المقالات
السياسة
ثورات الربيع وانعكاساتها علي سياسات دول الخليج العربي
ثورات الربيع وانعكاساتها علي سياسات دول الخليج العربي
02-21-2014 12:15 AM





بعـض الأحداث في معظم الأوقـات وفي اغلب بقـاع العالـم وأقـاليمه، تأخـذ شـكل الموج مداً وجذرا، هي اقرب ما تكون لصيحات الموضة يقترحها شخص أو جماعة ثـم يتبناها آخـرون فتروج وتعـم وتنتشـر انتشار النار فـي الهشيم، فقـد عرفت عــدة مناطـق مـن العالـم سلسلة أحـداث تاريخية متشـابهة وقعت بأسـلوب تساقـط أحجـار الدومـينو؛ فكانت ثورات التغيير فـي أوروبا الشرقية، والربيع الديمقراطي فيها وفي عدد من أقطار آسيا الوسطي وجمهوريات الاتحاد السـوفيتي السـابق حين تساقطت الأنظمة الشمولية فيها وإنعتقت شعوبها من أغلال المعسكر الشيوعي/الشرقي تباعاً، ومن قبل شهدت أقطار أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا ثورات التحرر من الاستعمار فنالت تلك الـدول استقـلالها بشكل متزامـن وبمتوالية مضبوطة بشكـل مـذهل، وهــو تزامن وانضباط وقتي أملته وقائع الحالات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها تلك الشعوب وحقائق التاريخ والقرب الجغرافي وإمكانات التواصل بينها..
هذه الـرقعة مـن العالـم (الـوطن العـربي) لـم تكـن اسـتثناءا فمثلما نالت كـل أقطـارها استقـلالها عن المحتل الأجنبي (بريطاني/ فرنسي)، في وقت متزامن وفي ظرف عقـدين من الزمان بالتقريب (1950-1970م)، وهو ما يمكن أن نعرفه بأنه الموجة الأولـي في التـاريخ المعاصر لهذا الإقلـيم، كما بدت في ذات العقدين الموجة الثـانية التي شـهدت عملـية الانقـلاب علي الأنظـمة اللـيبرالية والمـلكية فـي المنطقة (مصر، سوريا، العراق، كنماذج) وصعود موجة حكم الضباط الأحرار التي سادت فـي كثير من الـدول العـربية لثلاثة عقود في بعضها، إلي ست في أخري بينما نجت بعضها من ويـلات هـذه الحقب، وهـذا محل التساؤل الذي تسعي هذه الدراسة خلف إستكناهـه، ولمعـرفة الأسـباب الـتي وقفـت خلـف التباينات الطـفيفة أو الفارقـة الـتي ميزت بعض الأقطار عن الأخرى، وجعلت دروب بعض الشعوب متطابقة وبعضها مـتوازية والـبعض متقاطعـة، وهـذا يشمـل أيضا "مع التركـيز" الموجة الثالـثة، أي موجـة إسقـاط أنظمـة حكـم الحـزب الواحـد (والرجل الواحد) التي آلت إليها أنظمة انقلابات "ثورات الضباط الأحرار والتي عـرفت علـي نطاق واسع بمسمي "ثورات الربيع العربي/ الثورات الشبابية/أو ثورات مواقع التواصل الاجتماعي).

الموجة الأولي: الاستقلال- التحرر:-
تمـثل عملـية التحـرر مـن الاستعمـار"الغربي" نموذج مثالي؛ علاوة علي كونه الأول من حيث الترتيب؛ لدراسة نقاط التقارب والاختلاف بين الدول العربية وكـذلك بين أقالـيم الوطـن العربـي المختلفـة (الشـام، السـودان ومصـر، المـغرب العربـي، الخلـيج العربـي). المـلاحظة الرئيسية في هذه السلسلة هي اختلاف نمط الاستعمـار فـي بعـض الأقالـيم عـن الأخـريات، فبينمـا كـان الاسـتعمار مـباشـراً (استيطانياً أو غيره فـي بعـض الأقالـيم) كان الاسـتعمار غـير مباشـر فـي بعضـها (الخليج تحديدا) حيث كان بنمط الانتداب أو الوصاية أو معاهدات الحماية، وفـيما خضعـت بعـض الـدول للسيطرة المباشـرة للمسـتعمر عـبر جيوشـه وقـوة سلاحـه فيما خضعـت شعـوب بالوكالة مثل السـودان حيث تم احتلالـه بالوكالـة (انجلترا عن خديوي مصر) وكـان الحكـم فيه ثنائياً اسمياً عـلي الأقل بينما كان الحاكم العام الانجليزي هو الآمر الناهي فعلياً، بينما تمتعت بعضها باستقلال نسبي ولم تتعرض لمحنة الاستعمار بعواقبه الوبيلة؛ مع العلم أن فيه فوائد على كون ضـرره أكثر من نفعه أيضا "المملكة السعودية".
بـدأت هـذه الموجة باستقلال أول قطـر عربي (مصر) في 1919م، وتوالت سلسلة الأقطـار التي لحقـت بمد التحـرر، فكانت عملـية التحـرر فـي بعض الأقطـار شاقـة ومكلـفة دفعـت الشعوب فـيها أثمـان باهظـة ماديـاً (الجـزائر) ونفسياً (مصـر، سـوريا..الخ)، بينـما كانت سلسـة في البعض الأخـر؛ فقد استفادت تـلك الأقطـار من موجـة إنهـاء الحالـة الاستعمـارية، تـلك الموجـة التي سـادت العالـم عقـابيل الحـرب العـالمية الثانيـة، كما انتفعـت أكـثر مـن كونها دولاً شـحيحـة المـوارد قليـلة الـنفع للمستعمر (تـونس، اليمـن، السـودان)، بينما كانت بالـنسبة للـدول الخليجـية أشـبه ما تكون بإنهاء علاقة تعـاقدية، فبريطانيا العظمي في الخليج كانت تقوم بمهمة الحارس أكـثر مـن كونهـا المـالك، ومسـتشارة لا حـاكمة. ثـمة دول عـربية حـسمت ملـف الاستعمـار ونظـام الحكم في عملية واحدة وان استغرق ذلك زمناً طويلاً،
ففي مصر مثلاً تم إنهاء الاستعمار وتوابعه - الجلاء- والنظام الملكي في الفترة ما بين الثورتين (1919-1952م)، كـذا الحـال فـي العـراق، بينما فـي سـوريا وليبـيا مثـلا تحقــق الاستقلال أولا ثم أعقب ذلك الاستقـلال الانقلاب العسكري علـي الحكم الديمقراطي في الأولي وعلي الملكية في الثانية.
وبما أن عملية التطور السياسي والاجتماعي أشبه ما يكون بسلسلة متكاملة، متى توافقت بداياتها تشابهت خواتيمها، وأينما حدث اختلاف في تلك البدايات فان طريق التطور يأخذ مسار مختلف في كل حالة عن الأخرى، لذا نجد أن دول الخليج ونسبة لاختلاف طبيعة الوجود الأجنبي فيها "الاستعمار" عن بقية الدولة، فقد اختلف مسار التطور السياسي ونمط الحكم فيها ولم تعرف ظاهرة الانقلابات العسكرية أو حكم الضباط الأحرار الذي عرفته معظم الأنظمة العربية.
إن تحرينا الدقـة فإن نمط معاهدات الوصاية والانتداب يختلف تحديدا في شيئين مهمين هما أولا عدم قدرة الأجنبي "المحتل" علي التدخل في تفاصيل شئون الإدارة الداخلية (علاقة الحاكم بالمواطن) خصوصاً ما يتصل منها بمسألة التعليم ومناهجه والقضاء الشرعي وشئون الثقافة والهوية...الخ، كما انه وان تدخل في المسائل العسكرية والأمنية (بحكم كونه الوصي الحامي) فإنه لا يتدخل في مسائل تكوين الآليات الوطنية العسكرية (جيش/شرطة) كسياسات التجنيد والتدريب و صياغة العقيدة العسكرية، وثانياً لا تكون له صلة مباشرة واحتكاك يومي بالوطنيين (الشعب) إنما علاقته عبر وسيط هو الحاكم الذي أبرمت معه معاهدة الانتداب لذا تقل ( وإن كانت لا تنعدم) مشاعر الاتحاد القومي (الوحدة الوطنية)، وما تستتبع من عداء للأجنبي "الغازي" ومن يقبلون التعاون معه بأي صورة أو قدر، وبذا يبقي الأجنبي ما شاء له الله البقاء ويغادر دون أن يترك أثرا ذا بال.
فأول الاستثناءات والفوارق المهمة هي أن بلدان الخليج لم تكن مستعمرات صريحة.

الموجة الثانية: انقلابات الضباط الأحرار :-
بصورة عامة تزامنت وتداخلت موجة انقلابات (ثورات) الضباط الأحرار مع موجة التحرر من الاستعمار الأجنبي، وبالضرورة فان موجة التحرر هي الأسبق زمنيا إذا أخذنا كل دولة كحالة علي حدا؛ فمصر التي نالت استقلالها في 1919م شهدت انقلاب (ثورة) يونيو في 1952م، وليبيا التي استقلت في 1952 شهدت انقلاب (ثورة)الفاتح/القذافي في 1969م، وهكذا.. بينما إن أخذنا الدول التي كلتا هاتين الموجتين (كمنظومة) فقد نلحظ تداخلا قد يسبب لبسا في فهم تلكم الظواهر (الموجات) إلا انه وكما سبق لبس مفهوم فدول معينة شهدت الموجة (النقلة) الثانية قبل أن تلحق دولة/ أو دول أخري بركب الموجة الأولي.
ومنظومة الدول التي اختبرت الموجة الثانية تشمل كل من (مصر، سوريا،العراق، ليبيا، اليمن، السودان، وموريتانيا) بنما نجت دول أخري وهي (الجزائر، المغرب، تونس،ولبنان، إضافة لدول الخليج العربي).
وبملاحظة عابرة يتبين لنا أن الجزائر مثلاً تأسست مباشرة بعد التحرير كجمهورية –أي حكم حديث وغير تقليدي، وأيضا في وقت متأخر نسبياً؛ وإضافة لكونها دولة بترولية، وأيضا تونس الدولة المتطورة مدنيا تأسست بعد التحرير مباشرة كدولة جمهورية الحكم،فيما نجت المغرب (بحكم الجوار المغربي لها، وربما بفضل العناية الإلهية، والرعاية الغربية!!) من انقلاب شبيه بحركات الضباط الأحرار (انقلاب محمد أوفقير وثلة من الجنرالات) فيما لبنان التي تشترك مع سابقاتها في بعض السمات اختصت بطريق تطور مختلف هو طريق الحرب والدماء والدمار، لتبقي دول الخليج والتي نفرد لها مجالا أوسع لاحقا لكونها مناط بحثنا الرئيس في هذا المقال.

الموجة الثالثة: ثورات الربيع:-
الملاحظة المبدئية هي أن كل الدول التي شملتها الموجتين (الأولي والثانية) انضوت تلقائيا تحت مد الموجة الثالثة عدا عن استثناءات طفيفة ، أبرز تلك الاستثناءات وأهمها إن تونس التي نجت من موجة الضباط الأحرار كانت هي التي دشنت موجة الربيع ويمكن عزوة ذك لسببين، أولهما؛ أن حكم زين العابدين بن علي ارتكب ذات أخطاء أنظمة الضباط الأحرار (الاستبداد،الانفراد بالحكم، الفساد)، إضافة لفقدان المشروعية الأبوية التي كان يتمتع بها سلفه الحبيب بورقيبة، وثانيهما؛ هو إن تونس أيضا دولة قليلة الموارد وبالتالي باقتصاد هش وضعيف لا يحتمل الأخطاء الاقتصادية والإدارية والفساد..
ومن الدول التي (إلي ألان علي الأقل) استثنيت من موجة الربيع؛ السودان، والعراق.. فالدولتان شهدتا إحداثا مهولة أثرت علي استجابة شعبيهما للأحداث السياسية المحيطة (حرب إقليمية وأهلية وتدخل أجنبي في العراق، وحروب أهلية وانقلاب يحسب علي الإخوان والحركة الإسلامية وانفصال الإقليم الجنوبي في السودان..) بينما موريتانيا، وهي أيضا مستثناة إلي اليوم شهدت سلسة من الانقلابات فوق المعدل المعتاد كان أخرها في أخريات العقد الأول من هذا القرن.
يستخلص من هذا العرض إن ثورات الربيع نتجت عن تفاعل عوامل عديدة هي:
أولا: إن الاستعمار خلق أجواء وخلف خبرات وطنية تدفع نحو إيجاد إحساس وطني وميول سياسية تدعو للمشاركة في الشأن العام تصل لحد العنف أحيانا.
ثانيا: إن حكم الضباط الأحرار وما صحبه من ظواهر أهمها الفساد المتفشي حول تلك الجمهوريات إلي (ملكيات جمهورية) أشبه ما تكون بالإقطاعيات.
ثالثا: إن الاستبداد فيها لم يكن يستند إلي مبررات معقولة (الدفاع عن الوطن والتصدي للعدو ..) بل والمستفز أكثر لتلك الشعوب هو أنها كلها كانت محكومة بأنظمة أحزاب الواحد أو الحزب المهيمن مع وجود أحزاب ديكور وهي مع ذلك أحزاب تزعم أنها ديمقراطية فيما هي في الواقع أنظمة بوليسية وقمعية وفاسدة تقوم علي المحاباة والمحسوبية وخلقت طبقات سياسية-اقتصادية متميزة.
رابعا: دول الربيع كلها تشهد وضع اقتصادي هش وبلا موارد حقيقية أو بموارد ضعيفة مع استهلاك المورد البشري (المورد الأهم) عبر سياسات التخويف والتشريد والتعذيب المنظمة.
خامساً: جمهوريات الربيع العربي (في الغالب الأعم) دول ذات مجتمعات مفتوحة ومتباينة ثقافيا وعرقيا ودينيا ومذهبيا..الخ
بالمقابل وعبر مقارنة دول الخليج العربي بدول لربيع نجد أن الخليج يختلف عنها في كل تلك العوامل الخمس التي حفزت علي الثورة والتظاهر والعنف ومن ثم التغيير السياسي للأنظمة الحاكمة، فدول الخليج:
أولا: لم تتأثر بالاستعمار الأجنبي وما يزكيه من شعور قومي وحس سياسي وطني.
ثانيا: أنظمة الخليج اقرب ما تكون إلي الملكيات الدستورية، فبرغم أنها ليست كذلك دستوريا ولا سياسيا إلا أن أسرها الحاكمة تسير الأمور بنهج اقرب إلي سياسات لحكم الرشيد ربما كان ذلك بفضل الجو الأبوي الذي يسود بين الملوك والأمراء ورعاياهم.
ثالثا: لم تضطر أنظمة الخليج لاستخدام وسائل القمع والتعذيب ضد شعوبه.
رابعا: وهذا هو الأهم، فان دول الخليج كلها دول نفطية ثرية لديها فوائض مالية كبيرة، ما خلق بيئة اقتصادية وتجارية يمكن أن تتفرغ فيها العديد من الرغبات.
خامسا: مجتمعات الخليج مجتمعات متجانسة لحد بعيد عرقيا وثقافيا ودينياً، وبرغم القليل من الاختلافات المذهبية إلا أنها اختلافات غير عميقة الجذور ويمكن التعاطي معها بحكمة قبل أن تستغلها الجهات ذات المصالح داخليا أو خارجيا .
إذا فان المخاوف التي يثيرها البعض من انتقال مد موجة الربيع إلي الخليج ليس لها ما يغذيها ولا ما يبررها لأن نهج التطور السياسي في الخليج يختلف عن سائر دول الربيع لاختلاف المنطلقات السياسية والمعطيات الوطنية في كل جانب.. وبالتأكيد هذا لا يعني أن تطمئن دول الخليج وتغط في نوم أو غفوة إنما دعوة لعدم الجزع ولعدم التعاطي بانفعال مع بلدان الربيع، فبالتأكيد لدول الخليج سيناريو مختلف وقد يحدث فيها ما لا يحمد عقباه أيضا إذا فشلت الأنظمة فيها عن الاستجابة للطموح الشعبي في الوقت الملائم ووصلت الأمور فيها إلي طريق مسدود.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1380

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#922028 [مواطن]
0.00/5 (0 صوت)

02-21-2014 12:42 PM
هل يوجد تطور سياسي في دول الخليج ؟؟ هذه أنظمة متخلفة استهلاكية تعتمد على الريع النفطي فقط
لأكثر من سبعين عاما .. تستورد السلاح بالمليارات وهي غالبا ليس لديها جيش مدرب .. تعتمد على الغرب في كل شئ ... الكاتب يرى في أنظمة الخليج أنظمة مثالية ولذا فهو لا يدعو الى تغيير أنظمتها .. عجبي ..


أنور سليمان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة