المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
طالما إستعبد الإحسان إنسانا
طالما إستعبد الإحسان إنسانا
01-20-2011 09:27 PM

عمود : محور اللقيا

طالما إستعبد الإحسان إنسانا

د. عمر بادي
[email protected]

لقد ورد في الأنباء أن السيد رئيس حكومة الجنوب قد ذهب إلى كاتدرائية جوبا , بعد إعلان فرز أصوات الإستفتاء في ثلاثة مناطق في جوبا و كانت النتيجة الغلبة الصريحة لخيار الإنفصال على الوحدة , ذهب الرئيس سيلفا كير للصلاة و حمد الرب الذي مكنهم من ذلك , و من ثم دعا المصلين من أبناء الجنوب أن يعملوا بحكمة السيد المسيح في التسامح و يسامحوا إخوتهم الشماليين الذين إعتدوا عليهم و حاربوهم في الخمسين سنة الماضية , و أن يصلوا على أرواح ضحايا الحرب من الجنوبيين .
الإخوة الجنوبيون يحتفلون بمولد دولتهم الذي بات وشيكا , بينما إخوتهم في الشمال يعلنون الحداد على إقتطاع الجزء الجنوبي من السودان . الشماليون يباركون للجنوبيين فرحتهم بالإنفصال , بينما ينزفون دما في دواخلهم . لم يكن للشماليين الحاليين دور في المرارات القديمة , و أما الحرب الأهلية فدائما تشعلها الحركات المطلبية أو الداعية للإنفصال . لقد شاهدت على القنوات الفضائية قبل أيام السيد جوزيف لاقو و هو في جوبا يؤيد الإنفصال و يذكر أنه كان ينتظر هذا اليوم منذ رئاسته لحركة الأنانيا 2 ! السيد جوزيف لاقو هو الذي وقع إتفاقية أديس أبابا للسلام مع الرئيس جعفر نميري و التي إستمرت أحد عشر عاما ثم كان هو الذي أشار للرئيس نميري أن يقسم الجنوب إلى ثلاث محافظات بدلا عن حكمه مركزيا و ذلك حتى تقل هيمنة قبيلة الدينكا على كل الجنوب , و كان ذلك سببا لإشتعال تمرد الحركة الشعبية لتحرير السودان . لقد تزوج السيد جوزيف لاقو من سيدة شمالية و عاش كل حياته بعد إتفاقية أديس أبابا بين الخرطوم و لندن و كان يبدو متجانسا مع الشماليين و لكنه ربما يريد ركوب الموجة ليجد له موطء قدم أكبر في الجنوب من كونه مستشارا لحكومة الجنوب . أما المهندس فاروق جادكوث فعلى نفس الشاكلة و قد رأيته يذرف الدمع إبتهاجا بإنفصال الجنوب الذي أوشك , وهو الذي عاش في الشمال و كان وحدويا حتى النخاع , و في الأيام القادمة سوف نسمع الكثير من أمثال هؤلاء .
لقد ذكرت مرارا في مقالاتي السابقة أن الإتجاه العالمي للتعامل مع الحركات الإنفصالية هو منحها الحكم الذاتي الإقليمي في إطار الدولة الواحدة و ضربت أمثلة بالشيشان في روسيا و الباسك في أسبانيا و إيرلندا الشمالية في بريطانيا و التبت في الصين . من الواضح أن الشعب الجنوبي لم يكن معظمه إنفصاليا و كانت له علاقات حسنة و متطورة مع الشماليين , و لكن تمكُن الإنفصاليين من القبض على زمام امور الحركة الشعبية و تلاقيهم في ذلك مع القوميين الجنوبيين مع خلو الجو في الجنوب لهم قد أدى إلى إستقطابهم للشعب الجنوبي و غرس كل معجم الكراهية للشماليين في عقولهم البريئة و إستغلال الإعلام البروباقاندي في ذلك , و تناسوا كل ما فعله الشعب الشمالي لإخوته الجنوبيين حين أتوهم لائذين . إنني لا أتجاهل هنا دور بعض الإسلامين الذين أيدوا و سعوا لفصل الجنوب لأنه كان يمثل في وجهة نظرهم حجر عثرة في سبيل تطبيق الشريعة , و ها هم الآن يتنادون بذلك بعد أن تهيأ الجنوب للإنفصال , و لا أتجاهل تأثيرهم السيء على عامة الجنوبيين . رغم حزني على إنفصال الجنوب المرتقب كشخص وحدوي أؤمن بأن قوة السودان في وحدته و في تنوعه , رغم ذلك فإنني أساير الإخوة الجنوبين في توجههم نحو الإنفصال , إن كان في ذلك إزالة لما علق في دواخلهم من مرارات , و أن سيكون هنالك شعور إيجابي لديهم بعد التسامح مع إخوتهم الشماليين . عندنا يقول أهلنا : ( كان النفوس إتطايبت العنقريب بشيل عشرة ) , و ( العنقريب ) هو السرير الخشبي في عاميتنا . سوف يدور الزمان دورته و سوف نجلس سويا في ( عنقريب ) الوطن مرة أخرى إنشاء الله .
قبيل إنتهاء فترة إتفاقية نيفاشا للسلام , بدأ الكتاب و المهتمون يحللون و يشكلون الخيوط التي حركت الكثير من الأحداث السابقة , رغم أن الإعلام كان قد حجبها حجبا تاما عن المواطنين . لم يكن معلنا سبب بعد أو إبعاد الدكتور غازي صلاح الدين عن قيادته لمحادثات نيفاشا ممثلا للمؤتمر الوطني , و أخيرا و بعد أن وقع الفأس في الراس تبين أنه كان رافضا لمبدأ تقرير المصير , كما ظهرت حقيقة المساومات بين الشريكين في شأن الإنتخابات التي أتت مزورة , و في شأن تمرير قانون الإستفتاء مقابل قانون الأمن و المخابرات , و أخيرا ظهرت حوافز أصدقاء الإيقاد خاصة أمريكا و المتمثلة في رفع إسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب و رفع الحظر عنه و إعفائه من الديون و تأسيس علاقات قوية بين أمريكا و السودان و ربما الوعد بتأجيل قرار المحكمة الجنائية بخصوص الرئيس البشير !
لا أحد من العقلاء يؤيد أن تكون المصلحة الخاصة فوق المصلحة العامة في قضايا الحياة المختلفة , فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمصلحة وطن ؟


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 914

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عمر بادي
د. عمر بادي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة