المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
أسامة الخوَّاض
تفكيك خطاب النماذج:"معركة الأفكار" في ما بعد الربيع العربي
تفكيك خطاب النماذج:"معركة الأفكار" في ما بعد الربيع العربي
03-08-2014 06:08 PM

تفكيك خطاب النماذج:"معركة الأفكار" في ما بعد الربيع العربي


"معركة الأفكار" حول الشرق الأوسط ما بعد الثورة*

أوهسان قكسال**

ترجمة: أسامة الخوَّاض

______________________

في السنوات الأخيرة، برزت تركيا و إيران، و هما دولتان غير عربيتين، كفاعلين أساسيّين من خلال نفوذهما المتصاعد في منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا. كثَّف الربيع العربي النقاشات الدائرة في الأكاديميا و الأدبيات العلمية حول دور تركيا و إيران. و من ثمّ أصبح مفهوما العثمانية الجديدة و الهلال الشيعي، شائعين و مرتبطين بالسياسات الخارجية الاستباقية لهاتين القوتين في المنطقة. انبعثت السجالات حول صلاحية تطبيق النموذج التركي و النموذج الإيراني متوازية مع الأدبيات المذكورة سابقاً، و خاصة بعد أن خرجت الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية، مثل النهضة و حزب الحرية و العدالة، منتصرة من الانتخابات العامة و مكوِّنة حكومات في تونس و مصر ما بعد الثورة، و اكتسب ما سمي بالتنافس بين نوعين مختلفين للحكم في تركيا و إيران، اكتسب اهتماماً واسعاً، و أثار اهتمام الميديا و الأكاديميا و صانعي القرار في منطقة الشرق الأوسط و شمال افريقيا و غيرهما. ستبدأ هذه المقالة تحليلها بمساءلة أهمية النموذج لمجتمعات ما بعد الثورة. هذا نقاش رغم أنه مغفَل، لكنّه مهم و سيساهم في الأدبيات المتسارعة التوسّع. ثم بعد ذلك، سيُحلَّل خطاب النماذج من خلال تعريف نوع الحكم الذي ترتبط به، إذ يبدو أنّ هنالك التباساً في ما يتعلق بمعنى هذين المفهومين. في النهاية ستُفحَص ملائمة و صلاحية تطبيق النموذجين التركي و الإيراني، من خلال تقييم احتياجات و مطالب الجماهير العربية بالإضافة إلى أفكار صانعي السياسة في مجتمعات ما بعد الثورة. سيُجادَل بأن النموذج التركي أكثر صلاحية للتطبيق للديمقراطيات الناشئة في تونس و مصر ،من النموذج الإيراني، ،و له الكثير مما يمكن أن يقدِّمه لتلك المجتمعات كموجِّهات في مجالات مثل علاقة الدولة بالدين و التنمية الاقتصادية و بناء الديمقراطية.

ضرورة نماذج التنمية

يشير التحديث إلى نموذج انتقال تطوري من مجتمع تقليدي إلى آخر حديث. كانت الحداثة على مرّ السنين تُقاس بمؤشِّرات عديدة مثل التصنيع و مستوى التعليم و التحضُّر. يبقى قياس و تقييم مفهوم الحداثة موضوعاً مثيراً للجدل في أدبيات التنمية ،ذلك أن مدارس فكرية مثل نظرية التحديث و مدرسة المنظومات العالمية و منظري التبعية، تقدُّم طرقاً و مقاربات عديدة لدراسة هذه الظاهرة. تاريخياً ولج التحديث مجال صانعي السياسة، عندما بدأت الامبراطوريات الاوروبية المتقدمة تكنلوجياً مثل بريطانيا و فرنسا، تواجه أمماً غير غربية خلال فترة الاستعمار.و بما أنَّ الأُمم غير الغربية قد افتقرت إلى الأدوات التكنلوجية، لكي تواجه المطامع الإقليمية و الاقتصادية للإمبراطوريات الاستعمارية الغربية،فقد أصبح التحديث الهدف الرئيس لهذه المجتمعات المتخلِّفة عن الغرب المتسارع النمو. و لأسباب جليَّة، كان الطريق الأسرع لتقصير الفجوة في النمو بالنسبة للمجتمعات غير الغربية، هو التعلُّم من أمثلة الأُمم الأوروبية و الشمالية الأمريكية.

ضمن خطاب التحديث هنالك جدل دائر عمَّا إذا كانت الدول النامية ستتبع نفس مسارات الحداثة في فتراتها الانتقالية. من الواضح أنّ ظروف كل قطر تختلف بشكل كبير عن الأقطار الأخرى، لذلك لم تتبع كل المجتمعات نفس مسار التنمية، و لكن كل الامم النامية في زمن معين مرّت بخبرات الدول الأكثر نمواً .خلال القرن التاسع عشر أجرت مجتمعات غير غربية ،مثل اليابان و تركيا و إيران و مصر، سلسلة من الإصلاحات استناداً على التنمية العلمية و السياسية للأُمم الغربية.لقد برهنت تجارب تلك الأقطار غير الغربية مع النماذج الغربية، أنّه يمكن لصانعي السياسة التحكُّم في سيرورة التحديث و تسريعها و تشكيلها. أدَّت إدارة البيروقراطيين الإصلاحيين من ذوي التعليم الغربي في اليابان لسيرورة التحديث المنهجي خلال النصف الاخير من القرن التاسع عشر، أدَّت إلى ظهور مجتمع نهض كواحد من أكثر الأقطار في العالم تطوّراً من الناحية التكنلوجية منذ النصف الثاني من القرن العشرين،فقط بعد قرن واحد من تبنِّي النماذج الغربية. علاوةً على ذلك، أثبت تبنِّي النماذج نجاحه ثانيةً، عندما دفعت الإصلاحات الديمقراطية و الاقتصادية المستلهمة من الغرب، تركيا إلى المركز السابع عشر في العالم اقتصادياً، و كان اقتصادها يعتمد على الإنتاج الزراعي حتّى قبل عقود قليلة مضت. لقد مرَّت أقطار عديدة غير غربية مثل كوريا الجنوبية بتحوُّل مماثل من خلال استعمال النماذج، في حين أنّ أُمماً نامية أخرى مثل الصين تحذو حذْوها.

في تاريخ الحركات الثورية،كانت هنالك أمثلة عديدة على كيفية تأثير النماذج السابقة على الانتقاضات. تتبع موجات من الثورات في أحايين كثيرة ، كلٌّ منها الأخرى في تعاقب قريب، كما وضَح ذلك عندما أثَّرت الثورات الأمريكية و الفرنسية و الهايتية في أواخر القرن التاسع عشر على ثورات أمريكا اللاتينية في بداية القرن التاسع عشر،و مهّدت ثورات 1848 في الأقطار الاوروبية كلّ منها للأُخرى في معظم أرجاء القارة، وحدثت الحركات الثورية في الصين و الامبراطورية العثمانية و إيران في بداية القرن العشرين، واحدةً بعد الأُخرى خلال ثلاث سنوات.و قد وصف هنتغتون تأثير القدوات على الحركات الأخرى ب"تأثير العرض العملي". و أشار كريسكي بناءً على مفهوم هنتغتون إلى أهمية النماذج الإقليمية، و التي ثبت أنّها الأكثر تأثيراً في تشكيل اتجاه الثورات.

يمكن لأقطار ما بعد الثورة في الشرق الأوسط و شمال افريقيا، كمجتمعات متخلّفة بشكل واضح عن نظيراتها في أجزاء نامية من العالم مثل شرق آسيا و أمريكا اللاتينية،يمكن لها أن تستفيد من خبرات الأُمم الأكثر نمواً في ما يتعلق بالتنمية الاجتصادية و السياسية. في الحقيقة، إنّ تبنِّي النماذج مهم إذا كان صانعو السياسة ينوون ابتداع نماذجهم المستقلة للتحديث و قصص نجاحهم. كلّ الأقطار مثل اليابان و كوريا الجنوبية و إيران، و التي توصَف الآن كنماذج، قد تعلّمت في البداية من الأقطار الاخرى، و خبرت سيروة تحديث متسارعة تكثفت بإصلاحات مستوحاة من الغرب. أقطار ما بعد الربيع العربي مثل تونس و مصر في حاجة ماسة إلى أن تعيد صياغة بنياتها السياسية، و تزيد وتيرة النمو الاقتصادي، لتلبِّي المطالب المتصاعدة للأعداد الكبيرة من مواطنيها الشباب و الأكثر تعليماً.

تسبَّبت توليفة من عوامل عديدة في صعود تركيا و إيران كنموذجين محتملين للمنطقة. اقتصادياً، يمتلك كلّ من القطرين مزايا أساسية، فتركيا هي أكبر قطر صناعي في المنطقة، و حالياً يقف في المركز السابع عشر في الاقتصادات العالمية الكبرى، بينما إيران هي المنتج الرابع عالمياً للنفط، و المنتج الثاني عالمياً للغاز الطبيعي. العامل الأكثر تأثيراً هو الصورة الإيجابية للقطرين في مجتمعات الشرق الأوسط و شمال افريقيا. أفرزت عدة استطلاعات للرأي في دول عربية مثل مصر و المغرب و تونس و الامارات العربية المتحدة و السعودية العربية، نتائج مماثلة ملفتة للنظر، واضعةً تركيا و إيران في المقدمة في المركزين الأول و الثاني على التوالي في ما يتعلّق بالعاطفة الجماهيرية. و على سبيل المثال ،إنّ استطلاع جامعة ميريلاند سنة 2011 و استطلاع زغبي الدولي يبيّنان أنّ رئيس الوزراء التركي أردوغان هو القائد الأكثر شعبية في المنطقة بفارق كبير، بينما جاء الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في المركز الثاني.و يُظهر استطلاع منظمة قطرية أنّ 72 في المائة من المستجيبين في الأقطار العربية المذكورة أعلاه، ينظرون إلى تركيا كقدوة مناسبة لاتجاه مجتمعاتهم. و مع ذلك، فاليوم هناك حاجة ملحَّة للتمييز بين السياسة الخارجية لهذين القطرين، و دورهما ك"إلهام" أو "نماذج" للاتجاه المستقبلي للمجتمعات الشرق أوسطية. ينبغي تقييم الخطاب حول النموذجين التركي و الإيراني في استقلال عن السجالات حول النفوذ المتصاعد لتركيا و إيران. كانت هنالك محاولات من جانب صانعي السياسة للانتفاع بالأدبيات حول النماذج لتحسين صورتهم و الوصول إلى أهداف سياسية، و لكن في النهاية، العامل الذي سيكون حاسماً لمصير النماذج في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، هو قرارات صانعي السياسة المحليِّين في مجتمعات ما بعد الثورة و ليس السياسات الخارجية لتركيا و إيران. قبل تحليل مقاربة صانعي السياسة المحليِّين للنموذجين، يجب تعريف معنى هذين المفهومين. و لذا، ماذا يمثِّل هذان النموذجان بالنسبة للحكم؟

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ معنى و مجال النموذج التركي، قد أصبح غامضاً و مجرَّداً، نسبة للاستخدام الممعن في الذاتية للمفهوم من قِبَل المراقبين. مطلوبٌ تعريف إجرائي للنموذج ،و لكن هنالك تباينات كبيرة في الطريقة التي تمّت بها صياغة المفهوم في الخطاب. و نسبة لمحدودية حيز المقالة، لا يمكن حصْر كل فهم للنموذج.و لمقاصد هذه الدراسة، سيُعرَّف النموذج التركي بأنّه الخبرة التركية في التحديث في ما يتعلّق بالتنمية الاقتصادية و بناء الديمقراطية و العلاقات بين الدولة و الدين. تطوّرت سيرورة التحديث التركية على مرّ الزمان، من النموذج الذي تقوده الدولة بناءً على أفكار كمال اتاتورك عن الحداثة بواسطة التغريب الثقافي و العلمانية الراديكالية، إلى نموذج حكم ديمقراطي و الذي ظهر إلى الوجود بصعود الإسلام السياسي. ترافقت سيرورة التحديث المكثّفة التي بدأت في الثمانينيات، مع نمويّن متوازيين، أي التنمية الاقتصادية المتسارعة و تحوُّل الحركة الإسلامية، إذ نجح الإسلاميون الأتراك في أن يطوِّروا بارادايماً إسلاميا للحكم يعترف بالنظامين الديمقراطي و العلماني بينما يشدِّد على التسامح المتبادل. بيد أنّ النموذج الإيراني يُحيل إلى بنية الدولة الثيوقراطية الراديكالية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تشكّلت بعد الثورة الإيرانية في 1979.على النقيض من الطبيعة التعددية للإسلام التركي، بُني النموذج الإيراني على الاستيلاء الثوري على الدولة من قِبل الإسلاميين، و التطبيق الشمولي اللاحق للأحكام الإسلامية و للقانون على السكّان من أعلى. على ضوء التعريف الموجز أعلاه، ستركِّز الدراسة الآن على تقييم صلاحية تطبيق النموذجين التركي و الإيراني على مجتمعات ما بعد الثورة في الشرق الأوسط و شمال افريقيا.

صلاحية تطبيق النموذجين التركي و الإيراني على الشرق الأوسط و شمال افريقيا ما بعد الثورة

لم تَحدث السجالات حول النموذجين التركي و الإيراني في مجالات الميديا والأكاديميا فقط. تمدّنا التصريحات العلنية التي أدلى بها المسؤولون الإيرانيون، بإشارات عن الفهم الإيراني للصراع الأيدلوجي بين النموذجين. توضّح أحاديث آية الله هاشمي شهرودي و الرئيس أحمدي نجاد، الاعتقاد الإيراني الشائع بأنّ النموذج التركي مدعوم من القوى الغربية ليضعف جاذبية الإسلام الإيراني. منذ البداية فسّر صانعو السياسة الإيرانية، انتفاضات الربيع العربي بأنها "استمرار لثورة 1979،سيرورة سينتج عنها إقامة حكومات ثيوقراطية على النمط الإيراني. و على هذا النحو، دعا المرجع الأعلى خامنئي إلى إقامة أنظمة على أساس الطريق الإيراني عندما حثَّ صراحةً رجال الدين المصريين على التبشير بثورة إسلامية في صلوات الجمعة. لكن يبدو أنَّ هذه الدعوات لم تجد استجابة ،إذ أنّ معظم الأحزاب الإسلامية في أقطار ما بعد الثورة، تشدِّد على فكرة الدولة المدنية كاتجاه لأقطارهم، و ليس النموذج الإيراني.

يمكن تعريف الدولة المدنية بأنها مزيج من التعددية،و احترام المبادئ الديمقراطية و الاعتراف بحق كلّ المواطنين في ممارسة معتقداتهم الدينية. تعكس الدعوة إلى الدولة المدنية رغبة الحركات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين و مشايعيهم السياسيين، في تشكيل بنية دولة تستلهم القيم الإسلامية، و لكن على أساس التسامح المتبادل و حقوق الأقليات، بدلاً من التطبيق الديكتاتوري ل"إرادة الأغلبية" كما هو منظور في النموذج الإيراني. يبدو أن النظامين الناشئين في تونس و مصر يشيران إلى صعود الإسلام المعتدل، و الذي تبنّاه زعيم النهضة الغنوشي في تونس و زعماء حزب العدالة و الحرية مثل سعد الكتاتني، إذ يشير كل منهما دائماً إلى الدولة المدنية في أحاديثهما. بالرغم من أنّ العديد من صانعي السياسة في إيران يبدون مقتنعين أنّ ربيع 2011 العربي له تماثلات مع ثورة 1979 الإيرانية، لكن هنالك أسباباً عديدة للاعتقاد بخلاف ذلك. أولاً، تمتلك الانتفاضات التي حدثت في مصر و ليبيا و تونس خصائص تختلف من واحدة إلى أخرى، بالرغم من أنّ كل الحركات تسبَّبت في الإطاحة بأنظمة استبدادية. و من ثمَّ يكون من التبسيط المبالغ، المجادلة بأنّ كل الانتفاضات استلهمت القيم الإسلامية المتماثلة مع ثورة 1979.و أكثر من ذلك، فإنَّ هنالك فرقاً جليَّاً بين طبيعة الحياة الاجتماعية في إيران، و في أقطار الشرق الأوسط و شمال افريقيا التي خبرت الربيع العربي. كل تلك الأقطار العربية (باستثناء البحرين التي كانت بها محاولة غير موفَّقة للثورة) أغلبية سكانها من السنة، على خلاف إيران التي أغلبية مواطنيها من الشيعة، الذين تتجذَّر معتقداتهم الدينية في خلفية ثيولوجية و اجتسياسية مختلفة تماماً.

اختلاف رئيس بين انتفاضات 2011 و ثورة 1979،الأكثر تشديداً عليه في الأدبيات، هو غياب القيادة الكاريزمية بين الشعوب الثورية. خلافاً للربيع العربي، أصبحت ثورة 1979 الإيرانية تدريجياً، تحت سيطرة رجال الدين،الذين كان لهم تحت قيادة آية الله الخميني المهدوية، أجندة محدَّدة بوضوح لتحويل الدولة في ما بعد الثورة.يمكن أن يكون راشد الغنوشي هو الاستثناء الوحيد في الربيع العربي،و الذي بدا في المستهلّ أنَّ بإمكانه القيام بدور الزعيم الكاريزمي،لكنه في النهاية لم يظهر كالزعيم الوحيد لنظام شمولي جديد. و بالإضافة إلى غياب القيادة الكاريزمية خلال الربيع العربي،لم تكن هنالك أية إشارات إلى مفاهيم شمولية مثل "دور الفقيه"، الذي صاغه الخميني و الذي شكَّل أساس النظام الاستبدادي الجديد في إيران بعد 1979.كما مذكور أعلاه، فإنّ المفهوم الوحيد الجدير بالإشارة و الذي نشأ مع الربيع العربي هو الدولة المدنية، التي هي في تناقض بيِّن مع ولاية الفقيه الاستبدادية، برسائلها عن التسامح و الحريات المدنية. على النقيض من ذلك، فإنّ مفهوم الدولة المدنية يتوافق مع النموذج التركي.يعترف النموذج التركي و مفهوم الدولة المدنية بحقوق كلّ من المؤمنين و غير المؤمنين في المجتمع، حيث تمتنع الدولة عن محاولة ضبط الحريات الشخصية. متماثلاً مع النموذج التركي الذي نشأ مع حكم حزب العدالة و التنمية المحافظ بعد 2002،يتضمّن مفهوم الدولة المدنية، أنّ الإسلام السياسي المعتدل الذي يحترم الديمقراطية،يمكنه أن يوجد في مجتمع مفتوح و تعدّدي.

لم تكن الانتفاضات في أقطار الشرق الأوسط و شمال افريقيا خاليةً فقط من قيادة كاريزمية معترف بها على نطاق واسع،و إنّما اتسمت الحركات الثورية بغياب الوحدة الأيدلوجية. تكوّنت الحركات من مجموعات متعدِّدة أيدلوجياً، و توحّدت فقط حول صراعها المشترك ضد الأنظمة الاستبدادية. و علاوة على ذلك، فعلى النقيض من ثورة 1979،و التي كان فيها عدد من المجموعات الراديكالية مثل حزب تودة الماركسي اللينيني و مجموعة حرب عصابات المدن "مجاهدي خلق"، على النقيض من تلك الثورة كانت القتالية غائبة خلال الربيع العربي. كلّ تلك العوامل أدَّت بنا إلى أن نعرِّف حركات الربيع العربي كظاهرة ما بعد أيدلوجية، تشترك بسمات أكبر مع "الحركات البرتقالية" التي انتشرت في عدد من الدول ما بعد السوفيتية مثل أوكرانيا و جورجيا في 2004 و 2005،أكبر من اشتراكها مع ثورة ذات أسلوب قديم مثل ثورة 1979،و التي حدثت في بيئة الحرب الباردة الأيدلوجية ثنائية القطب.

بالرغم من أن الربيع العربي يعتبر حدثاً راهناً، و لذلك علينا ألا نفترض أنّنا نعرف تماماً الأسباب التي أدّت إلى حدوثه، إلا أنّ الأدبيات الراهنة تسلِّط بعضاً من الضوء على هذه الظاهرة المركّبة.يشدَّد كول على القيم الليبرالية مثل حرية التعبير و تساوي الفرص كأهداف اعتنقها الشباب الثوري الذين قادوا الحركات في 2011.و بالرغم مما يبدو من إجماع في الخطاب حول الدور الرئيس الذي لعبته المطالبة بالحرية السياسية،إلا أن هنالك باحثين مثل بوزهيرت الذي يجادل بأنّ هذا التشديد على العوامل السياسية يمكن أن يكون مبالغاً فيه، إذ ربما أنّ الاقتصاد قد لعب دوراً أكبر.أشار مالك و عوض الله إلى أنّ المشاكل الاقتصادية مثل الفقر و العطالة و انعدام الحراك الاجتماعي و محدودية الفرص الاقتصادية، قد كانت إلى حد كبير السبب في انتفاضات 2011.و ركَّز سيف و رومان على العوامل الاقتصادية مثل الإنتاجية الضئيلة و المستوى المتدني للتكامل مع الاقتصاد العولمي،مجادلين بأنّ أوْجه القصور الحالية هذي، قد حرمت الأنظمة الاستبدادية من زيادة معايير المعيشة لمواطنيها. يحلِّل دالاكورا طقماً عريضاً من القضايا، و يجادل بأنّ توليفة من المطالب الاجتصادية و السياسية كانت القوى المحركة للحركات الثورية، مؤكِّدا على أنّ الفقر وحده لا يمكن أن يوضِّح الأسباب وراء الانتفاضات، لأنّ متوسط معايير المعيشة في تونس و ليبيا عالٍ جداً، مقارنة ببعض الدول العربية الأُخرى التي لم تخبر أية معارضة حتى الآن.في تحليلها لاحتياجات و مطالب الشعب في مجتمعات ما بعد الثورة، تبيِّن هذه الدراسة أنّ مطالب سياسية مثل الحكم الخاضع للمساءلة و مجتمع مفتوح، يجب أنْ تصاحبها عومل اقتصادية مثل معدَّلات العطالة العالية (خاصة وسط الشباب الأكثر تعليماً) و الفساد ،حتى نورد الأسباب وراء الأحداث الراهنة في الشرق الأوسط و شمال افريقيا.

يتناقض مجتمعا تونس ومصر ما بعد الثورة ،في ما يتعلق بالبنى و الظروف الاقتصادية، مع إيران بشكل ملحوظ. بينما أنّ لإيران اقتصاداً يعتمد على واحد من أكبر الاحتياطيات الطبيعية في النفط و الغاز الطبيعي، و الذي ينتج إيرادات كافية تمدُّها بالبقاء حتى تحت العقوبات و المقاطعة التجارية الغربية،تفتقر تونس و مصر إلى قدرة فريدة كهذي للبقاء مستقلة عن الاقتصاد العولمي.فالسياحة هي القطاع الأساسي للاقتصاد التونسي،مما يقتضي صورة إيجابية و مجتمعاً مفتوحاً نوعاً ما، لجذب السياح الأجانب، في حين أنّ مصر معتمدة بشكل كبير على المساعدة المالية و إيرادات قناة السويس،و هما عاملان يشكِّلان ثلثي كل إيرادات التبادل الأجنبي. علاوةً على ذلك، فإنّ 80 في المائة من التجارة التونسية تجري مع أقطار الاتحاد الأوروبي، و معظم السياح الذين تستقبلهم من أوروبا.و بالتالي فصانعو السياسة في تونس و مصر لا يريدون استعداء البلدان المتقدمة ،و يبدو أن الحكومتين الجديدتين في تونس و مصر على دراية بهذا الوضع.واضحة هي براغماتية الحكومات الإسلامية ،إذ أشار واحد من زعماء النهضة هو حميد الجبالي" الذي كان أيضاً رئيساً لوزراء تونس بين ديسمبر 2011 و فبراير 2013"، أشار إلى أنّ النهضة لا تنوي منع البكيني و النبيذ. أعلن زعماء النهضة مراراً دعمهم لمبادئ السوق الحر، و شدّدوا على أهمية روابطهم الاقتصادية مع أوربا للاقتصاد التونسي. و مشابهاً للجبالي ،أشار قائد أساسي آخر و رئيس الحزب الغنوشي أيضا إلى أنّ النهضة لن تُجبر النساء على ارتداء الحجاب و تطبيق قوانين الشريعة و منع الخمور. نفس المستوى من البراغماتية، يمكن أن يُرى في السياسات الاقتصادية التي صاغها حزب النهضة في تونس و حزب الحرية و العدالة في مصر. بدلاً عن تفكيك النظام لتطوير اقتصاد إسلامي أيدلوجي، فإنّ السياسات التي قدّمها الحزبان تركِّز على تحسين إدارة الاقتصاد من خلال سلسلة من الإجراءات مثل التعاون مع القطاع الخاص،و ضمان الحكم الرشيد،و محاربة الفساد و دعم الشركات الصغيرة و المتوسطة الحجم. بالإضافة إلى ذلك، تنصُّ سياسات الحزب على أنه لن يُفرض الاقتصاد الإسلامي، و سيتعايش فقط جنباً إلى جنب مع الاقتصاد العرفي ،بينما سيكون التركيز الأكثر على طمأنة السياح الغربيين على سلامتهم و حريتهم.مطالب مثل الحرية السياسية و معايير المعيشة المرتفعة و إنهاء الفساد، كانت في طليعة النقاشات منذ الربيع العربي، و أظهر الإسلاميون السياسيون حتى الآن، مستوى عالٍ من الوعي و الاستجابة إلى احتياجات الشعب في هذه المسائل.

تشير أفعال الأحزاب الإسلامية الرئيسة في تونس و ليبيا و مصر بوضوح، إلى الأهمية المعطاة للنموذج التركي في عقول صانعي السياسة. شدَّد زعيم النهضة الغنوشي مراراً على التشابه بين حكومة حزب العدالة و التنمية المحافظ الحاكم في تركيا و النهضة في تونس، بالنصِّ على أن كلتا الحركتين تمثِّلان "نوعاً جديداً" من الإسلام السياسي، الذي يوالف بين الإسلام و الحداثة في نفس الوقت.و رفض حزب الحرية و العدالة صراحةً، أنْ يشكِّل حكومة تحالف مع حزب النور الإسلامي الراديكالي، بالرغم من أنّه تجب ملاحظة أن ذلك لم يسكِّن مخاوف المعارضة التي غالبيتها من العلمانيين و الليبراليين، حول التزام حزب الحرية و العدالة بالديمقراطية. أسّس فرع الإخوان المحلي في ليبيا حزبه السياسي، بنفس اسم الحزب التركي "حزب العدالة و التنمية"، معلناً أن الحزب يستلهم مبادئ الإسلام، لكنه سيقود إعادة بناء ليبيا على أساس النظام الديمقراطي. ازدادت منذ الربيع العربي شعبية و جاذبية النموذج التركي بشكل متسارع، بينما يبدو أنّ النموذج الإيراني قد فقد شعبيته و جاذبيته.تعود الجاذبية المتناقصة للنموذج الإيراني بالمقارنة مع النموذج التركي، إلى تصوُّرات و سياسات الحكومات الجديدة في أقطار ما بعد الثورة، و التي تقودها أحزاب إسلامية معتدلة. لقد أعرب زعماء تلك الحركات عن دعمهم للنموذج التركي،و لا تقتصر هذه النزعة على السياسيين فقط،إذ أن الرأي العام يميل أيضاً إلى النموذج التركي. فعلي سبيل المثال، يُظهر استطلاع "TESEV" الذي أُجري في أقطار الشرق الأوسط و شمال افريقيا ما بعد الثورة، أنّ 61 في المائة من المستجيبين يرون تركيا كنموذج لأنها " مسلمة ،و ديمقراطية و مفتوحة و مزدهرة في آنٍ واحد".

تطبيق النموذج التركي في الشرق الأوسط و شمال أفريقيا ما بعد الثورة، أكثر جلاءً في حقل التنمية الاقتصادية ،في حين يفشل النموذج الإيراني في تقديم حلول لمشاكل هذه المجتمعات.لقد كان يُجادَل بأن الأحزاب الإسلامية فازت بالانتخابات، ليس بسبب مطلب الشعب واسع النطاق لنظام ثيوقراطي، و إنما لأنّ برامج الأحزاب سالفة الذكر، تستند على الرفاه الاجتماعي، و محاربة الفساد، و زيادة الازدهار الاقتصادي، و كلها تشير إلى مسائل اجتصادية. فالنموذج التركي مقارنةً بالنموذج الإيراني، أفضل ملائمةً ليقدِّم حلولاً للحكومات الجديدة ،كي تلبِّي هذه المطالب الشعبية.بالرغم من احتياطياته الطبيعية الضخمة، فللاقتصاد الإيراني مشاكل خطيرة مثل المستويات العالية للعطالة و التضخم، مشكِّلةً فشلاً في التنمية الاقتصادية. في ما يتعلق بتقديم حياة أفضل و معايير معيشة عالية، يُنظر إلى النظام الإيراني كفشل، لأنّ النظام الثيوقراطي الراديكالي تسبّب في أكبر هجرة للعقول في التاريخ، بالإضافة إلى هروب كبير لرأس المال منذ الثورة الإسلامية في 1979.طبقاً لصندوق النقد الدولي فإيران تأتي في المرتبة الأولى بالنسبة لنزوح المواطنين ذوي التعليم العالي و الدراية التقنية. علاوةً على ذلك، يُظهر نفس التحليل أن إجمالي ثروة الدياسبورا الإيرانية تقدَّر بحوالي 400 بليون دولار امريكي، أصول كان يمكن أن تُستثمر في الاقتصاد الإيراني، لو لم تَقم ثورة 1979 الإسلامية. تمثِّل نسبة القطاع الزراعي في إجمالي الناتج المحلي حوالي 5 في المائة، بينما لا تزال تمثِّل 10 في المائة في الاقتصاد الإيراني اليوم. مؤشِّر آخر رئيس للتنمية هو حصة قطاع الخدمات في إجمالي الناتج المحلي ،ففي إيران هو 46.8 في المائة بينما هو في تركيا أكثر من 60 في المائة، مما يوضّح بجلاء أن الأخير هو في حالة تنموية أفضل،قريبة من الاقتصادات الغربية في مؤشراتها الاقتصادية. بالإضافة إلى ذلك، يجب ملاحظة أنّ دخل الفرد في تركيا ارتفع من 1300 دولار امريكي في 1985 إلى 11.000 دولار امريكي في 2008،بينما أنّ دخل الفرد في إيران تجمّد حوالي 4500 دولار أمريكي لمعظم العقد الأخير، إلى درجة ما، بسبب العقوبات الاقتصادية الثقيلة المفروضة على صادرات القطر من جانب الولايات المتحدة و حلفائها الغربيين.

يشير فواز جرجس، الخبير البارز في المنطقة إلى أنّ إيران هي نموذج فاشل، لعدم قدرة نظامها على بناء اقتصاد فعّال و مزدهر،بينما نجحت تركيا نجاحاً معقولاً في ذلك الحقل. يقلّل عامل آخر من صلاحية تطبيق النموذج الإيراني في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، و هو الموقف الدولي و بنية الدولة في إيران، إذ أنّها ما تزال دولة معزولة بشكل كبير تحت عقوبات اقتصادية ثقيلة، و ميكانزماتها لصنع السياسة شديدة التعقيد، و مبنية على تطور تاريخي معين للفكر الشيعي و المؤسسات السياسية، و الذي هو حصْر على إيران و تنفرد به. تحملنا كل تلك العوامل إلى استنتاج أنّ تنمية إيران الاقتصادية، ليست ملائمة لتونس و مصر كقطرين من الشرق الأوسط و شمال افريقيا ما بعد الثورة .

وعلى النقيض من ذلك، يقدِّم النموذج التركي بعض الاستبصارات المفيدة في مجال التنمية الاقتصادية، و التي يمكن أن تستفيد منها مجتمعات ما بعد الثورة لتطوير حلول لمشاكلها الاقتصادية. المشكلة الرئيسة التي يمكن أن يساعد النموذج التركي في حلّها، هي كيفية إلغاء رأسمالية المحاسيب الراهنة، و تحسين أداء القطاعات العامة غير الفعّالة في تونس و مصر. تبقى الدولة هي الفاعل الاقتصادي الأكثر أهمية في مصر و تونس، و لكن نسبة لاستشراء الفساد و شبكات المحسوبية، أضحت القطاع الذي يعمل لصالح نخبة صغيرة جداً، و ليس أغلبية المواطنين. حتى الآن لم تنجح الإصلاحات النيوليبرالية التي بدأت في سبعينيات و ثمانينيات القرن العشرين، في تقليل تلك المشاكل. يوضِّح مالك و عوض الحالة الراهنة للاقتصاد في الشرق الأوسط و شمال افريقيا ما بعد الثورة "تقدم الأحداث الراهنة في المنطقة تذكيراً مناسباً بأن نموذج التنمية السائد قد فقد فائدته. تحتاج المنطقة إلى باراديام اجتصادي جديد يعتمد على قطاع خاص تنافسي و رائدٍ للأعمال و شامل".

تقع تلك المسائل في قلب نجاح النموذج التركي. أنتجت التجربة النيوليبرالية التركية التي انطلقت في بداية الثمانينيات من القرن العشرين،تنمية اقتصادية متسارعة، و التي تمثِّل الآن الدعامة الأساسية للنموذج التركي. أدّى تشجيع التصدير و موجات الخصخصة و تكامل تركيا مع الإنتاج العولمي و شبكة السوق، إلى نشوء طبقة وسطى واسعة، و رائدي أعمال جدد حتى في المناطق الريفية سابقا في وسط تركيا ،حين مرت البلاد بتحضُّر و تصنيع متسارعين. تركيا هي الدولة الإسلامية الوحيدة في المنطقة التي نجحت في خلق اقتصاد ذاتي الاستدامة و حرّ الأسواق، و الذي لا يعتمد على الاحتياطات الطبيعية مقارنة بالدول الريعية مثل العربية السعودية و إيران، و إنما يعتمد على قطاعات إنتاج حديثة مثل السيارات و النسيج و "البضائع البيضاء" .يقدم النموذج التركي دروساً قيِّمة في الانتقال إلى اقتصاد سوق متكامل مع السوق العولمي ،و بمعدَّل نمو اقتصادي أعلى من نمو السكان، مقلصاً للعطالة و ضامناً للحكم الفعّال.

خلاصة

تجادل هذه الدراسة بأن أقطار ما بعد الثورة في الشرق الأوسط و شمال افريقيا، مثل تونس و مصر، يجب أن تتعلّم من خبرات الأقطار الأخرى، بتحليل نماذجها للتحديث ،حتي يستطيع صانعو سياستها أن يطوِّروا سياسات يمكن أن تستجيب إلى مطالب مواطنيها في عصر ما بعد الربيع العربي. خلال هذه الدراسة، تمَّ تحليل المفهوم الناشئ للدولة المدنية و أفكار الأحزاب الإسلامية في تونس و مصر و مطالب الشعب، لتقييم صلاحية تطبيق نموذجي الحكم للشرق الأوسط و شمال افريقيا ما بعد الثورة.في الختام،النموذج التركي مقارنة بالنموذج الإيراني هو الأكثر صلاحية للتطبيق لتلك المجتمعات، إذ أنّ التجربة الخاصة لتركيا في مجال التنمية الاقتصادية و طبيعة حركاتها الإسلامية أكثر ملائمة للظروف الحالية لمجتمعات ما بعد الثورة. و لكن من المهم ملاحظة أن هذا العمل لا يحاول أن يقترح أنه من خلال الاتّباع الكامل لمثال تركيا، سيكون باستطاعة تونس و مصر تحقيق النجاح في كل الحقول المرتبطة بالتحديث. إنّ النموذج التركي هو مجرد نموذج واحد ضمن استراتيجيات تنمية عديدة يمكن الاستفادة منها لحل المشاكل. بالإضافة إلى النموذج التركي، سيكون من المفيد لصانعي السياسة في الشرق الأوسط و شمال افريقيا أن يطّلعوا على نماذج أخرى مثل النموذج الماليزي.لا يمكن نعت النموذج التركي ب"الصيغة المثلى" للتنمية،إذ ليس بإمكان أي نموذج أن يكون صالحاً للتطبيق تماماً لكل زمان و مكان. و لكن بالتأكيد ،إن النموذج التركي هو أكثر إفادة من خبرة إيران، البلد الذي به مسار اجتماعي و سياسي و اقتصادي مختلف جدا مقارنة بتونس و مصر كمجتمعين من الشرق الأوسط و شمال افريقيا، ذلك المسار الذي لم يُظهر بعد نجاحاً كبيراً في التنمية.

من المهم ملاحظة أن دور النموذج التركي في مصر، سيتأثَّر مباشرة بمحصلة الأحداث السياسية المفاجئة التي بدأت تتجلّى للعيان في مصر وقت كتابة هذا العمل.في ما بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس مرسي، يبدو الاستقرار السياسي أكثر تداعياً للسقوط من أيِّ وقت آخر ،إذ أن أنصار الرئيس مرسي و كثير من أعضاء الإخوان يشتبكون مع أجهزة الأمن مما تسبّب في وفاة الكثير من المصريين. مستقبل مصر هو مسألة تكهُّنات و محاكيات ،ممّا يجعل في غاية الصعوبة تقييم الدور الأساسي الذي يمكن أن يلعبه النموذج التركي في تشكيل تجربة التحديث المصرية. لاحقاً يمكن للانقلاب ضد مرسي أن يكون نقطة تحوُّل في تطور الحركة الإسلامية المصرية. و كما موضَّح أعلاه، قبل الانقلاب، كان للرئيس مرسي و حزب الحرية و العدالة نظرة إيجابية بشكل كبير للنموذج التركي، و الذي كان يُعتبر "برهاناً"، على أنّ الإسلام و الديمقراطية يمكن أن يتعايشا.إذا أصبح الإخوان و مشايعوهم، موضوعاً لموجة جديدة من القمع تماثل سياسة نظام مبارك الاستبدادي قبل الربيع العربي،يمكن أن تواجه مصر حركة إسلامية مسلحة و مهمشة و راديكالية، و التي ليس من الضروري أنْ تهتمَّ بمثال حزب العدالة و التنمية التركي، بل بمثالٍ آخر في مكان ما،و من الممكِّن أن يكون ذلك خبرة الثورة الإيرانية. من الواضح أنّ موضوع النماذج سيواصل في المرحلة القادمة ، جذْب اهتمام العديد من المراقبين، وأنّ الصراع السياسي في مصر سيشكِّل طبيعة هذا الخطاب.
_________________________________________________________________________
*Goksel, Oguzhan, Deconstructing the Discourse of Models: The Battle of Ideas over the Post-Revolutionary Middle East, Insight Turkey, Volume 15, Issue:3, Summer 2013.
** School of Government and International Affairs, Durham University.

osamaelkhawadahmed@yahoo.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3568

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ترجمة: أسامة الخوَّاض
ترجمة: أسامة الخوَّاض

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة