المقالات
السياسة
محطات فى مسيرة حركة حق (2 - 2)
محطات فى مسيرة حركة حق (2 - 2)
03-31-2014 07:52 AM


لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
…………..
لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
وكيف تصير المليكَ..
على أوجهِ البهجة المستعارة؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة

نصوص شعرية منتقاة من قصيدة (لا تصالح) لأمل دنقل اعود اليها لاحقا.....
فى كتاب ما المنفى وما هو الوطن الذى قام بجمعه واشرف على طباعته مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتمنية البشرية، اورد المرحوم الخاتم عدلان فى صفحة 264 الواقعة التالية:
(لى قصة مع التجانى الطيب. فحينما توفيت الاستاذة التومة احمد ابراهيم، ذهبت للعزاء لمنزل الاستاذة فاطمة بلندن، ورفعت الفاتحة مع من كانوا موجودين حوالى 15 شخصا.
رفعت الفاتحة مع الجميع وصافحتهم – فى ايديهم – لم يقف التجانى الطيب بابكر، بل ظل جالسا فى كرسيه وعندما وصلت اليه، وانا احى الناس مددت له يدى، فاحكم قبضة يديه، وظللت مادا يدى، " ازيك يا استاذ"، وعلى مسمع من الناس جميعا، وهو لا يصافحنى، سمعت اصواتا من خلفى، تقول له "الراجل مادى ليك يده، وده ما مكان خلافات سياسية، فرد التجانى قائلا: "انا ما عايز اسلم عليهو". قلت له "سامحك الله" ثم ذهبت واتممت تحيتى للآخرين.) إنتهى للإقتباس
الإدّعاء بتسامح المجتمع السياسى السودانى وحصر عدم التسامح فى حركة الاسلام السياسى رغم جرائمها الكبيرة، مجرد إدّعاءات ينقصها الكثير من الدقة، ويحدثنا التاريخ غير البعيد كيف قاد الازهرى المظاهرات التى نادت بحل الحزب الشيوعى منتصف الستينات، ولن تنسى الاجيال كيف وقف الصادق المهدى ضد قرار المحكمة القاضى ببطلان حل الحزب الشيوعى وطرد نوابه من البرلمان حينما افتى بأن قرار المحكمة تقريرى وغير ملزم.ّ! لكن التساؤل الذى يحاول هذا المقال أن يجد له بعض إجابات هو حول ما إذا كانت القوى الجديدة التى تأسست على نقد السودان القديم واحزابه السياسية قد استطاعت ان تتجاوز عيوبه الجوهرية ؟
تساؤل آخر يطل برأسه ويفرض نفسه وهو: كيف تعرضت حركة ديمقراطية للتشرزم وعلى قيادتها قامات مثل المرحوم الخاتم عدلان والاستاذ محمد سليمان والاستاذ الحاج وراق وهشام عمر النور وهادية حسب الله والعديد من الشخصيات ذات القدرات الفكرية والسياسية التى تمكنها من انجاز مهمة تاريخية مثل خلق بديل وطنى ديمقراطى فى السودان؟.
كنت قد تعرضت فى المقال السابق الى عرضا توثيقيا موجزا عن نشأة حركة القوى الجديدة الديمقراطية (حق) واهم الاسباب التى حددت مساراتها والخلافات والانشقاقات التى حدثت بها واقعدتها. والهدف من المقال تحرير عقل القارئة من الخرافة disenchantment و الإدّعاء القائل بعدم قدرة المتعلم السودانى على تأسيس حزب ديمقراطى حديث يستطيع أن يترك بصماته على الساحة السياسية السودانية وأن يؤثر فى مجريات الاحداث السياسية بشكل فعّال، وليس من اهداف المقال على الاطلاق ادانة احد او محاسبته اذ لا اعفى نفسى من المسؤولية التضامنية فى فشل المشروع. وكنت قد سجلت ملاحظة فى المقال السابق عن ضياع المؤسسية عند حدوث الخلافات السياسية بين قيادات حركة حق، وعن ميلاد الحركة منذ البداية بتشوه خلقى تمثل فى مخلوق برأسين دون إجراء الجراحة اللازمة لفصل احدهما بسلام وهو الامر الذى فشل فيه المؤتمر الاول الذى عقد فى أسمرا فى نهاية عام 1996. لكن يمكننى اليوم أن أضيف سببين مهمين آخرين هما إنعدام المرونة السياسية عند قيادات الحركة اولا ثم غياب ثقافة فض النزاعات awareness of conflict resolution ثانيا وهما اساس لاى منظمة سياسية او مدنية حديثة.
لابد من تنبيه القراء الى وثيقة اصدرتها قيادة الداخل لا تقل عن وثائق الحركة التأسيسية من حيث الاهمية وقد صدرت على اثر الخلاف حول تاكتيكات الحركة وكانت الوثيقة تحت عنوان (حركة حق فى واقع سياسى معقد) او شىء من هذا القبيل، دافعت فيها قيادة الحاج وراق فى الداخل عن خيار الحراك المدنى وعن طبيعة القوى الحديثة ولكنها لم تستكمل تحليلها بالإشارة الى ثقافة حل النزاعات التى تأتى فى قلب الثقافة الديمقراطية الحديثة رغم ان الوثيقة تكاد تكون قد لامست القضايا الجوهرية التى كانت تواجه الحركة حينئذ. والحقيقة أن قيادة الداخل كانت قد أخفقت فى تسجيل تصوراتها ومخاوفها داخل المؤتمر الاول للحركة حتى ولو كانت فى شكلها الجنينى وكانت الفرصة قد سنحت للمواجهة والشفافية خاصة بعد ان قدم ممثل فرعنا الاستاذ حيدر ابو القاسم جملة من اعتراضات الفرع على اسلوب عمل قيادة اللجنة التنفيذية وسجل نقدا لها فى ذلك المؤتمر بدءا من تقديم طلب عضوية للتجمع وطريقة عرض الامر داخل الحركة، وقد اتضح فيما بعد صحة ذلك الموقف حينما تآمرت احزاب التجمع على طلب حركة حق من ناحية وإشترطت سلطات الامن الاريترية على قيادات الحركة العمل تحت مظلة التجمع الوطنى حتى تمنحها معسكرا للتدريبات العسكرية، من ناحية ثانية. وقد إستهلك الامر حوالى السنوات الاربع الاولى الحاسمة من عمر الحركة الوليدة واستنزف قدراتها المحدودة وشتت مجهودها الاساسى وصرفها عن اولياتها المتمثلة فى عملية معقدة تتعلق بمهام بناء الحركة فى الداخل والاهتمام بالكادر القيادى والوسيط ودعمه. وكان من المتوقع فى ظل إستحالة المضى فى تنفيذ قرارات المؤتمر الاول القاضية بالشروع فى الانخراط فى العمل العسكرى ومهام بناء وحدة قتالية للحركة، ان تتجه اللجنة التنفيذية بكل بمرونة للبدائل السياسية الاخرى وهو مالم يحدث على الاطلاق. وقد كان قرار مؤتمر الداخل فى العام 1998 بخصوص ضرورة تبنى الحراك المدنى يمثل بديلا موضوعيا لأزمة حركة حق للخروج من حالة الحصار التى تمت لها من قبل احزاب التجمع بسبب تمسكها بتاكتيك العمل العسكرى فى مواجهة نظام الانقاذ.
على عكس القوى التقليدية التى يعتمد تماسك احزابها على الولاء الطائفى او الايديولجى، فإن القوى الحديثة فى السودان تحتاج الى التماسك التنظيمى بتبنى وابتكار اساليب مختلفة فى ظل نمو الشخصية الفردية وتفردها إضافة الى عملية التغييب التدريجى لعقلية القطيع والابتعاد عن الاعتماد على كارزمية الشخصيات القيادية. وتأتى الشفافية والندية والاحترام والرعاية على رأس تلك الاساليب ويترافق ذلك مع الابتعاد عن عنيف القول والجلافة التى اتسمت بها القوى التقليدية والبداوة التى تميزها، الى اعتماد اساليب اكثر رقيا وتهذيبا وشفافية. لكن المتأمل للنص الشعرى فى مقدمة هذا المقال والذى تم توظيفه من قبل قيادة الخارج فى خطاب موجه الى قيادة الداخل نستطيع ان نفهم منه انه خطاب تقريعى مائة بالمائة لمجرد اختيار الداخل للحراك المدنى بديلا عن العمل العسكرى حيث يصوره الخطاب بمثابة خيانة و(تصالح مع النظام) وطعن للقيادة من الظهر!. كذلك نستطيع ان نميز الجلافة فى خطاب قيادات الداخل فى سياق ردها على الخارج والتى كانت تحت عنوان (الرد على مقامة حق فى الخارج)حيث يمكن ان نتبين مدى السخرية فى العنوان نفسه، قبل ان نقرأ محتوى الخطاب الذى يعيب على قيادة الخارج عدم قدرتها على اطلاق رصاصة واحدة طوال سنوات وذلك على طريقة اننى اسمع جعجعة ولا ارى طحينا. وهكذا بدأ التصعيد والتصعيد المضاد الى ان وصلت المسألة الى خطاب الفصل الذى اصدرته اللجنة التنفيذية بالخارج وهو الخطاب الذى مهد عمليا للانشقاق العمودى الذى حدث لحركة حق كتتويج لانعدام الثقة التام وتصاعد الخصومة بين الطرفين. من المعروف فى فض النواعات ان الخلافات تبدأ من جلافة القول او المسلك وغلظتهما incivility ثم تتطور الى مضايقات فبلطجة حتى يصير الامر الى صدام بين المختلفين incivility to harassment to bullying and ultimately to clashes and physical violence. والحقيقة ان الخطاب التصعيدى العنيف اثناء الخلافات السياسية والذى ورثناه عن بداوة مجتمعنا الابوى الذكورى، هو الذى فرض نفسه وسط النخب القيادية للقوى الديمقراطية والحديثة، فحينما حدث الخلاف بين المنبر الديمقراطى بلندن وقيادات حق كتب د. احمد عباس مقالا شديد اللهجة موجها للمرحوم الخاتم لانه كان غير راضيا عن الطريقة التى تم بها اندماج حركته او جزء منها مع حق. كان المقال تحت عنوان (احمل عصاك وارحل) ليرد عليه المرحوم الخاتم بمقال آخر اكثر مرارة كان تحت عنوان (على عمد من الحقد والاكاذيب) ان لم تخنى الذاكرة. وفى كل الحالات كان لغياب الثقافة الديمقراطية وممارستها اثر كبير القى بظلاله الكثيفة على التصعيدات التى قادت الى خلافات كبيرة بين قيادات القوى الجديدة حتى صار بينهم ما صنع الحداد كما يقول المثل الشائع. من المعروف أن التواصل والحوار والشفافية يمثل حجر الزاوية فى اية عملية ديمقراطية حقيقية إعتمادا على حقيقة بسيطة وهى اننا نحكم على انفسنا من خلال نوايانا ولكننا نحاكم الاخرين من خلال فهمنا وتصوراتنا لاسباب لتصرفاتهم perceptions وهى تصورات قد تكون خاطئة. كما ان ثقافة فض النزاعات تستطيع ان تعلمنا ان الحوار والتواصل شىء اساسى لتصحيح تصوراتنا عن مواقف الاخرين عند حدوث الاختلاف وهو شىء ان لم يحدث فإنه يستحيل الى اوضاع اكثر خطورة تتعلق بإعادة تغذية مواقفنا الفكرية الخاطئة reinforce attitudes and beliefs وهو شىء نلاحظه بوضوح عشية الانقسامات وبعدها داخل احزابنا التقليدية لانها دائما ما تعزز اعتقادا خاطئا لدى القيادة بصحة مواقفها وإتخاذ مواقف اكثر تطرفا فى شيطنة الاخر بدلا عن مراجعة النفس. وهو ما حدث داخل الاحزاب الطائفية والحركة الاسلامية والحزب الشيوعى ابان انقساماته الشهيرة السابقة، وللاسف فإن حق لم تكن استثناء فى ذلك لانعدام المناعة المتمثلة فى غياب ممارسة اليات فض النزاعات.
تركت الخلافات مرارات كثيرة فى النفوس بين عضوية حركة حق سواء تلك التى حدثت بين الداخل والخارج او تلك التى تراكمت بعد فصل عدد من عضوية الحركة بالداخل فيما عرف فى ادبيات الحركة ب(المجازر التنظيمية)، إضافة الى تلك التى حدثت مؤخرا داخل المجلس القيادى ابان التداول حول قضية الخلاف الشهير بين رئيسة الحركة ومدير مركز الخاتم عدلان. كل ذلك حدث لغياب الحوار المؤسسى الشفاف الذى كان يمكنه ان يحدد حاجات الهوية بين المختلفين والوصول الى حلول وسط تستطيع ان تخاطب تلك الحاجات وان تشبعها. وحاجات الهوية identity needs المشتركة بين الانسانية جميعا يمكن تلخيصها فى خمسة وهى الحاجة الى الضبط والمعلومات input and controlلدى الكادر القيادى، والحاجة للطمأنينيةsecurity، ثم حاجة الانسان الى الاعتراف recognition ودفء العلاقات الاجتماعية connectionواخيرا وهو المهم الحاجة الى الاحساس بالانصاف والعدالة meaning and justice.

طلعت الطيب
عضو المجلس القيادى فى حركة حق
مسئول حقوق الانسان لمنطقة جنوب غربى اونتاريو
تجمع نقابات الخدمة العامة الكندية (بيساك PSAC )

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 549

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#959158 [zoalcool]
5.00/5 (1 صوت)

03-31-2014 07:09 PM
الاخ طلعت سلام
تكمن الاجابات في كثير من ما طرحته من تساؤلات بالعوده الي دوافع قيام حركة حق.لماذا قامت؟؟ وما هو سندها العلمي واي شريحة اجتماعيه تمثل مصالحها حركة حق؟؟؟ وماهي طبيعة الصراع الاجتماعي الذي استدعي قيام هذه الحركة؟؟ وايضآ ما هو تفسيرك لظهور حق بعد وقت قليل من صعود الصف الثاني في الحركة الاسلاميه لقيادة الحركة والدولة؟؟؟ ثمة امر اخر مهم كيف تثني للاستاذ المرحوم الخاتم ان يتعامل مع زملاءه في قيادة حق بما عابه علي قيادة الحزب الشيوعي؟؟؟ قد يبدو سؤال صطحي ولكن ارجوا ان تتعمق فيه قليلآ.اما ما كان من شأن الاستاذ الحاج وراق اعترف ب قدراته ولكني لا اثق فيه نهائي.
موقف الاستاذ المرحوم التجاني الطيب ما الخاتم رحمهم الله جميعآ
اولآ عمك تجاني معروف انو زول سخن شديد عليه تلابيب الرحمه
ثانيآ ما تنسي الخاتم شتمهم اي قيادة الحزب الشيوعي ووصفهم بالديناصورات
والشئ بالشئ يذكر

[zoalcool]

طلعت الطيب
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة