المقالات
السياسة
جمهورية الكيزان وفسادها "بالتفرقة" بين السكان.. مشروع القرير الزراعي وأمتداده نموذجا
جمهورية الكيزان وفسادها "بالتفرقة" بين السكان.. مشروع القرير الزراعي وأمتداده نموذجا
01-22-2016 12:48 PM



لم يكن يشغلني عندما عزمت على مواصلة الدراسة خارج السودان سوى كيفية الحصول على عمل لتمويل دراستي، ووفقني الله بفضله ودعوات الوالدين لإتمام دراستي في هذا البلد. ولما كانت القوانين هنا تسمح بالتقديم لطلب الجنسية في حالة النجاح والحصول على شهادات جامعية، فقد وفقني الله وحصلت على جنسية ذلك البلد. لم يكن يدر بخلدي إن سعي وتعبي وعرقي وسهري بالليل في العمل ودراستي بالصباح خلال عشرات السنين وتفوقي سيكون جزاؤه أن أصنف كمواطن سوداني من الدرجة الثالثة بل كأجنبي في بلدي الأم السودان. وبالطبع يتوالد سؤال أخر كيف يصنف أبنائي المولودين خارج السودان في ذلك التقييم، رغم حملهم لشهادة ميلاد سودانية وجنسية سودانية ورقم وطني وباسبورت سوداني ؟؟؟
قام جدي لابي سيدأحمد بخيت حفيد أبوقرن عندما ضاقت به السبل في قريته القلعة بمنطقة القرير بالهجرة الى الخرطوم وعمل "جنايني" بسرايا الحاكم العام حينها "القصر الجمهوري" حاليا ، وماهي الا سنوات حتى لحق به جدي لأمي محي الدين بخيت "ود أم برير" وهوصاحب كشك الليمون الوحيد بالمحطة الوسطى بالخرطوم منذ الخمسينات حتى الثمانينات وظهور قانون مهدي مصطفى الهادي، القاضي بترحيل أسواق الخرطوم والتي لم تستقر من يومها حتى يوم الناس هذا.
أصبحا جدودي الاثنين من مواطني الخرطوم ، وظل الشوق يقتلهم للساقية 42 المعروفة بإسم "القرونة" بحي القلعة بالقرير، ولم يكن يدر بخلدهم بأنهم إرتكبا جريمة كبرى وستكون نتئجتها أن ابناءهم وأحفادهم سيصنفون كمواطنين من الدرجة الثانية والثالثة في يوم من الايام من محلية مروي ومنطقة القرير.
تجدني اليوم أفكر هل كررت أنا خطأ أجدادي بسفري للدراسة وهل كان يجب علي ان أبقى بالخرطوم أو أرجع لمحلية القرير حتى لا أصنف يوما ما مواطن من الدرجة الثانية او الثالثة، وما موقف أبنائي اليوم؟؟؟
للتذكير، مشروع القرير الزراعي بدأ في 1917م، وتم إقتراح لتوسيعه بإضافة إمتدادأً له في سنوات السبعينات من حكم المرحوم الرئيس نميري كجزء من مشاريع التنمية الزراعية بالإقليم الشمالي الموجهة نحو زراعة القمح والوصول للإكتفاء الذاتي، وتواصلت المساعي للتوصية بتوسيع المشروع ما بين مؤتمر دنقلا الزراعي في 1984م حتى مؤتمر تنمية مروي في التسعينات والتوصية بالقيام بإمتداد لمشروع القرير الزراعي وحفر ترعة. وفي 1995م في عهد وزير الزراعة الحاج أدم، وزعت مساحات لبعض المستحقين وحرم بعض المستحقين الأخرين رغم إكمالهم لشروط الإستحقاق، وقد إتفق الجميع بأن معايير التوزيع لم تكن واضحة، مثل هل الإقرار المشفوع باليمين بعدم الملكية السابقة لقطعة أرض بالمنطقة، هل هذا القرار يصدر من الخرطوم أم من محلية مروي!!!، وغيرها. المهم في الأمر، خلال هذه السبعين عاما منذ بداية المشروع تعاقبت أجيال وأجيال وضاقت عليهم ارض القرير فهاجر كثير منهم نحو الخرطوم ومدن السودان الكبرى بحثا عن الرزق إسوة بجدودي الإثنين. بل كان لجدودي فضل مساعدة أعداد كبيرة منهم في الإستقرار بالخرطوم وخاصة مناطق الديوم والسجانات، ومن أشهر من حفظوا ذلك الجميل لهم و لمنطقة القرير بتواصلهم وزياراتهم وصلة أرحامهم بالخرطوم وخارج السودان، حسن أحمد سعيد وعبدالقادر عطا السيد "أبو قرن" رئيس منظمة أهل الكرم، و محمد سعيد دفع الله وعبدالرحمن محمد صالح "مامان" حتى بعد إغترابهم في الرياض بالسعودية.
ثم مرت سنوات وسنوات وجاءت شركة "زادنا" وقامت بعمل جبار منه زيادة امتداد المشروع بعشرة الاف فدان كمرحلة ثانية في التوزيع بعد أن إعتبرت توزيع 1995م مرحلة أولى، وكذلك قامت بتوسيع الترع وغيرها من الأعمال المهمة لتحسين الأرض وتهيئتها لزراعة القمح والوصول للإكتفاء الذاتي منه.
يبقى أنه عند توزيع هذه الاراضي والإمتدادات تم تصنيف المواطنين السودانيين الى مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية ومواطن درجة ثالثة من حيث أهلية الإستحقاق لهذه الاراضي الجديدة.
فمن ولد وعاش هناك بصورة دائمة وهو من أبناء او أحفاد اهل المنطقة فهو مستحق درجة أولى ويعطى فدانيين ، ومن ولد وعاش هناك ابا عن جد ولو منذ مئات السنين ولكنه من القبائل التي وفدت على المنطقة أيام الجفاف في 1986م، او ما يسمى "بالعرب" فبعضهم بالاضافة للاراضي التي ملكها حيازة منح أراضي زراعية أخرى وبعضهم أعتبر غير مستحق من الدرجة الاولى. ومن ولد خارج المنطقة وهو من أبناء او أحفاد أهل المنطقة ويزورها بصورة دائمة فهو مستحق درجة ثانية ويعطى فدان واحد، ومن ولد خارجها وهو من أبناء او أحفاد أهل المنطقة ولكنه لا يزورها الا نادراً او لم يزرها قط فهو مستحق درجة ثالثة، وأخيرا تم شطب هذه الفئة الاخيرة تماما من الاستحقاق!!! وحتى هذه الشروط المجحفة طبقت بظلم أشد فمثلا تم منح جمعية أسرية من أهالي المنطقة 5 ألالاف فدان ولعله لقرابتهم لوزير الإسكان!!!، وبالطبع لم ينس رئيس اللجنة علي حسن التكرم علي أطفاله الصغار بالأراضي ، ومنح مواطنيين أخرين يقيمون بمدينة دنقلا أراضي بالمنطقة، وحرم أخرين مولودين بالقرير ويزورونها بصورة دائمة من إستحقاق فدان واحد!!!
قام أهالي القرير في 2012م بمحاولة من العصيان المدني ضد الحكومة فأغلقت المدارس وتقدمت اللجان الشعبية بإستقالاتها إعتراضا على تماطل الحكومة في تسليم المستحقين لحصصهم.
أكتب هذا المقال ، و ليس لي طلب في المنطقة ولا أسعى له بل لعلي سأصاب بالحزن العظيم إن منحت قطعة أرض فيها بحسب المواصفات أعلاه لأنها ظالمة، خاصة وإنني أعتبر من الفئة الثالثة بل أسوء من في هذه الفئة لأنني أحمل جنسية أوربية بالإضافة للجنسية السودانية.
لكن يحز في نفسي هذا التقسيم بل هذا التصنيف والتفرقة بين السودانيين بل بين أبناء القرية الواحدة فمثلا أبناء أهالي القلعة بالخرطوم الذين حضروا المؤتمر التاسيسي لمنظمة أهل الكرم فاق عددهم الألف شخص ولم تمنح الأراضي إلّا لأصحاب الحظوة منهم . نقطة أخيرة مهمة ، الدليل على مشاركة كبار المسؤولين"التماسيح" في نظام حكومة الإنقاذ في ذلك الفساد، هو أن الحكومة قد خصصت 39 ألف فدان لمحاسيبها ومناسيبها من داخل السودان ومن خارجه أيضا للإخوة الإشقاء العرب من البلاد الخليجية.
نقطة هامة قد يقول قائل إن الارض ملك للدولة وليس هناك ما يسمى بالحيازة بوضع اليد، ولكن نجد مثال أخر يتمثل في أراضي السمرة شمالي الخرطوم حيث ملكت الدولة الاراضي للمواطنيين بإعتبارها اراضي لاجدادهم حيازة بوضع اليد وملكت للافراد مئات بل الالاف الافدنة ثم عادت الدولة ممثلة في وزارة الخارجية ووزارة المالية وغيرها من الجهات الحكومية وكذلك بعض شركات الاستثمار المحلية والأجنبية فأشترت بعض تلك الأراضي من الأهالي !!!
هذه السياسة العنصرية تقود لفهم سياسة الإنقاذ وإفسادها للشعب السوداني وتغييرها للخارطة الجغرافية والديمغرافية بإثارة النزاعات التمييزية و العنصرية والقبلية والجهوية والدينية ، كما حدث بصورة أبشع في مناطق أخرى من السودان، وكدليل على ذلك، أن جنوب السودان بعد إعلان حرب جهادية فيه خلال عشرات السنين وموت مليونين من السودانيين من شمال وجنوب السودان، إنتهى الأمر بأن "شتت" جنوب السودان كما يقول أهل نظام الإنقاذ وهم يتمازحون فيما بينهم!!!
نقطة أخيرة، كل هذه السياسات الرعناء تنبيء عن فساد مستشري من قمة النظام الحاكم إلى قاعدته في جميع أنحاء السودان، وخلفه أموال ورشاوي بمليارات الجنيهات، والدليل أيضا ما قاله الوزير الاسبق للداخلية والدفاع ووالي الخرطوم حاليا عبدالرحيم حسين "الحتات كلها باعوها". نعم الخلاصة هي إن حكومة نظام الإنقاذ قد "باعت" السودان أرضا وشعبا، والشعب لايدري؟
انشد الشاعر عبدالاله زمراوي
أنا لن أبيع أمومة الأرض الرحيبة
أنا لن أغير جلد أيامي الحبيبة!
سأظل مثل الشمس
مثل الليل والنجم الطريبة!
ستظل أسحاري وأشعاري
وصدق نبوءتي،
سيفا على الأعداء
والسفن السليبة!
لن أبيع أمومة الأرض الرحيبة!
[email protected]



تعليقات 1 | إهداء 1 | زيارات 4311

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1403914 [Muslim]
0.00/5 (0 صوت)

01-22-2016 01:23 PM
رسالة إلي أخي الذي لم تلده أمي
وإلي كل أبناء وطني المكلوم
الأستاذ عبدالاله زمراوي
لا يدوم الليل وإن طال
سنعود ويعود السودان
وإن ظلت سحب الطغيان
لابد أن تشرق الشمس

[Muslim]

بشير عبدالقادر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة