المقالات
السياسة
أرى خلل الرماد وميض نارٍ ويوشك أن يكون لها ضرامُ
أرى خلل الرماد وميض نارٍ ويوشك أن يكون لها ضرامُ
03-03-2014 07:52 PM

أرى خلل الرماد وميض نارٍ ويوشك أن يكون لها ضرامُ
فإِنْ لَمْ يُطْفِهِ عُقَلاءُ قَوْمٍ فإِنَّ وَقُودَهُ جُثَثٌ وهامُ
كانت للشعراء في الجاهلية مكانة عظيمة لقوة تأثيرهم في الراى العام وكانت القبيلة تحتفي بشاعرها أيما إحتفاء لأنه الناثر لأمجادها والناشر لمآثرها، وقد حافظ الشعر علي مكانته هذه في صدر الإسلام لما يحمله من رسائل تبث الوعي وتحث علي مكارم الأخلاق التي إنما بعث رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم ليتممها(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وأعظمها خطرا وأجدرها بالإهتمام الصدق، وقد سئل صلي الله عليه وسلم أيكون المؤمن كذابا فقال( لا).
فالصدق قيمة إنسانية رفيعة مغروسة في موروثاتنا الثقافية والإجتماعية وهو أس حضارة الشعوب ومصدر قوتها وعزتها فبالصدق يكون الإخلاص في العمل لأن ظاهر الإنسان يكون مثل باطنه وهو خلق نبيل يدركه المرء بالتحري والمران ومن آثاره طمأنينة النفس وقوة العقل ووضوح البيان لأنه يدعو صاحبه للجرأة والشجاعة فيكون ثابتا في أقواله ومواقفه واثقا لا يتلون ولا يتردد، ومن درر الإمام علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه قوله( من كانت له عند الناس ثلاث وجبت له عليهم ثلاث، من إذا حدثهم صدقهم وإذا إئتمنوه لم يخنهم وإذا وعدهم وفى، وجبت عليهم أن تحبه قلوبهم وتنطق بالثناء عليه ألسنتهم وتظهر له معونتهم).
وفي عهد بني أميه كان الخلفاء يبالغون في إكرام الشعراء ليشترون ألسنتهم مديحا تسير به الركبان ويأمنون من مكرهم لأن أقوالهم نافذة ورماحهم صائبة وأحكامهم قاطعة، حتي جاء الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز وهو رجل لا يخشى إلا الله ولا يعطي من بيت مال المسلين أحدا إلا ما يستحقه، فمكث الشعراء ببابه أياما لا يؤذن لهم حتي هموا بالرجوع الي بلدانهم فمر بهم رجاء بن حيوة فقال له جرير:
يا أيها الرجل المرخي عمامته * هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا
فدخل ولم يذكر لعمر من أمرهم شيئا، فمر بهم عدي بن أرطاة، فقال له جرير منشدا:
يا أيها الراكب المرخي مطيته * هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خلفيتنا إن كنت لاقيه * أني لدى الباب كالمصفود في قرن
فدخل عدي على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة، فقال: ويحك يا عدي مالي وللشعراء، فقال: يا أمير المؤمنين إن رسول الله قد كان يسمع الشعر ويجزي عليه، وقد مدحه العباس بن مرداس فأعطاه حلة، فقال له عمر: أتروي منها شيئا؟ قال: نعم ! فأنشده:
رأيتك يا خير البرية كلها * نشرت كتابا جاء بالحق معلما
شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا * عن الحق لما أصبح الحق مظلما
فقال عمر: من بالباب منهم؟ ولكنه لم يدخل إلا جريرا لانه كان أصدقهم إذ يقول:
أريد منك نوالا عاجلا والنفس مولعة بحب العاجل
وقد خرج منه جرير مسرورا وقال جئت من رجل يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، فصدقُ الخليفة الراشد في تنفيذ شروط عهد البيعة يمنعه أن يتصرف في مال المسلمين بسوء فثمرة الصدق الوفاء بالعهود وصيانتها وعدم الإخلاف بها أو بأحد بنودها قال ابن أبي حازم:
إذا قلت في شيء نعم فأتممه ... فإن نعم دين على الحر واجب
وإلا فقل لا تسترح وترح بها ... لئلا يقول الناس إنك كاذب
ولو لم يكن في خلف الوعد إلا قول الله عز وجل: ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)لكفى
إسترسلت في هذا الأمرلأنني عندما تأملت المشهد السياسي في بلادنا عن كثب وجدت أن الوطن يضيع من بين أيدينا وقضاياه كل يوم تتعقد ولا بارقة أمل تلوح في الأفق لأننا نفتقر لعنصر الصدق وكنت قد راقبت الأوضاع بعد خطاب المفاجأة الذي أحدث ربكة واضحة بينة في تصريحات وتوضيحات قادة الحزب الحاكم ذات نفسه كما أن القوى السياسية المعارضة تحفظت علي ما شابه من عموميات وغموض إلا أن المهم في الأمر هل النظام الحاكم صادق فيما زعم أنه يرغب في الحوار؟ وأنه سيحتكم لصوت العقل ويقبل بنتائجه؟ وهل تحمل قوى المعارضة رؤية للحل الشامل؟ وهل ستتخلي عن فكرة إسقاط النظام إن أوفى في قبول الحوار ونتائجه؟ ثم ماذا عن المعارضة المسلحة ؟ هل بإمكان المعارضة الداخلية متمثلة في قوى الإجماع الوطني إدخالها في التسوية السياسية ؟ وهل بإمكانها ترتيب مستحقات السلام بعد التسوية السياسة؟
لن أشكك في صدق النظام ورغبته في الحوار ولكن لست مجبرا أن أصدقه ومازالت أحداث سبتمبر المبارك تدور في مخيلتي وقد رأيت فيها كيف تم قمع المتظاهرين بإستخدام القوة المفرطة والذخيرة الحية ،فالحفاظ علي دماء وأموال الناس وأمنهم من ضمن عهود الشعوب علي حكامها فمن لم يرعي حرمتها حفظاً فقد نكث وخان فما بالك بمن يهدرها؟ ولعل في ما ذكرناه من تعفف الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز من أن يأخذ من مال الدولة ويعطي الشعراء ليمدحونه عظة لمن أراد أن يعتبر. لذا يتوجب علي النظام أن يدلل علي صدق توجهه بالإستجابة لصوت الحكمة والعقل في تهيئة الأجواء بتجميد المواد المقيدة للحريات في القوانين السارية، كفالة حرية الحركة والتنظيم والإتصال بالقواعد لكافة قوى المعارضة، السماح للصحف المعلقة بالصدور،رفع الرقابة القبلية والبعدية علي الصحافة ، السماح بعودة النشاط السياسي الجماهيري ندوات لقاءآت مخاطبات إصدار نشرات الخ إعلان وقف إطلاق النار إلا دفاعا، محاسبة المتورطين في أحداث سبتمبر وإعتبار قتلاها شهداء لانها هبة شعبية عفوية لها ما بعدها إن لم تستقيم الحال وهكذا تكون الثورات موجة تتبعها موجات.
خطاب المفاجأة أو الوثبة يحتاج لترجمة الأقوال أفعالا ليتوفر جو معافي من الثقة بين النظام والمعارضة يمكننا جميعا من كبح جماح شهوة السلطة وتغليب مصلحة البلاد العليا وهي تعيش أيام عصيبة ستؤدي إلى مصائر، و مآلات قاسية ولنتذكر قول نصر بن سيار:
أرى خلل الرماد وميض نارٍ ويوشك أن يكون لها ضرامُ
فإِنْ لَمْ يُطْفِهِ عُقَلاءُ قَوْمٍ فإِنَّ وَقُودَهُ جُثَثٌ وهامُ
ختاما فلتسفر أقوالنا عن أفعال نبلغ بها ذروة الصدق فتنتصر إرادة الحق فينا فنحقق أشواق وأمنيات الجماهير وتطلعاتها في الحرية والسلام.

أحمد بطران عبد القادر
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2790

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أحمد بطران عبد القادر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة