الذهاب الي الغرفة الأخرى
04-09-2014 12:54 PM



بعدما خرجنا، الأستاذ عركي البخيت وأنا. من مستشفي الذرة سويا، حيث كان ابو عركي في زيارة لام ابنيّ، أم المستنير عليها الرحمة، التي انتقلت الي رحمة ربها في 6 ابريل من 2010. قال لي الأستاذ عركي: دعنا نذهب لمحجوب شريف،


لقد جاء من سفر كان فيه للعلاج، وطبعا الزحمة حوله انتهت وكذلك التبريكات الكثيرة، وزيارات القاصي والداني، وانطلقنا.

لم تكن هي المرة الأولي التي اقابل فيها الأستاذ محجوب شريف، فلقد قابلته اول مرة في 2003 في جامعة الخرطوم، كان في صحبة بعضهم وأظن هي المرة الأولى التى ارى فيها ام مريم و مي، وهي المرة التي اعطيته فيها روايتيَّ الطواحين ورماد الماء، وعرفَّته بنفسي حيث انني كنت حينها كاتباً شاباً صغيراً في العُمر، غريباً عن الخرطوم وافداً من خشم القربة وضواحي القضارف وهوامش المُدن الكبيرة. بي حذرُ البجاويت، وتريثُ الحبشي، ونزقُ المُسلاتي، وشيطنة عبد الله ديدان. استقبلني بترحاب، واخبرني انه قرأ بعض قصصي التي نشرها في ذلك الوقت الناقد مجذوب عيدروس والروائي عيسي الحلو في بعض الملفات الثقافية. كان بسيطاً في اسلوبه وطريقة كلامه، والهدوء يحيط به، وابتسامته البسيطة تطل وراء شاربة الكث، متناغمة مع قميصه الأبيض الذي يشبه قمصان المدرسين في العصور السحقيات من ازمنة السودان.

وهي ايضا ليست المرة الأولي التي اذهب فيها الي بيته، فقد كنت هنالك ذات مرة مع مريم، حيث فوجئت بان ذلك الشاعر الكبير، يسكن في بيت عادي جدا مثل بيت اي من جيرانه، ولديه حديقة غير متكلفة وأزيار للماء في الخارج، عليها كبابي غير مخرومة ومقدودة، نظيفة ولامعة. ومجموعة من الشباب يدشنون مشروع صحبة راكب او رد الجميل، او احد المشروعات الإنسانية الكثيرة التي يقوم بها في العادة. هو نفسه قد يكون نسيها بعدما اصبحت اشجارا طيبة وأثمرت. وكنت في ذلك الحين، قد عدت من دارفور حيث كنت اعمل في مشروع اممي لتدريب الجيوش علي القانون الإنساني الدولي والعنف ضد المرأة والطفل وحماية الأطفال. وبنهاية المشروع قررت ألا اعمل مرة اخري إلا بعد عام، اي في 2009، ظنا مني ان ما وفرته من نقود يعيش اسرتي لسنة كاملة، ولكن لسوء تقدير مني افلست في منتصف العام، فعملت ترزيا ومصمما للملابس، وكنت ابيعها في المعارض وفي المركز الثقافي الالماني والفرنسي، وعند حليوة في شارع المك نمر، وعندما زرته كان معي قميصاً هدية له من صناعتي، ففرح بذلك ايما فرح، وتغدينا هنالك من مطبخ الأستاذة اميرة الجزولي.

وجدناه في البيت، وكان عركي قد اتصل به من قبلها لنتأكد من انه هنالك، وعندما دخلنا حوش الحديقة قابلنا بابتسامة كبيرة وترحيب، ثم قال لي: انت دائماً علي عجل، المرة الفاتت ما اتونسنا، عشان كدا تعال.

ودخلنا حجرته الصغيرة، تفوح منها رائحة الكتابة، والصبر، والبساطة، ومن دولاب او شماعة لا اذكر ناولني جلباباً ابيض وقال لي

"غير ملابسك، والبس الجلابية دي عشان نعرف نتكلم"

تمانعت جهدي، واكدتُ له انني سابقي دون ان البس الجلابية إلا انه رفض رفضا باتا، وألح الحاحا شديدا علي ذلك.

فتوكلت علي الله ولبستها وعلقت بنطال الجينز وقميصي الدمُورية علي الشماعة. لكن لم تكُ تلك الزيارة الأخيرة ايضاً.

آخر مرة اسمع صوته في نهاية السنة الماضية من المانيا في رحلة علاجه الأخيرة، وكنت انا في النمسا، وحدثني عن القميص وكان صوته قوياً ومتفائلاً، الي ان انقطع خط تلفون صديقنا دكتور جمال.

لا استطيع ان اكتب عنه شيئاً، لا اعرف الكلمات التي يمكنها ان تعبر عن حزن شاسع كحزن فقده.

لم اجد لغة تليق به، كل ما استطيع ان اكتبه هنا: انني كنت مثل اي فرد من شعوب هذا البلاد الكبيرة، انني أحبه، ولم اشعر بأنه مات، ولم أبكه، لأنه حي، ربما: ذهب للغرفة الأخرى. حيث سندركه هنالك.







تعليقات 13 | إهداء 1 | زيارات 3931

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1529007 [إبراهيم جعفر]
0.00/5 (0 صوت)

10-06-2016 05:13 PM
"لا استطيع ان اكتب عنه شيئاً، لا اعرف الكلمات التي يمكنها ان تعبر عن حزن شاسع كحزن فقده.

لم اجد لغة تليق به، كل ما استطيع ان اكتبه هنا: انني كنت مثل اي فرد من شعوب هذا البلاد الكبيرة، انني أحبه، ولم اشعر بأنه مات، ولم أبكه، لأنه حي، ربما: ذهب للغرفة الأخرى. حيث سندركه هنالك."- عبد العزيز بركة ساكن (عن محجوب شريف):


محجوب شريف

محجوب شريف
زولاً شفيف
لو الحزن
كّدّاهو
في عضمو الرهيف
كان يبتسم،
يشرق وضوحو
مع الخريف
وكتين يزور
بَلَدُو ويخدّرْ
بالعطايا السّمحة
أزمان النّزيفْ!

مساء 11 سبتمبر 2006.
إبراهيم جعفر.

[إبراهيم جعفر]

#1165572 [محمد]
4.07/5 (5 صوت)

12-08-2014 04:55 PM
متعك الله بالصحة والعافية أيها الرائع المبدع وكلنا الى الغرفة الأخرى

[محمد]

#979982 [محمد عبدالله]
4.12/5 (15 صوت)

04-21-2014 01:58 PM
كلاكما مميز بطعمه الخاص

[محمد عبدالله]

#969493 [سوداني حر]
4.11/5 (10 صوت)

04-10-2014 07:29 PM
استاذنا بركة انت رائع كما كتابتك

[سوداني حر]

#969298 [ابوطالب]
4.18/5 (9 صوت)

04-10-2014 04:08 PM
والله .. انت رائع يا عبدالعزيز في كل شي

[ابوطالب]

#969233 [محتار والله]
4.11/5 (10 صوت)

04-10-2014 03:18 PM
انت جميل يا عبد العزيز

[محتار والله]

#968786 [هجو نصر]
4.13/5 (7 صوت)

04-10-2014 10:26 AM
" لا استطيع ان اكتب عنه شيئا ,لا اعرف الكلمات التي تستطيع ان تعبر عن حزن شاسع كحزن فقده " قد كتبت وعبرت احسن ما يكون النعبير والكتابة رحمه الله واحسن اليه والزمنا واّله ومحبيه الصبر والسلوان لشخصه الحبيب اما ما بركه فلا سبيل لسلوان فهو خالد في وجداننا

[هجو نصر]

#968344 [عبدالوهاب الأنصاري]
4.15/5 (7 صوت)

04-09-2014 09:17 PM
(الساكن)..قلب الهامش,, (بركة)،، حياك الغمام،،

بريشة مبدع،،تُشكل المفردة وببساطة الفلاسفة، تبني الجمل،، كمعماري من العصر الفكتوري،، مبدع حتى في رثائك،، الغرقان ذو البعد الثاقب،، وبحفيف المتصوفة،، تسري كلماتك تتلمس شعاع المخرج (روايه)،، تشدك حتي آخر نقطة.

محجوب محجوب،،شريف شريف،، صدح بكلمة الحق،،ثم سما،،ثم سما،،وتسامى...ساكناً الخلود..المحضور..(كلٍ من عليها فانٍ و(يبقى)..وتبقى كلمة إنسان.. ولد في زمنٍ كانت فيه الكلمة المضيئة تؤدي إلي (بيوت الأشباح!!.. )،،صوته الجهوري،، صداه عابق،، في الفضاءات الندية ،، "دقيقة وبجي"!!

محجوب (ود مريم محمود)، طابق القناعة بالممارسة.."

((يا ياقوت العرش..دنيا لا يملكها من يملكها أغنى أهليها..سادتها الفقراء../الخاسر من لم يأخذ منها ما تعطيه علي إستحياء.../والغفل من ظن الأشياء هي الأشياء.. ))

تحياتي... شكراً لهذه الكلمات المدهشات.. المبدع الإنسان(بركة ساكن)...وشبائيب الرحمة غيمة طل تلاحق روحه الساكنة كل فراغ الأرض ..

[عبدالوهاب الأنصاري]

#968310 [حنين]
4.11/5 (11 صوت)

04-09-2014 08:21 PM
كاتب عملاق فأنت أديب حقيقي .
للفقيد الرحمة والمغفرة.

[حنين]

#968189 [alsudani]
4.10/5 (8 صوت)

04-09-2014 05:39 PM
لك التحية اخى ساكن..نعم لقد سبقنا الشاعر الى الغرفة الاخرى.وحتما سندركه هناك

[alsudani]

#968122 [هجو يوسف عبدالله]
4.14/5 (10 صوت)

04-09-2014 04:30 PM
صديقي الكاتب الأديب أبو المستنير حتى في رثائك لأحبابك تتجلى روعة وفهماً . ما دعاني للتعليق هو إحساسي بأن شاعر الشعب الملهم لم يمت حيث أن روحة حية متقدة في كل كلمة من كلمات قصائده الهادرة ثورة وتضحية . لنا الله بعده و العزاء لنا بوجودكم .

[هجو يوسف عبدالله]

#968091 [sufian]
4.14/5 (11 صوت)

04-09-2014 04:03 PM
دائما مبدع يابركة ساكن لك التحية

[sufian]

#967917 [ود حواء]
4.14/5 (10 صوت)

04-09-2014 01:33 PM
اخى عبد العزيز ارجو ان تدلنى اين اجد اعمالك فى مكتبات مصر
ولك شكرى تقديرى

[ود حواء]

ردود على ود حواء
United States [SUDAN-JIN] 04-10-2014 02:09 AM
I usually get his books on Amazon.com. You could also 'Google up' any or all of his published novels under: BARAKA SAKIN-SUDAN


عبد العزيز بركة ساكن
عبد العزيز بركة ساكن

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة