المقالات
السياسة
يسألونك عن الفساد ..
يسألونك عن الفساد ..
03-20-2014 11:03 AM




كانت السرقة في السودان القديم جريمة نكراء، بل كانت عيبا شائنا. وكان اختلاس المال العام عارا يجعل أسر المختلسين تتوارى خجلا وتطأطئ الرؤوس في المجالس.. وكانت البوسطة (مكاتب البريد بالنحوي)، والجراد (الاسم الحركي لمصلحة وقاية النباتات) مواطن الاختلاس الأساسية في السودان، وكانت أنباء الاختلاسات تسير بها الركبان إلى أصقاع السودان المختلفة رغم محدودية وسائل الاتصال آنذاك. كنا نسمع، ونحن بعد زغب الحواصل في الأبيض في خمسينيات القرن الماضي، أن فلاناً قد اختلس خزينة مكتب بريد بربر أو سنجة؛ او أن آخر "أكل قروش الجراد" في شمال كردفان، يتهامس بها الكبار في مجالسهم في استنكار.
غنّى السودان من أقصاه إلى أقصاه:
"يا أبو البدوي زورنا مرّة،
البيرة مُرّة والجن أمرّ"!،
يتذكرها أبناء ذلك الجيل لا يزالون. وكان المبلغ موضوع الأغنية والصيت لا يتجاوز الخمسمائة جنيه (بالقديم خالص)، صُرفت على الإخوان حتى نضبت، فتغيّرت كلمات الأغنية إلى:
" يا ابو البدوي غادي غادي،
البيرة مُرّة والجن بِعادي"!
وكانت حملات مكافحة الجراد الصحراوي التي تقوم بها مصلحة وقاية النباتات نشاطا دوريا وهاما في تلك الأيام، وعملا شاقا يستدعي جيوشا من العمال الموسميين، (ولا يُنبئك مثل خبير، فقد اشتغلت أثناء العطلات المدرسية في خلط المبيدات الحشرية "سِم الجراد" بردّة الفول بيومية ثلاثون قرشا بالتمام والكمال). ثم يقوم جيش من العمال الموسميين بنثر هذا الخليط في أماكن توالد الجراد في فيافي السودان، بعيدا عن أعين الرقباء، مما يُشجع ضعاف النفوس بين القائمين على أمر حملات مكافحة الجراد على اختلاق قوائم مطوّلة من الأسماء الوهمية لهؤلاء العمال والاستيلاء على أجورهم. وكانت المبالغ المختلسة تخبأ في "البكمَا"، أو تُصرف على الإخوان في أريحية مدهشة، ولكنها نادرا ما تُصرف على غرض ظاهر يلفت النظر خوف المحاسبة وخشية الفضيحة، إذ ما زال الحياء (حتى ولو انعدمت الأمانة) سيد الأخلاق آنذاك.

ثمّ "مرت الأيام" وانقضى عهد "أكل قروش الجراد"، وجاءنا عهد أكل الجراد للأخضر واليابس. يغتني الموظف أو المسؤول الصغير والكبير في زمن قياسي، ويبني "العمارة" ذات الطوابق المتعددة في زمن قياسي، والمزرعة ذات "الاستراحة" الفاخرة، وأحواض السباحة، والظباء، والصافنات الجياد، والهجن (لزوم التأصيل)، ثم يدعو الأهل والصحاب، وكبار المسؤولين، ويذبح الثيران والخراف، ويأتي بمُداح الرسول والمغنيين. ثم يُولم الجميع هنيئا مريئا، و"ينقزون" على دقات الطار والأرغن، ويعرضون على أنغام "صقيرا حام"، و"جيت لي؛ ولدي بِسِف"، و"سِف وأدِّ أمّك التسف". يصلّون العشاء جماعة، ويذرفون الدموع عند الدعاء المطوّل، ثم يتفرقون إلى بيوتهم وألسنتهم تلهج بالثناء على جودة "التشطيب"، وأن فلان قد ضمن أن جنازته ستخرج من بيته المِلِك!! ثم يهجعون إلى أسرّتهم في سراياتهم المنيفة، وينامون ملء جفونهم والخلق تختصم وتأكل الطين في أطراف الخرطوم وفيافي السودان وتحلم بالرغيف، بالبوش وبغيره!

حين غاض ماء الحياء، اصبح الفساد تجارة، (وقد أحلّ الله البيع)، وأضحى الكسب منه مألوفا ومقبولا، بل ومستحسنا، وعمّ المدن والأرياف، وانظر حولك وتفرس في تبدل احوال بعض من تعرف ومن لا تعرف. كما اتخذ أشكالا جديدة تختلف في طرائقها عن اختلاس خزينة البوسطة أو أكل مال الجراد، وإن لم تختلف في الرائحة. ورغم الهمهمة، ثم الزمجرة، ثم تقارير الصحف وصور "الزنكقراف"، وتقارير المراجع العام الذي هو حارس المال العام وفق الدستور، ثم الآليات الخفيفة والثقيلة، لم تهدأ وتيرة الفساد، إن لم تكن قد تسارعت كمّا وكيفا، وما زالت ردة الفعل الرسمية، تنفيذية أم سياسية، هي الإنكار الكامل: " منو؟ كيف؟ متين؟ دليلكم شنو؟ العندو دليل يقدمو! ديل شوية موظفين صغار، حالات فردية، والوازع الديني".

حين أصبحت قوات كابيلا الأب على مشارف كنشاسا عاصمة الكنغو البلجيكي، واتضح بما لا يدع مجالا للشك أن موبوتو سيسي سيكو أصبح في عداد المخلوعين، سُئل مراسل إحدى الصحف الأمريكية عن المدة التي يحتاجها النظام الجديد لتستعيد البلاد توازنها وعافيتها، فقال: ""الفساد في الكنغو اصبح سرطانا مزمنا، وعلاج السرطان المزمن هو بتر العضو المُصاب؛ غير أن السرطان استشري في سائر أعضاء الجسد الكنغولي!"
==
نسأل الله السلامة!
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1166

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#949923 [kasir]
0.00/5 (0 صوت)

03-22-2014 05:27 PM
يسالونك عن الفساد ... قل البشير ورفاقه اعلم بذلك......كاسر

[kasir]

#948715 [النسر الجارح]
0.00/5 (0 صوت)

03-21-2014 02:55 AM
الفساد اصبح شطارة وفهلوة واصبح شيئ حميد وحق اكيد
بدل الواحد يخجل من اكل اموال الاختلاسات والروشاوي تجده
يخجل من انه لم ياكل زي فلان القدوة الحسنة له وانه ما مفتح او انه غبي
لانه لم يفعل ما فعل اللص فلان
والمال السايب يعلم السرقة

[النسر الجارح]

#948364 [عبد الرحيم سعيد بابكر]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2014 04:53 PM
شكرن عوض..مقال جميل وواتفق مع ما جاء به من ان قلة الحياء والخجلة..جعلت حتى الارانب الجبانة..والجعرانات الجائعة تقيم الولائم للاسود الحارسة الجبال..

[عبد الرحيم سعيد بابكر]

#947984 [هشام الاحمدي]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2014 11:12 AM
صدقت ياخوي
للاسف اصبح اهتمام الناس بالدنيا اكثر من الدين
وحتى لو اهتموا بالدين فذلك من اجل الدنيا وليس العكس
الجيل الحالي في السودان يحتاج غربلة شاملة تبدا من الدين الصاح ثم بعد ذلك الدنيا بتجي تبع للدين ...
جربوها في تفسكم وما بتندموا ( على الاقل في الآخرة )

[هشام الاحمدي]

عوض محمد الحسن
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة