زمان قال :
كلما أنبت الزمان قناة ركَّب المرء في القناة سِنانا
أما تجار الدين الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ويكتبون لكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله والهددهم القرآن بعقاب مزدوج لما قال (فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون)..أما أنحنا ناس الأرض فبنقول : وبرضو ويل لهم من التاريخ وويل لهم من شعوبهم حين تثور ..
شكراً يا عمدة على المداخلة


#921435 [Amjad Ibrahim]
0.00/5 (0 صوت)

02-20-2014 06:13 PM
مقال رائع و مؤلم في نفس الوقت
شكرا استاذ صغيرون


#921352 [Abdo]
0.00/5 (0 صوت)

02-20-2014 04:39 PM
الأخ صغيرون ، إن فشل الإنسان وفق ما سقته من شواهد لا يسوق إلى هذا السؤال و هو من يحكم العالم و لكن الأجدر كما أرى ان يكون السؤال لماذا إستسلم الإنسان لإغواء الشيطان ، فكل ما سقته يدل على تسليم الإنسان نفسه لإغواء الشيطان ، و هذا لا يعني صحة نظيرة الشيطان في أن الإنسان لن ينجح في عمارة الأرض ، فقد عمرها الإنسان و انظر لجوالك ، و ستري مقدرة الإنسان على عمارة الأرض ، و لكن سيادة النزعات الشيطانية في انسان اليوم ناتج عن طمعه في تحقيق المزيد و إهماله للقيم و هذه مرحلة تمر بها البشرية ليتاكد لها عمليا ضرورة سيادة القيم السماوية و العمل على إرسائها بعد إعمال عقله و فكره و بذلك تترسخ هذه القيم ، أنا اعتقد انه من سؤ او حسن حظنا أننا كنا جزء في تفاقم هذا الإختبار في هذه الفترة الأخيرة ، لو نظرت لمجريات التاريخ تجد ان الإنسانية بين كل فترة و اخرى تتعرض لعوامل خطيرة جدا تهدد بقاءها فتتدخل القيادة الإلهية لتصصح لها المسار لتعي مزيد من الدروس ، و الله أعلم .


ردود على Abdo
United States [عزالدين صغيرون] 02-20-2014 05:45 PM
الأخ العزيز عبده .. بالضبط حيث وضعت أصبعك على الجرح ..الانسان (إستسلم الإنسان لإغواء الشيطان ).. إلا المشكلة ليست هنا ..فالانسان لم يعمر الأرض بعد .. ولا تغرنك هذه الكشوفات العلمية لأنها وإلى الآن تعتبر من مهددات تدمير الأرض وتدمير الحياة فيها.. إنه لم يطور حكمته بما يتوازى وتطوره المادي .. وهذا ما تنبه إليه وقاله بصراحة حكماء في الغرب مقل برتراند رسل وآرنولد توينبي ..والأول منهما بسخريته تلك قال في كتابه (هل للانسان مستقبل) محذرا من مخاطر السلاح النووي بأن البعض مطمئنون إلى أن الله ساهر في السماء لحماية الأرض والانسان .. وبما أن الله سمح من قبل بقيام حربين عالميتين فما الذي يجعلهم مطمئنين إلى أنه لن يسمح بقيام الثالثة .. يا عبده أخوي هذا الظلم يجعلني أرتجف غضبا وحزنا.. ولك خالص تقديري واحترامي


عزالدين صغيرون
عزالدين صغيرون

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة