المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. محمد بدوي مصطفى
وردي ... ستظل لحنا يداعب أوتار الوجدان!
وردي ... ستظل لحنا يداعب أوتار الوجدان!
02-26-2014 12:46 PM



في ذكراه سنظل نردد أجمل ما تغنى به كراون إفريقيا ونقول له في مثواه الأخير تقبلك الله بقدر الحب الذي أحببناك إياه. في ذكرى رحيله هذه تنادينا تلك الأصوات ووناديها كما ناداها هو فنترنم بجميل الكلم في (أصبح الصبح ولا السجن ولا السجان "باق"). كلمات قابعة كالأزهار في ذاكرة الوطن تجود برحيقها لتغذي براعم التراث الأصيل، نعم، قالها قبل أن يرحل، علّهُ كان على بيّنة ويقينٍ أن الشعب لم يستسلم للتشاؤم كل الاستسلام ولم ينغمس في يأسه الذي طال كل الانغماس، بل تعلّقت روحه ببصيص الأمل الباقي له وهو أن يكون الأمر غير ما قدّر والظن غير ما أساء ... وتمنى وردي قبل رحيله لهذا البلد الحبوب الذي ناداه في بناديها (الحبيبة عازة) لو يستطيع أن يبدد هذه السحابة القاتمة التي ألقت عصاها على قلبه وبنت بيتاً وخيمة. نعم تمنى لشعبه المزدان ب (جلابية وتوب وسروال ومركوب)، هذه الهامات الباسقة كنخيل الشمال الضارب بجذوره في أرض الحضارة والرقيّ أن يسترد بعض من الصفاء والتفاؤل الذي عُرفَ بهما واللذان أفنى هو روحه كمطرب ليبقيا نسمة ربيع مزهر ينشده الوجدان ويترجاه نخل الشمال ليغدو معها مدًّا وجزراً.

وهذا النخل الباسق بكى عليه بالدمع الهطال وسال حزن أمواجه على جريدها المسدول مدرارا، كما سال طوفانا في نفوس الخلائق الي خرجت ساعة الرحيل إذذاك من كلّ فج عميق لتشيع رمزا وطنيا دون سابق وابنا أحبّ الوطن فاحبّهُ وأخلص لهُ فرفعه حتى صار مطرب افريقيا الأول ولكنه في الأول والآخر مَلَكَ القلوب بسحر نغمه؛ برطانة عذبة أم بعربية مبينة امتلك نواصيهما. رغم لحظة الأسى ربما نجد السلوى في أبيات سمعناها وعرفناها من حنجرته الذهبية لتخفف وطأة المستحيل الذي أردناه وهو أن يبقى: (لو بإيدي كنت زللت المحال - والأماني الدايرة في دنياي ما كانت محال- دي الإرادة ونحن ما بنقدر نجابه المستحيل - دي الإرادة والمقدر ما بنجيب ليه بديل.)

هاهوذا النغم الذي انساب منه ليملكُ النفس حين يداعبها فتذوب له المشاعر عندما يناغمها. إن هذا العملاق ترك بصماته وسطرها بحبر من نور وبمداد النيون اللؤلؤي فلن تختفي من مرافئ الفن السوداني أبدا. للموسيقار وردي علاماته التي تميزه كمبدع، له دون أدنى شك نصيب وافر في الحراك الموسيقويّ الخلاق منذ الخمسينيات وعلى مراحل تطور الاغنية السودانية، وهاهيذا مكتبة خالدة تبقى نبراسا فنيا وذخيرة ابداعيه لكل الاجيال القادمة ينبغي علينا الوقوف على حفظها وتوثيقها وهذا نداء لأهل العلم والرأي بالبلاد.

لن أنسى تلك اللحظة التي آثر لي فيها الشاعر تجاني الحاج موسى أنه لقي الفنان محمد وردي على باب الإذاعة فتبادلا التحية بكل حبّ واحترام وعقب المرحوم وردي قائلا للشاعر: - ألا تريد أن تدخل التاريخ يا تجاني؟ قالها وكأنه يقول للشاعر الفذ تجاني، لم تهدني قصيدة منك بعد!

نعم رغم اعتزازه بنفسه ورغم ما كان يقال عنه من عنجهية وترفع فإنه دخل تاريخ السودان الحديث من أوسع أبوابه. إن هذا المعلم ضرب بعرض الحائط تلك النظرة التقليدية البشعة تجاه أهل الفن والنغم لأن المجتمع كان قد عرِف ممارسة الغناء آنذاك فقط عند العبيد والإماء؛ لكن هذا الرأي لم يبطر في كفاحه شيئا فلم يعبأ محمد وردي بمقام المغنى الوضيع وأطلق عنان طموحاته لارتياد آفاق الطرب والإبداع مغامرا بروحه وشرف قبيلته. وردي من أوائل من عبّدوا الطريق كأنموذج حي لاحتراف المغنى، فغنى للوطن وللنضال والجمال والحرية والقيم السامية وسطر بصوته تاريخا يجعلنا نقف أمامه احتراما وإجلالا، فكانت المدرسة المتفردة في النغم الأصيل، مدرسة الفنان محمد وردي الموسيقية والتي ندعو العاملين بوزارة الثقافة ليسموا معهد الموسيقى العالي باسمها: كلية الفنان محمد وردي للموسيقى. ويكون هذا ختام المسك وبداية العمل الدؤوب في الحفاظ والتوثيق لما عرفناه عنه وما جهلناه فيه ومنه.

ليس ذاك بكثير على قامته؛ إذ أنه توّج بنياشين لا تضاهي عظمته وجلال ابداعه ابدا حيث منحته جامعة الخرطوم الدكتوراه الفخرية في عام2005 تقديرا لمسيرة فنية خرافية ناهزت الستة عقود ولبوتقة فنية ثرّة تحمل في طياتها أكثر من ثلاثمائة عمل فني. وكل ذلك يعتبر فعل اسطوري خالد، كما توّج هذا الموسيقار الراحل بالعديد من الجوائز العالمية منها على سبيل المثال جائزة "المطرب المغني بلسان شعب" بالمجر كما ونال عام 1974 م جائزة "بابلو نيرودا" العالمية للأغنية الوطنية ونالها (حين خط المجد في الارض دروبا - عزم ترهاقا وايمان العروبة - عربا نحن حملناها ونوبة). كيف لا يتوج وهو الذي قال: (ابدا ماهنت يا سوداننا يوما علينا - بالذي أصبح شمسا في يدينا - وغناء عاطر تعدو به الريح فتختال الهوينى - يا بلادي - وإذا الحزن الذي كحل هاتيك المآقي -‎ والذي شد وثاقا لوثاق -‎ والذي بعثرنا في كل وادي). نعم بعثرنا في كل واد وسلوا التاريخ فهو خير عالم.

دعونا نتذكر رحيله في بقاءه معنا لأن ذكراه حين تتجدد تنبسط اسارير القلب فتضفى على وجداننا عالم من احلام الجمال ولأن التذكر للقلب كالحفر في باطن الأرض يفجر الماء فياضا غزيرا فينضح منها "ماء وردي" زلالا نقيا.

(صحيفة الخرطوم)
[email protected]


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1257

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#928423 [the harder they come]
1.00/5 (1 صوت)

02-27-2014 07:46 PM
O guy with hard hair coated with gel

why censoring my comment


#928408 [المديدة حرقتنى]
1.50/5 (2 صوت)

02-27-2014 07:26 PM
"قل له انا فلان الفلاني او اذهب وقابله راجل لراجل وصفي ما بينكما كرجال
القراء هنا لا دخل لهم بأحقادك ومشاكلك الشخصية

كن راجل واذهب وصفى مشاكلك بعيدا عنهم"

عوضية بتقول بتحداك ابقى راجل وتعال بعد الساعة 12 فى خور ابوعنجة على شرط ماتكون ممسح شعرك القرقدى باى جل او زيت مفهوم ياوهم


#928358 [SONACOTRAنفر]
2.00/5 (2 صوت)

02-27-2014 06:23 PM
"الكاتب يطرح رؤى وافكار فان كان لديك افكار تفيد القارئ فهات ما عندك وان لم يكن لديك فتابع وتعلم"

اه افو افو بقيت فى ال COPY & PASTE
منو انت؟ ماتبقى راجل وخت اسمك ومعاهو الدال ياوهم
هسى ده كلام زول عندو رؤى وافكار؟؟؟
طالعنى وقابلنى قال اختشى من روحك يادباغ الجلودوالعقول


#927961 [عوضية جربوكس]
2.50/5 (5 صوت)

02-27-2014 11:52 AM
قلنا لك سابقا

يا ايها الذي يكتب باسم عوضية جربوكس

لا ندري ما هي الاسباب التى تدفعك لهذه العداوة مع الكاتب
الكاتب يطرح رؤى وافكار فان كان لديك افكار تفيد القارئ فهات ما عندك وان لم يكن لديك فتابع وتعلم

ولا داعي للاساءة والتخفى خلف اسم فذلك نوع من الجبن
قل له انا فلان الفلاني او اذهب وقابله راجل لراجل وصفي ما بينكما كرجال
القراء هنا لا دخل لهم بأحقادك ومشاكلك الشخصية

كن راجل واذهب وصفى مشاكلك بعيدا عنهم


ردود على عوضية جربوكس
United States [عوضية جربوكس] 02-27-2014 06:04 PM
اه افو افو بقيت فى ال COPY & PASTE
منو انت؟ ماتبقى راجل وخت اسمك ومعاهو الدال ياوهم
هسى ده كلام زول عندو رؤى وافكار؟؟؟
طالعنى وقابلنى قال اختشى من روحك يادباغ الجلود


#927410 [وردابى]
5.00/5 (2 صوت)

02-26-2014 10:13 PM
من مقالك هذا ان المغنين اللذين كانوا في الساحة في العام 1957م كانوا عبيد واماء ان لم يكن كلهم فجزء منهم انت معجب بوردى غنائيا وليس فكرياكما تدعى يرحمه الله فهو ليس لديه هذه المفاهيم


#927049 [محمد الدول]
5.00/5 (3 صوت)

02-26-2014 02:39 PM
انت تتكلم كيف والله وردى لا يملك شارع وكما المحجوب البروف عبدالله الطيب يا دوب لقى شارع عرضه 8 امتر وطوله تقريبا كيلو فى الحاج يوسف مربع 16
انت فى بلد المبدع يهان ويكرم اللئيم الماكل حقوق البيتامى والمساكين بالله عقب على المبدعين ان وجدوا شيئا فى السودان الكبير


د. محمد بدوي مصطفى
د. محمد بدوي مصطفى

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة