المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
أماني أبو سليم
خبر واحد
خبر واحد
03-16-2014 09:49 AM

قصة قصيرة

كانت تنظر اليه كل يوم في الصباح و تخرج . كل يوم تراه قد تبدل ، كأنه يزداد قصرا ، و كرشه يتكور اكثر ، و انفه كأنها تزداد حجما كل يوم ، عيناه كأنما ترحلان اكثر و اكثر حتي صار مكانهما مجوف . منذ مدة و هي تتركه في هذا المكان كل صباح و تخرج الي عملها . تراه لا يقوم باي نشاط او عمل لا في البيت و لا خارجه. كانت تتركه صباحا و هو علي السرير و تعود لتجده قد عاد قبلها.

مكان عملها في الطابق السابع ، مكان عال بما يكفي ليتيح لها متعة التفرج علي الناس ، و الشوارع التي تطل عليها البناية. منذ مدة و هي تراقب شابا يأتي كل يوم في الشارع علي شمال بنايتها. لو ان زوجها طال قليلا لصار اقرب الي طوله ، و لو مشي ما يمشه هذا الشاب في هذا الشارع لما تكورت كرشه بتلك الطريقة.

من بعيد لا تستطيع ان تحدد طوله فلا تعرف ان كان طويلا ام قصيرا ، و لكنها حين تقارنه مع بقية المارة في الشارع تراه اطولهم جميعا و يوما تراهم كلهم في نفس الطول و لكنها يوما لم تره في قصر زوجها. و هي تؤكد انه اكثر رشاقة منه. كان النظر اليه من بعد يوحي لها بنشاطه و حيويته، مشيته توحي لها بأنه مبادر في الحياة ينازل من اجل ما يريد. له التفاتة تلمحها من بعدها ذاك تشي لها كم هو حاسم القرارت يعرف اهدافه و يسير اليها. يبدو ان عمله كثير جدا ، انه دائما ما يحمل اشياء لا تستطيع تحديدها بالضبط يبدو انها اوراق، ربما دفاتر او اضابير، اشفقت عليه من هذا الجهد. الالوان التي يرتديها تجعلها تميزه من ذلك البعد. كان يعجبها اختياره للالوان ، دائما هناك اللون الازرق في قمصانه، تراه انيقا في درجاته، بالذات اذا تداخل مع الوان اخري مقلما او مربعات، كأنه يفضل اللون الازرق، هي ايضا باتت تفضله لانه يجمل صباحها و يبعث في نفسها الامل. الازرق يعكس لها كم صاحبه متماسك و متوازن في كل شئ و لهذا هو من النوع المتفاني في عمله، و يبدو لها انه لا يتردد و لا يخاف و لا ينغلق علي نفسه، فكرت كيف ان زوجها لا يبارح مكانه، و اصبح عالمه راكدا يتجمع عنده الكسل و الخمول.

دائما ما تبتسم و هي تفكر كيف اختارته دون كل المارة في هذا الشارع لترسم به عالمها الخاص. كثيرا ما تراه من ظهره و تؤكد لنفسها انها تتبين شهامته من رسم كتفه، وعندما تراه يصافح احدا تعرف كم هو بشوش و محبوب من الاَخرين ، تفكر دائما ليت زوجها القابع في ذلك السريركان مثله.

كانت تنطر اليه باعجاب شديد من مكانها ذاك، و بالذات في ذلك اليوم الذي قضته كله تقريبا و هي تتابعه و تراقبه من نافذتها. و زاد اعجابها اكثر عندما اخذ محموله و هو يجري اتصالا ما ، اخذت تتخيل كيف يكون حديثه علي الهاتف، تري كيف هو صوته ، اكيد ان الحنان يسبح في موجه، و ان سحب الحب ترش عليه رذاذها ، فيأتي الصوت محمولا علي انهار تترقرق. تري فيما يحدثها، هل يحكي لها ما لاقاه اليوم، ام يذكرها بوعد ما ام تراه فقط قد اشتاق اليها. سمعت جوالها يهتف، لم تبال. اخذت تفكر ما اسعدها تلك التي علي الطرف الاَخر، كيف تراها تفعل عندما تري اسمه يقفز علي شاشة جوالها، طبعا تقفز معه، فتقفز عصافير الفرح من قلبها و تظل محلقة حولها طالما النهر يترقرق.

سمعت نغمة محمولها من جديد، رفعته فاذا بزوجها هو المتصل، و ضعته بسرعة و عادت الي النافذة ، الي خيالها مع الرجل، ، انه لا زال يضع محموله علي اذنه، اخذت تفكر، يا لها من مكالمة طويلة، تري بما يناديها ، كيف يسمها ، باسمها، لا يمكن ان يكون بهذه السطحية، بصفة من الصفات التي يحبها فيها ، ربما، ام تري يناديها باسم خاص لا يعرفه غيرهما. كيف تراها، و هي تسمع صوته علي الطرف الاَخر أتغمرها انهار الحب من صوته. محمولها لا يكف عن الصراخ، ان ردي، و هي لا تبالي، فزوجها علي الطرف الاَخر ، حديثه ممل، لا يحمل اي مفاجأة، عالمه كغرفة سجن، محبوس فيها الحنان لا يفك اسره رقة و لا شوق. سجن ضيق الحيز لا تتردد فيه اصوات نداء و لا تهمس فيه اي معان.

و الرجل منشغل بمحموله سار علي طريق العربات عابرا، و لا زال منشغلا جاءت من المنعطف سيارة مسرعة، صرخت هي من مكانها الذي يكشف معظم الشارع، كانت السيارة اسرع من انتباهه و تصرفه، رمته علي الارض. جاءت صرختها بزملائها في العمل، كانت في حالة انهيار. اخذت تولول و تصرخ و تلعن السائق و كأن من دهسته السيارة حبيب حقيقي، اخذت تبكي كامرأة تبكي زوجها، كانوا يحاولون تهدئتها و هم لا يستطيعون ان يعرفوا صلتها بصاحب الحادث.

عادت الي البيت و الحزن يرافقها .كانت تتوقع ان تجد زوجها كالعادة قد وصل قبلها، و لكنه لم يكن هناك، اَثار خروجه صباحا فقط كانت هناك، ملابس و اشياء اخري متناثرة في كل مكان، اخذت تلملم ملابسه، رفعت قميصا ازرق و وضعته في حاوية الملابس المتسخة، و رفعت واحدا اَخر الوانه المتعددة في شكل مربعات يغلب عليها اللون الازرق، و اَخر مقلم ايضا بالازرق . رفعت اشياء اخري من هنا و هناك و هي ترتب البيت، اوراق، دفاتر، اضابير كثيرة و بالوان مختلفة. كانت تبكي الحبيب الذي دهسته السيارة و بين لحظة و اخري تلتفت الي الباب ترقب عودة الزوج الذي تعودت ان تجده قد وصل قبلها. كانت لا تزال تلعن السائق الذي سرقها عالمها ، عالم بقدر بعده كان قريبا منها، تمد يدها فتلونه كيف تشاء بغير الوان، عالم تعيش فيه و قد بهت. ما تمنت يوما ان تمد يدها فتصافحه، و لا يوما فكرت ان تنزل و تعرفه عن قرب، كانت تراه هكذا اجمل، حين تحتاج الي لحظة راحة، حين تحن الي حبيب في داخلها، حين تبحث عن امان، تحمل الوانها و تنظر من نافذتها . يأخذ ترتيب البيت حوالي الساعة بعد عودتها ، انهته و ما عاد زوجها، بدأ القلق يتحسس طريقه الي قلبها. كانت تفكر في مصير حبيبها، و تتساءل لما تأخر زوجها، هل سيعود، ليملأ حياتها، هل يعود ليسافر خيالها في عالم الالوان، ام تراه فارق الي غير رجعة، و لكنها تساءلت، ان عاد، هل ستكتفي بالنظر اليه من بعيد كما كانت تفعل ام ستقترب منه و تتعرف عليه اكثر.

كان الحزن علي حبيب خيالها يتجول في قلبها وحده مالكا كل المكان و لكنها عندما بدأت في اعداد الغداء كان القلق علي زوجها قد بدأ يتجول معه. كان الحزن يمشي خطوة و القلق خطوتين، رغم انها ليست المرة الاولي التي يتأخر فيها و لكن دون سبب تعرفه، سابق القلق الحزن داخلها. قامت الي جوالها لتتصل به، المجيب الاَلي لم يطمئنها بشئ. اصبحت خطوات الاثنين تدق في رأسها، الحزن علي خيال لا تملك ان تقبضه بيدها و قلق علي واقع ما عادت تعرف ما به. تسابق الاثنان في قلبها جيئة و ذهابا. كل يسابق الاَخر في احتلال الغرف من القلب. اختلطت خطواتهما و هما يسرعان يدقان كل مكان فيها حتي تعالي غبار الخطو في كل مكان و ما عادت تميز بينهما، أي منهما الحزن و أي منهما القلق. هل صارا رجلا واحدا يحتل كل القلب، ام بقي منهما واحد و ذهب الاَخر. ما عادت قادرة ان تفرق بين خيالها و واقعها، تبكيهما معا، حزينة عليهما معا، فكأن الواقع قد انسل منه الخيال، و كأن الخيال قد تلاشي حين غاب الواقع. تركت ما بيدها و جلست تنظر لمحمولها و كأنه يعرف الاجابة علي السؤالين ، و كأن السؤالين ايضا قد اتحدا و صارا سؤالا واحدا، او ان اجابة واحدة ستفسر الحدثين، الحادث و تأخر زوجها.


تعليقات 10 | إهداء 0 | زيارات 2455

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#944207 [هجو نصر]
4.12/5 (12 صوت)

03-16-2014 06:48 PM
دي عايزة المخرج شداد بتع (جمل) و(حبل) ويكون حديد لاقي حديد ومبدع لاقي مبدعة.


#944188 [تاج البارون]
4.16/5 (10 صوت)

03-16-2014 06:32 PM
دنيا الخيال


#944147 [تينا]
4.15/5 (9 صوت)

03-16-2014 05:51 PM
قصة مؤثرة وأبدعتى فيها لكن كان تورينا مات ولا عايش ... تحياتى ...


#944021 [waiting for godot]
4.13/5 (10 صوت)

03-16-2014 03:04 PM
بطلة قصتك زي إبل الرحيل، شايلة السقو وعطشانة


#943889 [أبوالكجص]
4.17/5 (13 صوت)

03-16-2014 01:04 PM
مسكينة البتفتش عن الرايحة من الشباك ولحظها العاسر لم تجد رايحتها سوى في الشخص الذي تمقت أسلوبه في الحياة وهو في النهاية مات وريّحها (صحيح الشقي يلقى العضم في الفشفاش) لكن برضو خليتينا لافين صينية يا أماني أبو سليم لأن التورية في القصة ممكن ربطها بحالات كتيرة مشابهة (تشابه علينا البقر لكن عايزه في النهاية تقولي شنو بالضبط).


#943829 [كجرو]
4.12/5 (10 صوت)

03-16-2014 12:15 PM
أبدعت يا لها من فكرة لا تصدر الا من عقل مبدع وكاتب ذي خيال بارع وفقك الله


#943781 [waiting for godot]
4.17/5 (8 صوت)

03-16-2014 11:37 AM
مبدعة حقاً.. سأداوم على قراءتك ان شاء الله.


ردود على waiting for godot
United States [تاج البارون] 03-16-2014 06:33 PM
اضيف صوتي الي صوتك


#943780 [waiting for godot]
4.18/5 (12 صوت)

03-16-2014 11:35 AM
مبدعة حقا.. سأداوم على قراءتك ان شاء الله.


#943764 [السنهوري]
4.11/5 (11 صوت)

03-16-2014 11:16 AM
كان الحزن يمشي خطوة و القلق خطوتين
يا ســــلام عليك
كأن السؤالين ايضا قد اتحدا و صارا سؤالا واحدا

وين بتكتبي إنت ، عايزين نتابعك


#943673 [مات البطل]
4.17/5 (10 صوت)

03-16-2014 10:07 AM
حرقتي روحنا البطل مات ولا ما مات

طبعا هو زوجها الكان حايم وطقشتو العربية


اماني ابوسليم
اماني ابوسليم

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة