المقالات
السياسة
الأرض والعرض ....لا تفريط فيهما!
الأرض والعرض ....لا تفريط فيهما!
03-02-2014 03:38 PM

الأرض والعرض ....لا تفريط فيهما!

إرتباط الإنسان بالأرض أمر أزلي، فمنها خلق وفيها يعاد ومنها يخرج تارة أخرى؛ فقد جعل الله لنا الأرض ذلولاً لنمشي في مناكبها ونأكل من رزقه وإليه النشور، وكل هذه إشارات تدل على مدى أهمية الأرض لمعاش الإنسان ومعاده، خاصة في مجتمع كالمجتمع السوداني حيث يعيش معظم السكان على ما تنتجه أرضهم، وما يتنزل عليهم من مطر في كل موسم؛ ولذلك لا نستغرب إذا وجدنا رائحة الطين والرمل و"البوغة" في كثير من أشعار السودانيين وأغانيهم الشعبية. ولكونهم مجتمع ريفي بسيط، تمثل الأرض جزءاً من وجدان السودانيين وإحساسهم، على المستوى الجمعي والفردي. ولذلك فأن الحقوق التي تتعلق بملكية بالأرض، خصوصاً في دولة نامية، كالسودان، لها إرتباط وثيق العرى بالحق في العيش والغذاء والعمل، علاوة على حقوق أخرى كثيرة يفرضها الوجود الإنساني؛ إذ يرتبط الحق في الأرض بهوية المجتمع المحلي وسبل كسب عيشه، ومن ثم بقائه في حد ذاته. ولعل هذا ما يفسر لنا كثيراً من الحوادث والنزاعات التي تنشأ، من وقت لآخر، بين مختلف القبائل والجماعات، في أماكن مختلفة من البلاد لأسباب من بينها الصراع على ملكية الأرض، والماء والمرعى، وخصوصاً بعد أكتشاف الذهب في بعض المواقع مثلما حدث في منطقة جبل عامر بمحلية السريف في شمال دارفور. ولذلك يقول كبارنا الذين يعرفون قيمة الأرض وأهيمتها بالنسبة لعيشهم وكرامتهم ( ما تفرط في الأرض ولا في العرض). ويكفي هذا دليلاً على ما ذهبنا إليه؛ إذ تعد الأرض مساوية في القيمة والأهمية لعرض الإنسان الذي يذود عنه بروحه وماله إذا لزم الأمر.
إزاء هذا الوضع، أو إن شئت فقل الإرتباط، كان لابد من تسجيل الأراضي سواء كانت زراعية أو رعوية، أوسكنية، وتحديد ما تأول ملكيته منها للدولة أو الأفراد أو القبائل حتى نتفادى ما قد يتسبب فيه عدم التسجيل من مشكلات يصعب حلها. ولذلك أنشأت حكومة السودان إدارة قانونية متكاملة تتبع للجهاز القضائي ووزارة الإسكان أو التخطيط العمراني، لتتولي هذا الملف الخطر في إنحاء السودان كافة، ومع أن تلك المصلحة قد شابها الكثير من الفساد والقصور في الفترات السابقة، مما ترتب عليه ضياع كثير من حقوق الناس، إلا أن الوضع قد تحسن كثيراً في الوقت الراهن، بعد إدخال الحاسب الآلي، وصارت مكاتب مصلحة الأراضي من أكثر الدوائر الحكومية إنضباطاً ودقة، مع قدر عالٍ من الضبط والمراقبة الرسمية والقانونية! وكل ذلك وفقاً لقانون الأراضي وتعديلاته، ولهذا تعد التجربة السودانية رائدة في هذا المجال؛ لأنها أعطت المستندات التي تصدر من سلطات الأراضي، مثل شهادة البحث، شيئاً من القدسية، إذ لا يمكن تعديلها أو تحويلها إلا بموجب ضوابط نظامية صارمة جداً. وحسب علمي فإن الأشخاص الذين يعملون في سجلات الأراضي يتم إختيارهم وفق معايير دقيقة توخياً لمبدأ القوة والأمانة.
وبما أن الأرض تمثل مكوناً حيوياً ووجدانياً لمن يتربط بها من المزارعين أو الفلاحين أو الرعاة، فيما يتعلق بأسلوب حياتهم بشكل عام، يعارض الناس تحويل أراضيهم لمشاريع صناعية مثلما حدث في منطقة المناصير، أو زراعية ضخمة لإنتاج محصول معين مثل السكر أو القمح، وذلك خشية أن تنزع منهم تلك الأراضي في نهاية المطاف لصالح جهات لا تمت لهم بصلة مباشرة سواء من المستثمرين أو غيرهم. وهم بهذا التصرف يحرمون مناطقهم من بعض البنية التحتية التي قد تصاحب إنشاء تلك المشاريع مما يزيد من تخلف المنطقة وحرمانها من وسائل التطور والمدنية، الأمر الذي يبقي على سبل كسب العيش التقليدية كما هي. وهذا وضع لا يتسق مع التطور القانوني الذي يشهده العالم لتحديد الملكيات في المجالات كافة؛ ولذلك لابد من السعي الدؤوب لتسجيل الأراضي تفادياً لما يحدث من نزاعات حولها كتلك التي تشهدها ولايات دافور.
أما في شمال كردفان، ما زال معظم الأراضي، خارج نطاق السكن، غير مسجلة، وإنما هي مجرد حيازات لقبائل، ولكنها معترف بها عرفاً في الحدود بين القبائل و"خشوم البيوت" والقرى، وذلك وفق وثائق تاريخية صادرة من رجالات الإدارة الأهلية بموافقة السلطات القائمة في حينها، ما عدا الأراضي الطينية أو ما يسمى(بالسواقي أو الخيران) والجيوب الطينية، التي قد سجلت منذ مطلع القرن الماضي، حسبما قام به السير ماكمايلك (أو مكميك كما يسميه أهل المنطقة) حاكم عام كردفان إبان فترة الإستعمار الإنجليزي في عام 1905، وظل الحال على ما هو عليه حتى الوقت الراهن حسب "دوسيات" أو ملفات الأراضي، وهي محفوظة لدى رئاسة المراكز، وتوجد نسخ منها في دار الوثائق المركزية بالخرطوم، حفظاً لحقوق الناس.
الآن هنالك مكاتب لسجلات الأراضي في حاضرة الولاية، وفي رئاسات المحليات، وهي تتبع للجهاز القضائي والتخطيط العمراني. وهذه خطوة نحو الأمام لرفع قيمة الأرض بعد تسجيلها نظامياً وتحديد ملكيتها، وإن إقتصرت الإجراءات حتى الآن على الأراضي السكنية في المدن بموجب شهادة بحث معتمدة، مع وجود تسجيلات للأراضي الزراعية ولكنها ليست بنفس القوة القانونية التي تمنح لشهادة بحث الأراضي السكنية. عموماً، المطلوب الآن هو تخفيض الرسوم وتسهيل الإجراءات بقدر المستطاع؛ من أجل تشجيع المواطنين على تسجيل أراضيهم، لكي يثبت الحق لأصحابه الأصليين، خاصة وأن هنالك حيازات ظلت قائمة منذ عشرات أو مئات السنين؛ وهي لذلك قد أصبحت أملاك حرة بحاجة للتسجيل الرسمي والقانوني؛ لأننا نستشرف مرحلة ستكون فيها الأرض هي أساس التنمية، وربما النزاع والصراع أيضاً. إذن لابد من إستخراج شهادات بحث لكل قطعة أرض سكنية كانت أو زارعية. ونظراً لأهمية الأمر، نرجو من مسئول تسجيلات الأراضي، في محلية بارا، التكرم بالبقاء في مقر عمله؛ حتى يتمكن الناس من تسجيل أراضيهم، وإذا كان السفر ضرورياً، نرجو منه أن يفوض صلاحياته لمن يثق فيهم من موظفي إدارته؛ تسهيلاً على المراجعين وأحتراماً لأوقاتهم.


محمد التجاني عمر قش
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1534

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#931443 [ود صالح]
0.00/5 (0 صوت)

03-03-2014 11:58 AM
شكراً لك يا تجاني عمر قشّ على التنبيه لهذا الموضوع الهام وخاصّة من تشهده هذه الأيام من تكالب محموم من قبل بعض الأثرياء من خارج كردفان ومحاولتهم الإستحواذ على الأراضي مستغلّين حاجة الدولة وفقر المواطنين المدقع.

يجب تسهيل تسجيل أراضي المواطنين وحيازاتهم بأسعار رمزيّة وتشجيعهم على ذلك.


#930917 [الخجوقي]
0.00/5 (0 صوت)

03-02-2014 06:53 PM
نور الله بصيرتك يا قش، نورتنا ، لكن وصي لينا ناس الاراضي ما يخلوا لينا التسجيل حنظل بالرسوم .


#930733 [ناير]
0.00/5 (0 صوت)

03-02-2014 04:04 PM
جدودنا زمان وصونا على الوطن
على التراب الغالي الما ليهو تمن
نحن حافظين للوصية
جوه في قلوبنا الوفية
ذكراهم بتلهمنا
وتشجينا بعزيمة قوية


محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة