المقالات
منوعات
هذه المرة
هذه المرة
01-22-2016 12:34 PM


عندما عرفته منذ نحو نصف قرن من الزمان،كانت أسرته قد انتقلت من السكن في عطبرة،مقر عمل والده في وظيفة مالية مرموقة في السكة الحديد، إلى مسقط رأس الأسرة في القطينة، اثر رحيل والده المفاجيء الذي تزامن معأولى خطوات صلاح في جامعة الخرطوم.تجاوز الصدمة وتعايش مع واقعه الجديد،وأحاطه أهله في القطينة بكل الحب الذي عوض شيئا من أبوة الوالد، وعبره ولجت لأهل ومجتمع القطينة وحصدت أواصر حميمة من المودة والألفة.تشاركنا السكن ومدرجات وقاعات المحاضرات والمواد الدراسية وصابونة الحمام وصباع المعجون مثلما تشاركنا وعشنا معا الأحلام الصغيرة والكبيرة التي كانت في رحم الغيب. كنا نتشارك قراءة خليط عجيب من الكتابات.. حلقات سيرة "الولد الشقي"التي كان يكتبها محمود السعدني على صفحات مجلة "صباح الخير" الأسبوعية المصرية، وسجالات صلاح أحمد ابراهيم مع عمر مصطفى المكي ومعارك حسن مختار مع اتحاد الكرة على صفحات جريدة "الصحافة"، على اختلاف طرح ونهج كل كاتب، وكنا نجد فيها متعة ذهنية كبيرة. في أيام الامتحانات كنا نحتفظ أحيانا بقصاصات هذه المقالات لنقرأها في وقت لاحق.كان يحفظ شرف ود المكي الجديدة عن ظهر قلب. ثم تشاء الصدف أن يصبح صلاح في سنوات لاحقة صهرا لأسرة حسن مختار.كانت أياما جميلة تلك التي أعقبت ثورة 21 أكتوبر 1964. كانت الطموحات مجانية بلا حدود، وكانت أحلامنا تلامس هامات السحاب. اختزلت كل صداقاتي في الدنيا في شخصه رغم الاختلاف بين أمزجتنا واهتماماتنا.وجدت فيه كل ما أتمناه.كان هبة سماوية في وقت كنت أحتاجها.كانت مشاعر متبادلة.
كان سمحا سهلا يبلغ بحسن خلقه وحسن تعامله مع عباد الله ما يبلغه الصائم القائم،عصيا على الاستثارة والغضب، ينظر للدنيا ببساطة شديدة،ويأخذ منها أسهل ما فيها وبأقصر الطرق، بلا عنت أو عناء.تفرقت بنا السبل في دروب الحياة.كان هدفه واضحا وسهلا منذ البداية، فهو قد عشق سودانير والتحق بالعمل فيها، وحلق معها في كل محطاتها، وأصبح خبيرا في مجاله اجتذبته الخطوط السعودية وطيران الخليج لسنوات قبل أن يستقر في الخرطوم. أما أنا فقد تجاذبتني الدروب والحظوظ صعودا وهبوطا بعد أن تخرجنا معا في الجامعةثم عقود ثلاثة من الحلم بالمستقبل في بلاد الآخرين أو الاغتراب،وما زال الحلم التعيس مستمرا.كل منا كان سعيدا بخياراته وراضيا بمواقفه.
تشاركنا السكن لفترات قصيرة بعد تخرجنا في الجامعة،ومثل كل تواصل انساني خبرت علاقتنا مثل كل علاقة بشرية الصعود والهبوط الذي يغذيه البعد المكاني، ولكن في كل مرة كان القرب الوجداني هو الغالب. كان في جميع الأوقات صفي الروح والأقرب إليها.باعدت بيننا السنين،ولكن كما يقول صفي الدين بن فتوح:
بـعـدتــم ولـــم يبعد عـن القلب حبكم***وغـبـتم وانتم في الفؤاد حضور
غــــرستم بقلبي لــــوعــــة ثمراتها ***هــمــوم لها حشو الحشاء سعير
وتأخــــذ قـــلبي نــــشوة ذكـــركـم***كــمـا ارتـــاح صب خامرته خدور
لم أتذوق طعم الموت،ولكني تذوقت طعم رحيل أخي صلاح الأمين الذي حدث يوم الأربعاء 30 ديسمبر 2015م والعام الموشك على الرحيل يأبي أن يرحل منفردا ويأخذ في جوفه صلاحا.رحل وهو لم يحمل في قلبه غلا على أحد ولم يخلف وراءه عدوا واحدا في الدنيا.لكم فقدت من الأحباب والأصحاب،ولكني هذه المرة أحس بأن قطعة مني قد سبقتني للقبر.الموت هو قهوة الصباح وكوابيس المساء،،والأعمار تزيد وتنقص، ولكن " مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ، وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ، إِلا فِي كِتَابٍ".
طيب الله ثراه،ويرحمنا ويرحمه الله.
"وآخر العمر طويلا كان أم قصير
كفن من طرف السوق وشبر في المقابر".
(عبدالله علقم)
[email protected]





تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1536

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1404779 [ساهر]
0.00/5 (0 صوت)

01-24-2016 02:24 PM
تسلم... المغفرة والرحمة للفقيد........ إن شاء الله بعد عمر مديد....... فقط أود منك إنعاش ذاكرتك التي أحسب أنها قوية ومتقدة كعقل صاحبها......... اعتقد أن مذكرات الولد الشقي محمود السعدني كتبت على صفحات مجلة المصور أو آخر ساعة في عهد الرئيس السادات في أول أو منتصف أو أواخر الثمانينات ... وليست على أيام دراستكم الجامعية!!! كتب محمود السعدني هذه المذكرات بعد أن هرب من بطش السادات وهو عهد قريب وليس موغل في القدم كما صورته هنا............. يا ربي أنا كبرت برضو ولا شنو؟

[ساهر]

#1404612 [Tag.]
0.00/5 (0 صوت)

01-24-2016 08:50 AM
اللهم اغفر وارحم لصلاح الامين محمد احمد صالح واجعل الجنة متقلبه ومثواة واحشره فى زمرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.اللهم بارك فى زريته واحفاده.

[Tag.]

#1404405 [abdelrazag]
0.00/5 (0 صوت)

01-23-2016 05:34 PM
اﻻستاذ علقم عزائي لك في فقد صديقك...نسال الله له الرحمة والمغفرة...فعﻻ اهل القطينة ناس اكثر من طيبين فكانوا نعم الرجال في جميع المعامﻻت...بس الدنيا فراقة...

[abdelrazag]

#1404365 [سيف الدين خواجه]
5.00/5 (1 صوت)

01-23-2016 02:57 PM
يا صديقي عبر الاثير والشبكة رحم الله صلاحا رحمة واسعه تجب ما ليه وترفع قدره في عالم الخلود فقد ابطكيتني وكاني اعرفه منذ سنين انها كتابة محب دنف كلف بصحبه وهكذا تكون الصحبة في زمن تجاسرت علينا فيه انواء كثيرة وتكاثرت علينا غلواء كبيرة جففت كل شئ ولو ملكت سلطانا لجففت وجداننا الذي لا يعرف غير الحب الكبير للوطن وانسانه لكن ماذا نقول الحمد للله علي الرضا يمطرنا بوابل نشوته صباح مساء ويجعل للذكري سرمدية الخلود!!!

[سيف الدين خواجه]

ردود على سيف الدين خواجه
[عبدالله علقم] 01-24-2016 05:23 PM
أشكر للأحباب سيف الدين خواجةوعبدالرزاق وتاج وساهر مشاركتهم وحضورهم الكريم.جزاهم الله عني خير الجزاء ورحم الله الفقيد الغالي وجعل قبره روضة من رياض الجنة وأسبغ البركة على ذريته وذويه.
ربما كان الأخ الكريم ساهر يعني كتاب السعدني (الولد الشقي في المنفى)أو كتاب(الولد الشقي في السجن)،أما مذكرات الولد الشقي فقد نشرت على حلقات في مجلة صباح الخير وفي الفترة الزمنية التي ذكرتها، قبل أن تصدر في كتاب في وقت لاحق،وربما يكون قد أعيد نشرها بعد صباح الخير في حلقات في المصور أو أي في اصدارة أخرى.
التحية والشكر.


عبدالله علقم
عبدالله علقم

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة