المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
فيصل علي سليمان
الإنسانية أقوى عملة في بورصة الحياة!ا
الإنسانية أقوى عملة في بورصة الحياة!ا
05-23-2010 01:32 PM

راح «محتار» يتابع ذلك الخبر المصور الذي أخذت تبثه القنوات الفضائية في تلك الأمسية ، فقد توقفت دراجة نارية تحمل رجلين عند أحد تقاطعات السكك الحديدية منتظرة عبور قطار مندفع من اتجاه إلى آخر بسرعة هائلة ، في ذات اللحظة علقت سيارة صغيرة بين القضيبين ولم يستطع قائدها تحريكها وقبع بها في مكانه منتظراً الموت دهساً تحت العجلات الحديدية القاتلة القادمة نحوه بسرعة فائقة ، ثم في كسر من الثانية قفز أحد الرجلين من الدراجة البخارية ودفع السيارة بسرعة وقوة خارج القضيبين وتحققت إحدى معجزات الشهامة البشرية فقد نجا قائد السيارة ونجا المنقذ من الموت المحتوم بأعجوبة بالغة!
فجأة تذكر «محتار» تفاصيل مغامرة قديمة أخذت تنبعث في ذهنه بحيوية طازجة وكأنها حدثت بالأمس فقبل سنوات طويلة كان «محتار» مسافراً من شرق السودان إلى شماله عبر الطريق الصحراوي ، وفجأة توقف البص عند قرية سيدون إلى أجل غير مسمى وعجز عن التقدم للأمام بسبب امتلاء خور سيدون بسيل مفاجيء، في تلك اللحظة قرر «محتار» السفر سيراً على الأقدام في طريق مجهول وانضم له شابان مغامران ، تورمت الأقدام بعد انقضاء ثلاثة أيام على المسيرة الصغيرة الراجلة التي كانت تتبع مسار نهر عطبرة خوفاً من الضياع والهلاك في الصحراء ، كل القرى الصغيرة التي مروا بها كانت تندهش عند رؤيتهم ثم يُسارع أهلها إلى تزويدهم بالماء والطعام والمأوى في شهامة فطرية آسرة ، عندما وصلت القافلة الصغيرة إلى قرية الكويب تم إكرام وإيواء الغرباء الثلاثة وفي صباح اليوم التالي تبرع شاب صغير من القرية بمساعدتهم في الوصول إلى أقرب جهة من وجهتهم الرئيسية عبر سلوك طريق صحراوي مختصر لكنه يبعد كثيراً عن مجرى النيل الآمن ، اندفع المغامرون الثلاثة والدليل إلى قلب الصحراء الملتهب بالحصى والرمال وبعد مسيرة شاقة استغرقت إثنتي عشرة ساعة نجح الدليل في إيصالهم إلى بر الأمان ومن ثم ودعهم واستدار عائداً وحده إلى قلب الصحراء في رحلة العودة الشاقة إلى قرية الكويب! راح «محتار» يتساءل بدهشة ما الذي دفع ذلك الشاب الصغير المنتمي إلى تلك القرية المنسية إلى انقاذ حياتهم آنذاك دون أي مقابل ؟!
تذكر «محتار» قيامه هو شخصياً بعدة اقتحامات متهورة لعدة بيوت محترقة أو تعرضت للسرقة بغرض نجدة أهلها ، غمغم محتار متسائلاً: ما الذي يدفع أي انسان عادي إلى المجازفة بحياته في أي وقت من أجل انقاذ انسان آخر لا تربطه به أية صلة خاصة؟! ما الذي يدفع الانسان ، الذي يصفه علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الانثربولوجي بالأنانية، إلى تعريض حياته الخاصة للخطر من أجل انقاذ حياة الآخرين دون أي مقابل؟! إنها الانسانية ، تلك الصفة التي يتمتع بها جميع البشر ولا يخلو منها أحد مهما قلّ شأنه، إنها بحق أثمن شيء في الوجود وأقوى عملة في بورصة الحياة لأنها تمكننا من شراء الأمان للآخرين دون أي مقابل!
الدوحة/قطر


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1157

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فيصل علي سليمان
فيصل علي سليمان

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة