المقالات
السياسة
علي مشارف مدينة شرقية
علي مشارف مدينة شرقية
03-19-2014 03:18 PM


كنت علي مشارف مدينة شرقية ناعسة فوق التلال الخضراء والروابي المحيطة بالطبيعة العذراء التي تعيش حياة شاعرية هانئة في ليل ربيعي مقمر، رذاذ المطر المتقطع وزقزقة العصافير والهدؤ الشرقي البديع والهواء العليل والأوراق الحزينة التي بللها المطر وغيمة العتمة، جعل المدينة تحفة شرقية عذبة اللحن والنغمات، ولكن لمن ينظر مربعاتها المزركشة بالأنوار القرمزية وتقاطعاتها الكثيرة من بعيد.

كغيرها من المدن الواقعة علي حدود الدول التي يقطنها خليط من القوميات المدمنة للموسيقى والفن الذي يلامس العواطف والقلوب والمشاعر، وصخب المزامير وعنف الرقصات التراثية المجلجلة كان عنوانها "الرياضة للجسد والموسيقي للروح" في جو تناغمي لطيف.

رعشات متواصلة للأجسام وهزات عنيفة للبطن والأرداف، ونغمات شذية تصدح من الحناجر المترعة علي الإيقاعات التي تحفز علي الرقص، يزينها فسيفساء جميل من التداخل العرقي والإندماج البشري الجميل الذي خالطت النغمات العنيفة والرنات الوترية الكلاسيكية في مكنونات جسمه.

الغيوم الممطرة والتربة المبللة بالندى والظلام المنتحر بأعتاب الضياء، جعل الأجواء كقطعة سردية أنيقة للأديب الكبير محمد علي ديرية، وفي هذه المدينة الحالمة علي ضفاف الصخب قارب الموسيقي الوترية والشاحبة أحيانا والرقصات التقليدية والحديثة يرسوا علي ضفاف السهر، وهنا وفي وسط الكوكتيل البشري والاثراء اللغوي العجيب فليالي الحمراء تقف بصمت بديع وساعات الملاح تبتسم لمحبيها.

بانورامية الأجواء وسريالية المدينة لم تدم طويلا، بل وكما قيل الربيع هو أنضر فصول السنة واقصرها كان شعوري الجميل مع نضارته قصير للغابة، إذ بدأت مع باكورة الصباح وشروق الشمس أخبار الجروح والأوجاع، وهذه المرة برحيل الموسيقار الكبير وأيقونة الأغاني الرومانسية الهادئة والموسيقي الكلاسيكية الصومالية التي تزرع الأمل وتمحي آثار الحروب والصراعات البربرية.

فقد التراث الفني والوطني والمسرح الموسيقي الصومالي عملاق الطرب وملك الصوت الشجي، ولوحة فنية لم تفقد وسامتها زبريقها المعهود حتي في أحلك الظروف وأصعب المناخات، صارع العملاق الأمراض في المستشفيات الألمانية وابتهلت الجموع ومحبوه لشفائه ولكن كانت إرادة الله أنفذ، ولم يمت في وسط أهله وفوق التراب التي شهدت تألق هذا القامة الفنية، ولم يفارق الحياة بين الشعب الذي ثمل ترجيع الحروف في متاهات أوتاره الكلاسيكية وصوته العندليبي الذي تغلغل في وجدانهم، ولكن عزايئ الوحيد أنه لقي بإكرام يليق به شعبيا ورسميا، وشيعه مئآت من الصوماليين يتقدمهم الوزير الأول للحكومة الصومالية.

تعلقت الجماهير الصومالية لفنان الشعب من خلال صوته ولحنه وكلماته ذات الطابع الرومانسي، فسموه ملك الصوت ومحبوب الجماهير، وأبرز الفنان غناء إنسانيا راقيا وسيمفونيات تجسد لأغاني حقبة جميلة من التراث الصومالي، ولم يستطع أحد أن يصل درجة نبض الغناء الصومالي محمد سليمان تبيع بفضل عبقرية اللحن وطراوة الصوت وعذوبة الأغاني، ورحيلة المؤلم شكل نوعا من الألم والأسى رغم إيماننا التام للقضاء والقدر.

موسيقي تبيع وأغنيته الندية تباشر القلوب والمشاعر، وكل أغنية من أغانية الأوبرالية تصادف مناسبات ومشاعر وقلوب متعلقة بحب "الثروة الفنية" كما أطلقت عليه الصحافة السودانية في الثمانينات من القرن المنصرم، حينما أبدع وأمتع وأبهر الحضور، وأحتل المركز الأول في مهرجان الخرطوم المسرحي بموهبته الغنائية وإمكانياته الفنية الهائلة، وقامت جميع الجماهير الحاضرة في المسرح لتحية "ملك الصوت والطرب" حينما شبعوا من المقاطع الغنائية المتناسقة المزدانة بعذوبة الأوتار وطراوة الألحان.

شد إنتباه الشعب بحضوره القوي وتمثيله المتميز للأدوار المختلفة في الأمسيات الفنية والمسارح الغنائية، وكانت الجموع المتعطشة تحضر ليالي الفن الأصيل ورناته الوترية في المسارح والمنصات التي تعح عمالقة الفن وملوك الطرب، الذين ملؤا الدنيا ببهاء حروفهم وشعورهم الوطني وفنهم الهادف ومسرحياتهم المعبرة وألعابهم الفلكورية المستوحاة من التراث الصومالي العريق.

كان شخصية محمد سليمان تبيع خجولة لا تحب الصدارة والثرثرة الفارغة كما قال معاصروه، كما كان وطنيا خدم للفن والأصالة والتراث الصومالي من خلال فنه وحنجرته الذهبية، وقدم للجمهور التي أحبت شخصيته ولصقت صوره علي جدران القلوب وعتبات المنازل الكنوز الموسيقية الكامنة في التراث الصومالي، وموجات الأغاني الواسعة التي تحترم العقول والعادات وتثري الروح والعواطف والمشاعر.

الإنسان عواطف ومشاعر وقلوب، والفن مرآة الشعوب، وهو إرث إنساني تناقلت الأجيال عبره مشاعرهم وأحزانهم، وعبرو عبر كلماته الموحية حبهم وأوجاعهم القلبية ونظراتهم الإنسانية، والفنان يغذي الروح من خلال صدي صوته الذي يردده الشعب بهستريا المحبين، لذا رحيل عمالقة الطرب الصومالي تشكل نهاية عصر طرب جميل قد لا يتكرر.
تأملت حروف أغنيته الشجية، فقطعت الزمن عكسيا لأقف عتبة زمن كان تبيع يعتلي المنصة ويمسك الميكروفون، ومعه ترتفع معدلات السعادة ويلهب التصفيق الأكفة، وتبدأ تراجيع الصوت تردد سطور الحب وترتفع الحبال الصوتية للملك وتصدح الحنجرة الذهبية برائعته الحاضرة في كل العصور:
hooyooy la,aantaa
adunyadu hubaashi
habeen kama baxdeenoo
iftiin lama heleenoo
dadku uma hayaameen
dayyax heega joogoo
sida haad mafuulleen
xiddig hwd kalulatoo
hawo aguma gaadheen.
كانت أغنية الأم تحمل عواطف أمومية رقيقة تقرب البعيد وتنسج في الخيال أروع الحب الحقيقي للأم، ومشاعر نبيلة لا تعترف الحدود والقيود، بل تعزف سيمفونات الوفاء الشجية للأم الحنونة، كما كانت أغانيه تحمل أعذب القصص وأحلي الحكايات التي تبدد وهم المسافات والأميال، والإيقاعات الجميلة ذات الطابع الرومانسي الدافئ التي تحفز القلوب علي إدمان الحب والهوى، وتؤاسي قلوب من يعاني جروح الفراق وأوجاع الهجر بعد الوصال.
هنا وعلي مشارف مدينة شرقية أعيش وحدي، أداعب أسراب الأحلام الوردية كفينيق روماني شرب كوؤس الهجر بعد الحب أصنافا،وهناك وفي الشرق الجغرافي المتقد حبا وحنانا كما يذرف دما ودموعا ترقد ذكرياتي القديمة بسلام، وصدى صوت قلبي يتردد في الشمال الجغرافي الموغل في البعد والنوى كموسقي صاخبة أو كألحان بدوية ناعمة في هدأة السحر.
علي وقع رنات الحب السرمدية وعراقة المدن الشرقية أتذكر حكاياتي الغابرة المدفونة في طي الزمان، أتذكر نظرات طائشة تركتها تحلم عند الرمال الحريرية والإبتسامة الممزوجة بمكر ودهاء قاتل، وطيبة تفوق الخيال ورثها الأحفاد عن السادة الصوفية والأجداد الكرام الذين ملؤا موئل الطفولة ومنبت الصبا حيث صفحات عمري منشورة فوق تربتها الداكنة طيبة وكرما.
أقترب إلي ضوء المدينة ومعها تقترب الذكريات القديمة والحب والموسيقى في الترحال وفي زمن الحرب، أسافر عبر قطار الزمن السريع إلي المراهقة ونزوات الشباب، فأتذكر الحب في زمن الطفولة وأيام الصبا الجميلة، وكيف كان الحب خيالا جامحا وزهورا فواحة لا تذبل، ومعينا من المشاعر الصادقة يتدفق من شلالات العشق ووديان الهوى السحيقة.
زمن جميل عنوانه الفتوة وقوة شبابية مفرطة وحيوية عالية جدا، وحداثة لا تقارن الأحداث بالأفعال والخطوات بمنطق العقل، بل تشبه ماردا يخرج عن معمة الأعراف وصراع التقاليد العريقة منتصرا ومنتشيا بنصره المؤزر، في المراهقة يحلق الحب في الوهم ويتيه في صحراء العاطفة كنورس أوروبي مترع بالبهجة بسب تنوع الطقس والمذاقات والأديان والطوائف في المدن الشرقية، أوكطاوؤس شرقي ينثر جماله الباهر فوق جبال العراقة والغدير الصافي.
الأحلام الوردية في المراهقة والسنين الأولي للشباب غالبا ما تشجع الطموحات المرتفعة للحب الذي لا يعترف الحدود الزمنية ولا المكانية والمصلحة الآنية، وبريق المال، وقيود القبائل، وحواجز الطبقات ومقياس المجتمع المجحف، ولا يكترث قدسية الوشاح التي تحترمها الأسرة، ولا التقاليد التي تتبعها القبائل في مجتمع تعني القبيلة كل شئ.
كانت حياتي في تلك الفترة الزمنية عامرة بومضات الهناء ولحظات عامرة بالحب والحبور التي لا يخلوها إنكسارات وإخفاقات وتشريد ، جراء الصراعات والحروب العبثية التي من الصعب أن تنمو بتلات العشق في داخل ثوبه الكريه، ولكن وخلافا للمألوف إمتزجت لذة الحب بالواقع المرير فتولد من الزيجة الغريبة وبين المآسي حبا فاق كل التصورات والتقديرات رغم العقبات والعوائق.
كان لقاؤنا عابرا كسحابة في زمن الصيف، وبدأنا نكتب أولي سطور صفحات حبنا بمداد الصدفة المحضة رغم أن الحياة لا تعترف الصدف، ولم يكن الواقع يساعد نمو الحب بشكل طبيعي في تلك البئية الحاضنة للعنف والكراهية وصرامة الأعراف، إضافة إلي حمرة الخجل ونزوة الشباب التي تجعل حبنا بلا أثر وكلماتنا باهتة لا تحمل سوى جرأة المراهقة وسطحية الشباب، ونظرات متعبة وأهداب مثقلة بتباريح الحب، ورسائل صامتة كلغة العيون وعواطف رقيقة ودافئة كحضن الحبيبة في هدأت السحر بعد طول الغياب، ورعشات البرد في الليالي الضبابية الملئية بلدغة الحب وسوط الوحدة، ومشاعر مكبوتة كالشعوب العربية الحالمة للحرية، وإرادة خاضعة لوحي الواقع ومتطلبات المكان، ولكنها قوية ومستبدة كسلطان قبيلة أفريقية ترعي بقرها في أدغال أفريقيا وأحراشها البعيدة.
صمت الماضي الحزين وخلجات الحاضر ضرب أطنابه علي حصير الحب المهترئ، وتقلبات السنين والأيام غيرت بعض المفاهيم، ولكن لم يستطع الزمن محو آثار ذالك الحب واقتلاع جذور العشق، ومنذ ذالك الزمن لم يفارق وجهها الصبوحي علي مهجتي، بل في أسفاري وترحالي، وأشعاري وأشجاني، وفي أحزاني وأحلامي يعتريني طيفها النوراني المبهر، وتأسرني إبتسامتها الساحرة بفم ياقوتي مغري للتقبيل، وبريق عيونها الفتاكة ونظراتها الموغلة بالدهاء النسوي التقليدي تدغدغ مشاعري في كل حين.
وفي خضم تأملاتي الساخرة للمدينة وبريقها وتبحري في بحر الوصال، ينتابني الفضول ويغريني الحب بهمساته الندية وقشعريرته السريالية فأهرب إلي تلطيف الجو بعزف ألحان النسيان المقرونة بالجمال، ونغمات تنبض بالحب كنت أسمعها بشغف حين تصدح في بيت جارتنا الفاتنة التي طالما عذبتني ببلادتها المقصودة ووشاحها القرمزي.
وفي ذروة الذكرى أستعين مطالعة الكتب والتنسم بعبقها العتيق وقراءة القصائد والأشعار وفهم معانيها الأخاذ والإستئناس بحفيف الأوراق عن سطوة الحب وجبروته القاتل، وقيد الخاطرة بالكتابة ينسيني لهيب الشوق الذي يقطر عن أناملي ولو بلحظات عابرة، والمداد التي تذرف من قلم سيال وصدر مخنوق وقلب يزهو بالوفاء يسطر أروع الحكايات علي مشارف مدينة شرقية تنبض بالمتناقضات الحياتية والفكرية.
hqorane@gmail.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 813

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




حسن محمود قرني
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة