المقالات
السياسة
العلمانية و جوهر الدين و الرق و المسكوت عنه (12)
العلمانية و جوهر الدين و الرق و المسكوت عنه (12)
02-25-2014 09:29 PM

مرة أخرى نتوقف قليلا و ربما اضطررنا للخروج عن المسار الذي ننوي السير فيه و الذي سنعود إليه حتما إن كان في العمر أيام باقيات ... هنالك خوف من المعرفة و هذا مفهوم في مجتمع تعوّد التلقين و اجترار مقولات الكهنوت و الذين بصورة واعية أحيانا ، و غير واعية غالبا ، يسعون للمحافظة على امتيازاتهم التي لا تدوم إلا بالتجهيل . عندما يحسون أن هناك مفاهيم تنسف زيفهم لا يناقشونها لكنهم يصابون بهستيريا فيتركون المكتوب و يتخيلون نوايا و خزعبلات . و يثيرون الغبار مرة يقوّلونك ما لم تقل ، و أنك عميل للغرب و كأن الغرب كتلة صماء واحدة ... الغرب فيه العلمانيون و الأصوليون و العنصريون و .. لا يفهمون أبدا أنك تنافح عن مبادئ إنسانية و ضد خصومها سواء كانوا في الشرق أو في الغرب أو حتى في بيتك .
المعرفة هي مفتاح العقلانية و هي الترياق ضد التعصب و ضيق الأفق . محاولة فهم الآخر و سيادة قيم التسامح تساهم فيها المعرفة بنصيب وافر . المسلمون عموما و في السودان خاصة لم يمروا بتجربة كسر تابوهات التفكير ، في أوربا حين بدأت الحداثة هاج الأصوليون و ماجوا ، لكنهم كانوا في مرحلة سحب البساط من تحت أرجلهم ، هيجتهم الدراسات العلمية التي سعت لعقلنة الدين منذ مدرسة فلهاوزن التي درست الكتاب المقدس على ضوء المعارف العلمية حينها ، أما اليوم في العالم المسيحي ، تطبع الكتب و تخرج الأفلام التي لا ترى رأي المسيحيين لكن لا الكنائس أغلقت أبوابها و لا المتدينين تركوا إيمانهم . و في اسرائيل مثلا قي العام 2007 حظي برنامج حواري بأكبر نسبة مشاهدة و هو برنامج مع مؤلفي كتاب (الكتاب المقدس من غير حجاب) و هي ترجمة لعنوان الكتاب الأصلي المختلف قليلا و قد تم اخراج الكتاب في فيلم وثائقي موجود على الشبكة بنفس الاسم (الكتاب المقدس من غير حجاب) . شاهد الناس حينها المؤلفيْن دكتور اسرائيل فلنكشتاين و دكتور نيل سلبرمان و هما يعلنان أن كل قصص الكتاب المقدس تقريبا هي قصص مجازية لم تحدث في الواقع فلم يكن لبني اسرائيل وجود في مصر و لم يحدث أي خروج و أنه لم تكن هناك مدينة ضخمة في القدس في عهد سيدنا سليمان إنما قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها بضعة آلاف بما فيهم سكان القرى من حولهم ... هل ترك اليهود الديانة اليهودية بعد البرنامج ؟ طبعا لا ، فقد ظلت نسبة التدين تقريبا هي نفسها . هل طالبوا بقتل و سحل العلماء و سموهم بالزنادقة ؟ طبعا لا . و قد تشعر بالغرابة من أنه رغم تمدد اليمين الأصولي في اسرائيل لا زال مجتمعها يقبل الاختلاف و يراه أمرا طبيعيا ، ففي احصائيات صادرة في اسرائيل عن ادارة الشؤون الاجتماعية بالقدس http://www.jcpa.org/dje/articles2/howrelisr.htm
جاء فيها أن 63٪ يؤمنون بوجود الله و 24٪ غير متأكدين من وجوده و 13٪ لا يؤمنون بوجوده .
و نسبة الذين يؤمنون بأن التوراة أنزلت على موسى بجبل سيناء هي 55٪ و غير المتأكدين من ذلك 31٪ أما 14٪ فهم لا يؤمنون بذلك . و من يؤمنون بحياة أخرى بعد الموت 35٪ أما غير المتأكدين فهم أيضا 35٪ و لكن 30٪ لا يؤمنون بذلك ...
لماذا يخاف المسلمون من المعرفة ؟ لي صديق و زميل عزيز عشنا عمرينا معا و لا أكاد اتصور الدنيا من دونه ، قلت له مرة : أرجوك لا تمت قبلي فتتركني في الدنيا غريبا ... نحن مختلفان في أفكارنا منذ عقود لكننا نتقبل بعضنا بصورة طبيعية بل صار خلافنا مصدر لتجديد حياتنا . له رأي لا يكاد يغيره عن الاستشراق باعتباره أمر مخطط له لخدمة مصالح الاستعمار و تأثر بكتاب ادوارد سعيد عنه ، و كتابات هاشم جعيط . أقول له دائما إن هناك نوع من الاستشراق خدم الاستعمار بصورة مقصودة و غير مقصودة ، ذلك لأنه قدم للغزاة ما يحتاجونه من معلومات عن الشعوب المغزوة ، و لا زال يقدم . لكن هل كل الاستشراق وباء ؟ طبعا لا ، فكثير من المستشرقين كانوا يدرسون مجتمعاتنا و تاريخنا و الدين الإسلامي بدافع الفضول المعرفي و قدموا خدمات جليلة للمعرفة الإنسانية ، أمثال نولدكه و شاخت و المجري جولدزيهر الذي حلل تفاسير القرآن مستخدما المناهج العلمية الحديثة ، و دراسات هنري كوربان للفكر الشيعي و بلاشير وماسنيون صاحب كتاب"صلب الحلاج" و كتاباته عن الفن الإسلامي وآدم ميتز الذي رأى أن الترف و التبذير الذي مارسته مؤسسة الخلافة أعاق مراكمة رأس المال ولم يثمر اقتصادا منتجا (ما أشبه الليلة بالبارحة) و معه كلود كاهان الذي رأى أن الأزمة المالية للخلافة الأموية أدت إلى سقوطها .. لو اهتم المثقفون السودانيون بدراسات المستشرقين و رؤية الآخر و قاموا بنقدها ، ربما كانوا خرجوا من القمقم المغلق و رأوا الغابة و دروبها من الخارج بدلا من ضياع الزمن في التوهان ... لو ساهم المثقفون السودانيون بجهد أكثر مما فعلوا لما جرب فينا الإسلاميون و مؤيدوهم نماذج متعددة من الشريعة : شريعة جبهة الميثاق الإسلامي التي كانت المطالبة بها عبر الدستور الإسلامي في الستينات ثم شريعة موديل 83 النميرية التي جاءت بقوانين النيل و عوض الجيد و بدرية و كل موادها في قانون العقوبات تنتهي بعبارة : السجن و الجلد و الغرامة عدا بضعة مواد منها عقوبات : القطع و الإعدام و ... ثم المطالبة بتطبيق الشريعة بعد انتفاضة 85 (شريعة شريعة و لّا نموت .. الإسلام قبل القوت) ثم إعلان الشريعة بعد انقلاب الترابي البشير 89 ، ثم شريعة مدغمسة حتى انفصال الجنوب و شريعة غير مدغمسة بعد ذلك و سيأتي شعار آخر ربما تطبيق شريعة من غير لولوة و ربما سيحدثوننا عن شريعة من غير رترتة و قد ينبري آخر ليخبرنا أن هناك شريعة من غير بطبطة ، و بعد كل فشل سنجد تبريرات من نوع : الخطأ في التطبيق ، أو : هؤلاء لم يكونوا مخلصين بما فيه الكفاية ، أو فات عليهم الفهم الصحيح للشريعة ... لن تنتهي أسطوانة موديلات الشريعة حتى تنقشع الغشاوة و ينجلي للوعي زيف الدعاوى . و لتجنب إطالة أمد المعاناة و الآلام و الحروب و الفقر و انتشار الأمراض و ازدياد معدلات الجريمة و الانهيار الأخلاقي من تطبيع قيم النهب و السرقة و التمكين و الخداع الحلال و الغنى الحلال و انتشار الرزيلة ، لتجنب ذلك لا بلد للمثقفين و السياسيين من كسر حاجز التابوهات الكثيرة و نشر الوعي ... الذعر من المعرفة تجعل البعض يصيحون : انظروا إليه إنه يقصد كذا و يريد أن يقول كذا ، في حين إن النص المكتوب أمامهم و لا يقول ما يقولون لكنها فوبيا و رهاب الكلام عن المسكوت عنه ، لكنهم لو تمعنوا كلمات الرازي لما اعترتهم تلك التصورات ، ينسب إليه القول : لم يك يقين قط إلا و أعقبه الشك ، و لم يك شك إلا و أعقبه يقين . اتمنى أن أرى عُشر هذا الصياح ضد الحرب و السفاحين الذين يقتلون أهلنا في دار فور و في جبال النوبة و في كل السودان .. ليت أهلنا الذين يختبئون في الكهوف من غارات الطيران الرسالي و يتغذون على ورق الأشجار يحظون بربع الاهتمام الذي تجده غزة و الشيشان ... متى تصحو ضمائر المثقفين ؟
حاشية : لا أجد الوقت للرد على تعليقات المعلقين التي أقرأها و أقدرها ، معذرة و شكرا لكل المعلقين الذين أثروا المقالات بإضافاتهم و نقدهم.



سرحان ماجد
[email protected]


تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 1639

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#927908 [المشتهى السخينه]
0.00/5 (0 صوت)

02-27-2014 11:22 AM
شكرا ايها العالم الجليل سرحان .. وانا ارجح ان سرحان هو الدكتور العالم محمد محمود صاحب كتاب نبوة محمد ..ارجو ان اكون قد اكتشفت السر ..عموما لك الود والتحيه.


#927816 [ود الحاجة]
0.00/5 (0 صوت)

02-27-2014 10:22 AM
1.قال سرحان : (( فعندما بدأت الكتابات الاستشراقية كان المسلمون في أسوأ حالة ، مسألة أن الإخراج بثوب علمي أكاديمي يجب نقدها على الأقل بإيراد نماذج))
تعليق : أ. لم يذكر سرحان وقت بدء الاستشراق , ليحدد لنا وقت بدء الاستشراق حتى نبين له حال المسلمين و غير المسلمين حينها
ب. كان على سرحان ان يطلب نماذج على محاولة تطويق المسلمين أما الثوب العلمي فلا يحتاج الى مثال لأنه أمر واضح
ج. سرحان سجن نفسه في سجن اسمه الرق فهو مهووس به ولو حدثته عن ارتياد الفضاء سيسألك و ماذا عن الرق ؟ و لو تكلمت عن المال و الاعمال و الفن و الجمال سيفاجؤك , هل نسيت الرق؟

2. (( ... الثقافة تنتج منتوجات في العلوم الطبيعية مناسبة لها))

الثقافة و الاخلاق شيء و العلوم الطبيعية شيء اخر فمثلا لدينا الان الثقافة الاسلامية و الثقافة الغربية و الصينية و غير ذلك و لكن اذا اكتشف قانون او تقنية في اي مكان يمكن للأخرين تبنيها من دون التنازل عن ثقافتهم
مشكلتك الخلط العقيم يا عزيزي
و اذا كان الامر كذلك فلماذا تعتدون على فلسفة افلاطون و تنبذون منتجاتها العلمية في ذلك الوقت

قال سرحان و أضحكني فعلا : (( لاحظ أن التوراة و الإنجيل الموجودان الآن كانا موجودين زمن النبوة و قد نزلت في حقهما الآية...الخ ..إن كنت تعتقد إنهما ليسا ما كانا موجودين فبين لنا ذلك و حبذا لو أعلمتنا إن كان التحريف تم قبل عهد النبوة أم بعده أم إثناءه مع الشرح فأنا حتى الآن لا أعرف بين لي ))

الرد : لنا أن نسأل سرحان اولا , هل الاحتجاج بالقرءان الكريم مقبول لديه ؟ و هذا السؤال لأنه استهزأ بالوحي في مقاله السابق
اذا كان سرحان يقبل بأن القرءان كلام الله , سنواصل معه بأدلة من القرءان الكريم .
أ‌. لقد ذكرت انا في تعليقي أن التوراة كتبت بعد قرون من وفاة موسى عليه السلام و بعد حوالى قرن من رفع عيسى عليه السلام و من المعلوم ان البعثة النبوية لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم أتت بعد حوالي ستة قرون من رفع عيسى عليه السلام . اذا قول سرحان ((لاحظ أن التوراة و الإنجيل الموجودان الآن كانا موجودين زمن النبوة)) ليس له داع
ب .اذا كان سرحان يعلم و طرح هذا الطرح فتلك مصيبة و ان كان لا يعلم التاريخ أو الحساب فالمصيبة أعظم!
ج. قال تعالى : ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) و اذا كنت تعرف الانجليزية فالصيغة هنا تشبه صيغة المضارع البسيط Present simple أي انها عندهم عادة

3. قال سرحان (( في الاقتصاديات الحديثة بعد الرأسمالية لم يعد الربا المظهر الأهم من مظاهر الاستغلال ، أهم مظاهر الاستغلال هي العمل المأجور إذ يعمل كل سكان الأرض تحت إمرة بضع مئات من الآلاف ))

الرد : اذا كان هذا مبلغ سرحان من العلم فليراجع نفسه و أعتقد أنه اذا كان يفكر هكذا فليهنأ الاستغلاليون و الانتهازيون بهذا المفكر و الذخر العظيم
ليس كل ما قاله ابن الاثير صحيح و عموما مقدار الجزية كان قليلا و لا يحتاج الفرد ان يبيع حتى سخلة
و ربما ينسى سرحان قصة فرض مبلغ من بيت المال لذمي عجوز كان يتسول


#927532 [ود الزين]
0.00/5 (0 صوت)

02-27-2014 01:45 AM
الرجاء الإطلاع على التحليل أدناه لتعم الفائدة (بقلم مير عقراوي):

تقدمة كلمات ؛ لقد تعرّض القرآن الكريم في العصر الحديث ، كما العصور التي سبقته ، وبخاصة في بدايات القرن الواحد والعشرين وما تلاه – بشكل أخص - الى أشرس وأشنع الحملات والشبهات والإفتراءات . بالحقيقة لقد كانت الحملات في بداية القرن الجديد حملات غير عادية ، وحملات غير مسبوقة أبدا . لهذا يمكن القول بأن القرآن لم يتعرّض في طول تأريخه الى مثل هذه الحملات الممنهجة والمدروسة والمخططة لها سلفا ! .
لكنه في كل مرة ، وفي كل عصر ، وفي كل صٍراع خرج القرآن الكريم ظافرا ومُظفّرا ، شامخا وسامقا عالٍيَ الراية ومنتصرا ، وإنه سيبقى كذلك الى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها ، كيف لا ، وهو كلام الله سبحانه العليم الحكيم الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه ! ؟ .
من أحد الشبهات المفترية على القرآن هو أن رسول الله محمد – عليه وآله الصلاة والسلام – قد آستقى وأخذ معلوماته ، أو الآيات القرآنية من شعراء العرب قبل الاسلام ، أو ممن كان معاصرا له منهم ، أو أنهم أمدّوه وآستقرأوه القرآن وآياته ! .
وهذا لعمر الحق من أوهن الشبهات فسادا وأكثره بطلانا ، لأنه لماذا هذا الشاعر الجاهلي ، أو ذاك ، في ذلك العصر لم يواجه نبي الله محمد – ص – ليقول له : إن ما تتلوه على الناس وتنشره هو من أشعارنا ومعلوماتنا ، ثم إن كان هؤلاء على هذا القدر العظيم من العلم والمعرفة والثقافة لماذا لم ينشروا كتابا كالقرآن بإسمهم لابإسم غيرهم ، مع أن القرآن – كما هو معلوم – ليس بشعر ولا نثر على الإطلاق ، ولماذا أيضا لم تواجه قريش رسول الله محمد في بداية دعوته للاسلام لتكشف السٍرَّ ولتثبت للعرب أن مايتلوه محمدا ما هو إلاّ تكرار لأبيات فلان وعلاّن من الشعراء ، حيث هم كانوا ، في ذلك الزمن الغابر أحوج الناس الى تلكم الإدّعاءات لإثبات صدق مدّعاءاتهم ؟ . لقد قالت قريشا إن ما يتلوه محمد هو من الشعر أو غيره ، لكنهم لم يقولوا مرة واحدة بأنه من أبيات فلانا وعلاّنا من شعراء العرب ، لأن الكثيرين من العرب يومها كانوا يحفظون الأشعار والمعلقات الشعرية الطوال لشعراء العرب المشهورين لديهم ، وعلى ظهر قلب فلم يجدوا أيّ تشابه ولاتوافق بينها ، وبين ما يتلوه رسول الله محمد . لهذا لم يستطيعوا مواجهته الصريحة هذه إلاُ باللغو والمبهمات من الشبهات والمفتريات . وقد سجّلَ القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى ؛ { وقال الذين كفروا : لا تسمعوا لهذا القرآن وآلْغَوْا فيه لعلكم تَغْلٍبُونَ } فُصٍّلت / 26 .
بالحقيقة إني لم أستغرب في أمر كإستغرابي من شبهاتيي اليوم ، لأنهم ما فتأوا يشكٍّكون بالقرآن والحديث والسيرة والتاريخ الاسلامي تشكيكا أبعدهم عن جادة الحق والصواب ، فما بالهم يؤمنون ويجزمون بصحة وسلامة أبيات متناثرة ومجهولة الأصل والمصدر ومحشوة بالمتناقضات والمفضوحة إنتحاليتها وحداثتها الشعرية ! .
كما يبدو جليا إن هؤلاء لايفعلون ذلك إلاّ للمكايدة والعناد واللغو التشكيكي في صحة القرآن الكريم وسلامته ، مع العلم أنه قد ثبت بطلان الأبيات الشعرية المزعومة بثبوت إنتحاليتها وزيفيتها .
1-/ إمرؤ القيس ( 545 – 497 ) : إسمه خُندُج بن حجر بن الحارث الكندي ويلقّب بآمريء القيس ، وبالمَلٍك الضّلّيل ، لأنه أضاع المُلْكَ بعد مقتل أبيه الملك ، مع محاولاته الجادة لإعادته ، لكنه أضلّ الطريق ولم يفلح وحسب ، بل إنه هلك فيها .
و؛ ( نشأ خندج في نجد من أسرة توارثت المُلْكَ ، ودانت لها قبائل العرب من ربيعة ومضر ، ومضى يتردد بين أسرة أبيه وأسرة خاله المُهَلْهَل في تغلب ، مُزهوا بنفسه وبملك أبيه ، غارقا في لذائذ الدنيا .
إن مال الى اللهو وجد بين الإماء والقٍيَانِ طِلْبته ، وإن طلب الطرد والقنص سار في ركابه فتيان مَجان يبغون ما يبغي من نزو على الجياد ومطاردة للفرائس .
وعندما تمادى آمرؤ القيس في ضلاله طرده أبوه ، فلم يزد الطرد مجانته إلاّ إطرادا ، وإلحاحا على الغَيٍّ ، إذ راح ينفق عمره في الشهوات ، ويعايش مَنْ شَذَّ وتصعلك ، ومَنْ غوى وفَسَقَ . وبينما هو غارق في لذائذه ، وقعت واقعة نقلته من المجون الى الشجون ، ومن الخمر والقمر الى الغم والهم .
وعندما وصله خبر أبيه قال ؛ [ ضَيَّعَني صغيرا وحَمَّلني دمه كبيرا لا صحو اليوم ، ولاسكر غدا ، اليوم خمر وغدا أمر ] ) أنظر ( ديوان آمرؤ القيس ) إعتنى به وشرحه الأستاذ عبدالرحمن المصطاوي ، ص 09 – 10 .
المستوى الشعري ومراحل امريء القيس الشعرية :
يتفق المحققون والأدباء والنقاد على أن شعر امريء القيس كان ( في المرحلة الأولى من حياته غزلا ووصفا لمجالس الأنس والخمر ، والحصان رفيقه في الصيد ، ومطيّته في ميادين القتال ، وفي المرحلة الثانية غلب على شعره المدح والهجاء والفخر بالملك القديم ووصف الناقة في قطع الفلوات .
ومن حيث العواطف كان شعره في المرحلة الأولى يتفجّر حيوية وتفاؤلا وزهوا ، وآعتزازا ، فلما فُجِعَ بأبيه ، غرق في الشكوى والحزن والتذمّر من غدر الناس والزمان .
وفي الأسلوب كانت ألفاظ الشاعر في المرحلة الأولى أقرب الى العذوبة والوضوح والإنسياب ، ولم يفارق أسلوبه هذه الخصائص في المرحلة الثانية ، لكن العاطفة شابها المقت ، وخالطتها الكآبة ) أنظر نفس المصدر السابق والشارح للديوان المذكور ، ص 10 – 11 .
مكانة آمريء القيس الشعرية :
يعتبر آمرؤ القيس ( من شعراء الطبقة الأولى في العصر الجاهلي ، وهم زهير بن أبي سُلمى ، والنابغة الذبياني ، والأعمش ميمون ، وآمرؤ القيس ) أنظر نفس المصدر السابق والشارح للديوان ، ص 11 .
الأبيات الشعرية المنحولة والمنسوبة لإِمريء القيس :
إن هؤلاء لفرط ما هم عليه من الكيدية يتشبثون بكل شيء ، ولو كان هيّنا وآفتراء ، مثل تشبثهم بعدد من أبيات الشاعر الجاهلي لإمريء القيس ، أو غيره للإدّعاء بأن نبي الله محمد – عليه وآله الصلاة والسلام – قد آستلهم الآيات القرآنية منها ، أي عن أبيات آمريء القيس . ولايهمهم في ذلك صحة وسقم هذه الأبيات ، أو هل إن هذه الأبيات أصيلة أم أنها دخيلة ومنحولة نُسِبَتْ الى آمريء القيس ، أو هل أن هذه الأبيات ثابتة أو لا في مختلف الدواوين المطبوعة والمنشورة لإمريء القيس ، ولايهمهم كذلك تناقض المستوى الأسلوبي والشعري والعقدي كلية مع الأسلوب الشعري والعقدي المعروف لإمريء القيس !؟ . لايهمهم كل ذلك من معايير النقد وموازينه ، بل المهم ، لا بل الأهم عندهم هو الإدّعاء الفارغ واللغو وصناعة الشبهات وإلقاء المفتريات على عواهنها ، أي التشكيك بهدف التشكيك وليس لأجل الوصول الى الحقيقة ! .
ما نُسِبَ الى آمريء القيس من أبيات شعرية منتحلة ! :
[ يتمنّى المرءُ في الصيف – حتى اذا جاء الشتاء أنكره
فهو لايرضى بحال واحد – قُتِلَ الإنسان ما أكفره ] !
ونُسِبَ اليه أيضا :
[ إقتربت الساعة وآنشق القمر – من غزال صاد قلبي ونفر ] !
ومن المنسوب اليه كذلك :
[ اذا زُلْزِلَتِ الأرض زلزالها – وأخرجتِ الأرض أثقالها
تقوم الأنام على رسلها – ليوم الحساب ترى حالها
يحاسبها ملك عادل – فإما عليها وإما لها ] !
وما نسب اليه أيضا :
[ دنتِ الساعة وآنشق القمر – من غزال صاد قلبي ونفر
مر يوم العيد في زينة – فرماني فتعاطى فعقر
بسهم من لحاظ فاتك – فَرَّ عنّي كهشيم المُحتظر
واذا ماغاب عني ساعة – كانت الساعة أدهى وأمَرَّ ] !
وأخيرا ما نسب اليه كذلك :
[ أقبل والعُشّاق من خلفه – كأنّهم من كل حَدَبٍ ينسلون
وجاء يوم العيد في زينته – لمثل ذا فليعمل العاملون ] !
ثم قابلوها بما جاء في القرآن الكريم من آيات ، هي :
1-/ { قُتِلَ الإنسانُ ما أكفرهُ } عبس / 17
2-/ { إقتربت الساعة وآنشق القمر } القمر / 01
3-/ { اذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها } الزلزلة / 01
4-/ { إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظِرْ } القمر / 31
5-/ { بَلِ الساعة أدهى وَأمَرّ } القمر / 46
6-/ { حتى اذا فُتِحَتْ يأجوجُ ومأجوجُ وهم من كلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ } الأنبياء / 96
7-/ { لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون } الصافّات / 61
مناقشة هذه الإنتحاليات وإثبات زيفها :
بدءً ينبغي القول بأن هذه الأبيات لا وجود أيَّ ذِكْر لهاٍ في ديوان آمريء القيس كله ، وبالاطلاق ، وعلى آختلاف طبعاته ونسخه ورواياته إذن ، لو صحّت نسبة هذه الأبيات المضطربة والمتهافتة الى آمريء القيس لأَتِيَ على ذِكْرها في ديوان واحد ، على الأقل من دواوينه المختلفة والمتعددة الطبعات والنسخ والروايات ، منها النسخ التي حققها ونشرها أئمة اللغة والأدب والنحو كأبي الحجاج يوسف بن سليمان الأندلسي المعروف ب( الشنتمري ) ، وأبو محمد عبدالله بن محمد بن السيد المعروف ب( البطليوسي ) ، وأبو الحسن علي بن عيسى المعروف ب( السكري ) وغيرهم من الأعلام ، حيث لايوجد مطلقا في نسخهم المنشورة أيَّ ذِكْرٍ لتلكم الأبيات الإنتحالية والشاذّة ! .
إضافة الى ذلك ، حتى الدراسات والبحوث التحقيقية والتاريخية المعاصرة التي آهتمت وآعتنت بميراث آمريء القيس : شعره وحياته وتاريخه وديوانه ، أو حتى ما نُسِبَ اليه لم تذكر أحدا منهم بأيِّ شكل من الأشكال شيئا من هذه الأبيات البيّنة الإنتحال والإفتعال ، منها : الدراسة القيمة والهامة والواسعة للأستاذ المحقق محمد أبو الفضل ابراهيم وشروح الأستاذ عبدالرحمن المصطاوي على ديوان آمريء القيس وغيرهم كثيرون ! .
الأبيات المنحولة المذكورة في ميزان النقد والتقييم ! :
لاشك فيه إن أيَّ شخص له إلمام صحيح وفصيح باللغة العربية ، ناهيك عن الباحث والناقد والمتخصص في الشعر والأدب العربي يتّضح له خلال قراءة أولية لتلكم الأبيات بأنها غريبة وشاذة ، وإن معالم الخلل والقصور والنقص بادية عليها ، وإنها بعيدة عن الأسلوب اللغوي والشعري المحكم لإمريء القيس ، فضلا عن تناقضها مع معتقداته .
فهذه الأبيات بائنة عليها الحداثة والتصنّع والتكلّف الشعري ، مع الركاكة في الأسلوب . لهذا فهي لاتشبه ولاتتشابه مع أشعار آمريء القيس ، ولنقارن الآن بعضا من أبيات الشعر لإمريء القيس مع الأبيات المنحولة المنسوبة اليه :
[ قد أشهد الغارة الشعواء تحملني – جرداء معروفة اللّحْيَيَنِ سُرْحُبُ
كأنَّ صاحبها ، إذ قام يُلْجمها – مَغْدٌ على بكرة زوراء ، منصوب ] أنظر المصدر السابق والشارح لديوان آمريء القيس ، ص 81
فالناظر المتأمل لهذه الأبيات لإمريء القيس يرى فيها بوضوح البناء الشعري القوي وتماسكه المحكم . وذلك بخلاف الأبيات المنحولة التي نقلناها ، وبخاصة حول مصطلح { الكفر } الذي أدْخِلَ مع العبارة في الشطر الرابع من البيت الثاني ، لأن مصطلح { الكفر } هو مصطلح ديني إستخدمه القرآن الكريم كثيرا في آياته ! .
وقد قرأت ديوان آمريء القيس كله بيتا فبيتا ، شعرا فشعرا فلم أعثر على لفظ { الكفر } من بين أبياته كلها ، وفي ديوانه الشعري كله مرة واحدة . لذا هل من المعقول أن آمريء القيس قد نطق بذاك المصطلح مرة واحدة فقط في أشعاره ! .
أما الأبيات الأخرى المنسوبة لإمريء القيس فإن إنتحاليتها هي أظهر من الشمس الساطعة في وضح النهار . وذلك لتناقضها مع بعضها من ناحية الشعر وشروطه ودلالاته ، وبخاصة على مستوى المصطلحات الدينية الواردة فيها ، فقوله :
[ إقتربت الساعة وآنشق القمر – من غزال صاد قلبي ونَفَرَ
مَرَّ يومُ العيد في زينة – فرماني فتعاطى فعقر
بسهم من لحاظ فاتك – فَرَّ عنّي كهشيم المحتظِر]
كما نلاحظ بوضوح حشو لفظ { الساعة } في البيت الأول ، مع آقتباس بَيِّن لكلمات أخرى من أول سورة القمر . لهذا فالإنتحال واضح عليه ، لأن مصطلح { الساعة } هو أحد المصطلحات القرآنية ليوم القيامة ، ثم إن الشطر الثاني من البيت المذكور يفضح السر، وهو قوله ( من غزال صاد قلبي ونفر ) ، والمراد هنا بالغزال هي فتاة ، أو إمرأة فاتنة الجمال كالغزال فصادت قلبه . عليه فإن الشطر الأول لايتواءم ولايتجانس أبدا من حيث المعنى الديني المقصود مع الشطر الغرامي العشقي الغزلي الثاني . وإن قال أحد ؛ ربما الشاعر يقصد بالساعة ساعة لقاء الغزال ، وإن كان كذلك فما هو المعنى من { إنشق القمر } !؟ . ومن جانب آخر ليس من معهود آمريء القيس في الشعر إستخدام مثل هذه المصطلحات في أشعاره أبدا .
ثم ما علاقة { الساعة } و{ آنشقاق القمر } بالغزال الذي صاد قلبه ؟ . ومن جهة أخرى إن المشركين العرب لم يكونوا يؤمنون بيوم القيامة ، وبالبعث والنشور . وقد سجّلَ القرآن الكريم عقيدتهم في ذلك ، فقال : { وضرب لنا مثلا ونَسِيَ خلقه قال : مَنْ يُحيي العظام وهي رميم ، قل : يحييها الذي أنشأها أول مرّة وهو بكل خلق عليم } يس / 78 – 79 . على هذا يتبين زيفية الأبيات المذكورة وإنتحاليتها الفاضحة . مع العلم إن العرب لم يشتهروا بأعياد خاصة إلاّ بعد ظهور الاسلام ، حيث جرى ومازال يجري الإحتفاء والإحتفال بين المسلمين بعيدي الفطر والأضحى المباركين . وبغض النظر عن ذلك فإن آمريء القيس لم يذكر مصطلح العيد حتى مرة واحدة في ديوانه المطبوع والمنشور بطبعات ونسخ مختلفة ! .
ثم يمضي الشعر المفتعل المنتحل بأنه في ( يوم العيد ) رماه الغزال بسهم ، والمقصود هنا هو سهم العين إذن ، فما هو المعنى والمغزى والفائدة أيضا في قوله ( فتعاطى فعقر ) وحشو تينك الكلمتين إلاّ أن تكون الإضافة إضافة أخرى في قباحة الأسلوب والصياغة والرداءة في المعنى والمغزى !؟ .
والسبب هو إن مصطلح { العقر } إن قُصِدَ به الذبح ، فهذا خطأ جسيم وفادح ، لأن { العقر ] هنا لايأتي في اللغة إلاّ في الناقة ، أو الخيل ، وإن قُصِدَ به المرأة العاقر ، فهذا أيضا مما يزيد الطين بِلّة . لكن المعنى المقصود في البيت هو الذبح ، وهذا خطأ كذلك كما قلنا ، لأن العرب لم تستخدم لفظ { العقر } للذبح العام للحيوانات كالماعز والخراف وما شابه ، بل هو مخصوص للناقة . يقول إبن منظور في قاموسه : [ عَقَرَ الناقة : يَعْقِرُها ويَعْقُرُها عَقْرَا وعَقَّرَا اذا فعل بها ذلك ، حتى تسقط فَنَحَرَهَا مستمكنا منها ] أنظر قاموس ( لسان العرب ) لؤلفه إبن منظور ، الحرف [ ع ] ، ج 10 ، 223 . فكيف إذن ، غابت هذه المعاني الأولية والبسيطة والعامة عن شاعر متمكن وفطحل كآمريء القيس وجهلها كل الجهل ، بحيث كان الرعاة العرب في الجزيرة العربية يومذاك يعرفون معاني تلكم المصطلحات والألفاظ ومدلولاتها ! ؟
لهذا فإن القرآن الكريم إستخدم مصطلح { العقر } بمعنى الذبح للنوق ، أو للنياق ، أو للمرأة العاقر فقط ، كما في قوله تعالى حيث تم آجتزاء لفظي { فتعاطى فعقر } من آية قرآنية وحشوهما في الشطر الثاني من البيت الإنتحالي المذكور ، يقول القرآن : { إنا مُرْسِلُوا الناقة فتنة لهم فآرتقبهم وآصطبر ونَبِّئهُمْ أنًّ الماءَ قسمة بينهم * كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَر* فنادَوا صاحبهم فتعاطى فَعَقَرَ } القمر / 27 – 29
يعني إن الله تعالى سوف يُخرج الناقة من الجبل ، أو من الصخرة العظيمة الصمّاء كما سألوا ذلك نبيهم صالحا عليه الصلاة والسلام كمعجزة له . والنقة كانت آختبارا لهم ، ثم على صالح النبي الترقّب والصبر والمصابرة على أذى قومه له ، مع إبلاغ قومه أن الماء الذي بالوادي ينبغي أن يتم تقسيمه بينهم بالتساوي ، حيث كل منهم يأخذ قسمته وما يحتاجه . لكن قوم صالح بالرغم من ذلك لم يؤمنوا فنادوا وناشدوا شَرَّ الناس عندهم { فتعاطى } ، أي إجترء على إقتراف الجريمة فأخذ السيف فعقر الناقة التي كانت تَدُرّ الحليب لهم ! .
ثم قوله تعالى ؛ { فعقروا الناقة وعَتَوّا عن أمر ربهم } الأعراف / 77 ، وفي قوله تعالى ؛ { فعقروها ... } ، أي نحروا الناقة ، هود / 65 .
وعليه فالإنتحالية تكشف مخازيها أكثر فأكثر ، وذلك بعد أن رُمِيَ بسهام ، كما في قوله ( فَرَّ عنّي كهشيم المحتظِر ) . وهذا مما لاجدى منه ولامعنى له بتاتا ، لأن الهشيم هو الحشيش اليابس ، أو إنه حشائش الحظائر المداسة بحوافر الأغنام وسائر الحيوانات فتهشّمت ، أو العظام النخرة البالية المتكسِّرة والمتفتِّتة تفتيتا ، يقول إبن منظور ؛ [ الهشيم : النبت اليابس المتكسِّر ...] أنظر قاموس (لسان العرب ) لمؤلفه إبن منظور ، الحرف [ هاء ] ، ج 15 ، ص 66
ثم ما وجه العلاقة بين الحشائش اليابسة المتفتتة ، وبين فراره ، هل أن أحد ما يَفِرُّ كالتبن اليابس المتفتت والمتهشم !؟ . وهذا إن دَلَّ على شيء فإنه يدل فقط على أقصى درجات الرداءة في التمثيل الشعري وأسلوبه وفنونه ، وأين هذه الرداءة والركاكة الصارخة في التمثيل والتشبيه من قوله تعالى ؛ { إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المُحْتَظِرْ } القمر / 31 ، أي بعد أن أتت قوم صالحا الصيحة المدويّة الكبرى ، حيث إنها صَخَّت آذانهم وقطعت أنفاسهم وأخمدت أبدانهم أصبحوا كالحشائش اليابسة الممزقة المفتتة المتهشمة تهشيما ، وهذا هو معنى الهشيم المحتظر ! .
أما قوله التالي في الأبيات الثلاثة الأخرى فهي أكثر وهنا وآضطرابا وفضحا من سابقاتها :
[ اذا زلزلت الأرض زلزالها – وأخرجت الأرض أثقالها
تقوم الأنام على رسلها – ليوم الحساب ترى حالها
يحاسبها ملك عادل – فإما عليها وإما لها ] !
لايمكن بأيِّ نحو من الأنحاء أن تصدر مثل هذه الأبيات عن آمريء القيس ، لأنها ليست من معهود شعره ، ولا هي من أفكاره وتصوراته العقدية ، لأنها تتناقض مع معتقداته بشكل خاص ، ومع معتقدات العرب في الجاهلية بشكل عام . وذلك لعدم إيمانهم بالبعث ولا بالنشور ولا بالحشر ولا بيوم القيامة ، مضافا الى ما ذُكِرَ من تفاصيل إخراج الأرض وطرحها لأثقالها وقيام الأنام ، أي الخلائق ، ثم حضور الأنبياء ، ثم حساب الله تعالى للخلائق أجمعين . إن هذه المعتقدات ليست من معتقدات وتصورات آمريء القيس ، وهي غريبة عنه ، مع خُلُوِّ ديوانه الشعري بالكامل منها ، ومن هذه التصورات والمعتقدات الايمانية ، أو على أقل تقدير لايوجد في ديوانه حتى تصورات متقاربة مع المعتقدات والتصورات الايمانية المذكورة ! .
وقوله :
[ أقبل والعُشَّاقُ من خلفه – كأنهم من كل حَدَبٍ يَنْسِلُونَ
وجاء يوم العيد في زينته – لمثل ذا فليعمل العاملون ] !
إن بداية الشطر الأول من هذا البيت المزعوم يفند جميع الأفكار والتصورات الواردة في الأبيات المزعومة والمنتحلة والمنتسبة الى آمريء القيس ، فالرجل ، كما قرأنا عنه في البداية كان من أهل الغزل والغرام والطرب واللذائذ والشهوات والخمر والسكر والعربدة ، أو الصيد والقنص في الصحاري والفلوات والسهول ، فلم يكن يشغل باله ولا فكره ولا أوقاته غير ذلك أبدا . ولذلك طرده أباه من البيت شَرَّ طردة ، حتى إن آعتقاد آمريءَ القيس بالموت هو آعتقاد غريب ، مثل قوله ؛
[ ولو أنّي هلكتُ بأرضِ قومي – لقلتُ الموتُ حقٌّ ، لاخُلُودا ] أنظر ( ديوان آمرؤ القيس ) إعتنى به وشرحه عبدالرحمن المصطاوي ، 89 . وهذا بالعكس تماما من آعتقاد الانسان المؤمن الذي يرى الموت حق في أيِّ أرض كان ، وفي أيِّ بلاد كان ! .
والذي يتوافق ويتجانس مع تصورات ومعتقدات آمريء القيس هو الآتي من أبياته ، وبقوله ، حيث موجزها هو انه حَلَّ ضيفا على بيت فخان الضيافة والبيت وأهله حينما تغازل مع زوجة المضيف وأراد ما أراد منها ، وهي بإمرة رجل آخر :
[ نظرتُ اليها والنجومُ كأنها – مصابيحُ رُهبانٍ تُشَبُ لقُفّال
سَمَوْتُ اليها بعد ما نامَ أهلُها – سُمُوَّ حَبَابِ الماءِ حالا على حال
فقالت: سَبَاكَ اللهُ ، إنّكَ فاضِحي - ألَسْتَ ترى السُمَّار والناسَ حولي
فقلتُ : يَمِيْنُ اللهِ أبْرَحُ قاعدا – ولو قَطَّعوا رأسي لديكِ وأوصالي
حَلَفْتُ لها باللهِ حِلْفَةَ فاجِرٍ – لَناموا فما إن من حديث ولا صال
فلما تنازعنا الحديث وأسْمَحَتْ – هَصَرْتُ بغُصن ذي شماريخَ مَيَّالِ
وَصِرْنا الى الحسنى وَرَقَّ كلامُنا – وَرُضْتُ فذَلّتْ صَعْبَةً أيَّ إذلال
فأصبحتُ معشوقا وأصبحَ بَعْلُها – عليه القَتَامُ سَيءَّ الظنِّ والبالِ ] والقتام هو غبار الذل الذي لحق وتعلّق بزوجة المضيف ، فتأمل !!! . أنظر المصدر السابق والشارح لديوان آمريء القيس ، ص 137 .
إذن ، هكذا كان آمريء القيس ، وهذه هي حقيقة أفكاره وسلوكياته وحياته ، ولو تقصّينا كل ذلك من الحالات والأفكار له لطال بنا الكلام جدا ، لكن حسبنا بما أشرنا اليه من الحال والمقال والكلام والمعتقد له ، ومن لسانه هو ! .
وفيما قلناه آنفا عن آمريء القيس من حيث معتقداته وتصوراته فإننا نستثني الحنفاء العرب يومذاك في الجزيرة العربية ، ولم يكن آمريء القيس منهم ! .
تأسيسا على ما ورد حتى الآن فقد آتضحت إفتعالية وإنتحالية الأبيات المذكورة كلها ، هذه الأبيات التي تمت نسبتها الى آمريء القيس ، وهو بريء منها كل البراءة . ذلك إن هذه الأبيات تنضح بحداثتها الزمنية ، أي إنها أحدثت وآنتحلت في حقب طويلة ما بعد ظهور وآنتشار الاسلام ، والراجح إن هذه الأشعار وأشباهها قد آنتحلت في أيام الحجاج الثقفي من العصر الأموي ، أو خلال العصر العباسي . لهذا حدا بالدكتور طه حسين الى تكذيب ودحض هذه الأشعار في كتابه [ في الشعر الجاهلي ] .
وإن كان آمريء القيس يعتقد بهذه المعتقدات ويؤمن بها لذكرها في شعر واحد ، أو في بيت واحد فقط من أبياته وأشعاره الكثيرة ، إذ لا يوجد شيء من هذا القبيل وحسب ، بل يوجد ما يتناقض مع تلكم التوجهات والتصورات التي تم لصقها بآمريء القيس لصقا ! .
التناقض الكبير بين المصطلحات القرآنية وبين مصطلحات آمريء القيس :
هناك بون شاسع وإختلاف كبير جدا لايمكن قياسه بين المصطلحات والمواضيع والقضايا والشؤون التي آستخدمها القرآن الكريم في آياته الحكيمات المحكمات ، وبين القضايا والمصطلحات التي آستخدمها آمريءَ القيس في أشعاره كلها . وبحسب إستقرائي لديوان آمريء القيس يوجد فيه المئات من المصطلحات التي تتناقض مع المصطلحات القرآنية ، أو أن القرآن لم يستخدم تلك المصطلحات والألفاظ إطلاقا ، وعلى سبيل المثال فقط أورد المقارنة التالية بين المصطلحات والمفردات والألفاظ التي آستخدمها آمريء القيس وخلافها من المصطلحات والمفردات والألفاظ القرآنية ، حيث المقارنة تبيّن مدى البون الشاسع جدا بينهما :
مصطلحات امريء القيس معانيها حيث هي لشارح ديوانه المصطلحات القرآنية
________________ _________________ _________
1-/ النّصيف ، المِعْقَب الخِمَار الخِمار
2-/ الأسحم الأسود الأسود
3-/ البَكْرَة ، العنَنْس ، القُلَص الناقة الناقة
4-/ الجَذِم السريع السريع
5-/ الزِيَمْ المكتنز المكتنز / الإكتناز
6-/ التّهام الحزن الحزن
7-/ السّبَرَات الغدوات الغدوات
8-/ المُسْنَد الدهر الدهر
9-/ العدِف الأكل الأكل
10-/ الأتِيِّ السيل السيل
11-/ الزيوف الدراهم الدراهم
12-/ السرحان الذئب الذئب
13-/ السُرْعُوفة الجراد الجراد
14-/ الماوية المرأة المرأة
15-/ الجَلْعَد القوي القوي
هكذا توضّح من خلال هذه المقارنة الأولية والشديدة الإيجاز مدى التفاوت اللفظي والفرق المفرداتي والنقيض المصطلحي بين ماآستخدمه آمرؤ القيس والقرآن الكريم ، ولولا خشية الإطالة لأوردت المئات من المصطلحات الفرقية والاختلافية بينهما . وهذا يبين مدى شقة الخِلاف الهائلة بين الألفاظ التي إستخدمها امريءَ القيس ، وبين الألفاظ التي استخدمها القرآن الكريم ، حيث تُثبتُ الإستقلالية القرآنية في المصطلحات والألفاظ والمعاني والمقاصد والأهداف والتصورات والتوجهات والتعاليم وغيرها عن آمريء القيس وأمثاله أيّاً كانوا ! .
القرآن الكريم ودحض شُبهة الإقتباس من شعراء الجاهلية !
الجزء الثاني والأخير
مير عقراوي / كاتب بالشؤون الاسلامية والكوردستانية
2-/ أمية بن أبي الصَّلَت ( ت – 626 م ) هو أمية بن عبدالله بن أبي الصلت بن ربيعة الثقفي من قبيلة ثقيف بالطائف . يبدو ان أمية ينتمي الى أسرة إشتهرت بالشعر ، إذ كان أباه أيضا شاعرا ، كما أخته فارعة وبعض من أبناءه الذين أسلموا فيما بعد وعُدّوا من الصحابة .
كان أمية بن أبي الصلت شاعرا مخضرما ، إذ انه أدرك الجاهلية وشطرا من الاسلام ، وكان حنيفيا رافضا لعبادة الأوثان كجماعة الحنفاء العرب . وقد إلتقى أمية مرة بالنبي محمد – عليه وآله الصلاة والسلام – في مكة ، وهي المرة الوحيدة التي آلتقاه بها النبي فطلب منه أن يقرأه شيئا مما نُزِلَ عليه ، فتلا رسول الله محمد – ص – على أسماعه ؛ { يس والقرآن الحكيم ... } من سورة يس ، فسألته قريشا عن رأيه فيما سمعه من محمد من القرآن ، فقال ؛ [ أشهد أنه على حق ] ، فقيل له ؛ ها تَتَّبِعْهُ ؟ ، فقال ؛ [ حتى أنظر في أمره ] ، ثم بعدها خرج الى الشام لقد كاد أمية بن أبي الصلت أن سلم ، لكن أمرين حالا دون آعتناقه للاسلام وهما ؛
1-/ كان أمية يَتَّوَقُ ويتمنى أن يكون هو النبي القادم بين العرب في الجزيرة العربية .
2-/ مقتل عتبة وشيبة إبنا ربيعة بن عبد شمس في معركة بدر وهما إبنا خالة أمية بن أبي الصلت ، فرثاهم أمية رثاءا مُتوجِّعاً في قصيدة له ، منها قوله :
( ألاّ بكيتُ على الكرام بني الكرام أولي الممادح
كبكا الحمام على فروع الأيك في الغصن الصوادح )
على هذا الأساس من الأنانية الذاتية والحسد والحقد الشخصي والعصبية القبلية والأقربائية لم يعتنق أمية الاسلام الدين التوحيدي الرباني السماوي الخاتم الذي بَشَّرَ به نبي الله تعالى الخاتم محمد – ص - . أما أهل أمية بن أبي الصلت وأبناؤه فقد دخلوا في الاسلام وآعتنقوه وكانوا من جملة الأصحاب أيضا . وقد مات أمية في السنة الثانية للهجرة ، أو الخامسة ، أو السادسة على آختلاف الروايات . وبعد اللقاء الأول المذكور لأمية بن أبي الصلت مع رسول الله محمد – ص – لم يحدث أيَّ لقاء آخر بينهما على الإطلاق .
مَنْ أخَذَ مِنْ مَنْ ، القرآن من أمية أمِ العكس !؟
يَدّعي صُنّاع الشبهات وأصحابها إن محمدا قد إقتبس من شعر أمية بن أبي الصلت وأخذ منه ، ثم صاغ أشعاره في تأليف القرآن وآياته ، وإنهم أي صناع الشبهات يستشهدون بمجموعة من أشعار منسوبة لأمية ، منها :
( لك الحمد والنعماء والملك ربنا – فلا شيء أعلى منك جَدَّاً وأمْجَدُ
مليك على عرش السماء مهيمن – لعزّته تعلو الجباه وتسجد
مليك السماوات الشداد وأرضها – وليس بشيء فوقنا يتأود
تسبِّه الطير الكوامن في الخفا – وإذ هي في جو السماء تَصَعَّدُ
ومن خوف ربي سبّح الرعد حمده – وسبّحه الأشجار والوحش أبَّدُ
من الحقد نيران العداوة بيننا – لأِن قال ربي للملائكة : آسجدوا
لآِدم لمّا كَمَّلَ الله خلقه – فَخَرّوا له طوعا سجودا وكّدَّدوا
وقال عدوّ الله للِكِبْرِ والشَّقا – لطين على نار السَّموم فسوَّدوا
فأخرجه العصيان من خير منزل – فذاك الذي في سالف الدهر يحقد )
ومن الشعر المنسوب لأمية أيضا :
( ويوم موعدهم أن يُحشروا زُمَرا – يوم التغابن إذ لاينفع الحَذَرُ
مستوسقين مع الداعي كأنهمو – رِجْلُ الجراد زَفَّتْهُ الريح تنتشر
وأبْرِزُوا بصعيد مُسْتَوٍ جُرُزٍ – وأنْزِلَ العرش والميزان والزُبُرُ
وحوسبوا بالذي لم يُحْصِهِ أحدٌ – منهم ، وفي مثل ذلك اليوم معتبر
فمنهمو فرح راض بمبعثه – وآخرون عَصَوا السَّقَرُ
يقول خُزَّانُها : ماكان عندكمو – ألم يكن جاءكم من ربكم نُذُرُ ؟
قالوا : بلى ، فأطعنا سادة بَطِرُوا – وغَرَّنا طُول هذا العيش والعُمُرُ
قالوا : أمكثوا في عذاب الله ، مالكمو – إلاّ السلاسِلَ والأغلالَ والسُّعُرُ
فذاك محبسهم لايبرحون به – طول المقام ، وإن ضَجّوا وإن صبروا
وآخرون على الأعراف قد طمعوا – بجنة حَفَّها الرّمان والخُضَرُ
يُسْقَوْنَ فيها بكأس لذة أنُفٍ – صفراء لا ثرقبٌ فيها ولا سَكَرُ
مِزاجها سلسبيل ماؤها غَدِقٌ – عذبُ المذاقة لاملح ولاكدر
وليس ذو العلم بالتقوى كجاهلها – ولا البصير كأعمى ماله بصر
فآسْتَخبرِ الناس عما أنت جاهله – اذا عَمِيْتَ فقد يجلو العمى الخبرُ
كأيِّنْ خَلَتْ فيهمو من أمة ظلمت – قد جاءهمو من قبلهم نُذُرُ
فصدِّقوا بلقاء الله ربِّكمو – ولايَصُدَّنَّكم عن ذِكْرِهِ البَطَرُ )
ومن الشعر المنسوب الى أمية كذلك :
( قال : ربي ، إني دعوتك في الفجر – فآصلح عليَّ آعتمالي
إنني زاردُ الحديد على الناس – دروعا سوابغ الأذيال
لا أرى من يُعِنُنِي في حياتي – غير نفسي إلاّ بني إسْرالِ ) !!!
لاشك أن من يتدبر مليا في هذه الأبيات الشعرية ، وذلك بغض النظر عن قائلها كائنا من كان ، وفي الآيات القرآنية سيتجلَّى له الفرق اللامتناهي بينهما من جميع النواحي ، أحقا إقتبس القرآن الحكيم من هكذا أبيات وأشعار بادية عليها بكل وضوح الحداثة والتَصَنُّع والإنتحال والإقتباس منه ، أي من القرآن الكريم ... مع العلم إنّي لا أقول ذلك لأني مسلم ، بل أقوله لشدة ما تعانيها الأبيات المذكورة من الضعف والإشكال على كل المستويات . يقول الدكتور طه حسين عن القرآن ؛ [ أما القرآن الكريم فهو المعجزة الكبرى التي آتاها الله رسوله الكريم ، آية على صدقه فيما يبلِّغُ عن ربه .
والقول في إعجاز القرآن يكثر ويطول وتختلف وجوهه وتختلف فنونه أيضا . فالقرآن كلام لم تسمع العرب مثله قبل أن يتلوه النبي . فهو في صورته الظاهرة ليس شعرا ، لأنه لم يَجْرِ في الأوزان والقوافي والخيال على ما جرى عليه الشعر . ثم هو لم يشارك الشعر الذي ألِفَهُ العرب في قليل أو كثير من موضوعاته ومعانيه . ] أنظر كتاب ( إسلاميات ) لمؤلفه الدكتور طه حسين ، فصل [ مرآة الاسلام ] ، ص 81
ثم بعدها يتحدث الدكتور طه حسين عن رسول الله محمد – عليه وآله الصلاة والسلام - ، فيقول ؛ [ كل هذا وأكثر جدا من هذا يتحدث به القرآن الى الناس على لسان رجل من قريش لم يَتَعَلَّمَ قط كتابة ولا قراءة ولا حسابا ، ولم يجلس قط الى أحبار اليهود ولا رهبان النصارى ولا أصحاب الفلسفة ، وإنما هو رجل عربيٌّ أمِّيٌّ كأكثر العرب لا يعلم من أمر الدنيا إلاّ مثل ما كان أوساط العرب يعلمون .
وهو مع ذلك يجادل اليهود في التوراة ويجادل النصارى في الإنجيل ويصفهم بأنهم يكذبون على موسى ويقولون على المسيح غير الحق ويُحَرِّفُونَ ما عندهم من التوراة والإنجيل .
كل ذلك وهو لا يقرأ التوراة ولا الإنجيل ، وإنما يُنبئه الله نبأَ الحق بما في كليهما ، وهو لم يأتِ لنسخِ التوراة ولا لنسخ الإنجيل ، وإنما جاء مُصَدِّقَاً لِمَا بين يديه منهما ومضيفا اليهما ما أمره الله أن يضيف من العلم والدين .
وهو يُحاجّ المشركين في آلهتهم تلك التي كانوا يعبدونها ويجعلونها لله أندادا ويتخذونها عنده شفعاء والتي لا تُجيبهم إن دعوها ولا تسمع لهم إن تحدثوا اليها ولا تنفعهم ولا تضرهم ولاتُغني عنهم من الله شيئا إن أراد بهم سوءا ولا تمسك عنهم رحمة الله إن أراد بهم رحمة ، وإنما هي أشياء صنعوها بأيديهم ، أو صنعت لهم من قبل بأيدي الرجال ثم خلعوا عليها ما ليس لها من القوة والبأس والسلطان . ] أنظر نفس المصدر والمؤلف والفصل ، ص 82 و 83
وفي هذه الألوان من الأشعار المنسوبة الى أمية بن أبي الصلت ، أو حتى غيره أيضا كإمريء القيس الكثير من الإشكاليات والإضطرابات والتناقضات على مختلف الصعد ، وبخاصة فيما يعلق الأمر بالإقتباس المزعوم المدحوض لرسول الله محمد – ص – من هذا الشاعر ، أو ذاك أفكاره وأشعاره في تأليف القرآن الكريم ، فأين القرآن وبناءه المحكم وبيانه وفصاحته وبلاغته وتعاليمه وأحكامه ونظرياته العالية والقيمة ، حيث هي بالحقيقة منظومة علمية ومعرفية من تلكم الأبيات المتهافتة والمجهولة الأصل والنسب والتأريخ والبيئة !؟ ، لأن الأمر لو كان بالسذاجة والسطحية والسهولة التي تصورها صُنّاع الشبهات والإفتراءات لتمكّنَ عمالقة الشعر من الشعراء العرب يومها في دحض القرآن الكريم وإسكات رسول الله محمد – عليه وآله الصلاة والسلام – وإفشال دعوته بكل بساطة ويُسْرٍ . وقد جَرَّبَ هؤلاء كل ما كان في جُعبتهم ، وكل ما آمتلكوا من الحَوْلِ والقوة بيانا وبلاغة وإبداعا وشعرا ونثرا ، لكنهم فشلوا فشلا ذريعا في جميع مساعيهم ومحاولاتهم ! .
يقول المفكر والناقد المصري المعروف الدكتور ابراهيم عوض عن أمية بن أبي الصلت وأشعاره التي أتينا على إيرادها ، وعن ديوانه أيضا ، فيقول ؛ [ ديوان شعر يختلط فيه الشعر الصحيح النسبة له بالشعر المنسوب له ، ولغيره بالشعر الذي لايبعث على الإطمئنان الى أنه من نظمه ، وهذا القسم الأخير هو الغالب . وأكثر شعر الديوان في المسائل الينية : تأملا في الكون ودلالته على ربوبية الله ووصف للملائكة وعكوفهم على تسبيح ربهم والعمل على مرضاته ، وإخبارا عن اليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب ، وحكاية لقصص الأنبياء مع أقوالهم ، الى جانب أشعاره في مدح عبدالله بن جدعان والفخر بنفسه وقبيلته وما الى ذلك . ومن الشعر الديني المنسوب اليه ما يقترب إقترابا شديدا من القرآن معنىً ولفظاً وكأننا بإزاءِ شاعر وضع القرآن بين يديه وجَهَدَ في نظم آياته شعراً .] أنظر مقالة ( الرد على خرافة إقتباس القرآن من شعر أمية بن أبي الصلت ) لكاتبها الدكتور ابراهيم عوض ، الشبكة الإلكترونية ، موقع سبيل الاسلام .
وفي التاريخ أقدم الكثير من الوضَّاعِيْنَ على آختلاق ووضع مئات الآلاف من الأحاديث الكاذبة ثم نسبوها الى رسول الله محمد – ص - ، وهو منها براءٌ كل البراءة ، مع مثلها من المرويات والأخبار المفتعلة والمصطنعة ، مع مثلها من القصص والحكايات التي تغلب عليها طابع الخرافة والأسطورة والمبالغة والتضخيم ... هذا الى جانب إنتحال مجموعات كثيرة وكبيرة من الشعر ثم آنتسابها الى هذا الشاعر ، أو ذاك من الشعراء سواء كان في العصر الجاهلي ، او في العصور الاسلامية .
على هذا الأساس إرتاب العديد من المستشرقين بالأشعار الجاهلية ، وبالتحديد أشعار أمية بن أبي الصلت ، منهم المستشرق الألماني [ كارل بروكلمان ] ، حيث قال بأن ؛ [ أكثر ما يُرْوى من شعر أمية هو في الواقع منحول عليه ما عدا مرثيته في قتلى المشركين ببدر ] أنظر كتاب (تأريخ الأدب العربي ) لمؤلفه كارل بركلمان ، ترجمة الدكتور عبدالحليم النجار ، ج 1 ، ص 113
أما الدكتور طه حسين فإنه يرفض بشدة هذه الأشعار لأمية بن أبي الصلت ويقول بأنها منتحلة عليه ؛ [ إن هذا الشعر الذي يُضافُ الى أمية بن أبي الصلت والى غيره من المتحنِّفِينَ الذين عاصروا النبي – ص – أو جاؤوا قبله إنما نُحِلَ نَحْلاً . نَحَلَهُ المسلمون ليثبتوا أن للاسلام قُدْمَةٌ وسابقة في البلاد .] أنظر كتاب ( في الشعر الجاهلي ) لمؤلفه الدكتور طه حسين ، ص 145 . وقصد الدكتور طه حسين ب[ المسلمون ] هو يعني إن عددا من المسلمين الشعراء في عصر ما قد صنعوا وآنتحلوا الأبيات الشعرية السابقة الذِكْرِ ثم نسبوها الى أمية بن أبي الصلت كدفاع عن الاسلام والقرآن الكريم . هذا إن كان قصد هؤلاء النُحَّالِ بريئا ، وأنا حقيقة أشك كل الشك في براءتهم . وهذا الموضوع ذَكَّرَني بموضوع مشابه آخر وهو : قيل لأحد إشتهر بوضوع الحديث والكذب على رسول الله محمد – عليه وآله الصلاة والسلام - : [ إتق الله تعالى يارجل وأمَا تخافه من الكذب على رسوله ] ، فرد : [ أنا لا أكذب على رسول الله ، بل أكذب له ] !!! .
ويقول الدكتور عمر فروخ عن شعر أمية ؛[ إن القسم الأوفر من شعر أمية قد ضاع ، وإنه لم يُثبت له على سبيل القطع سوى قصيدته في رثاء قتلى بدر من المشركين ] أنظر كتاب ( تأريخ الأدب العربي ) لمؤلفه الدكتور عمر فروخ ، ص 217 و 218
أما المؤرخ المعروف الدكتور جواد علي فهو أيضا يرفض قسما من أشعار أمية بن أبي الصلت الدينية ويرى بأنها منحولة ومدسوسة عليه ، فيقول في هذا الصدد ؛ [ إن بعض أشعار أمية الدينية مدسوسة عليه ، ومن ثم لايمكن أن يكون أمية قد آقتبس شيئا من القرآن ، وإلاّ لقام النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمون بفضحه .] ، ويضيف الدكتور جواد علي بأن ؛ [ شعره الذي يوافق فيه القرآن إنما صُنِعَ بعد الاسلام صُنْعَاً ، لأنه ليس موجودا في التوراة ولا في الإنجيل ولا غيرهما من الكتب الدينية ، اللهم إلاّ القرآن الكريم ، وأن أكثره قد وُضِعَ في عهد الحجاج ، تَقَرّبا اليه ، وبخاصة أن شعره الديني يختلف عن شعره المَدْحي والرثائي وغيره ، إذ يقترب من أسلوب الفقهاء والمتصوفة ونُسَّاك النصارى ، كما تكررت إشارات الرواة الى أن هذا الشعر أو ذاك مما يُعْزَى له قد نُسِبَتْ لغيره من الشعراء . ] أنظر كتاب ( المُفَصّل في تأريخ العرب قبل الاسلام ) لمؤلفه الدكتور جواد علي ، ج 6 ، ص 491 و496 .
أخيرا أخختم هذا البحث الموجز بأقول المستشرقة الإيطالية ( لورا فيشيا فاغليري ) حول عظمة القرآن الكريم من جميع النواحي ، فتقول ؛
[ إن معجزة الاسلام العظمى هي القرآن الذي تنقل الينا الرواية الراسخة غير المنقطعة ، من خلاله ، أنباء تتصف بيقين مطلق . إنه كتاب لا سبيل الى محاكاته . إن كلاً من تعبيراته شامل جامع ، ومع ذلك فهو ذو حجم مناسب ، ليس بالطويل أكثر مما ينبغي وليس باقصير أكثر مما ينبغي .
أما أسلوبه فأصيل فريد . وليس ثَمّة أيَّما نمط لهذا الأسلوب في الأدب العربي الذي تَحَدَّرَ الينا من العصور التي سبقته . والأثر الذي يُحدثه في النفس البشرية إنما يتم من غير أيَّمَا عون عَرَضيّ أو إضافيّ من خلال سُمُوِّهِ السليقِيِّ .
إن آياته كلها على مستوىً واحد من البلاغة ، حتى عندما تُعالج موضوعات لا بد أن تؤثر في نَفَسِهَا وجَرْسِهَا ، كموضوع الوصايا والنواهي وما اليها . إنه يكرر قصص الأنبياء ، وأوصاف بدء العالم ونهايته ، وصفات الله وتفسيرها ، ولكنه يكررها على نحو مثير الى درجة لا تُضعفُ من أثرها . وهو ينتقل من موضوع الى موضوع من غير أن يفقد قوته .
إننا نقع هنا على العمق والعذوبة معا – وهما صفتان لا تجتمعان عادة – حيث تجد كل صورة بلاغية تطبيقا كاملا . فكيف يمكن أن يكون هذا الكتاب المعجز من عمل محمد ، وهو العربي الأمّيّ الذي لم يُنَظِّم طِوالَ حياته غير بيتين أو ثلاثة أبيات ، لا ينم أيّ منها عن أدنى موهبة شعرية ؟ ] أنظر كتاب ( دفاع عن الاسلام ) لمؤلفه الدكتورة : لورا فيشيا فاغليري ، ترجمة منير البعلبكي ، ص 56 و 57
بالحقيقة إن مقارنة القرآن الكريم بتلكم الأشعار أو غيرها من النصوص الشعرية والدينية هي كالمقارنة بين الثرى والثُريّا ! .

تحقق من الرابط:
http://www.alrafedein.com/news.php?action=view&id=5093


ردود على ود الزين
European Union [muslim.ana] 02-27-2014 06:29 PM
احسن الله اليك ووالديك يا ودالزين


#927304 [NB]
5.00/5 (1 صوت)

02-26-2014 07:50 PM
كلام فيه كثيرٌ جميل. المعرفةُ والوعيُ كلمتان جميلتان ولكن يؤرّقُنى الميزانُ الذى يجعلُ الظنَ أن كلام العليّ القدير قد أُخِذ عن ابياتِ شعرٍ و سجعِ كُهان و أساطيرِ الاولين معرفةً و وعياً! ويغفلُ عن الفِ مقالٍ يكتبه عن آيةٍ (ويلٌ للمطففين) والتي يمكن بنورها كشف ٢٥ عاماً من الزيفِ والخداع والكذب! أُتابِع!


#927085 [ود الحاجة]
0.00/5 (0 صوت)

02-26-2014 03:19 PM
طرح الكاتب المحترم الاستاذ سرحان عدة تساؤلات في هذا المقال و أود مناقشة بعضها بأسلوب عملي و واقعي :
1.لنبدأ بالاستشراق و أفضل ان نعرفه قبل الحديث عنه
الاستشراق هو دراسة كافّة البنى الثّقافيّة للشّرق من وجهة نظر غربية.
من المعلوم أن الهدف من الاستشراق لم يكن ترفا فكريا أو خدمة لشعوب و أديان الشرق و انما كان الهدف منه فهم هذه المجتمعات و معرفة كيفية التعامل معها و هزيمتها و سواء اعتبرناها مؤامرة أو غير ذلك فلا شك ان الهدف واضح .
و في محاولة من الكاتب لمعالجة معضلة تخبط الكيزان في ادارة الدولة و تنفيذ احكام الشريعة نجده يهديهم الى دراسة كتب المستشرقين! بدلا من توجيههم الى دراسة كتب الفقه الاسلامي و العلوم الاسلامية الاخرى فهو بفعله هذا أشبه بمن يقول ( كنا تحت المطر فأصبحنا تحت الميزاب) و الميزاب هو السبلوكة.
إن مشكلة الكيزان هي في قلة علمهم الشرعي و عدم تمكنهم في العلوم الدنيوية الاخرى لذا فان دراستهم لكتب المستشرقين و الحالة هذه ستؤدي الى انتاج بغال فكرية عقيمة لا تنتج فكرا و لا تبني قطرا ( أي بلدا)
عموما وكان الهدف من دراسات المستشرقين وجهودهم في هو تطويق المد الإسلامي ووقف نموه المطرد بين الشعوب و لكن يتم اخراج كل هذا في ثوب علمي أو أكاديمي
2. نقل ثقافة الاخر : يصر سرحان دوما على اجبارنا بأن نعتبر الثقافة و الاخلاق الغربية مرجعيتنا و هدفنا و محط آمالنا و لنا أن نسأله هل من العقل او العقلانية أن نفعل ذلك , على أي أساس يعتبر سرحان ان الثقافة او الاخلاق الغربية أفضل من ثقافتنا و اخلاقنا .
نحن نعرف أننا نتخلف عن الغرب في العلوم الطبيعية و التقنية و مؤسسات المجتمع المدني و احترام القانون أما في الدين و الثقافة و الاخلاق فالأمر يختلف
يقول سرحان ((شاهد الناس حينها المؤلفيْن دكتور اسرائيل فلنكشتاين و دكتور نيل سلبرمان و هما يعلنان أن كل قصص الكتاب المقدس تقريبا هي قصص مجازية لم تحدث في الواقع))
يا صديقي أعتقد أنك تعرف أن الكتاب المقدس ( التوراة و الانجيل) كتب بعد قرون من موت موسى عليه السلام و العهد الجديد كتب بعد حوالي قرن من رفع عيسى عليه السلام أي أنه من حيث السند و الموثوقية يمكن مقارنة الكتاب المقدس بمؤلفات الواقدي او تاريخ ابن جرير الطبري فالواقدي امام في التاريخ و المغازي و لكنه ضعيف عند علماء الحديث لضعف سنده و عدم اهتمامه بعلم الرجال و الجرح و التعديل .
فاذا تشكك اولئك في كتابهم المقدس فالسبب معروف و لكن هل الحال عندنا نحن المسلمون كذلك ؟ بالطبع لا و الفرق واضح
من وجهة النظر الاسلامية فان القرءان ينسخ ما قبله من الكتب و لكن هذا الفهم مطالب به المسلم و غير المسلمين لديهم معتقداتهم التي يؤمنون بها و نتركهم لمعتقداتهم اللهم الا اذا دخلنا في مناظرات معهم
3. تحدث سرحان كثيرا عن قيم التسامح و الانسانية و الاسباب التي تؤدي الى شقاء الانسان و تحدث كثيرا عن ان الرق بكل اشكاله عمل غير انساني و لام علماء القرون السابقة المسلمين على (سكوتهم) عن ممارسات (الرق ) و وضحنا له أن كثيرا من صور الرق التي كانت سائدة ( مثل الرق عن طريق السرقة و الخطف و الخداع )غير شرعية
و لكن يعمي سرحان بصره عن فظائع النظام الاقتصادي الربوي و لا تسمح له نفسه الذكية بذكر ذلك و لا أدري لماذا؟
هل لأن الاسلام حرم الربا ( الفائدة البنكية) بينما لا يحرم ذلك الاقتصاد الرأسمالي؟
فالربا ( الفائدة البنكية) يزيد الفقراء فقرا و الاغنياء غنى و نرى الان ان اقتصاد كثير من الدول الافريقية تدنى الى الحضيض و أصبحت عليها مديونيات باهظة و ذلك كله بسبب تضاعف الفوائد الربوية و اصبحت هذه المجتمعات تعيش ما يمكن ان نسميه الرق الجماعي او رق الدول أي أن هناك دول مثل السادة و دول اخرى مثل العبيد و هذا الموضوع يحتاج الى مقالات
و للمعلومية فقط فان كثيرا من الناس في السابق أصبحوا عبيدا بسبب الربا
________________________


ردود على ود الحاجة
United States [سرحان] 02-26-2014 09:27 PM
يقول ود الحاجة
.....الاستشراق هو دراسة كافّة البنى الثّقافيّة للشّرق من وجهة نظر غربية.
من المعلوم أن الهدف من الاستشراق لم يكن ترفا فكريا .... الهدف من دراسات المستشرقين وجهودهم في هو تطويق المد الإسلامي ..
و نقول :
من له اطلاع على الاستشراق يدرك تماما أن ود الحاجة سمع به و قرأ عنه لكنه لا اطلاع له على أدبيات المستشرقين ... مسألة أن الاستشراق مقصود به تطويق المد الإسلامي تبدو عجيبة جدا ، فعندما بدأت الكتابات الاستشراقية كان المسلمون في أسوأ حالة ، مسألة أن الإخراج بثوب علمي أكاديمي يجب نقدها على الأقل بإيراد نماذج ... تخبط الكيزان ناتج من تخبط الفهم السلفي عموما فهو لا ينتج معرفة و لا تنمية و لا تقدم و المسألة ليست خاصة بالكيزان لكن بكل الذين تسميهم بأهل الفهم السليم و تقصد السلفيين الذين إن تولوا الأمر لعادوا بنا لعصر الرق ، و توجيههم لدراسة كتب الفقه الإسلامي لن تفيدهم إلا بصدى لكتابات ابن تيمية و قبله الإمام الشافعي و كل العقد الفريد حتى محمد بن عبد الوهاب ، و مباحثهم في الرق و ما ملكت أيمانهم و الجهاد و قتل الكفار و الجزية ، لن يجدوا حقوق إنسان و لا إعلاء قيم المواطنة و لا الإخاء بين المسلم و المسيحي أو الصيني الشيوعي ، من هذه الناحية الكيزان أفضل ألف مرة .
يقول ود الحاجة :
2. نقل ثقافة الاخر : يصر سرحان دوما على اجبارنا بأن نعتبر الثقافة و الاخلاق الغربية مرجعيتنا ....نحن نعرف أننا نتخلف عن الغرب في العلوم الطبيعية و التقنية و مؤسسات المجتمع المدني و احترام القانون أما في الدين و الثقافة و الاخلاق فالأمر يختلف
و نقول :
من قال أنني أريد اعتبار الثقافة الغربية مرجعيتنا ؟ غير صحيح ، ببساطة لأنني اعتبر أن الثقافة كونية إنسانية و القيم الإنسانية قيم مشتركة و الخصوصية تمثل جانبا ضئيلا منها أما الزعم بأن هناك تخلف في العلوم الطبيعية و لكن لدينا ثقافة أفضل منهم فذلك يذكر بالقول أنه يمكن إلباس الجمل جلد الفأر ... الثقافة تنتج منتوجات في العلوم الطبيعية مناسبة لها ، فإذا دخلت قرية و وجدت أهلها يتعالجون عند الفكي و يتبرزون في العراء و يعتقدون بوجود (أب لمبة) فتأكد أنهم لا يمكن أن ينتجوا تلفزيون ... المجتمع الذي ينشئ أطفاله على الحفظ و يعلمهم عن طريق التلقين و يقوم رجال أمنه بالاعتقال حسب مزاجهم و محاكمه تجلد النساء بحجة الزي الفاضح و يريد أن يرى الفرد متماهيا مع القطيع و لو تجلت فرديته ينبذ و ربما يحاكم بالاعدام لأنه خرج عن الثوابت أو أنكر ما عُلم من الدين بالضرورة ، مجتمعا مثل هذا سينتج الحروب و الفقر لن ينتج أي معرفة أو علوم طبيعية أو ... المسائل لا تنفصل ، تريد تقدما علميا في ظل ثقافة مثل التي تبشر بها لن يحدث حتى يدخل الحبل بسم الخياط ...
يقول ود الحاجة :
يقول سرحان ((شاهد الناس حينها المؤلفيْن دكتور اسرائيل فلنكشتاين و ... يا صديقي أعتقد أنك تعرف أن الكتاب المقدس ( التوراة و الانجيل) كتب بعد قرون من موت موسى عليه السلام و العهد الجديد كتب بعد حوالي قرن من رفع عيسى عليه السلام .....
و نقول :
لاحظ أن التوراة و الإنجيل الموجودان الآن كانا موجودين زمن النبوة و قد نزلت في حقهما الآية إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة 44 و الآية وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) المائدة 46 ، 47 إن كنت تعتقد إنهما ليسا ما كانا موجودين فبين لنا ذلك و حبذا لو أعلمتنا إن كان التحريف تم قبل عهد النبوة أم بعده أم أثناءه مع الشرح فأنا حتى الآن لا أعرف بين لي و الفرق بين المحرف و السليم ، و كم ظلت النسخ سليمة قبل التحريف ؟ و لماذا تطابقت كثير من قصص القرآن مع القصص التوراتي إن كان الأمر كما ذكرت أن التوراة كتبت بعد قرون من موت موسى ... بل لماذا وردت قصص الهاجادا و المشناة في القصص القرآني (و هي قصص تلمودية و ليست توراتية) ... و تذكر أن اليهود و المسيحيين و الصابئة نزلت فيهم الآية (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة 62 .... أما الواقدي فقد وثّق له من علماء الجرح و التعديل كثيرون و جرحه كثيرون و المقام لا يسمح بمناقشة ذلك ، لكن التاريخ لا يعتمد فيه على السند فقط و له شواهده و قد أدرك ذلك ابن خلدون منذ زمن بعيد ... القصة التي سقناها بينا فيها أن الاختلاف لا ينقص الدين شيء ، و لست أدري إن كنت تفكر فيما تقول بأن بأن المؤمنين اليهود أو أي مؤمنين بأي ديانة يتشككون في كتابهم ، فلو حدث لن يعودوا مؤمنين و سيتركونه ..
يقول ود الحاجة :
من وجهة النظر الاسلامية فان القرءان ينسخ ما قبله ... تحدث كثيرا عن ان الرق بكل اشكاله عمل غير انساني و لام علماء القرون السابقة المسلمين على (سكوتهم) عن ممارسات (الرق ) و وضحنا له أن كثيرا من صور الرق التي كانت سائدة ......
و لكن يعمي سرحان بصره عن فظائع النظام الاقتصادي الربوي و لا تسمح له نفسه الذكية بذكر ذلك و لا أدري لماذا؟
نقول :
قلنا و نكرر إن 99% من أسباب الرق في القرون القديمة قبل القرن السادس عشر كانت الحروب ، و قلنا إن لذلك توابع و هي النخاسة أي تجارة الرقيق ، السرقة و الخطف و الخداع كان يتم فعلا قبل الإسلام ، فهل حرر الإسلام العبيد الذين وجدهم و لم يكن سبب استرقاقهم الحرب ؟ لا تنحتوا من خيالكم حججا غير مقنعة ..
يقول ود الحاجة
هل لأن الاسلام حرم الربا ( الفائدة البنكية) بينما لا يحرم ذلك الاقتصاد الرأسمالي؟
....... و للمعلومية فقط فان كثيرا من الناس في السابق أصبحوا عبيدا بسبب الربا
نقول :
الربا في ظل الاقتصاديات القديمة كان مظهرا مهما من مظاهر الاستغلال بعد الرق، لكنه لم يكن أسوأ من الرق . في الاقتصاديات الحديثة بعد الرأسمالية لم يعد الربا المظهر الأهم من مظاهر الاستغلال ، أهم مظاهر الاستغلال هي العمل المأجور إذ يعمل كل سكان الأرض تحت إمرة بضع مئات من الآلاف ، و المظاهر الأخرى هي الاستعمار سابقا و التبادل غير المتكافئ حاليا و إعادة انتاج التخلف في البلدان النامية ... صار الربا أقل مظاهر الاستغلال بشاعة و على فكرة قولك (فان كثيرا من الناس في السابق أصبحوا عبيدا بسبب الربا) يذكرني بما أورده ابن الأثير:( حتى إن بعض أهل الذمة من البربر ونحوهم كانوا يقدمون بدل الجزية رقيقا من أولادهم. (ابن الأثير، ج3، صفحة13) ... طبعا لعجزهم عن دفع الجزية...


#926989 [ود الحاجة]
0.00/5 (0 صوت)

02-26-2014 01:41 PM
يبدو أن سرحان يعد لمرحلة الهروب فمع انه و الحمدلله لم يقم أحد من المعلقين باكثر من مناقشة فكره نراه يهلوس و يذكر عبارات من قبل ..(هنالك خوف من المعرفة و هذا مفهوم في مجتمع تعوّد التلقين)..

و لقد ذكرت له أمس الاية الكريمة :"ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين " سورة النحل

فلن يأتي العلامة الفهامة سرحان بشىء لم يأت به الاولون

للحديث بقية


#926448 [حسن]
4.00/5 (4 صوت)

02-25-2014 11:16 PM
واصل كفاحك يا سرحان وخليك حريص واضرب فى الوتر الحساس
ليس هناك بعد الان مسكوت عنه هذا عصر التواصل والمعرفه
وليس المطلوب ولن يكون الناس جميعهم على نفس الاعتقاد انما المطلوب اتاحة المعرفه
وحرية الاختيار
المطلوب القبول بالاخر وليست الوصايه عليه فالنشاه مختلفه والطبايع مختلفه والامزجه مختلفه
والجينات كمان مختلفه والصاح هناك عند رب العالمين اما تشيل سيفك وترفع سوطك وتمد عصايتك على الناس لا اريكم الا ما ارى وانا خليفة الله ده كلام انتهى زمنو
ده زمن العقل والوعى والادراك ولن يستطيع احد ان يدعى ملكية الحقيقه المطلقه عليك بنفسك
حسن اداءك عامل الناس كما تريد ان يعاملوك به اصدق القول اوفى بالعهد ورد الامانات لاهلها
هذا هو المطلوب اما صلاتك وصومك وقيامك فهى لله ان اراد ان يجزيك عليهاواحنا لن نستفيد منها ابدا
ولا تخلط المعتقدات بصوره( كامله )بمعايش الناس فالذى وهب العقول هو من امر باستخدامها
واما ان تصر على غلقها فتعيش فى الوهم وتكثر من الهوس تظلم نفسك وكل الحولينك وتسيل دماء وتنتهك اعراض وتفنى نفوس وتستباح عروض


ردود على حسن
[ود الحاجة] 02-26-2014 04:36 PM
ليواصل كفاحه في مناقشة قضايا ساخنة و موجودة الان مثل الفوائد البنكية و تجارة بيع الاسلحة في مناطق النزاعات و سياسات الكيل بمكيالين و العولمة التي تحاول فرض ثقافة معينة على البشرية و ... و ...

دعنا من احاديثكم عن الرق و العلمانية التي على ما يبدو فقط لذر الرماد في العيون

الصلاة و الصيام اذا اديتا كما ينبغي فانها من مصادر السعادة في هذه الحياة و في الحياة الاخرة

اذا كنت تريد سعادة الاخرين فاوصهم بالصلاة و الزكاة


#926447 [muslim.ana]
5.00/5 (2 صوت)

02-25-2014 11:15 PM
حضرة الكاتب العزيز

لا اجد سبباً لهذه المقدمة الطويلة والعودة بنا لمرحلة الاعداد النفسي مرة اخرى.

قد ناقشك المعلقون بالمنطق في اياً مما كنت تنوي قوله سواء ان كان علمانية وجودية او حتى نقد لقداسة النصوص وفقاً لما تسمونه بمحاربة الاصوليه (وهي تسمية يحيطها كثير من الغموض والتخليط).

انت شخصياً ومن خلال مقالاتك تطرح استنتاجاتك عما تراه في افكار بعض قراءك من خلال كتاباتهم وتصنفهم بناء عليها، فلماذا تعتبر ان تحليل كتاباتك وطرح ما يراه قراءك هو خزعبلات وهياج وغيره. لم يدخل احدنا داخل رأس الاخرين (لا نحن ولا انت) وبالتالي فكل منا يطرح للاخر ما فهمه من كتاباته مع بيان السبب وليس للموضوع علاقة لا بتهديد ولا تكفير ولا زندقة ولا غيره فالامر لا يستدعي كل ذلك والرد على ما قد يأتي اهون من ذلك.

وبالاسلام من المنطق والادلة ما يخرس حتى هؤلاء الساعين للطعن في اصوله، مثل الطاعنين في مصدرية القرآن او الطاعنين في نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم بحجة انها امتداد لخطة اجداده لتأسيس دولة توحد العرب ويقودها الهاشميون. ولو سألتني ما الذي جعلني اتحدث عن هذا الموضوع فسأرد عليك (مستغرباً) بأن هذا الموضوع هو اساس وخلاصة الكتب التي تستشهد بها مثل كتاب (الدين في شبه الجزيرة العربية) للكاتبة ابكار السقاف والذي يعتبر امتداداً لسلسلة (نحو افاق اوسع).

وبالتالي فإن اثارتنا مثل هذه النقاط اعلاه او -حتى نكون اكثر صراحة- شكنا بأنه قد يكون ما ذكر اعلاه هو محور مقالاتك هو امر طبيعي طالما ان احد المحاور الاساسية لمقالاتك (كما ذكرت انت بنفسك) مأخوذ من الكتاب المذكور، ولا اعتقد انك تستشهد بكتاب لا تعرف ما بداخله وخلاصة الفكرة التي يريد ايصالها!!

عموماً، هذا كان تحليلنا مما طرحته بمقالاتك (كما تحلل انت كلامنا وتستنتج منه ما تراه)، ولم ندخل معك في تفاصيل ما نظن حتى نقراء ما عندك، وبعد ان نقراءه -أياً كان- فلن نحتاج معك غير المنطق والحجة واتباع المنهجية العلمية التي لم يتبقى لنا الا ان نستجداكم اياها، واما التكفير والزندقة وبقية ما تتحدث عنه فهي (واسمح لي ان استعير وصفك) مجرد تخيلات لنوايا وخزعبلات في رأسك لم يلمح احد اليها ولا نحتاجها للرد على أياً مما تريد ان تتفضل به علينا.

ولو كان المسلمون يخشون المعرفة لما ابدينا استعدادنا على الرد العلمي والمنطقي على أياً مما كنت تنتوي طرحه، حتى وان كان كتابات للمتشرقين او غيره مما في اشباه الكتب مثل ذاك الذي استشهدت به بمقاليك السابقين والمذكور اعلاه. لذا انصحك انت ان "لا تخشى" المعرفة والنقاش العلمي وان تطرح لنا ما عندك بمنطق وعلمية ولن تجد منا الا المنطق والعلمية.

في انتظار رجوعك للفكرة الاساسية بعد فراغك من اعادة مرحلة الاعداد النفسي للقراء التي تقهقرت اليها، لنرد عليك حينها بمنطق ودون صراخ او !!مراوغة!!.

كن بخير


سرحان ماجد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة