المقالات
السياسة
الشيوعيون بى صَحهم: استقلال با بح
الشيوعيون بى صَحهم: استقلال با بح
01-23-2016 10:14 AM

استغربت لقرار الحزب الشيوعي أن لا يحتفل بعيد الاستقلال هذا العام. فمقدمات حجته في الواضح لا تؤدي إلى هذه النتيجة، أي الإضراب عن عيد الاستقلال. فقال الحزب إن استبداد الإنقاذ وظلمها هو الذي دفعه ليلغي احتفاله. ولو صحت مثل هذه النتيجة من تلك المقدمة لصح أن يرفع الحزب الشيوعي يده عن النضال بالمرة. فالاحتفال بالاستقلال "نضال" عميق دفاعاً عن رأسمال رمزي في حب الوطن، والشغف بالحرية، واسترداد للإرادة الوطنية. فمن كره النضال عند بوابة الرموز جاز له كره النضال جميعاً.

ومن المؤسف أن يتغابى الحزب عن هذه المغازي الرمزية التي كان له فيها، شهد الله، نصيب الأسد. وقد قلت مرة إن السودانيين ميزوا الحزب لوطنيته الجذرية بأكثر من شيوعيته. فإذا كانت الإنقاذ مؤاخذة عند معارضيها الرسميين لهدمها منارات السكة حديد والجزيرة والخدمة المدنية والجيش والجميلة المستحيلة فإن هدم قرار الشيوعيين لأفحش. فهو تفرط في رأسمال رمزي في طلب الحرية لا يستغني عنه كل نضال لاحق ضد المستبدين. ومن هدمه مكن للظلم الظلمات.

لو عنى الحزب بقراره الإضراب عن ذكرى الاستقلال بتعطيل الحفل الكورالي الخطابي المعاد لما اكترثنا له. ولكن الوقوف عند مغزى الاستقلال متى هل عيده فرض فكري نضالي. وليس الحفل المعروف هو أفضل أشكال أداء هذا الفرض. فالنضال الفرض الآن هو أن نسترد مغزى الاستقلال ممن أنكروه، واستبخسوه، وسخروا منه. فقد بلغ اليأس من الاستقلال بالناس، والصفوة بالذات، الزبى. وصار التنصل منه سعر السوق. وهاك يا تشهي في زمان الإنجليز. فتجد من يروج لأنهم أحسنوا إلينا كما لم يفعل أحد. وأنهم خرجوا من غير ميعاد. أو أنهم أنهوا استعمارهم بأنفسهم السخية. وأنه بدري علينا، ولقينا شنو، وياحليلهم أباً عيوناً خضر، السلف الصالح، لا يفوتوا ولا يموتوا. وعيييك.

ليس في مثل هؤلاء المتنصلين شعرة رجولة أو أنوثة للحرية. ومن يريد تجييشهم لحرب الإنقاذ خاب فأله. وسينفخ في قربة مقدودة. فمن أين لمن كسد عنده معنى الحرية، الذي اكتسبه بالحركة الوطنية، أن يشغف بالحرية ويستميت في طلبها من نظام كالإنقاذ، أو يضحي من أجلها؟ مثل هذا العاطل عن الذوق للحرية أخير تقنع منو.

يربط المتنصلون عن الاستقلال بين تنصلهم ودولة الإنقاذ التي كرهتهم فيه. ويبدو من هذا الربط وكأن الظاهرة سودانية بحتة. ولكن طمام البطن من الاستقلال والتمني الفارغ لعودة المستعمر ليست "نباهة" سودانية. إنها عاهة في سائر من وطأهم الاستعمار بما في ذلك بلد المليون شهيد، الجزائر:

يا جزائر
ها هنا ينطلق القوس الموشى
من كل دار وكل ممشى
نتلاقى كالرياح الآسيوية
كاناشيد الجيوش المغربية

وسأعرض هنا ما كتبه في الإنجليزية عبد المجيد هنوم، الأستاذ بجامعة كنساس بأمريكا، في كتاب عنوانه "الحداثة الفظة: فرنسا في الجزائر" (2010) عن حالة النوستالجيا التي تعتري الجزائريين، وخاصتهم بالذات، لأيام الاستعمار الفرنسي. واستعان الكاتب في الجزء الذي استرعى إنتباهي بكتابات المفكر والروائي المغربي عبد الله العروي صاحب كتاب "العرب والفكر التاريخي". وسيرى القاريء أن ظلم دولة ما بعد الاستعمار في السودان وغير السودان قد يولد النوستالجيا للاستعمار ولكن لهذه النوستالجيا بواعث في التركيبة التاريخية والاجتماعية للدولة التي ابتلاها الله بالاستعمار تنشأ بظلم الأقربين وبدونه.



يشير الكتاب إلى مفارقة في دراسات الحداثة والاستعمار. فتجد مثلاً عبد اللة العروي يدين الاستعمار ولكنه يُثمن قيمه ويرغب في الاحتفاظ بالحداثة التي جاءت بأثره. فقال العروي إن الاستعمار خطيئة كبرى لأنه عطل التطور التاريخي وأجبر من استعمرهم على العودة القهقرى. وعليه فكل استعمار هو حكم بالموت على من خضعوا له.

ولكنه من الجانب الآخر تجده يتمسك بالحداثة الاستعمارية لأنها ضمانته التي لا غيرها لكي ينجو من التخلف الثقافي والعودة إلى قرون تاريخه الوسطى (تُقرأ السلفية الكيزانية هنا). فالعروي في ما يكتب يطابق بين الحداثة وأوربا ولكنه، وبما يدعو للعجب، لا يربط بين الحداثة والاستعمار. بل تجده يفصل بينهما. وفكرته في ذلك أن الاستعمار ربما لم يكن بالثمن الفادح الذي دفعناه للحصول على الحداثة.

وتجد الحنين-النوستالجيا للاستعمار غالبة في الخطابات العامة. فيرى كثير من الجزائريين للفرنسيين ميزة بل هناك من ينسبهم إلى الأشراف من عترة النبي صلي الله عليه وسلم جاداً أو مستملحاً. فالمستعمرون من أمثالنا يجدون أنفسهم في حاضر حديث لم يكن لهم فضل في إيجاده ولا يملكون صرفاً ولا عدلاً فيه. فهم لم يجدوا نفسه في بيئة حديثة وحسب بل تشربوا مصطلحها الذي جاءت في صناديقه بحيث لم يعد بوسعهم سوى قبولها بحذافيرها حامدين شاكرين. فجاءتهم الحداثة بأدوات تزيينها والترويج لها كنهاية التاريخ. فألجمتهم عن نقدها باستقلال ونباهة. وقيل إن أدوات السيد لا تهدم بيت السيد. فالمستعمرون مثلنا خلو من أدوات مستقلة لتفكيك الحداثة التي وقعت لهم من حيث لم يحتسبوا. وهذه الحالة المأزق هي التي تنتج "سردية اليأس" التي مفادها: "سلام علينا في العالمين فلا سبيل للتاريخ نفسه أن ينقذنا".

وهذه السردية اليائسة من الاستقلال هي التي تستدعي أن يتوقف عند دراستها الشيوعيون وغير الشيوعيين عندنا وتحرير الأفئدة منها. فمن لم يقف على كتف الحرية المكسوبة بالاستقلال وظن أنه يناضل للحرية من الإنقاذ طال ليله. . طال. وطال ظلمه . . ظلمات.

[email protected]


تعليقات 12 | إهداء 0 | زيارات 2670

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1404773 [عكر]
0.00/5 (0 صوت)

01-24-2016 02:13 PM
( نهاية عهد الكيزان ..تبشر باضمحلال الوطن )
للاسف لم يفهم المقال جيدا ...المستوي يخلق البون و ليس كل ما يكتب صالح للجميع ..فالرجل ببساطة يشير الي عدم الربط ما بين النضال العريض و الفهم الاساس للحرية من ما يحدث مرحليا او انيا .. فالكيزان و اشباههم حتما الي مزبلة التاريخ .. ويظل الوطن والاستقال من الاستعمار ياسس عندنا فهم الوطن الحديث الذي رضينا به ...و اشير بدوري هناك لنوع من الكتابات تصيب الوطن في هويته و تعمل علي حلحلته ...و اكيد من مروا بتجربة قاسية مثل الدارفوريون هذه الايام ..يمكن ان لا يعني لهم مفهوم الوطن الموروث شي طالما .. اكتوا من مركزيته و نظامه الفاقد للشرعية من قبل وبعد ...!!

[عكر]

#1404748 [قنوط ميسزوري]
5.00/5 (3 صوت)

01-24-2016 12:58 PM
"ليس في مثل هؤلاء المتنصلين شعرة رجولة أو أنوثة للحرية"
و طبعا سيادتك إحتفلت بذكرى شهداء سبتمبر و أعربت عن بالأمس القريب عن أسفك لمجزرة الجنينة و نحن ما متذكرين
و طبعا نحن ناكرين لكل جمائلك و أفضالك علينا في فضح سلطة الإنقاذ الإسلاموية بصورة دايمة! أعذرنا يا بتاع ميسزوري ناكرين جميل
و برضو إنت إترشحت - أو حاولت ههه- ضد عمر البشير عشان خاطرنا و نحن خذلناك ما لمينا ليك حق الختة عشان تنقذنا
فأعذرنا يا شيخ ميسزوري

[قنوط ميسزوري]

#1404702 [مصطفي سعيد]
0.00/5 (0 صوت)

01-24-2016 11:35 AM
نعم انهم يتساقطون راسيا

[مصطفي سعيد]

#1404508 [الباسا]
4.50/5 (3 صوت)

01-23-2016 11:32 PM
لو تحقق غرض الاستقلال لجعلنا من مقالك هذا "بوسترات" على كل كل شوارع مدن السودان ... فعلا كان اسمك عبد الله على ابراهيم .

[الباسا]

#1404456 [Truth]
5.00/5 (3 صوت)

01-23-2016 08:27 PM
هذا الرجل لا يفهم و لن يفهم بأنه سمج المقالات فليذهب الاحتفال فى داهيته و ليعود السودان كما كان قبل الانقاذ انا لست شيوعيا و لا يساريا و لكن اعلم ان هناك افراح تسقط بالاحزان و لو ظلت حقيقة رغم انف الحزبن

[Truth]

#1404417 [حاج علي]
5.00/5 (3 صوت)

01-23-2016 06:23 PM
وصل بك الانحطاط الي هذه الدرجة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

[حاج علي]

#1404383 [سوداني]
5.00/5 (1 صوت)

01-23-2016 04:17 PM
هل من الممكن للحزب الشيوعي السوداني نشر اسماء (وسير حياة) اعضاء لجنته المركزية + مكتبه السياسي؟
ام ان هذا سر حزبي؟
معرفة اولو الامر والحل والربط مهم في عصرنا هذا. حتي يعرفهم الشباب الذي يعول عليهم الحزب في نضاله ضد الاسلامويين والرجعية الطائفية والانفصاليين في السودان.

[سوداني]

#1404333 [كمال]
0.00/5 (0 صوت)

01-23-2016 01:21 PM
دكتور...يرفض بعض قادة الحزب الشيوعي الاحتفال بذكري الاستقلال نكاية في جماهير الشعب السوداني ويصرون علي اقامة مؤتمر الحزب السادس...نكاية في جماهير الحزب...وياخبر بي قروش بكرا يبقي ببلاش...وعجب

[كمال]

#1404326 [متابغ]
4.88/5 (5 صوت)

01-23-2016 12:55 PM
ليتك ترفع رأسك يوماً يا دكتور، ولو للحظات، فترى فعائل الانقاذ وأوجه فشلها العديدة في إدارة حكم السودان، ليتك ترفع رأسك ولو للحظات معدودة فقط، فقد طالت بك الأزمان وأنت تسير مكباً على وجهك تتسقط أخطاء المعارضين وهفواتهم وتتعامى عن أسباب التخلف، وأس البلاء. لقد كان عندنا يوما سياسياً من طراز المناضلين الشرفاء، وكاتباً من النجباء، وكان اسمه عبدالله علي ابراهيم.

[متابغ]

#1404321 [bdrtaha]
5.00/5 (2 صوت)

01-23-2016 12:43 PM
لا نود ان نكرر ان اسهالك في كتابه الغير نافع لكنك لم ترعوي فهذا مرض عضال شفاك الله فقط نود ان نورد ملاحظتين اولا وضع أبيات الشاعر العظيم تاج الس الحسن من قصيدته اسيا وإفريقيا

في لُب مقالك دون الاشاره اليه وكأنك توحي انك مؤلفها أيها الدعي. الملاحظة الثانيه تربصك بالحزب الشيوعي وتلومه في موضوع الاحتفالات مره تلومه لانه لم يحتفل بعيد ميلاد سيدك المرحوم عبد الخالق

والان تلومه لالغاءحفل الاستقلال. عيد بايه حال عدت ياعيد او كما قال المتنبي. لكن كشفت في اخر مقالك الرسالة التي تود ان توجهها لسادتك الجدد الانغاذيين. ابشرو بطول سلامه لان الحزب الشيوعي

الغي الاحتفال إنشاءالله يسمعوك واللا التمن مدفوع مقدما. ياخي ما تكتب عن ماسي بلدك من تدهور وانحطاط وبؤس وشقاء باين للعيان 8(3

[bdrtaha]

ردود على bdrtaha
[alfeel] 01-24-2016 11:14 AM
كدى شوف في كم شيوعي قرأ المقال وكم شيوعي كتب رد عشان تعرف نافع ولا شئ تاني. ما رأيت رجلا اشد غيظا للشيوعيين من د. ع ع أ. حتى ما يسنطيع احدهم ان يمر على المقال ولا يكنب رد.
ردكم على الرجل قرأناه, اين انتاجكم؟؟؟؟


#1404288 [The Dove above.]
5.00/5 (4 صوت)

01-23-2016 11:32 AM
سؤال وبشكل موضى لكاتب المقال: ماذا يعنى " الاستغلال" وليس الاستقلال لصبية بدارفور وجبال وهى ترى قذف الطيران الحكومى لقراهم الآمنة ؟؟ وماذا يعنى للذين فقدوا الأرض والعرض وهنالك الإبادة الجماعية؟ كم قتل المستعمر من السودانيين من الانفس؟؟ وكم قتل أصحاب الإسلام السياسى من الانفس في دارفور وهل ادخل المستعمر الناس بيوت الاشباح؟؟ عبد على إبراهيم هل تعرف معنى ان لا تجد حق الدواء في بلادك والاكل والشرب؟؟ ماذا يعنى الاستقلال بالنسبة لخريج جامعى منتظر وظيفة لا تأتى؟؟ وهل الطبقة الحاكمة في السودان بعد ستون عاما حققت الاستقلال السياسى والاقتصادي ؟؟؟ ياخى نحن مفروض نعمل مأتم وعشوراء الاستقلال لتقى العزاء والفاتحة على السودان؟؟؟ وبعدين يا عبد الله بناتنا بشتغلن بنهودهن لكسب الرزق في دبى - يعنى دعارة عالمية ؟؟ قال ايه استقلال؟؟؟ يا حليل الانجليز

[The Dove above.]

#1404278 [ahmed ali]
4.75/5 (3 صوت)

01-23-2016 11:13 AM
يا عبدالله إنت متأكد إن السودان مستقل وليس محتل من قبل تنظيم الأخوان المسلمون العالمي ؟ ؟؟؟؟؟؟ ؟ يا راجل كدي فكر شويه .

[ahmed ali]

عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة