المقالات
السياسة
الترابي استثمر المصالحة وطوع انتفاضة ابريل للتخطيط لانقلاب الحركة الاسلامية 89
الترابي استثمر المصالحة وطوع انتفاضة ابريل للتخطيط لانقلاب الحركة الاسلامية 89
03-18-2014 10:21 PM

حلقة (2)

الشيوعيون يتحملون مسئولية انقلاب مايو أما 19 يوليو لا علاقة لهم به وان دفعوا ثمنه

لو إن اقتراح صلاح سالم بتوطين مليونين مزارع مصري في جنوب السودان تحقق لما كان الانفصال

لم يسلم أي حزب من التورط في انقلاب مايو بالرغم من استشهاد ثلاثة من القيادات الحزبية

تناولت في الحلقة السابقة الفترات الأولى من الديمقراطية من منتصف الخمسينات حتى عام 69والتى شكلت ثلاثة مراحل من الحركة الوطنية.

أولها فترة ما قبل إعلان الاستقلال والثانية من56 حتى 58 مرحلة أول حكومات وطنية منتخبة ثم المرحلة الثالثة من 64 حتى 69 فترة ثاني حكم ديمقراطي بعد ثورة أكتوبر وتعرضت خلال هذه الفترات لسلسلة الانقلابات المدنية التي كشفت عن عدم أهلية الأحزاب السودانية كمؤسسات ديمقراطية والتي أعيد منها لإنعاش الذاكرة حوادث مارس (حزب الأمة) وحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان وحل الأزهري للبرلمان حتى لا يمارس الديمقراطية لإسقاط حكومة المحجوب لصالح الصادق المهدي وعدم تنفيذ حكم المحكمة الدستورية (حزبا الأمة والاتحادي الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي) وإفراغهم القرار من المحتوى بأنه حكم تقريري وإصرار الزعيم الأزهري على فرض مرشحيه على قواعد الحزب وفصل من لا ينصاع لأوامره مما أدى لفوز مرشحي الجبهة الإسلامية بدوائر مقفولة للحزب يؤكد ذلك إن ما حققه مرشحوا الأزهري من أصوات قليلة كان كفيلا بفوز مرشحي لجان الحزب بالدوائر الانتخابية الذين حققوا أصوات أكثر من مرشحي رئيس الحزب مما يؤكد عدم ديمقراطية تصرفه.

هذه الفترة هي التي شهدت أول إقحام للجيش في الصراع السياسي في عام 58 بأول انقلاب عسكري الذي كان عملية تسليم للجيش من حكومة حزب الأمة الاتلافية مع حزب الشعب الديمقراطي وهو الانقلاب الذي كتب نهاية قومية الجيش وفتح الطريق للأحزاب لتوظفه لحسم صراعاتهم من اجل السلطة بعيدا عن السلوك الديمقراطي.ولقد كان أخطر الانقلابات المدنية في تلك المرحلة حوادث أول مارس التي يسال عنها حزب الأمة لما مثلته من إعلان سافر بإجهاض الديمقراطية من بداية الحكم الوطني وهو التصرف الذي صادر حرية أول برلمان منتخب عندما أشهر حزب الأمة (السيف والحربة في مواجهة صاحب الصوت في البرلمان) وتأكيدا لما أشرت إليه من إن حوادث أول مارس كانت أول واخطر إعلان بعدم الالتزام بالديمقراطية اسمحوا لي أن أعيد نشر هذه الفقرة التي وردت في مقال للدكتور فيصل عبدالرحمن على طه والذي تناول فيه التعليق على بيان حزب الأمة حول تلك الأحداث حيث وثق في هذه المقالة فقرة وردت على لسان المستر ريتشيرز المفوض الانجليزي التجاري والتي قال فيها( إن حوادث أول مارس أثبتت للحكومة إن سعيها للوحدة مع مصر سيكون ضربا من الانتحار لان الأنصار سيقاومونه وان حوادث أول مارس أوجت لهم إن أسلم الطرق الابتعاد عن مصر وبذلك يتلاشى خطر قيام الأنصار بثورة)

هذه شهادة طرف مباشر من المستعمر الذي كان نفسه شريكا في المخطط في مناهضة إعلان وحدة وادي النيل حتى لو كانت هذه الوحدة رغبة أغلبية الناخبين كما أكدت صناديق الاقتراع والتي حققت لأول مرة في تاريخ الحكم الوطني أن ينفرد حزب سياسي بالأغلبية البرلمانية التي أهلته أن يحكم منفردا إلا انه حاد عن القيم الديمقراطية كما أوضحت في الحلقة السابقة وهو ما لم يشهده الحكم الوطني مرة ثانية مما يؤكد إن تراجع الحزب الوطني الاتحادي عن الالتزام بحكم الديمقراطية كان تحت تهديد حزب الأمة بالسلاح.لهذا كان تراجع حزب الأغلبية لتجنيب البلد شر الفتنة في تلك المرحلة الحرجة لهذا مكابر من يدعى إن الاستقلال قد أعلن تحت مظلة الديمقراطية وان تحول نواب الحزب الوطني الاتحادي عن برنامجهم الذي حاز على موافقة أغلبية الشعب السوداني كان إجراء ديمقراطيا عاديا وهو ليس كذلك.

لهذا فان المعركة التي تفجرت يومها وتصاعدت إعلامياً بين مصر والحزب الموالى لها إنما كانت ردة فعل لتلك الظروف غير العادية وهى المعركة التي اشتهرت بين الحزب والزعيم المصري صلاح سالم الذي كان يتولى ملف وحدة وادي النيل وكان حزب الأمة يومها قد نجح في الترويج لمخطط مصر لاستعمار السودان بسبب اقتراح صلاح سالم بان مصر على استعداد لتقدم مليون مزارع مصري يستقرون في جنوب السودان لتنمية قدراته الاقتصادية ويا لها من مفارقة فلو إن اقتراح صلاح سالم عرف طريقه للتنفيذ يومها لتغيرت البنية العنصرية للجنوب لان المصريين لا يتعالون على الجنوبيين عنصرياً ولا يرفضون التزاوج بينهم ولحلت بذلك قضية الجنوب جذريا ولذابت الفوارق العرقية بين الشمال وجنوب السودان ولتحققت وحدة الوطن موضوعا وفى هذه الحلقة الثانية نتوقف مع بقية فترات الحكم الوطني وما تخللها من فترات الانقلابات العسكرية التي أصبحت ظاهرة طبيعية عندما احترفت الأحزاب إقحام القوات المسلحة لحسم صراعاتها السياسية دون استثناء أي حزب.

وقفتنا الأولى في هذه الحلقة مع ثاني حكم عسكري من عام 69حتى انتفاضة ابريل 85 ففي الخامس والعشرين من مايو 69 شهد السودان ثاني حكم انقلابي و كانت المفاجأة هذه المرة في إن بيان الانقلاب والذي خطط له سرا لأول مرة من صغار الضباط بعكس انقلاب نوفمبر كانت المفاجأة إن البيان صدر عن مولانا بابكر عوض الله رئيس القضاء الذي لعب دورا قياديا في ثورة أكتوبر ضد انقلاب نوفمبر والذي اتخذ مواقف قوية دفاعا عن الديمقراطية يوم تم حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان وهو القرار الذي صدر بسببه حكم المحكمة الدستورية ببطلانه وبسبب موقف حكومة الحزبين الأمة والاتحادي ورفضهم الالتزام بالقرار إن استقال مولانا بابكر من منصبه القضائي احتجاجا على الديمقراطية وكانت المفاجأة أن يأتي بيان انقلاب مايو على الديمقراطية بصوت مولانا الذي سجل اسمه مدافعا عنها والذي أهله يومها أن يبرز اسمه مرشحاً متوقعا للكتلة اليسارية بقيادة الحزب الشيوعي لمنصب رئيس الجمهورية منافسا للسيدين الصادق المهدي والأزهري.

كان ذلك الموقف إعلانا مباشراً عن علاقة انقلاب مايو باليسار عامة والشيوعي خاصة وقد تأكد ذلك من التكوين الأول لمجلس قيادة الانقلاب والحكومة والذي جاء من ممثلي اليسار والحزب الشيوعي بصورة اكبر.

لقد كان واضحاً إن الانقلاب بدأ التخطيط له كردة فعل لحل الحزب الشيوعي من عناصر متعاطفة مع اليسار حيث إن خليته الانقلابية شكلت منذ ذلك الوقت في عام 67 ومع إن الحزب الشيوعي جناح عبدالخالق محجوب لم يوافق على الانقلاب عندما عرض عليه قبل التنفيذ وانه رفض تورط الحزب فيه إلا إن الجناح الثاني للحزب من أعضاء اللجنة المركزية بقيادة السيد احمد سليمان كان مباركا ومشاركا في التخطيط له وقد كان هذا الجناح هو الأقرب لمولانا بابكر عوض الله منذ جمعت بينهم ثورة أكتوبر وجبهة الهيئات إلا إن الحزب جناح عبدالخالق انضم لركب الانقلاب من لحظة إعلانه وتأكد مؤشرات نجاحه ومثل رسميا في مجلس قيادة الثورة باثنين من الموالين لجناح عبدالخالق وهما المقدم بابكر النور والرائد هاشم العطا بالرغم من عدم مشاركتهما في التخطيط أو التنفيذ وإعلان ثلاثة وزراء من مجموعة عبالخالق في أول حكومة لمايو.

لهذا من المكابرة أن نقول إن هذا الانقلاب ليس محسوباً على الحزب الشيوعى وفكره السياسي المناهض للديمقراطية فكان الانقلاب شيوعياً لأن قيادات لا يمكن التقليل من وزنها الحزبي وأعضاء في اللجنة المركزية للحزب في ذلك الوقت باركت التخطيط له كما إن جناح عبدالخالق الذي لم يشارك في التخطيط انضم للانقلاب من يومه الأول وأصبح شريكا في السلطة بل هو الذي نظم اكبر موكب تأييد للانقلاب يوم 2يونيو كما استضاف قادته بدار اتحاد العمال ببحري في لقاء جماهيري خاطبه عبدالخالق والنميرى .

فلقد كان هذا هو الواقع بالرغم مما شاب الانقلاب من صراعات بعد ذلك بين جناح عبدالخالق والانقلاب بمساندة الجناح الثاني للحزب الذي نجح في إثارة الفتنة بين الطرفين.

ولقد كنت شخصيا شاهد عيان على هذه الفترة حيث إنني كنت من قيادات الحركة الشبابية الموالية لجناح عبدالخالق ومن المقربين إليه على المستوى الشخصي حتى إن لقاءاته ومجموعة من كوادر الحزب الموالين لعبدالخالق مع بعض أعضاء مجلس الثورة ( الرواد زين العابدين وابوالقاسم ومامون ) والتي كانت تنعقد بمنزلي وبناء على طلب من عبدالخالق.

ولما لمس السيد عبالخالق ما بيني وأغلبية أعضاء مجلس الثورة من علاقات شخصية يمكن أن تحقق له التواصل مع بعض أعضاء المجلس غير الشيوعيين طلب منى صرف النظر عن السفر لبعثة دراسية لتشيكوسلوفاكيا والذي كان محدد له السابع والعشرين من مايو للتحضير لدكتوراه في الاقتصاد حيث أصبحت منسقاً لعلاقة الحزب جناح عبدالخالق ومجلس قيادة الثورة لأشكل بهذا تواجدا في القيادة العامة من اليوم الثاني للانقلاب إلا إن هذه العلاقة انتهت بانقلاب 19 يوليو واستشهاد قادة الحزب جناح عبدالخالق لينتهي بهذا ملف العلاقة بين مايو والحزب جناح عبدالخالق. في عام 71. وبيني وبين انقلاب مايو رغم علاقتي بمجلس قيادة الثورة

أما انقلاب 19 يوليو فانه لا يزال يشكل لغزا حتى اليوم حول علاقة الحزب الشيوعي به بالرغم من انه تحمل مسئوليته ودفع ثمنه لأنه أرغم من يومه الأول أن يتولى أمره دون أن يكون هو المخطط والمنفذ له وسط شكوك مبررة حول مؤامرة استهدفت الحزب وإجهاض ثورة مايو في نفس الوقت وكم كان غريبا يومها أن يكون قائد الانقلاب هو نفسه الذي هرب عبدالخالق من المعتقل واحتفظ به بمنزله ومع ذلك لم يخبره بالانقلاب كما أكد عبدالخالق نفسه أمام التحقيق بحضور الدكتور منصور خالد كما أكد في توثيقه للتحقيق وكان عبدالخالق نفسه قد كشف عن هذه الحقيقة في أول اجتماع جمعه مع قيادات الحزب في نفس يوم الانقلاب والذي ذكر فيه انه لم يسمع به إلا قبل دقائق من إذاعة البيان من الرائد هاشم العطا وانه طلب منه إيقاف تلك الخطوة إلا إن هاشم أكد له إن القوى تحركت ولا يمكن إيقافها وانه لا يملك ذلك مما يؤكد وجود مخطط تآمري استهدف تصفية الحزب وثورة مايو نفسها وان هناك طرف ثالث يقف وراء هذا المخطط شاءت التطورات ألا تنكشف حقيقته كاملة حيث كان هناك مخطط لإجهاض الانقلاب وتصفية قادة الحزب الشيوعي وتصفية مجلس ثورة انقلاب مايو نفسه تحت ستار الدفاع عنه لتحل القوى الثالثة المتآمرة على السلطة باسم مايو وما يؤكد ذلك انه وبفشل الانقلاب انقلبت ثورة مايو من أقصى اليسار لأقصى اليمين بل تبع ذلك تصفية مجلس الثورة نفسه بقرار مفاجئ لا مبرر له. لينفرد النميرى وحده وفى شخصه بالسلطة رئيسا للجمهورية ليسهل الطريق للمتآمرين للتأثير على توجهاته كأنما الانقلاب كان ضد الحزب وضد ثورة مايو ممثلة في أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين خططوا للانقلاب ونفذوه بالفعل الأمر الذي أكد وجود هذا العنصر الثالث في التخطيط لذلك الانقلاب والذي نجح في توجبه الأحداث بعد ذلك بما أدى لتصفية مايو والحزب حيث خرج كلاهما خاسرين من الانقلاب وهو أمر تناوله أكثر من محلل من الذين عاصروا تلك المرحلة خاصة وان علامة الاستفهام الكبرى كانت في أحداث بيت الضيافة التي اتخذت ذريعة لتصفية قيادات الحزب الشيوعي بمحاكمة عسكرية استطاعت بعض العناصر أن تعجل بها خوفاً من تكشف الحقائق حولها لأنه من غير المعقول لمن تفشل حركته أن يثير الرأي العام على نفسه بتصفية معتقلين لا يحملون السلاح ولم يكونوا سببا في إفشال الانقلاب وهم بحاجة للتعاطف لتخفيف العقوبة وردة الفعل عليهم فلماذا يتعمد من أمر بذلك تفجير ثورة غضب عارمة علي قادة الانقلاب الفاشل و وهى الأحداث التي اتخذت بالفعل مبررا لتصفيتهم في محاكمات غير عادلة.نجح بعض الشركاء في المؤامرة على الإسراع بها مهدرين كل قيم العدالة للحيلولة دون كشف المؤامرة وأطرافها من الذين ارتدوا بعد ذلك ثوب الدفاع عن مايو

لهذا فان انقلاب مايو يحسب على الحزب الشيوعي بجناحيه كموقف مناهض للديمقراطية وليس صحيحا نفى الحزب لمسئوليته عنه كما انه ليس صحيحاً أن يعلن تحمل الحزب لانقلاب 19 يوليو الذي لا يعرف الحزب عنه شيئا غير انه نسب إليه فتورط فيه لأنه فرض عليه تحت اسمه ورايته ودون علمه باستغلال حادثة تهريب سكرتيره وهو ما يستوجب الاعتراف به.

لهذا ففي الحالتين لم يكن الحزب معفياً من المسئولية والارتباط بالانقلابين العسكريين.

ولقد تعرضت لهذه الوقائع بتفصيل دقيق في كتاب أصدرته من القاهرة تحت عنوان(25مايو وانهيار السودان ) في عام 1990 وفى هذا الكتاب قدمت الكثير من المعلومات التي توفرت لدى عن انقلاب 19 يوليو إلا إنني ولأهمية واقعة بعينها رأيت من الأهمية ألا اغفل ذكرها في هذه الحلقة فلقد كنت بلندن في ذلك اليوم الذي أعلن فيه الانقلاب بصحبة الأخ محمد احمد سليمان الذي كان من المنقسمين على عبدالخالق وتصادف إننا كنا في تلك اللحظة مع الشهيدين بابكر النور وفاروق حمد الله عند إعلان بيان الانقلاب نتناول طعام الغداء معا واشهد الله انه في لحظة إعلان الانقلاب كانت المفاجأة إن كلا من بابكر وفاروق أكدا أنهما لا يعلمان عنه شيئاً ولم يتوقعانه بل أبدى فاروق اندهاشه وهو يخاطب بابكر كيف لمن اعترضوا عليك يوم عينت عضوا في مجلس الثورة أن ينفذوا انقلاباً يقبضون على مفاتيحه وياتوا بك أنت الذي سبق ورفضوا تعيينك عضوا فكيف يتنازلون لك عن الرئاسة وياتوا بك رئيسا ولم يتردد فاروق عن رفض المشاركة في المؤتمر الصحفي الذي نظمه سفير السودان رحمة الله عليه عابدين إسماعيل في نفس يوم الانقلاب وتحت إصرار السفير قبل فاروق المشاركة بشرط إلا يطلب منه الحديث كما انه طالب بابكر بعدم التسرع في مخاطبة المؤتمر حتى يتبين من حقيقة الانقلاب خاصة إن الانقلاب أعلن مجلس ثورة أغلبية عضويته من عناصر لم تشارك فيه ولا ترتدي حتى الزى العسكري في ظاهرة هي الأولى في تاريخ الانقلابات.

واذكر إنني فور عودتي من لندن في الأسبوع التالي سارعت بالاتصال بالأخوين زين العابدين ومامون عوض ابوزيد وأطلعتهما على ما وقفت عليه في لندن مستنكرا كيف اعدم من لا يعلم عن الانقلاب شيئاً فأكدا لي إنهما حاولا تهدئة الأوضاع والتريث في المحاكمات حتى تنجلي الكثير من الحقائق التي يرونها مغيبة وما يحيط بالأحداث من حولها إلا إن هناك عناصر كانت متعجلة لتنفيذ الإعدامات لأن لها مصالح في عدم كشف الحقائق كما إن مامون لم يخف شكوكه في إن هناك عناصر سماها بالاسم متآمرة في ما حدث بل طالب بالتحقيق مع بعضهم إلا إن المفاجأة إن بينهم من شاركوا في محاكمة المتهمين وعجلوا بإعدامهم. وحتى لا يتوهم احد إنني انسب هذا الحديث للأخوين زين العابدين ومامون وبهذا استشهد بمن رحل عن دنيانا الفانية – يرحمهما الله- فإنني أؤكد إنني أوردت هذه الواقعة فئ كتابي عام1990 وكانا كلاهما أحياء وقد اطلعا عليه وفى نفس هذه الفترة وبدخول انقلاب مايو عهد رئاسة الرجل الواحد وتحوله من أقصى اليسار لأقصى اليمين شهد الانقلاب مرحلة تحالفاته مع الطائفية والحركة وجبهة الميثاق الإسلامي عام 1977و ذلك بعد المحاولة الفاشلة للجبهة الوطنية لإسقاط النظام بغزو مسلح من الخارج ولكن قبل التفصيل في هذه المرحلة لا بد أن أسجل حقيقة هامة إحقاقاً للحق.

فالشهيد إسماعيل الأزهري وبالرغم من انقلاباته المدنية التي ساهمت في إجهاض الديمقراطية إلا انه وحتى استشهاده في الفترة الأولى لانقلاب مايو امتداداً لموقفه من انقلاب نوفمبر انه لم يهادن أو يبارك أو يتحالف مع أي من الانقلابين لهذا كان بالرغم من المواقف المحسوبة عليه ضد الديمقراطية كان رافضا ومناهضا لأي تدخل عسكري في الشأن الوطني وكان بجانبه في ذات الموقف بعض رموز الحركة الاتحادية من قيادات الحزب التي لم تتورط في تأييد أو التحالف مع الانقلابات وعلى رأسهم على سبيل الذكرى وليس الحصر الحاج مضوى واحمد زين العابدين وعبدالماجد ابوحسبو ويحيى الفضلى وحسن عوض الله والشريف حسين الهندي الذي استشهد وهو يناضل ضد انقلاب مايو ولكن إذا كانت هناك ثمة مفارقة غريبة فالأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي والذي انخرط في صفوف الحزب منسلخا من الحركة الإسلامية هو نفسه أصبح في فترة مايو أميناً عاماً للإتحاد للاتحاد الاشتراكي(التنظيم الانقلابي)

لأقصى اليمين كانت تقلبات التحالفات بين الاحزاب السياسية والانقلاب حيث لم يسلم أي حزب سياسي من التحالف مع الانقلاب حتى شهدنا بعد المصالحة الوطنية السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة والذي انتزع الانقلاب السلطة منه عضوا في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي وشهدنا السيد احمد الميرغني شقيق زعيم طائفة الختمية عضوا في المكتب السياسي لمايو وكانت زعامة طائفة الختمية المبادرة بتأييد الانقلاب من أول يوم لإعلانه ثم كان الأمين العام لجبهة الميثاق الإسلامي الدكتور حسن الترابي وزيراً ونائبا عاما لمايو بجانب العديد من قيادات الطائفتين والحزبين في المقاعد الوزارية للانقلاب عبر مراحله المختلفة.

لهذا وباقتضاب يمكن القول إن فترة مايو شهدت تحالفات كل الأحزاب بلا استثناء مع سلطة الانقلاب وليس هناك أي حزب مبراة من هذه التحالفات وان كانت بعض القيادات مبراة على مستوى الأشخاص كما ذكرت. ويا لها من مفارقة أن نشهد عضوي المكتب السياسي لانقلاب مايو الصادق واحمد الميرغني أن نشهد الأول رئيساً لمجلس الوزراء والثاني رئيسا لمجلس السيادة للحكومة الديمقراطية بعد إسقاط مايو بثورة شعبية وصفت بأنها استرداد للديمقراطية فأية ديمقراطية هذه التي تأتي بعضوين من مكتب سياسي لانقلاب قضى على الديمقراطية .

وقفتنا الآن مع الفترة قبل الأخيرة وهى ثالث فترات الديمقراطية من 85 حتى 89فترة انتفاضة ابريل والتي تولى قيادة حكومتها المنتخبة باسم الديمقراطية كما يدعون والتي يقف على رأسها عضوين من المكتب السياسي للانقلاب الذي أطاحت به ثورة ابريل وهما الميرغني على رأس مجلس السيادة والصادق رئيسا للحومة

ولعل أهم ما شهدنه هذه الفترة إنها وبعكس ما كان عليه حال فترة ديمقراطية أكتوبر فان الحركة الإسلامية بقيادة الدكتور حسن الترابي هي التي هيمنت على هذه الفترة وعرفت كيف تخطط لها وترسم الطريق لتعلو كلمتها بعد إخلاء الحزب الشيوعي الساحة السياسية وضعف نفوذه السياسي بعد أحداث 19 يوليو وبعد أن عرف زعيم الحركة الإسلامية كيف يسخر الصراع بين الحزبين الكبيرين تحت قبضة الطائفتين بعدان أحكمت طائفة الختمية على الحزب الاتحادي الديمقراطي لخلوهما من أي رؤى سياسية غير حب السلطة.

وفى حقيقة الأمر لقد بدا الدكتور الترابي وبما يملك من حنكة وخبرة ولاته يختلف عنهما في انه صاحب رؤية إستراتيجية سياسية تستهدف فرض الحكم الإسلامي على السودان فانه في حقيقة الأمر بدأ يعد المسرح لتحقيق استراتيجيه منذ عرف كيف يسخر تحالفه مع نظام النميرى منذ مصالحة 77 ولان الدكتور كان يعلم أو يعتقد إن جنوب السودان هو الذي يتهدد فرض الحكم الإسلامي على السودان لهذا كانت رؤيته واضحة فان وجود الجنوب تحت ظل سودان موحد لن تحقق للحركة الإسلامية إستراتيجيتها في فرض الحكم الإسلامي .

لهذا عرف بداية كيف يستغل الخطأ الذي ارتكبه النميرى في حق نفسه والبلد عندما أجهض أهم انجاز سياسي حققه السودان في عهده عندما وقع اتفاق تحقيق الوحدة والسلام للسودان مع قيادات التمرد ممثلة في الانانيا جوزيف لاغو وجوزيف ادوهو والذي بذل فيه يومها الدكتور منصور خالد مجهوداً كبيرا انتهى بالاتفاق الذي قضى بان يمنح الجنوب حق الحكم الذاتي في دولة السودان الموحدة إلا انه عاد نفسه ليدمر ما حققه عندما تدخل من موقع السلطة ليقرر تحويل الجنوب لثلاثة أقاليم بدلا عن إقليم واحد وذلك إرضاء لبعض القبائل التي تضررت وتخوفت من هيمنة الدينكا على الإقليم الجنوبي الواحد وهى الخطوة التي أشعلت النيران في الجنوب من جديد حيث إنها أفرزت الحركة الشعبية لما سمى بتحرير السودان والتي تزعمها الدكتور قرنق وما صحب ذلك من تطورات.
هنا استطاع الترابي لما قويت كلمة الإسلاميين في نظام النميرى أن يدفع به لان يصدر قوانين سبتمبر الإسلامية التي أطاحت تماما بجهود الوحدة وقفلت ملف أي تسوية متوقعه مع الجنوب بعد ان نجح الترابي في أن تتحول مايو لنظام إسلامي يحكم السودان وقد حقق بجانب ذلك تصفية اكبر واهم زعيم ديني مناهض لفكر الحركة الإسلامية التي يقودها الترابي فكان أن تمت تصفية الشهيد محمود محمد طه على يد النميرى ونظامه. لم يقف الترابي عند هذا الحد فلقد عرفت الحركة تحت قيادته ومن خلال النفوذ الذي حققته بالمشاركة في السلطة أن يقتحم القوات المسلحة لإدراكه إنها من العوامل التي يمكن أن تلعب دورا مناهضا للتوجه الإسلامي إذا ما انحازت لدعاة الوحدة التى ليس من طريق لها إلا صرف النظر عن فرض الحكم الإسلامي كما انه لم يسقط من حسابات اذا اقتضت الظروف حاجة الحركة الإسلامية للاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري لفرض الحكم الإسلامي في مواجهة مخالفيه الرأي.

إذن كان الترابي بحنكته قد اعد المسرح لتحقيق دعوته لهذا كان تنظيمه هو الأكثر تأثيرا على السلطة في انتفاضة ابريل حيث عرف كيف يوجهها ويسخرها لإنفاذ مخططات الحركة وكان ذلك في غياب أي تحرك مضاد بعد أن تقلص دور الحزب الشيوعي تماما في الساحة السياسية.

استطاع الترابي أن يضع على رأس السلطة الانتقالية في فترة ابريل الانتقالية كوادر متعاطفة معه في أهم مواقع السلطة بداء من رئيس المجلس العسكري وتكوينه من القيادات العليا للجيش التي لم يكن لها دورا في دعم الانتفاضة وذلك للحيلولة دون أن يأتي تكوين المجلس من القيادات العسكرية التي لعبت دورا فاعلا في حسم السلطة وكذلك في تكوين مجلس الوزراء ورئيسه والنائب العام وغيرهم من منسوبي الحركة الإسلامية أو المتعاطفين معها فكان الحكم تخت قبضة الحركة الإسلامية وليس كما كان في أكتوبر تخت قبضة الحزب الشيوعي.

لهذا وعبر هذه السلطة أمكن للترابي :

1- أن يحرم الأحزاب السياسية المنافسة له من أن تتاح لها فترة زمنية أطول بمد الفترة الانتقالية حتى تعيد الأحزاب ترتيب أوراقها لمعركة الانتخابات الفاصلة حيث ادعت العناصر الموالية له موقفا بطوليا وهم يرفضون الاستجابة لطالب الأحزاب بالإجماع لمد الفترة الانتقالية ماعدا حزب الترابي الذي كان أكثر استعدادا لما تمتع به من سلطات تحت حكم النميرى.

2- وفى خطوة لا تمت للديمقراطية بأي صلة بل خطوة لا يتوقعها احد استطاعت قيادة الحركة الإسلامية أن تلغى النظام المعمول به في انتخاب ممثلي الخريجين في الدوائر المخصصة لهم والتي يتم فيها الاقتراع بمشاركة كل الخريجين ليفوز بالمقاعد الأكثر حيازة على أصوات الناخبين حيث أقدمت السلطة الانتقالية على ابتداع ما أسمتها دوائر الخريجين جغرافيا مما مكن أصوات الحركة الإسلامية الأقل عددا وبفارق كبير من أصوات الحزب الشيوعي أن تهيمن على دوائر الخريجين بسبب التقسيم الجغرافي لذي حقق أغلبية النواب لصالح الحركة الإسلامية ليفوزوا بأصوات تقل كثيرا عن الأصوات التي حققها الحزب الشيوعي في جملة ما حققه من أصوات.

بهذا أصل للمحطة الأخيرة لفترة الحكم العسكري للإنقاذ والتي شكلت خاتمة المسرح الذي أعده الدكتور الترابي وهذا موضوع الحلقة الأخيرة فكونوا معي.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 810

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




النعمان حسن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة