حكومة قاعدة عريضة... أم حكومة طريدة
01-27-2011 04:23 PM

شئ من حتي

حكومة قاعدة عريضة... أم حكومة طريدة

د.صديق تاور كافي

جدّد حزب المؤتمر الوطني الحاكم دعوته لإشراك القوى السياسية الأخرى في حكمه، بغرض توحيد الجبهة الداخلية تحت عنوان حكومة «ذات قاعدة عريضة». وهي ذات الدعوة التي كان عمر البشير قد أطلقها بعد انتخابات أبريل 0102م المختلف حولها، عندما أكد أن المشاركة ستُتاح لأكبر قدر من الأحزاب السياسية من أجل تكوين «حكومة موسعة»، في الوقت الذي قطع فيه آنذاك بعدم إشراك الأحزاب التي قاطعت الانتخابات. ولم تجد هذه الدعوة حماساً من الآخرين الذين تفاوتت تقديراتهم لها ما بين اعتبارها «دعوة مراكبية» وبين من ينتظر ما يؤكد جدية أصحاب الدعوة، حتى لا تكون كسابقاتها من الدعوات التي اتضح بالنتيجة «على تعددها» أنها لم تكن أكثر من مناورات لكسب الوقت، وإهدار للفرص الجادة نحو إخراج البلاد من عنق الزجاجة.
٭ لقد حدثت مبادرات عديدة تحت عنوان الإجماع الوطني ووحدة الجبهة الداخلية تبخرت كلها في الهواء، كما تم توقيع اتفاقات لا تُحصى ولا تُعد بين حكومة المؤتمر الوطني وحركات سياسية «مدنية أو مسلحة»، أبرزها اتفاق نيفاشا 5002م واتفاق أبوجا 6002م، واتفاقات القاهرة والشرق وجيبوتي وجدة الإطاري والتراضي الوطني وغيرها، كان القاسم المشترك الأعظم بينها جميعاً هو انعدام الجدية والمصداقية في الحزب الحاكم، وعدم التزامه بما يتم التوقيع عليه، وميله الزائد للمراوغة والمناورات والتسويف، بل أكثر من ذلك جديته في احتواء الموقعين معه على الاتفاقات، بتغذية الانقسامات داخلهم وتخريب الذمم والاضعاف قبل أن يذلهم ويهينهم. وهذه النتيجة لم يختلف معها جميع من تعاملوا مع حزب المؤتمر الوطني طيلة عمره في السلطة، وهناك من نفض يده من الأخير لهذه الأسباب. لذلك فإن صدور أية دعوة من هذا النوع، مهما كانت المحطات، لم تعد تعني أكثر من تجريب المجرب وإعادة انتاج ذات الملهاة. والسبب هو ببساطة عدم وجود ادنى رغبة لدى المتحكمين والمتنفذين في المؤتمر الوطني بوصفه حزبا حاكما لتقديم أي تنازل من أجل البلد حتى ولو ضاعت بمن فيها. ويؤكد ذلك ما أشار اليه عمر البشير نفسه بعد الانتخابات، بأن الأحزاب التي قاطعت الانتخابات لن يُسمح لها بالمشاركة في الحكومة الموسعة. والأحزاب التي قاطعت الانتخابات هي الأحزاب التي مثلت قوى المعارضة الحقيقية، وحتى تلك التي شاركت عادت وانسحبت منها في اللحظات الأخيرة، أو أنها رفضت الاعتراف بنتيجة الانتخابات بسبب التزوير والتلاعب الذي مارسه المؤتمر الوطني. وهذه الأحزاب شملت الاتحادي الديمقراطي والأمة بشقيه «القومي والإصلاح» والبعث العربي الاشتراكي، والحركة الشعبية ــ قطاع الشمال، والعدالة والقومي السوداني المتحد والشيوعي.. الخ..الخ، بحيث لم يتبق الا أحزاب صنعها المؤتمر الوطني لأجل التشويش والتضليل. ويؤكده أيضاً ما صدر من تصريحات بشأن حكومة القاعدة العريضة من متنفذي المؤتمر الوطني، فقد أفاد بعضهم بأن المقصود بهذه الحكومة هو مشاركة الأحزاب التي تتفق مع المؤتمر الوطني في البرنامج الذي خاض به الانتخابات «وفاز بأغلبية ساحقة». إذن فهي حكومة أداء فريضة الولاء والطاعة لحزب جماعة «الانقاذ» ليس أكثر أو أقل.
٭ الأمر الآخر في ما يتعلق ببحث الحزب الحاكم عن توسيع للمشاركة، هو أنه لو كان حريصاً بالفعل على أن تكون الحكومة ماعوناً وطنياً حقيقياً، فلماذا أدار الانتخابات بتلك الطريقة السيئة التي شهدت الدنيا بأجمعها بأنها معيبة وغير نزيهة ولا ترقى الى المعايير المطلوبة. وذكر البيت الابيض الاميركي في بيان له أن الانتخابات العامة السودانية شابتها مخالفات خطيرة.. ولفت إلى أن السودانيين لم يمارسوا حقوقهم السياسية ولم يتمتعوا بالحرية الكاملة خلال مجمل العملية الانتخابية «الصحافة» 12/4/0102م، ناهيك عن تقارير العديد من الهيئات الرقابية المحلية والأجنبية، وإفادات من خاضوا الانتخابات. فالتزوير الذي حدث كان مخجلاً للمؤتمر الوطني نفسه، إذا كان فيه ذرة من حياء، فقد سيطر باكثر من 08% على المقاعد، وهذه مفارقة غير منطقية على الاطلاق.
٭ المهم في الأمر أن صدقية الرغبة في اشراك الآخرين في ادارة شؤون البلاد، كانت ومازالت تحتاج الى اجراءت عملية تؤكد الجدية الحقيقية وتنفي عنصر المراوغة والمناورة، ففضلاً عن الانتخابات هناك اجراءات متعلقة بالحريات وممارسة النشاط السياسي بدون قيود، وهذه حدث ولا حرج. فهناك تضييق خانق على كل خصوم المؤتمر الوطني، تمارسه الأجهزة الأمنية التي تتبع للحزب، يمتد من الاعتقالات لمجرد توزيع بيان أو منشور، وحتى الاعتداء المباشر على الانشطة «ندوات، مخاطبات، اركان نقاش في الجامعات، مواكب ومسيرات..الخ»، بل وحتى الاختطاف والتصفية. والحزب الذي يقر مثل هذه الممارسات ويعتمدها باعتبارها اسلوب عمل أساسي لا يمكن ان يُتوقَّع منه الاستعداد لقبول الآخر باستقلالية وندية. وهكذا يكون المقصود بالدعوة لحكومة ذات قاعدة عريضة بعد ترتيبات فصل الجنوب، هو احتواء فصائل المعارضة الشمالية في جبة الحزب الحاكم وإقرارهم بكل سوءاته وتقبلها والتعايش معها. فالرغبة الجادة في توسيع المشاركة لا تبدأ بشروط تقبُّل الوضع القائم ببرنامج الحزب الحاكم، وإنما تبدأ بالاقرار بتساوي الجميع في الهم الوطني، وضرورة تحملهم للمسؤولية الوطنية بوصفهم شركاء اصيلين في هذا الوطن، وليسوا ضيوفاً على الحزب المهيمن على مقاليد السلطة فيه.
٭ ومن هنا يأتي الموقف المثير للجدل في أوساط المعارضة ولدى الرأي العام، والذي اتخذه الامام الصادق المهدي بالجلوس مع المؤتمر الوطني للبحث عن تفاهمات ثنائية بين الأخير وحزب الأمة القومي. وإثارة الجدل والغرابة تأتي من عدة نواحٍ، أولها أن اللقاء يأتي بعد أن أطلق الصادق المهدي خياراته الثلاثة للتعامل مع مرحلة ما بعد الاستفتاء على مصير الجنوب، والتي رد عليها المؤتمر الوطني من خلال تصريحات نافع علي نافع بصلف وازدراء شديدين، وقد ذكر الصادق المهدي أيضاً في خطبة الجمعة 91/11/0102م، أن الخيار هو إجماع وطني يشمل المؤتمر الوطني، أو الاجماع الوطني في مواجهته إذا أصر على العناد والاستفراد. وقد اختار المؤتمر الوطني الموقف الأخير.
وتأتي إثارة الجدل ثانياً بعد التعامل الفظ للسلطات الأمنية مع حزب الصادق المهدي تحديداً، من اعتداء وضرب ادى الى كسر ذراع مسؤولة الاتصال في الحزب الدكتورة مريم الصادق، دون أن يرد أي اعتذار من المؤتمر الوطني لرد الاعتبار لحزب الأمة وقيادته. وثالثاً جرى اللقاء في ظل وجود رئيس حزب سياسي رهن الاعتقال «بغض النظر عن اختلافنا الفكري والسياسي معه»، وهو تصرف فيه استفزاز لكل القيادات السياسية بالبلد بلا استثناء بمن فيهم الصادق نفسه.
رابعاً يجيء اللقاء وحزب المؤتمر الوطني لا يستجيب الا للتعليمات الصادرة عن واشنطن فقط، ولا يعير أي اهتمام لما يصدر عن أطراف العملية السياسية داخل البلد على الاطلاق.
ومن ناحية أخرى فإن إثارة الجدل مصدرها الوضع المأزقي الحرج الذي وضع فيه المؤتمر الوطني نفسه بسياساته المعادية للشعب والبلد. فبعد فصل الجنوب، جاءت الزيادات الباهظة في اسعار السلع الضرورية، وقفل أبواب الحوار في دارفور، وخطاب القضارف الاستفزازي، وتصعيد منطقة أبيي، جاءت كلها دفعة واحدة، مما يفيد بأن الحزب الحاكم هو حالة ميؤوس منها من ناحية الشعور بالمسؤولية الوطنية إزاء البلد، أو أن يفوق الى رشده ولو للحظة واحدة.
وعلى صعيد حزب الأمة نفسه فإن المؤتمر الوطني قد أعلن مراراً «سراً وجهراً» أن قواعد حزب الأمة هي هدف استراتيجي له، وأنه لن يتردد لحظة واحدة في اغتنام أية فرصة كيما يأكل من جرف هذا الحزب. وفي ذلك هناك شواهد وشواهد ليس آخرها الاعلان عن انضمام قيادة حزب الأمة بالنيل الابيض للمؤتمر الوطني، أو المجموعات التي قدّرها الأخير بستمائة من كوادر الأمة من قبل. فما الذي يريده حزب الأمة من المؤتمر الوطني بعد كل ذلك؟ أو على الأصح ما الذي يريده الصادق المهدي تحديداً من هذا التقارب مكشوف النتائج؟
٭ ومن حيث المقدرات والظروف فإن حزب الأمة قد استعاد وحدته بعودة مبارك الفاضل وحزبه. والحزب من خلال ندوة الجزيرة أبا قد اطمأن إلى قاعدته الجماهيرية أيضاً. ومن حيث المعارضة فهو ظل يشارك بشكل ملحوظ، على الرغم من «الربكات» الكثيرة التي سببها الصادق المهدي للمعارضة بمداخلاته الفردية مع النظام، وهو ما ظلت تشكو منه المعارضة في أحيان كثيرة. فالصادق المهدي يدخل في خط «الانقاذ؟!» عندما تكون الأخيرة في قمة الحرج والورطة، كأنما يلقي لها بطوق النجاة. وحدث ذلك في موكب الاثنين الثاني وفي الانتخابات، ويحدث الآن للمرة الثالثة في الوقت الذي يرمي فيه الرأي العام السوداني بسخطه ولعناته على أهل «الانقاذ؟!» والمآل السيئ الذي أوصلوا البلد اليه، وفي الوقت الذي تتمدد فيه الموجة التونسية في كل المنطقة وتقترب من السودان. ويقول بيان أمانة الإعلام والعلاقات الخارجية لحزب الأمة القومي بالمملكة المتحدة وايرلندا «في ظل هذه الاجواء التصاعدية نحو التغيير والمواجهة، لم نتوقع من قيادة حزبنا التليد أن تنجر وراء حيل النظام، كما لم نتوقع أن يكون حزبنا سبباً في إحباط جماهير الشعب السوداني التي تهيأت لإحداث هبة شعبية ترمي بهذا النظام الى مزبلة التاريخ».
٭ وفصائل المعارضة الأخرى في اجتماعها الأخير أول من أمس، وبعد مداولات طويلة وضعت اشتراطات لأي تحاور مع المؤتمر الوطني، أهمها مسألة الحريات وإطلاق سراح المعتقلين والأسعار والمؤتمر الدستوري وغير ذلك.
والمؤتمر الوطني من جانبه يحاول مواصلة نفس النهج المراوغ مع المعارضة، بالإصرار على عدم التراجع عن مسألة الحريات والاعتقالات وتضييق الانشطة، وفي ذات الوقت اختراق المعارضة باستهداف بعض اطرافها، وشغلها بحوارات غير جادة من أجل كسب الوقت.
وفي كل الأحوال من الممكن أن يتجاوز الشارع حركته السياسية، ويفاجئ الكل بردة فعل على الطريقة التونسية التي تتوفر كل أسبابها الآن.

الصحافة


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1464

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#86208 [السر ]
0.00/5 (0 صوت)

01-28-2011 02:27 PM
• نعلم ان الشعب السوداني هو معلم الشعوب في الانتفاضات الشعبيه وماانتفاضه اكتوبر وابريل ببعيده عن البال
• ونعلم ان جيشنا السوداني له مواقف مشرفه ولحظات مشرقه وبطولات مخلصه مع الشعوب المستضعفه خارج القطر وما نضاله في الحروب ضد اسراثيل بمستغرب وكم اكتملت روعته حينما انحاز للشعب في انتفاضته وكيف ان احد قادته استلم السلطه من((نفسه)) وسلمها ((بنفسه)) للشعب في بادره فريده تنم عن اخلاق ومبادي لاتعترف بها العسكريه ولا المدنيين في دهاليز السلطه كتيرا نحن نوع من البشريه لم يجود به الزمان الا قليلا وفي مخليتي ذلك الموكب الهادر الذي استقبل جمال عبد الناصر الذي دخل الي السودان بكل هموم الدنيا وخرج منه مجبور الخاطر فقال قولته المشهوره اتيت للسودان منهزما وخرجت منتصرا مسجلا للسودان نصرا علي جميع المستويات وان كانت الديبلوماسيه واعضاءالحكومه لحظتها قد نالوا قصب السبق بالمصالحه التاريخيه وخروج موتمر خرطوم اللات الثلاثه كاقوي قرار عربي علي مستوي تاريخ الامه العربيه عليه نقول ان السياسي السودان والجيش السوداني والشعب متفرد علي مر العصورمتفرد في اهتمامه بقضاياه المصيريه متفرد في الدفاع عن حقوقه الوطنيه القطريه
• وطالما الامر كذلك كان علينا ان نقرا الواقع تماما منذ عام 2005 وكان علينا ان نعلم مدي الضغوط الذي يعانيها اهل الحكم في الشمال والجنوب ان لم نقل كل النخب السياسيه في السودان والعالم العربي من قبل المجتمع الغربي وكان علينا نحن كشعب ان نحلل كل زيارات الوفود الغربيه وكل الضغوط الامريكيه سوي ان كانت علي مستوي مجلس الامن او الامم المتحده وهم عمله واحده لامريكا كان علينا نحن كشعب ان ننحل الضعوط من اجل التوقيع علي نيفاشا كان علينا ان نسال انفسنا لماذا تم تدويل قضيه دارفور بهذه الطريقه السافره ولماذا لم يحقق في مقتل قرنق بالطريقه المثلي كما يحقق الان في مقتل رفيق الحريري الذي اعتبر مقتله مقتل امه لماذا ولماذا ولماذا ..... كان علينا ان نعلم بان الولايات المتحده تستطيع ان تفرض هيمنتها علي جميع حكومات العالم وتذلها لكن لا تستطيع ان تفرض هيمنتها علي شعب من شعوب العالم لذ ا ماكان منا ان ننتظر حتي تفرض علينا امريكا او حكومه الشمال المضغوطه من امريكا او حكومه الجنوب المنقاده كالعمياء من امريكا ما كان علينا ان ننتظر حتي نري ان حق تقرير المصير يمنح لاخوتنا الجنوبين لوحدهم كان علينا ان نطالب بحقنا في تقرير مصير جزء عزيز علينا نحن الشماليين كان علينا ان نخرج للشوارع رافضين لهذه الاتفاقيه ومتحدين لكل دول الغرب فان رات فينا حكومه الشمال وحكومه الجنوب خير معين لها فبها والا فليذهبا جمعيا الي الجحيم لحظتها كان سيكون للانتفاضه معني خاص وكنا سنرفض تقسيم السودان جمله وتفصيلا وكنا سنري تلاحم المكتوين بنار الانفصال من الحكومه والجيش والشعب شمالا وجنوبا في ملحمه قل ان يجود بها الدهر ولكن واه من لكن... لحظتها كان الجميع وياحسرتي قد تمايزوا في معسكرين فريق يويد الانفصال وفريق يرفض الانفصال ولكن لم نرذلك الفريق الذي كان سيفوز بالجوله ذلك الفريق الذي يرفض مبدا فكره الاستفتاء ناهيك عن الانفصا ل لحظتها كنا سنجعل الحكومه في الشمال والجنوب امام خيارين لاثالث لهم اما ان يبقوا ويبقي السودان موحدا واما ان يذهبوا ويبقي السودان موحدا لحظتها كان سيكون للانتفاضه معني وللمردود طعم احلا


د.صديق تاور
د.صديق تاور

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة