المقالات
السياسة
تأملات في صورة الذاكرة السودانية و حيرة الحاضر السياسي
تأملات في صورة الذاكرة السودانية و حيرة الحاضر السياسي
03-15-2014 07:47 PM


الشعب السوداني حبيس الآمال و الإبداع , و لكنه بين الفينة و الأخرى يرقب السماء علها تمطر ذهبا ً , و هو لا يدري ان الذهب بين قدميه و أمام ناظريه. وطن أغنى ما يكون في الزراعة و المياه و المعادن و فوق كل ذلك بالبشر. و شعوب أكثر ذكاءا ً و ثراءاً في الثقافة و الإرث الأكاديمي. و لكن يد التسلط العسكري و الدكتاتوري و القواعد الجامدة و كثرة الفرضيات. جعلت يده مغلولة, و انسانه قليل الحيلة , و مُعاق الابداع , و تسلطت عليه المواقف السلبية و الخوف و الفشل و أرهقته التكاليف و أجهدته ايادي المترفين و العسكر و المرتزقين.
عندما نتحدث عن تفاصيل الذكريات السودانية يندهش الآخرون. و على سبيل المثال لا التعميم في أحدى دول الخليج ذات العائد المادي الضخم , التقيت مع زميل مهنة خليجي , تجاذبنا اطراف الذكريات عندما كنا صغار , فذُهل و قال لصديقه من بني جلدته : " كل الناس لديهم ذكريات الا نحن , لماذا؟!" فهو يقصد بالذكريات التفاصيل الاجتماعية و الثقافية للطفل.
كان هذا مدخلي لهذا الموضوع , فذاكرة الطفل السوداني و ذهنيته تكاد ان تكون من أغنى الذهنيات بكل أنواع الذكاء(الثمانية) في العالم. يكاد ان يكون الطفل السوداني من أكثر المستمتعين بأنواع الذكاء الثمانية , و ذلك لتوفرها في بيئة السودان الثقافية و الاجتماعية و التعليمية. و لكي تكتمل المقارنة و القياس سأذكر هذه الانواع باختصار :
1. الذكاء اللغوي (اللفظي) 2. المنطقي (الرياضي) 3. الحسي (الحركي) 4. التفاعلي (الاجتماعي) 5. الذاتي (الفردي)
6. الموسيقي (النغمي) 7. البصري ( المكاني - الصوري) 8. الحيوي (البيئي)
كل هذه الانواع الثمانية تكاد تكون متوفرة في حياتنا اليومية أو في المدارس. فالطفل السوداني فطريا هو موهوب و ذكي. فلماذا يمثل هذا الذكاء فشل كبير في المستقبل؟ سؤال صعب و الاجابة عليه نظريا ً قد تكون ممكنة , و لكن تطبيق الاجابة في الواقع المعاش يبدو ان ذلك أمر صعب.
يمتاز المجتمع السوداني بالتحدث في الثقافة و السياسة , بكل أطيافه و أصنافه و طبقاته. و بهذا يكون قد تمكن من ناصية الذكاء اللغوي اللفظي و الموسيقي النغمي و البصري و التفاعلي و الذاتي بامتياز. و لكن معضلة تحويل هذه الانواع من الذكاء لصناعة حديثة تغير وجه المجتمع المادي و الحضاري , يبدو انها هي علة هذا المجتمع. يكثر النقاش في كل مكان في السودان , و ينسحب الوقت بدقائقه و ساعاته من بين ايدي الناس و هم لا ينتبهون. فالوقت مهدر و العمل غائب. لم تكن المنظمات المدنية و الحكومية و الحكومات في أي وقت حاضر أو مضى في السودان , الا صورة لذاكرة المجتمع السوداني الذكي ثقافياً و اكاديمياً والحائر في منابر الحكم و السياسة سلوكيا وعملياً و تطبيقياً.
الشعب السوداني أقرب للرفاهية الغائبة التي كان يعيشها في سبعينيات القرن الماضي , اذا أوكل أمره لمن يشبهه في الابداع من بني جلدته. على السودانيين أن يجعلوا في مقدمة ركبهم الشرفاء الذين يبتعدون عن الفساد و يلبسون ثياب الورع و الزهد و التفاني. لا مجال لفكر مستورد , لابد من تغير المفاهيم و القناعات و على الشباب ان يتسلم راية المعاصرة و التطور. فالشعب السوداني يحتاج لمبتكرين تشربوا قيم السودان و اخلاق انسانه , لا يفرضون سلطتهم على الغير , يزودون المجتمع بالجديد من المبتكرات , يتمهلون في اصدار الحكم , يستطيعون تشخيص و تحليل المشكلات و ايجاد الحلول لها. البعد عن التقليد ان كان ذلك فكريا أو عقديا , بل يبتكرون و يقلدون في العلوم المتطورة و الاقتصاد المعاصر. و أن يكونوا قادرين على تنظيم افكارهم و أفكار الشعب و أولوياته , أي الانحياز التام للشعب لا لحزب أو عقيدة أو جماعة أو طائفة , فهذا بيت الحكمة و اسباب النجاح.
فالحوار هو أساس العملية السياسية و التربوية في البيت و المدرسة و الجامعة , فالعلاج قد يكون في ضبط المواقف , قد نحتاج للمغامرة لأنها قد تأتي بالمتوقع , و قد نحتاج للاسترخاء لأنه قد يأتي بالناضج من الفكر و الجديد من الاجيال , قد نحتاج للاعتقاد العكسي في كثير من الموروثات السالبة , قد نحتاج ان نخرق كثير من القواعد المكبلة للإبداع و الانطلاق. فالمشاكل التي تدوم سنوات و قرون ليس لها حل الا ثورة ابداع و سياسة و اقتصاد و لكن برؤية جديدة محدثة. فذاكرة السودان ثرة و غنية و لكننا نحتاجها للاستلهام و تدفعنا للتجديد بنفس الرؤى الوطنية و الثقافية و الاخلاقية التي تخصنا.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 497

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أحمد يوسف حمد النيل
أحمد يوسف حمد النيل

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة