المقالات
السياسة
ياحليلك يامحجوب (1)
ياحليلك يامحجوب (1)
04-06-2014 09:52 PM

اليوم واخي وصديقي الحبيب محجوب شريف يمضي يومه الخامس تحت التراب وبالرغم من أنني لم أتماسك من صدمة فراقه بعد فأنني أكتب وبدماء قلبي المكلوم كلمات علها تخفف من حرقتي وحزني العميق مع قناعتي بان حزني على محجوب سيلازمني طوال مابقي لي من عمر جرحا غائرا تفتقه كل لحظة تمر علي وانا افتقد ابتسامات ابو مريم ومي الذي لايمكن ان تمحي الايام نضارة ذكراه
كيف يطاوعني قلبي ان اتحدث ع محجوب كشخص راحل فارق هذه الدنيا التى اضحت كالحة بعده وانا على قناعة بان حبيبي سيطل علي في اي لحظة ويسألني عن الاخبار فهل اقول له ان اهم خبر يتداوله السودانيون هو ان محجوب شريف قد مات؟؟
وكيف يغيب من هو كطمي النيل خصوبة وكنسائم الليل رقة وكأجمل مايكون الحب عنفوانا والحياة زخما....
وكيف ستصبح ام درمان الثكلى وقد خلت جوانبها من ابنها النبيل ؟؟
وكيف ستستمر بنا الحياة ونحن نردد كالببغاوات ((هكذا حال الدنيا)) ومن قال بأن احوال الدنيا معقولة ومنصفه؟؟
مرت علي الايام الماضيه منذ ان تلقيت خبر رحيل محجوب وانا في حالة من الذهول واللحظات تمر علي طويلة مملة متشابهة وكأن الزمن توقف عند مشيعي محجوب وهم يهتفون وراء نعشه المحمول على الاكتاف
((( ماك الوليد العاق.......لاخنت لاسراق...)))
اه يامحجوب ياحليلك يامن كنت تعطي ضحكاتنا بهجتها وابتساماتنا سعادتنا ودنيانا انسانيتها .......صحيح ان للحياة دورتها القاسيه وهي تمضي بلا رحمه ولكنها قطعا ستصبح (مسيخة) باهتة تمضى لحظاتها متسكعة من حزن الى الى اخر
ظللت اصبر نفسي طوال الايام الماضيه وانا استعيد ذكرياتي مع محجوب منذ ان شاهدته اول مرة في عرس صديقنا واستاذنا د محمد مراد من الرائعه خديجه الرفاعي ذات امسية بازخه من امسيات بحري 1985 وأجواء الانتفاضه تعطر اماسي العاصمه الثائره وحتى قبل رحيله بفترة قصيره في اخر حديث تلفوني بيننا
ولان جوانب شخصية محجوب المتعددة الثراء تحيرك بأيها تبدأ ولان عقلي غير المرتب في ايام الحزن هذه فسأتحدث عنه بلا ترتيب فهو نفسه رحمه الله كان من عشاق الفوضى الخلاقه
محجوب شريف الشاعر هو ملك لشعبه الذي تلقى شعره بالعقل والقلب لان الناس ادركو انه يترجم خواطرهم ويعكس امانيهم ويعبر عن مشاعرهم فهو الناطق الرسمي باسم الكادحين والفقراء وقد توغل باحساسه المرهف عميقا في قلب الذاكره الجمعيه لشعبه فهو ممن صاغو ملامحها وبينو تضاريسها فصار هو هي وهم هو واذكر انني ومحجوب ذات صباح باكر بمنزله ونحن نحتسي الشاي بالقرقوش اذ دخل علينا رجل عجوز وحيي وجلس والتفت الى محجوب قائلا ((يا استاذ سمعنا حاجه))
وانا اعلم كراهية محجوب ان يطلب منه مثل هذا الطلب فهو اما ان يلقي شعره من تلقاء نفسه او يصمت الا انه ولدهشتي وجدته يستجيب بعد ان عرفني به قائلا عمك فلا ن من ميكانيكيي شركة سنجر فقلت في نفسه وانا اتأمل ذلك العجوز (سنجر؟؟ وهل كان يعمل بها ايام الانجليز؟؟))
الا ان القاء محجوب الجميل قاطع افكاري في قصيدة تتحدث عن ارملة قامت بتربية اطفالها عن طرق بيع الكسره والشاي الخ الخ واعترف انني كنت اتابع القصيده بنصف انتباه على عكس الرجل العجوز الذي شعرت به يتابعها بكل مشاعره وعندما سكت محجوب مسح الرجل دمعه فرت من عينه قائلا (( انت يا استاذ تعرف اختنا عطا منو؟؟؟)) وعندما اجاب محجوب بالنفي تنهد الرجل قائلا ((والله دي قصة حياة اختنا المكافحه عطا منو وشكرا ليك ))) ثم خرج
فألتفت الى محجوب قائلا (( ياخي انت وصلت في قاع المجتمع السوداني الى اماكن ماوصلتها كل بيانات الحزب الشيوعي)))
هكذا كان محجوب وهو المردد دائما ((( نحنا اولاد المساكين نعرف مشاعر المساكين))
كان محجوب يتصرف في ام درمان كتصرفه داخل د اره فكل المنازل بيوته وكل الساء والرجال افراد اسرته واذكر قبل سنوات وانا اتجول معه في شوارع الحاره العاشره بام درمان اذ سألني فجأة (( نحنا فطرنا؟؟؟)) فاجبت بالنفي فقل لي ببساطه (( نحنا ناس سكري تعال نخش اي بيت ونفطر)))فهتفت في وجهه مندهشا (( ندخل اي بيت كيف؟؟) فقال لي مبتسما __كده__ وهو يطرق اول باب امامنا ففتحت الباب لنا فتاة صغيره يبدو انها تعمل بالمنزل فسالها محجوب ((فلان في الشغل موش كده؟؟))وعندما اجابت بنعم سالها عن زوجة صاحب المنزل فاخبرتنا انها بغرفة اخرى واضعة الحناء على قدميها وقد سمعت اصواتنا فصاحت من مكانها (( حبابك يامحجوب دقيقه اطلع الحنه واجيك)) فاذا بابو مريم يهتف من مكانه((( علي الطلاق ماتتحركي من مكانك ولا تشيلي الحنه ونحنا ماضيوف ونفطر ونجيك)))
وبنفس بساطته دخل المطبخ وفتح الثلاجه وجهز فطورا لنا تناولناه ونحن نتحادث مع صاحبة المنزل من خلف الجدران وكلما همت بالتحرك الينا يثبتها محجوب وهو يحلف بالطلاق حتى اكملنا افطارنا وغسلنا العده وصنعنا الشاي وحملناه الى صاحبة المنزل وجلسنا نتبادل معها الحديث وانصرفنا بعد ذلك
وهذه كانت بساطته في التعامل التى حولته الى فرد في كل اسرة عرفها وجعلته ايقونة للحب والصفاء ورمزا لكل الاخلاق الكريمه التى قدسها السودانيون وجعلوه رمزا لها وعندما رحل عنهم ودعوه باكين هاتفين وهم يحملون جثمانه الطاهر على الاكتاف التى طالما ارتفعت فخرا بكونها وجدته سندا وعونا لاصحابها
صحيح ان الموت سنة ماضيه ونافذه على العباد وهو احد حقائق الحياة الا ان مايزيد الامر ويحوله من حزن الى مأساة ههو ان بلادنا المقسمه تحت اهوال الحرب الاهليه والنظام القمعي وهي تفقد كل يوم اسباب وحدتها وقواسمها المشتركه ظلت تعتبر رموزها في السياسه والدين والادب وخاصة اولئك اللصيقون بوجدانها كمحجوب شريف
من اسباب الوحده الوطنيه والرموز التى تجتمع وتتمثل فيها كل القيم التى تجمع السودانيين كشعب وتوحدهم وجدانيا وبغيابهم تتفكك كل تلك الروابط وتنفرط عقود وحدتنا حبة حبه حتى لايبقى على المرابط الاشر البقر
اه ثم اه ياابو مريم ومي لقد فجر فقدك في اعماقنا سيولا من الالم والحزن كنا نجهل حجمها وعرفنا بمواضع للالم كنا نجهل عمق الوجع فيها فانفتحت كل جروحنا القديمه وأضحت حياتنا سرادقا ضخما للعزاء نبكيك خلالها ونبكي كل جميل فقدناه
اللهم ان صديقي واخي الحبيب محجوب كرس حياته من اجل خدمة الناس فظله بظلك يوم لاظل الاظلك واجعله ممن ذكرهم الحبيب المصطفى عندما قال
((( ان لله عبادا اختصهم بقضاء حوائج الناس حببهم في الخير وحبب الخير اليهم اولئك الامنون من فزع يوم القيامه))) او كما قال (ص) اللهم امنه يوم الفزع الاكبر وارفعه عندك في عليين واكرمه برحمتك فانه كان كريما واعطه اللهم حتى يرضى
يامحجوب يامحجوب يامحجوب
العصافي عزن العصافير والبوابير وقفن طوابير
والعبره سدت حلق الطنابير وكل من سمع كشر بكى
وصر وشو القمح اتكى وعزه جدول لمان سمع
فك مويتا كان ماسكا وغرق الناسفي السكاليب

عبد الله موسى
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 740

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد الله موسى
عبد الله موسى

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة