المقالات
السياسة
خواطر عائد من أرض الوطن
خواطر عائد من أرض الوطن
04-04-2014 09:37 PM




الليلة القليب لفْ وأذكّر عرب جقّاده
أضرع بالقفار يا تيس قُنّه عاد بي زياده
بلد السكسكانية أم جمالاً ساده
أهجمه الليلة أوعاك تخلف عليْ ميعاده
(مرغني ود قيناوي)
من يتابع أخبار السودان عن بعد، يظن أن هذا البلد العملاق يوشك أن ينهار وتتداعى عليه الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، ولكن ما أن تطأ قدماك ثراه، حتى ينتابك شعور غامر بالأمن والطمأنينة والارتياح، نفسياً وجسدياً، وتشعر بالانتماء إلى هؤلاء الناس الذين تلفحهم نسمات الهواء العليلة المشوبة بشيء من دفئ الشمس والمشاعر، فهذا الشعب الأبي هو تماماً كما وصفه الشاعر صلاح أحمد إبراهيم –رحمه الله- بقوله:
أعرفهم.. الضامرين كالسّياط
الناشفين من شقا..
اللازمين حدهم
الوعرين.. مُرتقا
أعرفهم كأهل بدر شدة ونجدة وطلعة وألقا..
أعرفهم حين يغضبون.. وحين يزأرون كدويي صخرة

وعلى الرغم من شظف العيش وقسوة الحياة وسرعة إيقاعها وانشغال الناس بأمور دنياهم وأعمالهم ومعاشهم، فإنك لا تكاد ترى إلا وجوهاً تعلو محياها الابتسامة والقناعة والرضا، ويلقاك كل من عرفت بحضن مفتوح وقلب منشرح وقد يحلف عليك قائلاً:(حرّم تستريح)، ولعل هذا ما جعل شاعرنا الكبير عبد الله محمد عمر البنا يخلّد هذا النبل والكرم بقصيدته ذائعة الصيت التي يقول فيها:
رفاق الضيف أنّى حلّ هبّوا لهم للضيف ضم والتزام
إذا نحروا العِشار مُودّعات فلا مَنٌ بذاك ولا كلام


كما أشار إلى ذات المعنى والمضمون صديقنا ابنه الشاعر يوسف البنا بقوله:
نحن الجودنا ما بكمل خريفنا وصيفنا
ها نحن ندردق الجزر الغلاد لي ضيفنا
نحن بنحفظ المعروف نراشي ضعيفنا
نحن بفلّخ الفارس المدرع سيفنا
فالحمد لله الذي جبل الشعب السوداني الأصيل على هذه الصفات الحميدة والخصال النبيلة التي ظلت ملازمة له عبر العصور على الرغم من تقلبات الظروف وتبدل الأحوال وغوائل الدهر؛ فو رب الكعبة ما دخلت بيتاً إلا أخرجت إليك جفنة ما يغلق الباب دونها مكللة لحماً مدفقة ثرداً، ليس هذا فحسب، بل إن صاحب الدار يلقاك كالربيع يختال ضاحكاً ومرحباً بمقدمك بكل أريحية وكرم حتى تفيض الدار بالبشاشة، ويغمرك إحساس دافق من المودة والأخوة الصادقة والمعهودة في هذا الشعب المضياف، ولا غرو ولا عجب في ذلك؛ فقد نشأ هذا الشعب على سجية ضاربة جذورها في عمق التاريخ والأصالة ويصدر عن قيم راسخة لا تزعزعها حادثات الليالي وصروف الدهر الطاحنة.
ولعلي أضرب مثالاً لكرم السودانيين وأصالتهم بسائق "الأمجاد" الذي حملني من كوبر إلى الخرطوم؛ فهو يجسد نموذجاً رائعاً لمجد هذا الشعب وشموخه، فقد حكا لي عن ظرفه المادي وما يكابد من مشقة ويبذل من جهد متواصل حتى يوفر لقمة العيش ومصاريف الدراسة لبناته الثلاثة اللائي يدرسن الطب في الجامعات، إلا أنني عندما هممت بدفع الأجرة إليه، ردها إلي أكثر من مرة ولم يأخذها إلا بعد إصرار وإلحاح مني قائلاً: إنني الآن أحس كأنني أعرفك منذ الطفولة وعيب علي أن آخذ أجرة من شخص أعتبره صديقاً أو قريباً! فقد نشأت بيننا عبر تلك الرحلة القصيرة، علاقة صداقة ومودة؛ حتى صرت أردد في نفسي من أين جاء أفراد هذا الشعب المتفرّد يا ترى؟
عموماً، بدعوة كريمة من الإخوة في جهاز شؤون العاملين بالخارج، وتكليف من الزملاء في الهيئة الطوعية لنقل الخبرات التعليمية والمهنية، تشرفت، مع مجموعة من المختصين والباحثين والمهتمين بأمر تعليم أبناء المغتربين، ومعادلة الشهادة العربية بالشهادة السودانية، بالمشاركة في "ورشة عمل" نظمها جهاز شؤون العاملين بالخارج، باعتباره الجهة المنوط بها متابعة هذا الملف الشائك مع الجهات المعنية بالداخل. ومن هنا أتقدم بجزيل الشكر والتقدير للسيد/ "رئيس نقابة المغتربين"، سعادة السفير حاج ماجد سوار أمين عام الجهاز، وكبار مساعديه في قسم الشؤون التعليمية والثقافية وأخص منهم الأخوين الكريمين فقيري وحمد إبراهيم على البشاشة وحسن الاستقبال وروعة التنظيم والرعاية الكريمة التي وجدناها منهم طوال فترة وجودنا بين ظهرانيهم، مما يدل على اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب. والشكر موصول أيضاً إلى أستاذتنا الكرام من مديري الجامعات السودانية الذين شرّفوا اللقاء بحضورهم ومشاركاتهم المتميزة، الأمر الذي أضفى نكهة خاصة وأعطى الورشة بعداً أكاديمياً رائعاً، ونخص منهم شيخنا البروفسور حسن أبو عائشة حامد مدير جامعة المغتربين، والدكتور عمر الأمين عميد شؤون الطلاب بذات الجامعة؛ فقد أكدا كامل انتمائهم ودعمهم للمغتربين والوقوف مع قضاياهم ومطالبهم العادلة. أما صاحبة الجلالة، السلطة الرابعة، وسائل الإعلام والصحافة، فلهم منا كل التقدير والتحية على الحضور وتغطية فعاليات الملتقى بالقدر الذي يتناسب وحجم المطالب المشروعة والتوصيات التي خرجت بها الورشة، وأتقدم بشكر خاص لقناة الخرطوم الفضائية على استضافتها لشخصي في برنامج "صباح الخرطوم" على الهواء مباشرة متحدثاً عن تلك الورشة والهم الثقافي في المهجر.
وعوداً على بدء، أقول: إن الشعب السوداني، قد ورث قيماً وأخلاقاً ومُثُلاً لا تتوفر لغيره من شعوب المنطقة جسدياً ومعنوياً واجتماعياً؛ فهنالك ثمة رجال ونساء جمعتني بهم هذه الرحلة القصيرة زمناً والبعيدة أثراً، كنت أشعر بأنهم أقرب إلي من بعض أهلي وعشيرتي، فقد كانوا بمثابة إخوة لم تلدهم أمي، وجدتهم يقفون إلى جنبي في أحلك الظروف والمواقف وقد كفوني شراً مستطيراً بعزمهم وحزمهم وشهامتهم، فهم كما عهدتهم يقلِون عند الطمع ويخفون عند الفزع، نسأل الله أن يجزيهم عنا خير الجزاء ويجزل لهم المثوبة والعطاء، ورغم أنف كل حاقد وحاسد.
إن هذا الشعب، يا أيها الزعماء، يستحق كل خير؛ ولذلك نتمنى أن يفضي الحراك السياسي الراهن وجولات التفاوض والحوار إلى وفاق وطني يضع حداً للمعاناة وضنك المعيشة، ويحقق الاستقرار والتنمية في كل أرجاء الوطن الذي تقول عنه الشاعرة روضة الحاج:

تاريخنا الممتد فينا
كلما نودي : "يا زول" التفتنا
لهفة ودا ً وحباً وحنينا
فأمعنينا
قسمي الأرض وقلبي
والمراعي ودمي
والسماوات وروحي
والفضاءات ونبضي
يا بلادي
آه يا كلي وبعضي
يا معي هل أنتِ ضدي !؟


[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1406

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#963484 [خاطره]
0.00/5 (0 صوت)

04-05-2014 09:19 AM
لا شك ان الشعب السوداني يمتلك خصائص لن تجدها في شعب سواه. ولكن بعد مجي الكيزان عملو علي مسخ هذه الشخصية السودانية السمحة. ونجحوا لحدا ما. ولا اكذبكم القول اذا قلت ان هنالك سودانيون في دول المهجر هم اكتر سودنة من سوداني الداخل. وخصوصا المغتربين قديما والذين حملوا معهم كل جميل من السودان في ذلك الزمن الجميل. عكس السودانيين الموجودين في السودان الذين لا نلومهم في ذلك. ما مر بهم خلال ربع القرن هذا من حكم الكيزان يغير حجر فما بالك بهذا السوداني المرهف. ولكن البلد ما زالت بخيره. ولكننا كنا شعب اعظم مما نحن عليه اليوم.

[خاطره]

محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة