المقالات
السياسة
الطيب صالح شهيد المنفي وازمة المبدع السوداني
الطيب صالح شهيد المنفي وازمة المبدع السوداني
02-20-2014 08:28 PM

وكما في الدراما الحياتية كان القدر هو الذي يقود خطواتك في شوارع الحياة.. من كرمكول الي الخرطوم ثم الي عاصمة الضباب ثم الي الخرطوم تارة اخري في رحلة الخلود الابدية ..وكعادتك دوما في انتزاع الدهشة من قارئ رواياتك واغراقه دراميا في نهر شديد الاندفاع وكثير التعاريج وبلا قرار كان غروبك وانت تترك لنا تركة مثقلة بالدراما الحياتية والابداع وجالبة للدهشة في ان تركت لنا حرية التصرف في ما تركته لنا من ارث وبلا مقابل..ولكن لماذا يغادر مبدعينا معترك الحياة ويتركونا نهبا للحزن !لا اعرف ولكنها سنة باتت لدينا كلما مددنا ايدينا لازهارهم نجدها تبوح بالمضي بعيدا.. ولكن كأننا في انتظار شئ ليس بين العودة وبينها حجاب لكنها مستحيلة, ولكن سيظل موسم الهجرة الي الشمال هو الزيت الذي اوقد به محركات زاكرتي فتدور وتدوروتدور وتدور بلا نهاية..
فالمبدع كائن تلقائي شرفه في كونه أعزل امام مكائد الحياة وغالبا ما يكمن ضعفه في سر انسانيته واختياره الواقعية طريقا لحياته ,عكس السياسين الذين ما ان يغادر احد مبدعينا معترك الحياة حتي يتحسسون اكفانهم كعادتهم دوما في انتزاع الدهشة واتقان فن التزلج بالتمثيل وتفادي المطبات علي الاسئلة بالقفز عليها من جواب الي جواب اخر, ولكن علي التاريخ ان يوثق السخاء الانساني لهذا المبدع الذي لم يعرف المكائد ولا الدسائس المتفشية منذ الازل بين اهل السياسة ويداه نظيفتان من جرائم الحبر كأنه جاء ليكتب وعاش ليهب,
من قسمة الله وعدله انه تكفل بتدبر امرعباده المظلومين في السودان لانهم يكتسبون قدرات مدهشة في الانغراس في كل تربة يقفون عليها في دول المهجر والمنافئ القسرية ,فنراهم يتسلقون بسرعة قد لا يبلغونها اذا كانوا داخل الوطن, للدرجة التي كنت اعتقد أننا دخلنا موسوعة جينس علي الاقل من باب النواح والعويل علي الماضي وبأنه الاحسن والاجمل, فهجرة المبدعين والشباب خارج الوطن وهم يتشردون في اوطان المهجر التي تنامت رأسيا تشفع لنا انكساراتنا التي افرزتها تجربة العقدين الاخيرين ونحن نعيش علي حافة الانهيارالكمي التي تهب علينا من جميع الاتجاهات ,ومن يومها ونحن نتوارث حب الحنين الي الماضي فقد زودنا المولي عز وجل نحن السودانيين دون غيرنا من الشعوب ببطارية شجن وهموم جاهزة لامدادنا بطاقة من البكاء والحنين الي الماضي مهما كان السبب....
فمن حقي أن أحلم بوطن يحترمني بعيدا عن التحيزات الايدولجية ويفرض علي الاخرين واجب أحترامي فعندها فقط يكون العمل بولاء واخلاص لوطن لايذلك ويمنحك الفرص نفسها للنجاح التي يمنحها للاخرين, وان لا سلطة لمبدع ترتهنه مؤسسات الدولة بذريعة تكريمه او الاعتراف بمكانته بينما ليس التكريم سوي نوع مهذب من انواع التدجين واستعباد الضمائر بالاغداق , واسرائيل التي تجعل من استعادة اشلاء جندي مات من عشرون عاما او اكثر قضية شرف قومي بينما ننتمي لاوطان لا تكلف الدولة نفسها سوي تأمين علم وطني يلف جثمان مفكريها ومبدعيها وكأنها ليست معنية الا بدفنهم ,ففي كل اوطان العالم يحتفون بمبدعيهم وعلماؤهم مهما كانت رؤياهم الفكرية وترجمة ذلك الي الواقع مثلما فعل المصريين في الاحتفاء بادب نجيب محفوظ وعظموه حتي حاز علي جائزة نوبل وفشلنا في ان نحتفي بسيرة وأدب من أحتفي به العالم كله فأحترام المبدعين والعلماء والمفكرين في تلك الاوطان لا يعادلها عندنا الا احترام الضابط والعسكري....
لا يقل الطيب صالح عن فطاحلة الادب العالمي بعد ان عمت شهرته كل ارجاء الدنيا بروايات ترجمت لكل لغات العالم ناقلا معه السودان عبر القارات وتكمن عظمته وسر ابداعه في خياله العالي, ولكن عوالم الطيب صالح أكبر من ان تحيط بها الكلمات, فمن أقاصي الشمال الي قلب أوربا النابض حيث الطموح بتحقيق الاحلام في ذاك المجتمع المتلقي لثقافتنا بالفوقية وصعوبة التجانس معه لشخص قادم من حرارة خط الاستواء مخترقا كل الحصون الثقافية العالمية بقامته النخيلية دون ان يخلع قناعاته القومية ويدهن جلده بشعارات التسامح متجاوزا كل تلك المطبات ليتمكن من الانزلاق الي ناصية المكتبات العالمية كنموزج مشرف لمثقف ومبدع معتدا بسودانيته ولغته التي أصبحت حاضنة لجينات الارهاب..
ان غروبك فتح جرحا عميقا حيث الاستشهاد ممكن في كل مكان.. في الوطن....في ساحة الحرب..في المنفي..وغروبك ذكرني بالفجائع التي أرتكبت في حق المبدعين يا ابن السودان الذي ولد في كرمكول وحمل هم الوطن وكان عروبه في المنفي ذكرني بعشرات النبلاء الذين تساقطوا من قبله في المنافيء القسرية من امثال النبيل مصطفي سيدأحمد ,وسيتساقط المبدعون من بعده في المنفي كي يردوا الينا الوطن من غربته , وقد اخترق الطيب صالح بأبداعه المسافات والحدود من خارطة العالم لاغيا الجنسيات وتقاليد السياسة عندما ربط مصطفي سعيد القروي اليتيم بعوالم جين موريس السحرية كما ربط ضو البيت الخواجة ذو العيون الخضراء بفاطمة بت جبر الدار بعد ان قذفته مياه النيل علي الضفاف علي مرأي من حسب الرسول قادما من المجهول ,نعم لاشئ يدوم في هذه الدنيا وان اجتهد الكثيرون لقهر فكرة الموت ولكن الابداع هو الاقدر علي الصمود والخلود وأختراق المنية لان الابداع هو الذي يلهم الشعوب, وكم كنت جميلا وانت تبحر معنا بكثير همومنا الحياتية عبر دومة ودحامد وضو البيت ونخلة علي الجندول قرأتها مرارا فما أشبعت نهمي من مفراداتها الجزلة وعوالمها السحرية وابداعك كمياه النهر المتدفق يعرف كيف يشق طريقه لقلب القارئ ويبوح له عن سر شخوصها ,ويعد ابداعاتك انموذجا معبرا للابداع لجميع روافد الادب وان لم تقدم غير موسم الهجرة الي الشمال لكفتك تماما , و قد يتساعل الكثيرون لماذا كل هذا الاهتمام الجمعي للاعلام الخارجي بما لا يوازية داخليا حتي ان اجيال العقدين الاخيرين الذين أنجبتهم دولة المشروع الحضاري قد يجهلون الكثير عن الطيب صالح , ولكن من انصفوك يعلمون تماما ان الاضواء لاتنحاز بهذه الدرجه الا للنابهين شأن العديدين الذين انجبتهم هذه الارض الطيبة متفردين ساهموا وصاغوا تاريخنا فخلدت أسماؤهم في حياتنا وقهروا فكرة الموت كفناء ونهاية للانسان....
قبل عامان من الرحيل وعلي ما اذكر جلست الي التلفاز وعلي غير عادتي ليلا ومعي شلة من اصدقائي ونحن نشهد حلقة من برنامج( خليك بالبيت) بفضائية المستقبل اللبنانية من تقديم الاعلامي المعروف (ذاهي وهبي) حيث كانت تلك الحلقة مع الاديب الطيب صالح, وبلغ اندهاشنا ذروته حين ذكر مقدم البرنامج انه لم يتلقي وعلي امتداد تاريخ تقديمه لهذا البرنامج رسائل في عدد تلك التي استقبلها في حلقة الطيب صالح ,وبلغ اندهاشي ذروته انا اشاهد المتداخلين الذين لم يكن من بينهم (سوداني) وهم من مختلف الاعمار وغالبيتهم من الفتيات والشباب من مختلف الدول العربية والغربية, يتداخلون بالحوار عن مغزي قصة( نخلة علي الجندول) و(دومة ود حامد ) لانهما وكما علمت بعد ذلك من القصص المقررة في مجال الادب في بعض الدول العربية ومنها الاردن وسوريا, وحينها وحتي الان وقصص اديبنا الكبير واعمال الكثير من مبدعينا لا تزال محظورة في كل المراحل الدراسية بجميع مؤسساتنا التعليمية ولا تعليق....؟
ان كل ذلك الاهتمام الجمعي لغيرنا وهم يتسابقون في الاحتفاء بك وانت تشكل حضورا لافتا في دفتر الغياب بعد ان مهدت الطريق لادباؤنا للوصول للقارئ في كل دول العالم, ينم فعلا عن ازمة حقيقية في مجتمعنا الذي تسوده سلبية التعاطي الكيفي لاحتضان مبدعيه وانتاجهم ايدولجيا وثقافة( بنحب من برة بلدنا ما من جوة البلد) ولقد عرف اديبنا الطيب صالح من اين تؤكل الكتف واختصر الطريق علي نفسه وذهب الي المجتمع الغربي مباشرة لتكون المحصلة الاخيرة ان اندهش له اولئك الاعراب حد الوله ,فهذاهو حال المجتمع العربي يستخفون بمبدعينا الا من يأتيهم من الغرب شأن الطيب صالح والاعلامية ذينب البدوي التي يحتفي بها الاعلام العربي بطريقة غير عادية , ولو كان البروفيسير الراحل عبدالله الطيب مقيما في الغرب وبدأ انتاج نفسه من هناك ,لاقام له اولئك الاعراب التماثيل اعترافا بنبوغه, وعلي العكس تماما لو كان الطيب صالح مقيما في السودان او اي من البلدان العربية و لم يذهب الي الغرب لكان لا يزال في محطة البدايات ولن تبارح شهرته قريه كرمكول او الخرطوم كحد اقصي...................................
هو الطيب صالح البرزخ الذي عبر منه الابداع السوداني تجاه العالمية هو عرابها وقائد اسطولها وربانها الماهر الذي يحشد له كل محبوه علي مدار العام في هذه الايام التي تمر علينا تخليدا لذكراه ,كأنما يتوقف التاريخ لديهم فينسونه الا ذلك اليوم كأنهم يرجونه الا يهل ليحرك عصب السكون..فالرجل يحتاج لعشرات الكتب لتوثق ابداعه وترصد ملايين الخلايا التي فتقها براعم ابدية لا تزويها النهايات ولا تقف عند حدودها الكلمات هو مساحة للحب تأتلف عندها القلوب كما يأتلف عنده حب الوطن..لن أحور التاريخ ولا مجري الاحداث والمشاهد المترائية فحضورك بيننا لن تهزمه الايام ولم تحد من فاعليته الاحداث فسيذهب (هؤلاء )الي مذبلة التاريخ وسيظل ابداعك حاضرا بيننا خالدا يا حديقة ما تزال ازهارها طازجة ووردها يانع لم يزبل ولن تذبل ابدا ....فكم كنت محظوظ لانني عاصرتك.... فرغم مرور الاعوام بيننا ما تزال حاضرا طازجا في الروح لم تخرج عن فضائاتها قط....
الطيب صالح..الي جنات الخلود وانت تضع اسم الوطن ضمن قوميات الامم المبدعة لتضع اسمك ضمن اهم مائة عمل ادبي في تاريخ تاريخ العالم....



المثني ابراهيم بحر
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 763

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




المثني ابراهيم بحر
المثني ابراهيم بحر

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة