المقالات
منوعات
في حكاياتنا ابو القدح
في حكاياتنا ابو القدح
04-06-2014 03:44 PM


في حكاياتنا ابو القدح..
التأمل في مصائر الظن الفسل

شاع وساد في مملكة (الاسقاط) بين الاوساط الشعبية، ظناً متواتراً متحاملاً، يوصم ابو القدح بالغباء وبالعض المميت، ويتمادى الظن الفسل في تطرفه فيصفه بالفشل التاريخي والمعاصر، بينما ترى الفئات المرموقة ، انه على الرغم من افتقاره للنشاط الخلاق والحيوية والجاذبية والذكاء ، إلا أن الابحاث بشانه ، قد اثبتت بما لا يورث سجالاً عقيماً بين الشك واليقين ، أن نقطة الضعف التاريخية في شخصية أبو القدح هي إستعداده الفطري للإنقياد والاستلاب الفكري والثقافي والحضاري والسياسي أو ما اصطلح عليه (بالتبعية الشاملة) ومع ذلك قف!! تأمل عزيزي القارئ في اسماء أحياء الفئة الراقية المرموقة بالخرطوم العاصمة القومية (قاردن سيتي ، المنشية ، المعمورة ، المهندسين ، الرياض ، الطائف ، المدينة ومكة) ... وهلم جرا ، وبالنظر لأسماء الشوارع والمدارس وداخليات الطلاب والطالبات الجامعية تظن بأنك غريب ديار تتجول في أحياء وتمشي في شوارع مدينة ببلاد مجاورة الأمر الذي يؤكد اختلال معادلة الانتماء والاغتراب (ما طول الغياب) لصالح الاستلاب والتبعية الساذجة مما يجعل أبو القدح أكثر أصالة وأعمق إنتماءاً لمكوناته الوطنية على العكس من مروجي الظن الفسل حول تبعية أبو القدح وسهولة السيطرة عليه والتحكم في تصرفاته وسلوكه وتغيرهما من (بعد) وبالتالي وبالتالي فهو نواة نموذجيه لتنفيذ الأجندة الخفية والمعلنة لهذا أو ذاك الأجنبي (الدخيل) أو المحلي (العميل) إبتداءاً من توظيفه لإصطياد أرنب إلى (تدقيس) أضخم فيل في العالم وإغراقه في (شبر موية) ولا سيما توظيفه في عمليات (الإسقاط النوعية) إبتداءاً من إسقاط الفاكهة من أغصانها وإلى إسقاط طائرات الأباتشي المعادية وتتداول منتديات الخرطوم خبر مؤكد ( أنه في ذات مرة من المرات أن جاءت طائرة أباتشي تحوم في سماء الخرطوم ، والقت دانة أخطأت حمار كلتوم ست اللبن واصابت هدف ثانوي آخر ، ثم رجعت لقواعدها سالمة) فهذا من كيد الأعداء والمخذلين المتربصين بمقدرات وخيرات الوطن الوفيرة التي تنعم بها وتســـــــــــتحوذ عليها القلة ( المتنفذة) منذ ربع قرن بينما تعاني وتحرم منها الأغلبية (المندسة) من أفراد الشعب الذين (ليهم الله) والعيشة الضنكى. ولقد أوصت تلك الأبحاث المضطربة المنهج والمشكوك في حيدتها ونزاهتها ورصانتها العلمية بإقصاء القيادات منتهية الصلاحية كالدواء الفاسد ، المترددة ، المتذبذبة والمتبرجزة وعزلهم بل طردهم من حظيرة (مملكة الإسقاط) على أن تكون أولوية الطرد للقيادات التي تتزعم منظمات إرهابية متطرفة من شاكلة (تنظيم الضب الطليعي) ومنظمة الورل الديمقراطية المتحدة وجبهة السحالي الثورية.) لتعصبهم الجهوي وتأجيجهم النعرات القبلية البغيضة ووقوعهم فريسة للأجندة الأجنبية المعادية، يليهم مباشرة الزعماء الإنهزاميين لإنحرافهم عن المسار (الإسقاطي) منذ أن بدأوا بإرخاء (الأضان) للإستماع والإستجابة لدعوة (المراكبية) بشأن الحوار والوفاق الوطني والتفاوض السلمي لإيجاد حلول شاملة لقضايا الوطن وتقرأ للبحث عن (مخارجات) لهم من المآذق. بينما كان من الواجب عليهم أن يصمدوا في مواقفهم التأريخية بثبات ويتظاهروا بأن ( اضان الحامل طرشا) وهو ما ينبغي أن تكون عليه القيادة الرشيدة الموغلة في (جفا الحوار) من حيث المبدأ ، والتي تنتشي بالطرب حينما تبلغ مسامعها دقات طبول الحرب كما أنها بالضرورة تكون قيادة متماسكة تؤمن بالفلسفة الزرائعية وتوظفها باحترافية عالية بالتفنن في وضع الشروط التعجيزية المضادة. وهي بريئة كل البراءة من فشل الحوار أو التفاوض ولا تتحمل أي مسئولية كما لا يمكن إتهامها بالجري وراء العصافير الطائرة لأن العصفور الواحد الذي في اليد لا يكفي!! ثم لا تنفك تؤكد عزمها الأكيد بمناسبة أو بدونها على المضي قدماً لا تلوي على شيء في طريق الإسقاط الحتمي حتى ولو بعد عقوووووووووووود من الزمان.
قلب ابو القدح الطاولة على رأس المتبجحين الذين راهنوا على منافسة الأرنب في سباق المارثون الشهير في حكاية الأطفال المدرسية – بفوزه الكاسح عن جدارة واستحقاق على الأرنب المغرور، فصب المتراهنون جام غضبهم على ابو القدح وأعفوا أنفسهم والأرنب من اللوم والملامة ولم يحملوها جزءاً من مسئولية الخسارة بالرهان على منافس فاشل كالأرنب المغرور الذي لا يمكن لعاقل الاعتماد والرهان عليه والثقة في تصرفاته غير الجادة وغير المسئولة.
واستمر أحفاد أولئك الأسلاف في عنادهم المقيم وظنهم الفسل بشأن أبو القدح وبدلاً من الاستفادة من خبرات وتجارب ابو القدح المتراكمة وإستلهامها والإهتداء بها لتلقيح مشروعهم (الإسقاطي) ومن ذلك تظل تجربة (التقدح) الاحتجاجي أمام مباني أجهزة القمع العسكري والأمني ملمحاً بارزاً في التجارب النضالية المعاصرة. وقد ظل أبو القد صامداً كالطود شامخاً في مكامنه داخل (قدحه) المضاد للهراوات والرصاص والغازات المسيلة للدموع ، ولم يتزحزح قيد أنملة. كما لم تفلح الهراوات والقوة القاتلة لفض اعتصامه الاحتجاجي الاسطوري وحينما أعيت الحيلة القوى والاجهزة القمعية تركوه في حال اعتصامه السلمي وقد كان لسان حال ابو القدح يقول: ( ما يهمني... وما يهمني أجهزة القمع والعالم جميع والقوة القاتلة المجربة في فض إعتصام رابعة العدوية والنهضة وقبلها المهندسين وتلك المستخدمة مؤخراً في فض وقمع احتجاجات الخرطوم السبتمبرية كأبشع ما تكون المجازر الجماعية في التاريخ المعاصر المنقولة على الهواء مباشر حية (شوف عين) صورة وصوت فصمت العالم جميع ( تواطؤا أو خشية أو موالاة) وتكلم ابو القد: ( المجد للشعب حينما هتف في وجه الطاغية المستبد .. يسقط .. يسقط حكم العسكر) وأبو القدح في موقفه البطولي هذا يبعث برسالة بليغة وحكيمة تتضمن- بجانب التعاطف الإنساني مع ضحايا القوة القاتلة – تتضمن تنبيه للدعاة في (مملكة الإسقاط) الغبيانة ( أن لا سبيل لأي شيء مما يحلمون به بغير الشعب أو في غيابه أو تغييبه ولا تقوم قيامتهم إلا بالاعتماد عليه والثقة فيه أولاً وأخيراً وذلك باستنهاض همته والثقة بأن التغيير مرتبط بالشعب ارتباطاً وثيقاً وبارادة الحياة لديه حينها سيستجيب القدر ، وينكسر القيد جدلة عرس في الأيادي كما قال الشاعر وصدح المغني والسؤال الذي يطرح نفسه إذ أن الدعاة الاسقاطيون لا يأبهون بطرح الاسئلة الحرجة والصعبة على أنفسهم ( كيف تبعث إرادة الحياة من مرقدها؟ وكيف ومتى تشعل الحمية روح الحالمون؟ بدلاً عن أوهام الظن الفسل ودعاويه؟ ومن الذي ينفخ الحياة في الروح الميتة والارادة الغائبة؟ رد الله غربتها ولا نامت أعين الشجعان!!
ودارت الأيام والليالي ، فعمد أحفاد أولئك الأسلاف المتبجحين الذين كانوا قد راهنوا على الأرنب فيما مضى في ذلك السباق الشهير في حكايات الأطفال عمدوا هذه المرة للمراهنة على ابو القدح ذو النزعة الإسلاموية مرجحين كفته بسبب دعاوي من الظن الفسل الشائعة بأن أبو القدح هذا ضليع وفقيه وعارف بفقه (العض) كما في المثل الدارج ( ابو القدح بعرف محل يعضي أخيه) وتمضي السنوات وراء السنوات وابو القدح يتغابى المعرفة (بالعض) و ( الاسقاط) وفي اثناء تماطله يعلن في نفس الوقت عزمه على الاسقاط ومن جانب آخر إعلان الحب على الإسقاطيين فيبادلونه حباً بحب ووداً بود بل غفروا له ما تقدم وتاخر من أخطاء وكوارث ضد الحلم الديمقراطي بالأصالة عن أنفسهم وبالنيابة عن الشعب دون تفويض ؟؟ فكفوا لسانهم الذرب عنه ولم يمسوه بمكروه من أجل عيون الإسقاط العسلية ، وعندما نال ابو القدح مرماه جافاهم وقال: ( حبهم للإسقاط جنون!) ونعم للحوار والوفاق الوطني والتفاوض السلمي.. ولا ( للعض) وثم لا (للعض) وتسقط كل الوسائل غير السلمية وبالذات (الاسقاط) وإن الصلح خير للجميع ودعاهم أبو القدح للحوار والوفاق فبهت الذين كفروا بالحوار والوفاق والتفاوض فاخرج لهم من جرابه الشخصي أعذاراً وبراهين لا تفند وحجج لا يمكن دحضها لتبرير جنوحه للحوار والوفاق مع ( أخيه) ، ومضى أبو القدح بثبات مخاطباً مستمعيه ( بأنه فيما مضى كان قد نسي الله فنساه ، والآن قد آب مسرعاً منشرح الصدر إلى ( الله ) وتقرأ (أخيه) بعد أن نسأه بضعة عشر عاماً) عل الله (أخيه) يسرع إليه؟! كما قرر اعتزال السياسة والآن يشغل نفسه بتوحيد أهل السودان وخاصة أهالي دارفور بتضافر جهود أهل الطرق الصوفية والأوقاف وديوان الزكاة ومنظمات المجتمع المدني.
وأظهر أبو القدح المتأسلم أنه ماكر فائق الذكاء بخلاف ما ظن الغافلون في مملكة (الاسقاط) وإنه من الطراز الأول في فنون (التغابي) وليس الغباء ومهندس في توليد (التبلد) وليس البلادة وهي أدوات للتمويه والخداع يجيد إستخدامها في الوقت المناسب لخداع متوسطي الذكاء من السذج البسطاء فقد وضع (دعاة الاسقاط) جميع البيض في سلة أبو القدح باختيارهم وإرادتهم الحرة وحينما تهشم البيض بحركة أبو القدح المحسوبة جيداً أقبل بعضهم على بعض يذايدون ويتمادون بالتوغل بعيداً في طريق الاسقاط الوعر دون تحفظ أو تدبر وما من أحد يتوقف لفحص وتحليل التقديرات الخاطئة ودراسة جدوى الخطاب والخط السياسي المحمول على أجنحة الأحلام والظن الفسل وآثاره الوخيمة على مستقبل العمل السياسي وقد بلغ الإحباط مداه فعشعش وشيد صوامع في الفضاء الوطني فمصائر الظن الفسل دائماً وأبداً الخسران المبين للذين كفروا بالحوار والشعب وتعلقوا بقشة ابو القدح ( البعرف محل يعضي أخيه) بما يستوجب إعادة صياغة ذلك المثل الدارج على نحو مغاير كما يلي: ( ابو القدح بيعرف كيف يدقس الغافلين). والغافل ليس من ظن الاشياء هي الأشياء وحسب،كما يعتقد الشاعر العظيم محمد مفتاح الفيتوري فالغافل هو ( من يتعلق بقشة ابو القدح المتأسلم). فالذي يسعى للربح حتماً سيخسر حينما يضحي بالجودة والصدق والإخلاص في العمل ويعتمد ويراهن على السلع المغشوشة وأوهام الظن الفسل.
في مملكة (الغافلين) تبرم العهود والمواثيق ليلا ًلتنغض في الصباح الباكر وأحياناً في التو واللحظة قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به فكل المشروعات الاستراتيجية والبرامج المرحلية التنموية والاقتصادية تخرج من مطبخ التخطيط وديوان الصياغة الحكومي لتدخل الأضابير التقليدية والالكترونية كي تحفظ خشية من عين الحسد وحقد الحاقدين ، لا لكي يتم تنفيذها على أرض الواقع لتلبية احتياجات الشعب الأساسية أو تطلعاته في الرخاء والرفاهية والحياة الكريمة وتتلفت من حولك فلا ترى تنمية أو نهضة أو وثبة ولا أي شيء من ذلك سوى الشعارات واللافتات الخادعة ثم تسمع وترى أن هنالك أنواطاً وأوسمة رفيعة للإنجاز والإعجاز قد منحت للأخيار المحظوظين والفعلة المساهمين منذ عقود في الهباب واليباب وخراب الوطن.. عجبي!!
ونتيجة للهجة الاعلامية الظالمة شرع ابو القدح لتنظيم حملة إعلامية مضادة تستنكر نظرة بني السودان الظالمة له والمؤسسة على نظرية المعرفة (بالعض) لأخيه وحينما تأمل أبو القدح ملياً وعميقاً في تلك الدعاوي والظنون والأوهام المتصلة بشأنه ادرك بحسه المرهف أن لا احد يبالي بحساسيته المفرطة وإلا لما تم جرح مشاعره في الصميم دون مراعاة لطبيعته العاطفية الودودة المحبة على الرغم من شكلة ( الشين والدشن) حسب وجهة نظر الشكلانيين في الوقت الذي فيه نجد أطفال بني السودان على العكس من شيوخهم يلاطفونه بمودة وأحياناً يشاغبونه بل يلهون به فرحين ورغم خشونة بعضهم لم يحدث له أن (عض) أحدهم وأدمى أصبعه أو ساقه كما يفعل القط بمخالبه والكلب العقور بأنيابه ،رغم أنهم يطلقون عليها الحيوانات الأليفة ، مما يسبب لهم الأذى الجسيم والإصابة بداء السعر مما يجبرهم على الحقن بالمصل المضاد لذلك الداء القاتل.
فأبو القدح كائن مسالم وديع غير مفترس كما ليس له مخالب أو أنياب وليس له أعداء طبيعيين أو خصوم تاريخيين ويؤسس علاقاته بالآخر المختلف على السلام والإخاء والصداقة والاحترام وعدم التدخل في الشئون الداخلية والمصالح المشتركة وعلى العكس من تلك العلاقات القائمة تاريخياً وطبيعياً بين الذئب والحمل- القط والفأر – الكلب والأرنب والثعلب والدجاج فهذه علاقات قائمة على الإفتراس بين المفترس والمفترس به علاقة الضحية بالجلاد. ثم أن قبيلته لا تعرف علاقات الإقصاء والتصفية والتناحر الدامي فيما بين أفرادها أو بينها وبين القبائل الأخرى وكما هو شائع بين قبائل بني السودان كما أن علاقات أبو القدح لا تشبه تلك العلاقات القائمة على الصراع الطبقي والتناحر بين الطبقة العاملة والطبقة الراسمالية المالكة لوسائل وأدوات الإنتاج وتلك الفئة الصغيرة التي تراوح مكانها بين الطبقتين كبندول الساعة كما أنها ليست مشابهة لعلاقات الإنتاج الاشتراكية القائمة على العدالة الاجتماعية والعلاقة الراسمالية القائمة على الاستغلال وفائض القيمة كنقيض وخصم تأريخي للعلاقات الاشتراكية ، كما لا تشبه من قريب أو بعيد علاقات الرق والاسترقاق والقنانة بين الاقطاعي والسيد من جهة والفلاح والأقنان والأرقاء من الجهة الأخرى.
كما أن المشاعر البغيضة كالحقد والحسد والثارات البايتة لا محل لها في اعراب قلب ابو القدح المرهف المحب وليس من شيمته الخيانة والغدر والكذب والدس والوقيعة والنميمة. وقد هال ابو القدح حد الرعب والذهول أن يتم إسقاط البشاعات البشرية عليه وهي بالذات صفات مائزة لهم تتغلغل في جيناتهم كملامح بارزة (كشلوخهم) توارثوها كابراً عن كابر من أسلافهم القدماء (قابيل وهابيل) منذ فجر التاريخ الإنساني. فلأنسان وحده دون سواه من يؤذي ويستغل أخيه الإنسان ويقتله غدراً مع سبق الاصرار والترصد فبعضهم يقتل البعض الآخر بدواعي الثار وتصفية الحسابات وهنالك من يقتل من أجل القتل للتباهي بالشجاعة ولقدرته المالية لدفع الدية لذوي الضحية ثم ينجو بفعلته من القصاص!! ومنهم من يصادر حياة ابنته أو زوجته أو شقيقته خوفاً من العار أو ( غسل الشرف) بالدم وتكثر جرائم الشرف في العالمين العربي والاسلامي لأنه لا قصاص عليها في القانون!! فضلاً عن التخلف الحضاري والثقافي ، فالحية قد تلدغ بدافع الخوف والدفاع عن النفس والذئب يلتهم الحمل بسبب الجوع الكافر وقد يفقع أحدهم مرارتك بالتصرفات الرعناء المحرجة أو بإلقاء الحديث (دراب) على عواهنه بالمجالس المحترمة لكن بعض البشر يقوم عن قصد ونية مبيتة بأكل لحم أخيه وكبده حياً وميتاً، وفي صفحات التاريخ المظلمة صوراً ممعنة في البشاعة منها حكاية المرأة الحقود التي لم يشفي غليلها قتل غريمها طلباً لثار أخيها بل مضت في التشفي لأبعد من القتل بالتمثيل بأعضاء الضحية الحيوية فقامت ببقر بطن الضحية وإنتزعت من أحشائه كبده ومضغتها بتلذذ ثم بصقتها مع فحيح غيظها في صورة غاية في التقزز والبشاعة.
ولما كانت شهوة السلطة والحكم أقوى من شهوتي الفرج والبطن فإن المجازر الجماعية البشعة في التأريخ الإنساني سببها الرئيس تلك الشهوات فالحاكم في معظم الأحوال ودائماً وعلى طول الخط (طاغية مستبداً) رجيماً ينصب نفسه بنفسه كحاكم مستديم بالغلبة ويشيد عرشه على تلال من الجماجم البشرية وأنهار من الدماء المسفوكة وما يجري الآن ونشاهده على التلفاز بصورة يومية في بعض الدول المجاورة من مجازر بشرية ليس أمراً إستثنائياً بل صورة إن لم تكن مطابقة للأصل فهي بهذا القدر أو ذاك صورة لما جرى من مجازر وتصفيات تمت في أزمان غابرة يتم إستدعائها من سياقاتها التأريخية لتوطينها في سياق معاصر حديث ومغاير ترفض قيمه الأخلاقية ومعايير حقوق الإنسان التسليم والقبول بها وتعدها جرائم ضد الإنسانية وما إنفك البعض في (مملكة الغافلين) يظنون أن الأشياء هي الأشياء.
إعترى أبو القدح بعد هذا العصف الذهني – كم هائل من التوتر والخوف والقلق وأكتسته سحابة كثيفة من الأسى والحزن الأليم ، فشعر بأنه في حاجة ماسة للإجهاش بالبكاء والنحيب وأن يصرخ ما شاء له بملء فيه ما شاء له الصراخ ولا باس من اخذ (حمام بارد) ثم الإستلقاء على قفاه مسترخياً بكسل يغيظ مناصري الظن الفسل يستنشق هواءاً نقياً منعشاً تحت أشعة الشمس الدافئة وأثناء ذلك يتلذذ بكاس من الآيس كريم وكاس آخر معتق للطريق! على أنغام موسيقى حالمة هادئة تريح أعصابه المتوترة جراء ذلك العصف وسرعان ما هدأ روعه وإسترد نشاطه وحيويته المنكورة وشعر بسعادة تغمره من قمة رأسه حتى أخمص أقدامه الأربعة للدرجة التي نسي فيها البشاعة في الحياة إلا أنه لم ينسى باي حال من الأحوال (الله) للحظة واحدة.
وتلك حقائق وقناعات راسخة في عقيدة أبو القدح ومع ذلك فهو في حيرة من أمره بشأن من يقنع (الديك) أو دعاة (الاسقاط) بأن يجنحوا للحوار المنتج والوفاق الوطني والتفاوض السلمي اسوة بأبو القدح المتأسلم ولو طال السفر (الحوار) ووعر الطريق إليه بدلاً عن العناد والاعتقاد في الظن الفسل.
وتكثر وتتعدد الروايات حول أبو القدح إلا أن المروي عنه وحول شخصيته روايات متفردة والعهدة على الراوي. بأن عجائب ومدهشات أبو القدح لا تنغضي وما تنفك تدحض الافتراضات والظن الفسل بشأنه ، ومنها تلك الحادثة التي كادت تتسبب في خلق أذمة بل كارثة ، كانت بلا شك ستؤدي لإغلاق متحف التاريخ الطبيعي بجامعة الخرطوم العريقة بالشمع الأحمر لولا نباهة وحسن تصرف القائمين على أمره. قال الراوي مستطرداً بينما كان في طريقه لقاعة الراحل الشاعر الرجيم/ محمد عبد الحي بالمتحف لحضور ندوة ثقافية نظمتها مؤسسة (طيبة برس) احدى منظمات المجتمع المدني الفاعلة في الحراك الثقافي والاعلامي والتي على رأس ادارتها صحافيان مرموقان هما الرئيس الأستاذ/ محمد لطيف ومديرها العام الصحافي الشجاع الأستاذ/ فيصل محمد صالح لاحظ الراوي في الطريق للقاعة إزدحاماً فوق العادة ذلك اليوم على أحد أقسام العرض ودفعه الفضول للإقتراب لإستطلاع جليه الأمر فهاله وأخجل حياءه ما رأى فاسرع من فوره وأخطر إدارة متحف التاريخ الطبيعي بما يجرى من وراء ظهرها ، ولفت نظرهم لخطورة المسألة إذا ما تنامت لمسامع ذاك النائب البرلماني المحترم (متلق الحجج) والمثير للجدل فليس من المستبعد أن يعمل من (الحبة قبه) ويفسر الأمر وفق هواه الشاطح وأن يعمل بناءاً عليه على إستصدار قرار أو سن قانون من البرلمان يقضي بإغلاق متحف التاريخ الطبيعي نهائياً درءاً للشبهات وإحالة إدارة المتحف للمعاش ولمحكمة النظام العام بتهمة إستغلال السلطة والنفوذ الاداري بالتستر على عروض الممارسات الفاضحة بين ابو القدح وأنثاه أمام نظر الزائرين للمتحف فضلاً عن إقامة الحد على أبو القدح وأنثاه وإلى كل ما لا تحمد عقباه.
فاصدرت إدارة المتحف على وجه السرعة قراراً ادارياً يقضي بالفصل الفوري بين الجنسين في قسم أبو القدح أثناء ساعات الدوام الرسمية كما قضى القرار أن يكون ذلك ببناء جدار عازل بين الجنسين على أن يترك نفاج بالجدار لا يتم فتحه إلا ليلاً بما يسمح بتبادل الزيارات والعلاقات الطبيعية بين بني ابو القدح بعيداً عن أعين المتطفلين. هذه الواقعة بينت تهافت افتراضات الظن الفسل بشأن التشكيك في نشاط ابو القدح وقدراته الحيوية الفاعلة رغم عمره الذي يتجاوز القرن من الزمان وأكثر مما يدلل على أن تلك الظنون والشكوك حسداً وغيرة من عند العاجزين.
فتظاهرت بالإندهاش والإستغراب وأثنيت على دوره المقدر في الحفاظ على ذلك المعلم البارز في حياتنا وذلك بؤده الفتنه وإخمادها في مهدها ، بينما في قرارة نفسه كنت أعتقد بأن الراوي قد ترك العنان طليقاً لبنات أفكاره الشاطحة لتلفق وتفبرك ذلك الهراء فقد كنت فيما مضى أعبر بذات الطريق الذي سلكه الراوي لقاعة عبد الحي ولم أرى شيئاً من ذلك بل كان لعابي يسيل وأتلمظ رائحة ذلك الشواء الشهي عندما اطبخ أطايب ابو القدح وأتحسر ألا سبيل لطهي اطايبه وهو شاخص أمام ناظري وبعيداً عني في نفس الوقت وراء قفصه الأنيق عن متناول يدي ، كما أن الضرورة هنا ليست بتلك الحاجة الماسة إليه هناك ، فالبدائل معروضة بوفرة إلا أنها عزيزة وصعبة المنال لضيق ذات اليد ورقة الحال رغم المكابدة والكدح اليومي فضلاً عن رقابة جماعات حقوق الحيوان والبيئة التي تقعد بالمرصاد لمن تسول له نفسه الاثمة إرتكاب أي إنتهاكات بحقوق أبو القدح.
قدمت قبيلة أبو القدح (الصحراوي) وما استبقت شيئاً بروح مفطورة على السخاء والكرم خيرة فلذات أكبادها (وليمة) لبني السودان المتمردين على نصفهم الآخر في مركز السلطة التاريخي في طبعته الاسلاموية المنقحة. وبما أننا لا نستغرب ونندهش أذا هم بعض من بني يذبح فلذة كبده لإطعام ضيوف الهجعة – لرقة الحال وضيق ذات اليد – والذين حتماً بدورهم سيفدونه بأحد الأنعام أو ما شابه للإبقاء على حياته كذلك بالضرورة ينبغي أن لا نستغرب أن قامت قبيلة ابو القدح بذات الفعل غير أنها لا ترجو ولا تنتظر فداءاً في الدنيا ولا ثواباً في الآخرة فهم ساهموا بطيب خاطر بهذه التضحية العظيمة تضامناً مع قضايا الشعب ودعماً للنضال الثوري المسلح كما أنهم لم يسبق لهم أن أحدثوا ضجة فارغة كتلك التي يفتعلها البعض من بني البشر بأن الشهيد (الضحية) دخل الجنة مما يستوجب إقامة الاحتفالات فرحة بزفافه لبنات الحور!! عجبي!!
ويأتيك العجب العجاب حينما يتم التنصل فيما بعد عن ذلك الهراء المحض دون حياء!! وحينما إلتحمت (الغابة بالصحراء) بشرق السودان كان ذلك لقاءاً استثنائياً في ظروف استثنائية كشكل من أشكال التضامن والنضال الثوري المسلح المشترك في لحظة نادرة في تاريخ السودان المعاصر المضطرب.. ومن ابلغ آيات ذلك الاضطراب أن صار الكل يتظلم ويجار بالشكوى من أخيه الآخر في الوطن وكل فرد وحزب وتنظيم وفصيل وجماعة وكيان اجتماعي يتجمل فيرسم صورة نفسه كما يجب ويهوى ولا ينسى أن يعمل على تشويه صورة أخيه في الوطن الآخر المختلف ثقافياً ، دينياً، عرقياً، قبلياً، لغوياً، جغرافياً ، جهوياً وسياسياً وامتد ذلك التشويه ليشمل صورة وشخصية أبو القدح المتمدن على الرغم من التضحيات السخية التي قدمتها قبيلة الصحراوية لدعم السلام والقضايا العادلة لبني السودان جميعاً بما فيهم المتمردون على وجه الخصوص بتلك الصحراء القاحلة بشرق السودان وعندما تنضب مخازن بازرعة (قائد اللوجستك) أحياناً وتعدم الفرطاقة ويغور امدادها كما تنضب مجاري الخيران ويغور ماؤها سواء كان ذلك بخور ملح ، فلوس ، أنكليز ، دبابات ، بلاسيد ، ربدا و بركة. و لايمكن التحايل على العطش ولكن يمكن إسكات صراخ المعدة بثمار الدوم والفئران والأصلة وأبو شوك وأبو اللسلوس والورل وما شابه من الطرائد التي تمشي على أربعة أو تزحف وتعطي ظهرها للسماء. و( دق فيل) رقيب بروجي ويقال إن للمرء من إسمه نصيب ورغم مظهره الذي يشء بالفظاظة والغلظة إلا أن دواخله تضج باللطف والسماحة و في هذه الأوقات هو الجندي الأوحد الذي يدخل على بازرعة ويخرج منه غانماً متأبطاً غنيمة ما، وتصحبه لسعات بازرعة المتهكمة ثم يواصل بعد ذلك بازرعة سرد ذكرياته حول تفجيرات التي قامت بها جماعته الثورية في ستينات سودان القرن المنصرم لضرب مصالح الإمبريالية العالمية وتحتل ذكرى اصدقائه بشار الكتبي ومحمد عثمان عبد النبي حيزاً معتبراً في تلك الذكريات لربما لرابطة المحبة للشعر والأدب وقصة (هانا كلب) عندما كان يتساكن مع عادل القصاص باسمرا . ويمكنك أن تشعر بالمرارة التي ما زال طعمها المر يتخلل سرده من حين إلى آخر فقد موقف اليسار آنذاك تجاه ذلك العمل الثوري موقفاً عدائياً وعدوه محض سلوك يساروي في غاية التطرف بل مضوا ابعد من ذلك فنادوا بتوقيع أقصى العقوبات لردع مرتكبيه رغم علم بعضهم المسبق بتلك الخطوة الثورية وصدر له مؤلف يوثق لتلك التجربة الثورية المريرة وقد كان في ذلك الوقت يعمل لإردافه بآخر وما ذلنا في انتظار البنت عزيزة و (توريس) يا فلق الصباح ، فلتذهب المرارات دون رجعة وتبقى المحبة ملمحاً منقوشاً في الذاكرة يبهج حياتنا المقبلة.
فمن هم الجنقو؟
بحسب مبحث (حسان الثوري) هم فئة من البروليتاريا (الرثة) العمال الزراعيين الذين يعملون ويكدحون في مشاريع الزراعة الآلية بنظام (المقاولة) لإزالة الحشائش (الحش والكديب) وعمليات حصاد المحاصيل وخاصة السمسم ، وأصولهم الجغرافية ترجع للمناطق المهمشة في الريف (الغريق) في معظم الأحوال إن لم يكن غالبها ، وهم بحكم طبيعتهم الجموحة مجازفون يتميزون بالصلابة والشجاعة في مجابهة المخاطر ولهم قدرة وقابلية فائقة للتمرد والثورة لدرجة عدم الطاعة والانقياد والإنضباط العسكري لجنوحهم المهووس (بالشكلة) أي الحرب دون انتظار التعليمات العسكرية بالهجوم وذلك لطمع بعضهم في الغنائم وكوارثهم عديدة في هذا الصدد مما يسبب لهم عنتاً عظيماً بوقوعهم تحت طائلة الإجراءات الجزائية العسكرية للتطويع والإنضباط (المحاكم الميدانية - الحبس الإنفرادي – الإدارة الداخلية – الخدمة الإضافية) ويغرفون بالكرم والسخاء وخاصة الإغداق على الأخوان شعراهم ( الفي جيبك ما حقكك حق الأخوان) ويعيشون الحياة بشغف وليومهم فغداً يوماً آخر ويواجهون الموت لتكتب لهم النجاة.
الجموح الذي يمايزهم عن الآخرين قاربته ومست عصبه الحي بهذا القدر أو ذاك رواية (الجنقو مسامير الأرض) للروائي الصديق الجامح عبد العزيز بركة ساكن والتي تم حظرها وما دروا أنهم بذلك نشروها وأذاعوا خبرها في الآفاق ، والجنقو يعتزون أنهم بادروا بالحضور للتمرد والعمل المسلح باختيارهم وإرادتهم الحرة وليس كالبعض الذين ساقوهم سوقاً من المراحات (مرابط الأبقار) في المراعي يماثلهم في الجانب الآخر اليافعين بالخرطوم الذين يقبض عليهم في الكشات التي تجرد بهذا الصدد ثم يقذف بهم في أتون الحرب اللعينة دون إعداد وتدريب عسكري كافٍ لخوض الحرب.
وقنص ابو القدح لا يكون بالذخيرة والأفخاخ بل بالبحث عنه حيث يختبئ في مرابعه داخل الأرض وليس هنالك من هو في مثل خبرة ودراية الجنقو في تتبع آثاره ومعرفة مخابئه ومكامنه كما أنه لا يمكن ذبح أبو القدح كالطرائد الأخرى فهو دائماً ما يخبئ رأسه داخل قدحه لأقل حركة كما لا يمكن سلخ جلده كي تتوصل لأطايبه بل عليك أن تقوم بتكسير القدح حول محيط البطن من الجهة السفلى للقدح بالفأس وأثناء ذلك يبرز الرأس فيتم بتره من الجسد بضربة فأس محكمة، وكبد أبو القدح يبلغ وزنه أكثر من 5 كجم وتكون في شكل طبقات طبقة فوق طبقة ويليها في الأهمية البيض إذا ما كانت الضحية أنثى ثم الكوارع فليس له شحم ولحم لكن الكبده مدهنة بحيث لا تحتاج لزيت لشوائها وكوارعه أشهى وأطيب من كوارع العجالي.
قال أحد الحكماء القدامى: ( إن العينان نافذة الروح) فالعيون تفضح صاحبها وتكشف ما تنطوي عليه السريرة وما تخفيه من بشاعة أو تكتنزه من أسرار وجمال وإذا قدر للمرء إقتناص فرصة نادرة أو تهيأت له للنظر عبر عيون أبو القدح حتماً سيشاهد ما يذهله ويحبس أنفاسه ويداهمه في تلك اللحظة إحساس مشبع بالرهبة والخوف والخشوع ولا زالت تفاصيل تلك اللحظة المدهشة ( كما تبدت لي حينها) والتي ما إنفكت تتراءى من حين لآخر كطيف لا يلبس هنيئة إلا ليرحل سريعاً لتظل وحدك غارقاً في بحار من الأحلام المدهشة العصية على المصادرة والتزييف.
وآنذاك ابان إلتحام (الغابة والصحراء) كانت الآمال عريضة بقدر الأفق والمعنويات عالية تحلق تكاد أو تبلغ عنان السماء وكانت لنا أحلام أن نبني (البنحلم بيهو يوماتي وطن شامخ وحدادي مدادي) ولكن...!! تظل حكاياتنا وسيرة أبو القدح وعجائبه ومدهشاته في حياتنا لا تنقضي ومفتوحة على كل الإحتمالات والاتجاهات ودائماً ما تكون لها بقية لا تسقط بالتقادم أو إنتهاء الصلاحية.
من مأثورات أبو القدح أن الروح والإرادة الوطنية تتخلق على المبادئ الإنسانية الرفيعة ويتوحدان على أساس من العقلانية وحقائق الواقع الموضوعي وخصائصه المجتمعية حتى لا تتقاذفها أمواج الأهواء والمصالح الضيقة وتعبث بها أيادي شياطين الإنس والجن.

بقلم: عماد الدين موسى جبارة
سنجة

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 654

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد الدين موسى جبارة
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة