01-21-2011 12:40 PM

الغازات

د.بشرى الفاضل

في طرف عشوائي من أطراف تلك المدينة المختلطة المتنافرة العناصر ربض بص ذوكرش ضخم كأنها انتفخت خصيصاً لابتلاع البشر. ولعل البص خريج إحدى جامعات المصانع في أوروبا، جلبه للسودان جالب غير هياب من الضرائب، ولا غالب له في أمر المال السائب.
كان النهار يقول: )هنا إذاعة ضربة الشمس والسحائي، الساعة الآن الثانية عشرة(. يد السائق اليمني مرمية على عجلة القيادة، واليسرى ملقاة بأعلى هامته، ولعله قصد بترك اليسر فوق الهامة أن يصد رغبة الرأس في الانفجار.

لم أكن أول الوالجين في كرش حوت يونس ذاك، إذ كانت به قبلي خادم الله بسلتها، وما يفوح في تلك السلة من طعام، لا يخفى أين تود أن تذهببه. كان هناك رجل لا أعرفه، وامرأة لا أعرفها، وأمثال هؤلاء كثيرون ممن يجلسون من حولي على المقاعد ولا أعرفهم. قلت في سري )أُفْ فْ فْ(، ولكن الهواء خذلني، إذ نقلها، فسمعها الركاب فالتفتوا ناحيتي ملياً، حتى هربت منهم بالذاكرة.
قبل ذلك بثلاث ساعات فقط، كان هنالك صف، قربه توجد يد طويلة ممدودة؛ طويلة، بحيث يحدث خلل في نسب أعضاء صاحبة اليد. هل في مقدورك تصور رافعة معطوبة في رصيف ميناء؟ تلك حال اليد المدودة.

وكان هناك رجل أصلع يطل من الشباك طوال الوقت. هو صامت، لكن الجميع يخاطبونه باسمه. وكان هناك عطا. رأسه آلة حاسبة، وفي جبينه عرق، وفمه جاف، كان عطا يقف في منتصف ذلك الصف العجيب ويتمتم ) 15 للبيت ، 4 للغسال ، 20 للكنتين ، 5 لخالتي نفيسة. ثم تذكر عمته بنت المنى وجدته التاية. فشطبت الآلة ما دونته وأعادت الكرة من جديد ) 13 للبيت، 3 للغسال..( وظنت الآلة الحاسبة أنها قسمت المبلغ كقسمة الفقراء للنبقة.
ولكنها تذكرت الاشتراكات. وصديقها عبدالمنعم مطر. )آه يا ملعون ما تعرس إلا في الشهر دا؟(. كان عطا قليل المسرة، شديد الحيرة والارتباك. عبدالمنعم صديقه وعفاف خطيبة مطر صديقته أيضاً، لذلك أفسح لهما مساحة في سطور الآلة الحاسبة وهو يدندن: سلام الله يا مطر عليها وليس عليك يا مطر السلام وبينما عطا مشغول بمحاورة آلته الحاسبة؛ دخل رجل سريع الحركات ذو شارب وعينين قلقتين، وتخطى عبدالقادر المتسرع أبناء آدم الموجودين بالصف مخفياً سوء ملامح وجهه بابتسامة ناشفة مشفوعة بخجل باهت غير مفيد في مثل هذه الحالات. ووقف أمام عطا في الصف الممدود الحبل.
قالت الآلة الحاسبة: )العمل القبيح لا يلد إلا الابتسامات المبهمة( ثم إن الآلة الحاسبة دنت من الشباك وانشغلت بأمر القبض والتوقيع عليه ومراجعة القبض والتوقيع عليه وما إليه.
كانت هناك يد مدودة مثل رافعة . وكانت اليد الممدودة مجزومة، وفي نهايتها صحن مبسوط، ولليد جسد مرفوع، ورأس منصوبة، وللجسد ثوب مجرور، وكانت تملك تلك الأعضاء والأمتعة جميعاً، امرأة معدمة ؛ جاءت زاحفة بريّاً من منطقةٍ شاحبةٍ نائية.

وكانت تلك المرأة ترفع عقيرتها بصياح سمته البؤس والفاقة:
- الله كريم. الله كريم. ورحيم. لله يا ممنين(. خرج عطا من الصف بفرح مؤقت، ورمى للرافعة ما أفلت من الرأس الصلعاء من )فكه( وانهمر ثناء الرافعة ليعادل عطاء عطا السخي:
- الله يجيب البركة.. ما شاءالله!
ثم:
- لله يا )ممنين( ويدور الرحى من جديد. جرى عطا نحو أماكن كثيرة لا يريدها في مثل هذا اليوم. وانتهى به المطاف إلى ذلك البص اللعين. فركب ثم انفلت منه ذلك التأفف )أفْ فْ فْ(. ولعله انفلت من عطا أو مني لست أذكر.
انشغلنا أنا وعطا برجل ذي جلباب نظيف وظللنا نراقبه، عطا يراقب حاله وأنا أراقب مقاله، حتى ضاق الرجل بنا فترك مقعده غير آسف وتنحنح جاره على الفور، كأني به ينبه بقية الركاب ثم انفجر:
- نشالين الزمن دا. نضاف زي التجار. بقوا نص النهار عينك ..عينك، أسه الزول دا النزلوا شنو؟
صمت الناس جميعاً لثوان كأنهم اتفقوا على دقيقة حداد. ثم هبط الحر، فصعدت السموم، وما انفك المزيد من الركاب يتوافدون خمسة، ثمانية تسعون...
( يا ابن العم ما تدوّر خليتنا زي الساردين (. ) دوّر آللخُو) قال سعد في سره(اسكت يا اقليمي). اللخو قال! (.وكان السائق صامتاً لا يرد. أصبح تمثالاً من كثرة ما ألقى في وجهه منقول غليظ.

امتلأ البص حتى بلعومه بالنتن من الروائح، وبالأطعمة والجوالات والبصاق رغم أنف التحذيرات المكتوبة )ممنوع البصق( بالعريض، قرأها شبه أمي وسط ذلك الجمع )ممنوع البصل(؛ وقرأها أمي تام الأمية )ممنوع البص( فلم يختلس النظر إلى جارته. ثم عدل عن فهمه لها:
- آه يعني البص دا ممنوع؟
وخرج لتوّه كأنه نسي الحرف الأخير بمنزلهم.
- يا شاب ما تحرك!.
ولكن السائق لم يتحرك إذ تأخر لدرويش يحمل إبريقاً وقلباً طيباً، ورهبة، فركب، ثم إن الخليل بن أحمد خرج غاضباً من بيت شعر مكسور ودخل في ذلك البص اللعين.
كان الكمساري مرفوعاً من أرضية البص إلى أعلى بغير رافعة سوى البطون والأكتاف، رجلاه في الهواء ونظره زائغ بحيث يبدو كخروف مذبوح )كيري( بدليل وجود الملابس عند الكمساري والجلد عند الخروف الكيري.
وكان ذلك الكمساري التعيس لا يتحرك، ولا يراه الركاب الذين لا يعرفون أمكنة جيوبهم. أما نقودهم فحدث عنها ولا حرج. كان الكمساري محجوباًبالزحام. ولكنه معروف مع ذلك للجميع، بواسطة التكشيرة المقدرة على فكه منع من ظهورها اشتغال الركاب بحركة المعاتلة. صاح الخليل بن أحمد:
- حافلات شاحنات سيئات
مركبات قاتلات فاعلات.
وكان حال الحافلة أشبه بحال أعماق المحيط في التداخل، والتماوج. كل مشغول بأمر نفسه، مهتم بها كأن العالم ينتهي لدى طرف أنفه. وكان الدرويش بين كل دقيقة وأخرى يباغت الركاب:
- )حَيْْ(
فيرد رجل مخمور من عامة الركاب:
- )قيوم(
وينفجر بقية الركاب بضحك سوداني عامر. وفي الممشى حيث تبلغ الكثافة الركابية ذروتها ) 20 راكباً في المتر المربع(. كان سعد يلاصق نعمات. بكت نعمات في سرها ولكن سعد سدر في غيه. حاول أن يقول لها شيئاً بالصوت الجهير ولكنه خاف. فتولى الدون جوان الذي في داخله الأمر. إذ قال:
- يا صبية مسك مس أرنب والريح في البص ريح زرنب. التصقي التصقي.
وكان بالمقابل يلتصق هو لا هي.
وحين أدار السائق القدير، وليس أمامه مفر من أن يكون غير ذلك، حين أدار المحرك وتمخطرت العربة بين أفواه التماسيح، والأسنان الجائعة للمطاط، أصبح الأمر كله كقفص لدجاج جائع في أطراف المدينة، يرعب أهله بالصياح ويرعبونه بالجوع. يطالبونه بالبيض فلا يبيض، ويطالبهم بالطعام فلا يطعمونه.
تجاوزت سفينة نوح هذه بنا محطة، وحطت بأخرى، فتلاطمت موجات بشرية جديدة لداخله، وخرجت منه مويجات ضعيفات التيار. وكان من ضمن القادمين رجل يترنح. قام سافر تاه.. قام تقدم وقع.. عطش عطش شرب..
وجد الشارع سار.. وجد البص ووجد الناس فدخل. وكان سكره معلن عنه بالحنجرة التي ترغى وبالمونولوج الداخلي المتقطع:
- أسع هق؛ الناس دي هق؛ متزاحمة فوق.. فوق.. كم؟
وما أن استقر محمود ، وهذا هو اسمه، داخل البص حتى بصق بصقة إفريقية وذلك بأن كور اللعب في فمه كالكرة الصغيرة. ثم قذف به دفعة واحدة خارج فمه: )طج(. فبلل ثوب خادم الله الذي يستر حالها على علاته، وحين ماءت خادم الله، نبح فيها فسكتت. فتصدى له مولانا ذو الصوت الجهوري والكلمات المحكرة :

– يا ابني اتق الله. أولاً ما فعلته قذارة والنظافة من الإيمان. ثانياً: هذه الولية حرمة، وثالثة الأثافي ذلك البصاق، والعياذ بالله ، خمر.
وتوكلت خادم الله على سيدها، وناوشت محمودا متكئة على تشجيع الناس لها. لكن محمودا تدحرج نحوها فجن جنونها. كان محمود هائجاً كثور اسباني وانبثق من فمه كلام كاللعاب:

- قلت يا وليه هق أنا مليان هق مريسة وعفن؟ قف. هو شبهك إنت قف. بلا المريسة والعفن قف. شن.. قف. شنو؟(.
فردت خادم الله:
- قلت شنو يا راجل يا عديم الحيا؟ والله يا هُوْ(.
وكان هذا غاية ما تعرفه خادم الله من الوقاحة. أما محمود فقد وقع من السماء سبع مرات، ولكنها ربما كانت وقعات فارغات مثقوبات، وذلك أصبح واضحاً للعيان بعد وقوف جميع الركاب ضده منحازين لخادم الله، ولم تدم سيطرة خادم الله على خيالات الركاب طويلاً، إذ جذبت الانتباه جلبة، أبطالها أطفال، أشجعهم يسير في المقدمة، وأخوفهم يسير في المؤخرة. والخائفون أصواتهم عالية. وهم جميعاً يمشون مشية العساكر. أرجلهم تدق الأرض، مخيلاتهم جامحة وشديدة الخصوبة. والنغم موحد. يزفون رجلاً كالأرجواز. عكازته عتيقة، ووجهه كالسعن المتيبس. كانوا يهتفون:
- قفه.. قفه.. قفه.. قفه...
صاح الخليل بن أحمد داخل البص:
- فعلن.. فعلن
فلطمه أحدهم حتى طار عجز البيت ، فعجز عن مواصلة الكلام ونزل. كانت الزفة قد بلغت منتهاها عند بلعوم حوت يونس المنكوب، كان قفه فيما بدا للناس منكوباً . وله جسد يهتز بلا مثير للاهتزاز، مثل عنق دجاجةوله رجلان نحيفتان ملتويتان وفم ذو تمباك. ومن شدة برمه سب أمهات الأطفال نهاراً جهاراً حتى ضحك الركاب ولكن أكثر الأطفال لا يعلمون.
- قفه.. قفه.. قفه.. قفه.
كل مجموعة تناوب الأخرى وقفة وراءهم بكل وسائل الشجار السوداني بدءاً بالتراب وانتهاءً بالسباب.
- ياشف ف.. ع ياوولاد الح ح ح ح ح ح ..
الله ومع ذلك في الأمر تأتأة يا سيد قفه.كركر الركاب من جديد بضحك سوداني عامر وقال له بعض الركاب:
- )أركب خلاص، أولاد حرام. وارتاح قفه للمساعدة القيمة. وأمسك
بتلابيب الكلمة جيداً حتى لا تتبعثر منه أصواتها في فمه التمباكي، وقذف بها في وجه الأطفال.
ثم إن السائق انتهرهم بالصوت الغليظ.. فتفرقوا مصدرين صيحات الأطفال المألوفة لدى انتهاء اللعب، كأنهم ينبهون أمهاتهم بتوجههم نحوهن.
ودخل قفه في زمرة الركاب بأن حشر نفسه مباشرة في أحاديث الناس، التي لا يفهم منها سوى كلمة لا تضحك فيضحك عندها، وأخرى لا تهز فيهتز لها جسده مابين الصفا والمروة. وكان بين الفينة والأخرى يقاطع حديث الركاب بكلمة جمعها فأفلتت منه في ذم الأطفال البائدين.
- شفع ما مرب أب أب أب.
سئم الناس قفه فنسوه. سئم الركاب الخليل فأنزلوه. وكان المخمور هامشياً، وكان الدرويش مستمراً على وتيرة واحدة إذ يقول )الحي( فصار الركاب ينتظرونها بميكانيكية كانتظارك نقطة ماء تقع من صنبور معطوب.
وهكذا تشرنق الركاب، كل يبحث عن نفسه التي بين جنبيه، قال عطا:

- كيف أكون أنا أنا؟ ثم أكون أنا أحزان قلبي وأصفيائي وأحبائي؟ وانشغل عن سؤاله الغريب بمراقبة رجل صفوي يفكر. فكر الرجل الصفوي. ثم فكر. وأخيراً هداه تفكيره إلى أن الشمس هي السبب في كل ما يحصل في هذه المركب وفي البلد عموماً وفي العالم.
- أيتها الشمس اللعينة - قال الرجل الصفوي- لماذا هذه الحمم وهذه الغلظة؟ أما تدفئين بلاد الإنجليز التي هاجر بعض أهلها خوف البرد الذي قتل
أبا ذر وسكنوا بلادنا ردحاً فعمروها؟
ولكن الشمس كانت بعيدة جداً. خارج مرمى تساؤلات الرجل الصفوي جميعها، ترى ولا ترى تسمع ولا تسمع. هل تهب الحياة؟ نعم. هل تدمرها؟
ربما فقط إذا قال النهار: )هنا الصيف؛ إذاعة عنبر جودة وقلة الهواء الصالح( فترسل الشمس إذ ذاك شعاعاً أحمر وأخراً بنفسجياً وثالثاً تحت الأول ورابعاً فوق الثاني. والمسبحة البشرية داخل حوت يونس تدور وتهمهم )يا لطيف، يا لطيف( ثم يكون السهو: )رمضان المدارس، المواصلات. يا لطيف. الرغيف، الفحم، البصل، يا لطيف( ولما كنت طالباً بارد الحشا فقد كان الأمر الدائرة به هذه المسبحة يعنيني على تجريداته فسحب. ولذلك كانت المسبحة تدور وأنا أضحك على السذاجة حتى غفوت وانشغلت بحالي في غفوتي. رأيت أن الأولية جاءتني بدجاجها الذي يلقط الحب، وبديكها الذي صاح قبل طلوع الفجر، رأيت الكتب الهاربة وبعضها منسي. وكان أكبر ما رأيت هو انتظاري في ركن من أركان المعمورة لزائر لا يجيء. انتظرت السودان وفي يدي زهور برية قرب محطة مترو. كانت المنطقة غاصة بمواطنين ينتظرون فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.وتبدت لي في الأفق كتلة فرح سوداء، ما أن اقتربت حتى تبدل لونها إلى أزرق فاتح يخلب الأبصار، قلت هذا هو! يالحسن عينيه! وخيل لي أني سمعت وقع خطواته ففرحت فرحاً جماً وما أن رفعت يدي في بروفة لإهداء الزهر حتى دهمتني دولة ثرية فجريت منها كما يجري
الناس من الطاعون ولكنها اقتفت أثري وصاحت )تهاجر؟( )قلت( لا)ثم صحت: يا دينق يا دينق( وقفز الصديق دينق لنجدتي. وصرخ فيها:
- وهْ ) 1(! – فهربت لديارها تنضح بالبترول. ثم أني قلت يا دينق يادينق .... وتجولت مع دينق حذاء النيل في ذلك الوقت الغريب فرأيت الناس يكرهون حياتهم التي يحيون، وخرجت التماسيح من النيل من شدة الحر وقسوة ودكتاتورية الضفاف. قالت الأسماك والتماسيح: هراء كيف نقضي العمر سابحين في نهر واحد؟ فقال لها النيل: موتي إذن.
وخرجت جميع كائنات النهر تتظاهر كما خرجت البيوت والعمارات متعاطفة مع البشر.
واهتزت الحافلة فقالت خادم الله وهي تبتسم:
- قول بسم الله.
فقلت.
فسألت:
- وما لك مخلوع كدى؟
ضاع مني كل خيط بعد صحوتي عن أمر الركاب الذين عنهم أحكي. إذ أن الشمس لفحتهم لفحة وهم مسبحة تدور بما أسلفت وحين ازداد هدير البص عند منعطف ما وأطلق دخاناً وعبق المكانبخليط من الروائح فتلبكنا جميعا ركاباً وحديداً وسائقاً وكمسارياً. مثل قطعة صابون تغلي في ماء. ثم تحولنا إلى كتلة ودك، هشة متماسكة وخالية من المسام. اختلط حابلنا بنابلنا وسكرياتنا بتوابلنا ورافضنا بقابلنا. هل هززت إليك بجذع دومة حتى تساقط ثمرها صلباً قوياً؟ ثم أخذت مما تساقط ثمرة فهززتها حتى ارتج ما بداخلها؟ ذلك حالنا في تلك الحافلة في ذلك النهار ذي الموجات الإذاعية الحارقة الطويلة كتلة واحدة
غبراء ومتلبكة. لا لسنا العجوة ولا الساردين كما يظن خيالك. ولكننا أبناء الكوارث والصبر غير الطيب فمن يحولنا من؟ من يحيل فسيخنا بطيخاً؟
قال الدرويش:
- الحي.
وقال الجميع )قيوم(.
ولم يضحك أحد هذه المرة. أصبح السائق ، أي قطعة الشحم في أول الكتلة الودكية ، يقف في كل محطة فتدخل أمواج متلاطمة من البشر، كل موجة تلاطم موجة وما أن يستقر من ركب في وسط الودك حتى تسري فيه الحرارة فيتلبك. أما من الناحية الباب الأمامي فلا أحد ينزل. حاول قاسم الشرطي أن ينزل وكنت جاره قبل أن نتلبك، فوقفت أعضاؤه بعضها فوق بعض، تساقطت عيناه وحاجباه وأنفه وفمه ثم تفككت مفاصله وانفصلت عن جسده بفعل الحرارة واختلطت أعضاؤه وتباعيضه بأجزائنا وتباعيضنا وهكذا أصبحت الكتلة جسداً واحداً مهموماً وساخناً وذات مصير مشترك، أصبح الراكب للراكب كالبينان يشد
بعضه بعضاً إذا تحرك منه عضو تألمت سائر أعضاء البقية بالتعب والمجابدة. مر أحد بغاث البرجوازية في محطة ذات إزعاج بمركب نوح التي نركبها، وكان قبل ساعة من مروره يخطب ويخطب حتى أدركه النعاس فنزل من صهوة عبارة مستهلكة مضغها خمس مرات وصفق له جمهور من دهاقنته عشر مرات وكان بعض التصفيق للتحية والمجاملة وبعضه الآخر للمجاملة الصرفة. مر ذلك العالم العلامة الأريب المناضل حتى آخر السكباج، بالقرب
من سفينتنا ومد أنفه فاشتم رائحة حيواناتها ومتاعها وبشرها ثم حمد الله أن
لديه عربة تقيه من شر حاسد إذا حسد.

ثم أن سائقنا انحرف عن الشارع يميناً ليتفادى طائشاً آخر فمالت سفينتنا حتى ضجت الكتلة الودكية كأنها تبكي عزيز قوم. وتسمع لفظ المحافظة.. المحافظة.. المحافظة يتردد كالفاتحة في ما تم ذلك العزيز وسخط بعض الودك من قطعة الودك التي كانت في المقدمة وأوشكت هذه أن تقول:
- أنا ودكاية مثلكم ولست سائقاً.
ولكن السائق الذي كانته ارتاح على مخدة ذكريات أيامه الغوابر حين كان يعمل بالجزيرة أيام شبابه، كان يقود شاحنة تجارية يرقد في بطنها بدلاً من البضائع ركاب سعداء. أفواههم مفتوحة على مصاريعها وأسنانهم صفراء لوَّنها الجهل والبؤس. وتعلموا فتح الأفواه بالوراثة من آبائهم الأولين، بعضهم مريض، والبعض الآخر مريض أيضاً ولكنهم قنوعون بحياتهم ومتآلفون ودودون وكرماء. كانت الشاحنة قد تعودت أن تغير في سهول الجزيرة وأن تدخل من قتام في قتام، وكان السائق في زهو العرسان، يشعر بأنه ملك هذا الحديد ومسخره كأن داؤد النبي جده، وكان أطفال كل القرية يعرفون الشاحنة من
صوتها، إذ ما أن يدلف بها السائق في فم فناء القرية حتى يحيطها الأطفال بأسمالهم وذبابهم وبطونهم المنتفخة مرضاً وفراغاً. ثم ينسق السائق من أنغام البوق ميلودية محببة لجميع الأطفال ويغنيها حتى تسمع القرية كلها صوت )البوري( الصاخب يهدر :
- )سيد اللبن جا يا نفيسة(
فيرد الأطفال:
- )طالبني قرشين في المريسة(.
ويغني البوق:
- )سيد اللبن جا أنا مالي(.
ويرد الأطفال:

- )طالبني قرشين في التسالي(.
ثم تخرج الشاحنة من فناء القرية.فيشيعها الأطفال بالحجارة ويلف ركابها الغبار. ذلك جزاء سنمار ويصيح صائح أشعث:
- شفع مطلوقين
ولكن السائق سعيد والأطفال أسعد. ذلك زمن )حليل زمن الصبا( أما الآن فهو يبدو من خلال كابينة قيادته كالنمر الحبيس بحدائق الحيوان. حتى الأطفال يهزءون به وهو لا يتحرك ببنت مخلب ولا ناب. ها هو الآن يتحول أيضاً مثل ركاب الشؤم إلى ودك قابل للانزلاق والتلاشي.
سكت السائق من تأملاته فسكتت عنه. وجرف سفينة نوح لقلب الشارع ثم جرى بها جري حرائر الإبل وأوصلها لشجرة المنتهى من المحطات وهناك لفح الهواء الساخن كتلة الودك الصلبة فتحول الركاب لسوء الأحوال الجوية والنفسية من حالة الصلابة للحالة الغازية دون المرور بحالة السيولة فتبخرنا من الشبابيك والأبواب غازات سودانية ملونة وقلقة. الكمساري ساعة أن رأى نفسه سحابة دخان حاول أن ينزل كالقط، حذر أن يقع حتى لا تشتبك أعضاؤه الأساسية ضد الثانوية، وبما أنه خفيف قصير القامة، فقد وجد نفسه في الهواء لحظة أن وضع رجله في درج السلام، أصبح رأسه مكان رجليه، ووقع على الأرض. وهناك مرت عليه نسمة باردة فرجع ابن آدم كما كان قبل ركوبه البصل بيد أن جسمه روى عن نفسه فيما بعد فقال: أصبحت كالعنزة الجرباء أفردها القطيع. أصبح مثل السلحفاة التي تدخل رأسها في قدحها خوف الخطر. رأسه داخل صدره وصدره داخل بطنه ورجلاه كرجلي ضفدعة.
- شيء عجيب
قال عبدالمنعم
- أبونا آدم سلم وديعته لهابيل وهابيل سلمها لإدريس وإدريس سلمها لنوح. كل نبي يضيف من حسنه لحسن الجيل الذي يليه كأروع ما يكون الاحتمال و-الديالكتيك- حتى اكتمل الإنسان فكيف لحوت يونس هذا يعجننا كما عنّ له .لا يستحيل!
قال عبدالمنعم. ثم اشعل غازه الذي كأنه، نارا واشتعل في الهواء
وتلاشى.
أما أنا فنزلت وبي حذر أكبر من حذر غيري، كنت طويل القامة وحين لامست قدماي الأرض دخاناً أسود. حمدت الله وقلت ستمر نسمة وسأجمد على أحسن حال. وسأكون وسيماً. وما أن ذكرت أمر الوسامة هذا حتى قررت أن أجري بعض الاصلاحات الطفيفة لأكون وسيماً أكثر مما كنت. وتذكرت أن فكي الأسفل به طول. فهششت بعض الدخان الموجود مكانه ثم جعلت وجهي مستديراً وفتلت عضلاتي وعدلت هيئتي لا كما كانت ولكن كما كنت أتمنى من الحسن والبهاء. وقبعت في انتظار النسمة الباردة ولكنها لم تهب. قال المغني )كيف العمل؟( قلت أتدرج خطوة خطوة في اتجاه النسائم الباردة لئلا تختلط تباعيضي مرة أخرى.وما أن خطوات خطوة حتى وقعت في حفرة مجاري ومكثت هناك ردحاً من الزمن وعندما خرجت منها كنت رطباً بارداً.
عنقي به التواء وأنفي أفطس وعيناي توشكان أن تهربا من وجهي. جريت قبالة مرآة في مكان عام فما رأيت حيواناً أبشع مني.
قلت:
- هل هذه بلد؟ إذا ركب الواحد مواصلاتها كان عليه أن يصير خنزيراًً وقرداً إذا نزل؟
وفجأة أصبح الجمهور في الشارع يناديني باسم غريب على:
- )بخيت.. بخيت.. بخيت!
وناولني بعض الأطفال التسالي وهم يضحكون. وتحسست جسمي فلم أجد ذيلاً.
محمود المخمور كان يدخن ساعة تلبك وحزة أن صار دخانا اختلط دخان سجائره بدخان جسده وهبت سموم فلفحته إلى مخزن فتلقفه صاحب المخزن وعبأه في علب سجائر صنعت خصيصاً للسودان وللدخان.
خادم الله جار النبي جرت من هول ما رأت )دخاناية( سوداء ورست بمبخرة في مطعم قذر وهشت ذباب ذلك المطعم حتى طردته ولكن بعضه تساقط في أطباق الزبائن. انتقم الذباب من الدخان الذي أصبحته خادم الله فاستنشقه ومات عملاً بالقول المأثور )علي وعلى أعدائي يا رب( وحين هبت نسمة باردة لإرجاع خادم الله، بنت حواء التي كانت، لم تجد تلك النسمة منها سوى ثوبها الخرق.
نعمات ذات العينين الواسعتين خرجت دخاناية بيضاء وتمخطرت كبنت فرعون فاشتبك بها دخان سعد وتخللها فصرخت حتى فض بعض الدهان الواقف مجاوراً نزاعهما ولكن نعمات التعيسة مرت بقرب )كوشة( فتحرش بها دخان )الكوشة( وغازلها واشتبك بها والتف وامتزج بها فلوثها فحبلت وولدت دخانا تشمئز منه النفوس.
قال دخان الدرويش: )مدد( فهتف به هاتف أن أصعد، فصعد تحرسه العناية حتى فنى في حب المعبود.
خرج دخان السائق محتاراً. فوجد سحابة صيف فامتطاها بلا جواز سفر فعدت به وهاجر. حليمة المضمخة بالعطر الزائد عن الحد وجدت نفسها بجوار دلكة وصندلية وطلح في دكان صغير(. سارت خمس شابات جامعيات هن )عفاف وعلوية وعواطف وهدى وليلى( سرن كخمس )دخانايات( إحداهن صفراء والأخرى خضراء والثالثة سمراء والرابعة لون زينب والخامسة خاطفة لونين. قالت علوية:
- الحمد لله البقينا سودانيات، اسه كان خواجيات ما كنا عرفنا رأسنا من قعرنا.
سرن جميلات رشيقات أنيقات يتأففن من ملاصقة الهواء النقي للدخان الذي كنه فالتف بهن إعصار ذو غبار فسحب منهن )الكروت الرابحة( وحين هبت نسمة باردة بعد ذلك تحولن إلى سعالي.
قالت السعلاة للسعلاة:
- )يلاك نخلط(.
وذهبن ما عدا عفاف.
كان المقهى الجامعي يغض بجماعات متوحشة .تخفي تحت ثيابها هراوات غليظة وما أن وصلت السعالى حتى هوت الهراوات على رؤسهن مشفوعة بكافة التعاويذ من الشياطين والسفلة.
ذلك السفين النوحى تفرق أيدي سبأ. كل دخان من الركاب مضى لحتف أو نجاة، هجرة، أو عصا، علبة أو أحشاء ذبابة.
كان سعد يهوى العلا لذلك صعد في هامة مدخنة لمصنع بالمنطقة الصناعية ثم احتار لأن النسمة الباردة هناك لا تمر. وأصبح أسير المدخنة كلما هم بالنزول اندفعت من فوهة المدخنة جماعات من الدخان الساخن فاختلطت به وسخرت من حاله.
وقبع في علاه الوحيش إلى أن جاءه الفرج يوما حين انقطع التيار الكهربائي عن المصنع وتوقفت الماكينات ووقعت )دخاناية( سعد خلال فوهة المدخنة إلى أسفل سافلين وارتطمت بالبلاط ثم صار صاحبها مسخاً ثم تحول إلى ضفدعة تعيسة رآها في حينها عامل برم بما يكسب فصاح فيها بصوت مسيلمة:
- )يا ضفدعة بنت ضفدعين، علام تنقين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين(كذب مسيلمة ولم يكذب العامل ؛ إذ سحلها ثم داس عليها بنعل غليظ فماتت مأسوفاً على الإنسان الكامن فيها.
أما قسم الشرطي فقد تدحرج من سلم البص وانزلق على الأسفلت وتدحرج زمناً ليس بالقصير وعندما هبت النسمة الباردة جمد الدخان الذي كأنه الرجل إلى قنبلة مسيلة للدموع. دخان في حالة كمون مسكون بالضغينة وسوء النية.
حط دخان عطا بمستشفى للأمراض العصبية. حوله المصابون بالذهان والانفصام والهستيريا. جاء أخوه وجاءت أمه من أقصى الصعيد. قالت أمه:
-نوديك للشيخ صايم ديمة
قال عطا:
- لا.
كان عطا ذاهلا.ً عنقه كعنق دجاجة مريضة ولسانه معقود.كانت أمه ترى حال ابنها فتمرض تدريجياً وكان الطبيب إذ يزور ابنها يرمقها بنظرة تنم عن شكه في حالتها كما شك الملاك عزرائيل حين تبدى بمجلس سليمان عليه السلام في شخص وجده بالمجلس ومطلوب قبض روحه في الصين إلى آخر القصة.
كان عطا يسمع ويرى بعد أن عاد ابن حواء كما كان. ولكن قلبه ما فتئ يحاول الخروج من القفص الصدري.
كان قلب عطا يطرق باب القفص الصدري عسى أن يخرج:
- )دق(.
فيقول له عطا :
- مالك؟
فيقول القلب :
- دق .. دق .
فيرد عطا:
- ممنوع.
- )دقق.. دق(.
- كلا.
)دقق .. دق.. دق(.
خاف عطا وجن جنونه وهكذا أصبح وجوده مشروعاً في ذلك المستشفى.
وذات مساء سمع عطا نشرة محلية تعني بشؤون الموتى المفقودين )خرجت ولم تعد حتى الآن خادم الله جار النبي أوصافها كالآتي: خرج ولم يعد حتى مطلع الفجر سعد عوض، خرج عبدالمنعم، خرجت نعمات. خرج الخوارج.
دخل الدواخل(.
قفز عطا من سريره عارياً فتبعته أمه وتبعه أخوه هلعان وهما يصيحان:
- ارجع!
جرى عطا وقفز فوق السور العالي ثم قفز تجاه الشارع وصاح:
وجدتها وجدتها .
جرى وراءه رهط من الغرباء والممرضين. قال عطا :
- يا عالم وجدتها.. وجدتها.
قال غريب:
- وجدت ماذا؟.
قال عطا :
- وجدت الغازات السودانية. عثرت على أصلها وفصلها. وجدت سر اختفاء المفقودين سر خادم الله بت جار النبي.
وهز الجميع رؤوسهم أسفاً. ثم دلف خمسة أشخاص وممرض تجاه منتصف الدائرة حيث عطا. وأمسكوا به وهو زائغ البصر. رأت المشهد امرأة عجوز فضحكت وأبرزت سنيناتها حتى غضبت منها أم عطا. وقال عطا في سره.

- وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم تر قبلي اسيراً يمانياً
استسلم عطا لدموعه حين رأى عيني أمه الحزينة صاح فيها مشفقاً:
- كيف يجري نيلك؟.
كانت أم عطا من شاكلات الطير صبت في دجى بلعومه حين كان يافعاً، لون الصباح، وكان أبو عطا نهراً مرهوب الدواخل ولعطا صحب بهيون، عديلون، عنيفون، انتمائيون، من جنس الرياح وها هو الآن حطام شاب تمرده في لسانه لاغير. قال عطا:
- )يا للبشاعة
فلطمه رجل يتضايق من الكلمات وصاح فيه:
- اخرس.
ولكن عطا انهمر وهطل مطراً من الكلمات العنيفة. فصفعه الرجل حتى سكت عطا. لكن الرجل الغريب تمادى في اللطم والركل والصفع، لطم عطا ولطمه حتى وقعت من فكه سن مدمومة فأشار عطا لسنه المخلوعة على الأرض وصرخ:
- اتركني! وقع القمر.. وقع القمر!
ولكن الرجل الغريب ما تركه وقعت الأم من هول ما رأت على الأرض، بلا حراك وصرخ شقيقه وبعض السابلة بالصوت الجهير
- )لا(
ولكن الرجل الغريب ما ترك عطا.ضربه ضرب غرائب الأغنام.وهنا جاء الطوفان:
قال قلب عطا:
- دقق. دق. دق.
فقال عطا:
- ممكن.
قال قلبه:
- دقق. دق.
قال عطا:
- نعم
قال القلب:
- دق. دق
قال عطا:
- اخرجي .
قال القلب:
- دق.
ثم سكت. سكنت الحركة ذلك المساء. لا الشارع رأى عربة ولا العربات رأت زحاما.ً نام الناس قبل الكلاب. والقطط نامت قبل الفئران. تمدد النيل من الشاطئ للشاطئ ومد يديه فوق شبح المدينة النائمة وتثائب. عطف الحزن على الأزقة والحارات فغسلته الدموع.
في ذلك اليوم بكت السحب فوق طلل تلك المدينة بكاء الأطفال، ومع ذلك فإن سائل الحياة وماء ها يجري. وفوق ذاك فإن النيل ينيل، يرهد الرهد، ويدندر الدندر ويجيش القاش والعطبراوي يعطبر فهل من عاصم من التيارات ومن ملجم لهديرها؟ هيهات

• عبارة )والعطبراوي يعطبر( أضافها الأستاذ علي الملك، و)يجيش القاش( أضافها الأستاذ محمد
أحمد محمود كما أضاف الأستاذ أبوبكر الأمين كثيراً إلى صور ولغة هذه القصة وغيرها.


تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 1801

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.بشرى الفاضل
د.بشرى الفاضل

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة