المقالات
منوعات
ضحكة في الظلام
ضحكة في الظلام
04-09-2014 10:39 PM

ضحكة في الظلام
جلسا في مقعدين متجاورين يوم ( خطوبة ) جبر في أم درمان , ذاك الذي درس في مصر , وكان جبر أصغر سنا , وكان يجلس بارتياح ظاهر , ممددا رجليه , وسخرية تنحدر به رويدا رويدا إلى متعة الاسترخاء والبحث عن نقيصة . جاء في طائرة العاشرة صباحا ليلحق بالتفاصيل الصغيرة وبالعثرات التلقائية حين تكون الطبيعة التي لا تعرف الحياء على سجيتها تحت وابل من عدم النظر والفجائية ولكي يلبس القميص الحريري الأبيض الذي يضخم من مكانته معنويا وبنطلون الصوف , وفي ذهنه بعض خيالات سحيقة ناقصة من صورة الفتاة التي لم يرها مرة في حياته , وإنما اختارتها له أمه السيدة صفية مديرة المدرسة الحكومية . حينما جلس في المقعد الحريري الذي أخرج له من الصالون , في الهواء الطلق , لاحظ أن من جلس بقربه هو قريبه صافي الدين الذي درس في كلية الاقتصاد وتخرج قبل سنوات عديدة واشتغل في عدد من الوظائف التي تركها الواحدة تلو الأخرى غير آسف ولا عائد . سافر إلى الصين ودبي ومصر وتشاد وأثيوبيا , وتاجر في كل شيء, من الإسبيرات إلى الأقمشة إلى الأحذية إلى الأدوات الكهربائية ولكنه مع زيادة سعر الدولار وندرته , رجع ليفتتح متجرا صغيرا يبيع فيه كل شيء يستغني عنه الناس كالدواليب والمقاعد والكراسي المستوردة من ماليزيا أو الصين أو تركيا أو يبيع مواقد الغاز المستعملة والتي استوردت من إيران أو سوريا ولكن أهل المدينة عرفوا عيوب هذه البضاعة المزجاة . كان القميص الذي يلبسه صافي الدين قد أكل عليه الدهر وشرب , ومحا الغسيل المتكرر تفاصيله , وبدأت ياقته تتهرأ , وتلفظ خيوطه , وأزراره تتدلى , ولكن كلماته وعباراته كانت جديدة لكثرة ما يقرأ ويطالع ويناقش ويمر على الإنترنت , أما في هذه الأمسية بعد أن شرب البيبسي كولا , وتناول بعض الخبيز الذي جاء من مصر , ولصمت الناس وهم يتعرفون على أهل الفتاة لأول مرة , فإنه آثر الصمت , وترك لعينيه وخواطره العنان , وما أن جلس في كرسي البلاستيك قرب جبر حتى نظر إليه الأخير نظرة سريعة لخصت كل تاريخه وعوالمه , ثم مسح بناظريه كل الجالسين هنا وهناك , والتقطت عيناه المدربتان كل ألوان الملابس وكل تواريخها وعدد المرات التي لبست فيها , ثم عاد سريعا وركز لهنيهة على صافي الدين وقال له بصوت مقتضب وسريع " متى ستتزوج ؟ " لم يجد صافي الدين وقتا ليجيب لأن جبرا نادي على أحدهم من أهل الفتاة كي يتعرف عليه وكان ذاك الشاب الضاحك السعيد يلبس أحدث موضة بناطلين جينز , وجزمة سوداء شديدة اللمعان , وفي مقدمتها بوز كأنها جزمة علي بابا , ويربط البنطلون بحزام جلدي سميك له حديدة مربعة مذهبة في وسطها صورة لممثلة هندية . وظل صافي الدين جالسا والحضور يشربون ويأكلون ويضحكون ويتبادلون المقاعد ويتحدثون عن الموبايلات الجديدة باللمس , وعن شاشاتها الكبيرة المصممة لرؤية الصور والأحداث وليالي الزفاف , ويتحدثون عن الهجرات إلى ليبيا بعد القذافي وإلى مصر بعد مبارك وإلى اليمن بعد علي صالح وإلي السعودية والكويت وغيرها من البلدان , ولم يلاحظ أحد أن القمر كان في ليلة أربعة عشر وأنه كان في كامل استدارته وضوئه , ولكن اللمبات الاقتصادية الباهرة التي انتشرت مؤخرا كانت تطوق المكان , وتغمره بالصحو , وتغرقه في فضة سميكة من اللمعان , وبعد قليل هدأت أصوات القناني والكريستالات والأكواب , وخفتت الأصوات السعيدة الضاحكة وتلاشت الخطوات الواضحة من الجزم المستوردة العالية , وأصوات المقاعد التي تتحرك مع الجالسين , ولكن صوت جبر وضحكاته كانت ما تزال عالية , وتعليقاته وأسئلته الجارحة مازالت واضحة . قيل إن الفتاة التي سيتزوجها في الخريف القادم آية في الجمال ولونها شديد البياض وشعرها يلامس الأرض وعيونها كعيون المها وصدرها كالهودج وأن جدتها الكبرى في زمن المهدية كانت من سبايا سقوط الخرطوم وأنها عاشت في كنف المهدي كخليلة له إلى أن وافاه الأجل ولم تتحرر من الحريم إلا بعد دخول قوات كتشنر أم درمان حيث وجدت في بيت الخليفة عبد الله التعايشي بيضاء وجميلة وفي قمة نضوجها الأنثوي . كل هذه التفاصيل , وأكثر منها , كانت تكتب لجبر في رسائل طويلة مملة بخط مدرب وباقتباسات من كتب التاريخ . وكان جبر يرد عليها في رسائل يحملها بعض الطلاب العائدين , وكان يبدو سعيدا جدا وكان لا يخفي هذه السعادة, بل يكتب ضحكاته في عدة سطور ههههههه أو يرسم وجها ضاحكا مبتهجا ويكرره في جميع سطور الخطاب . عندما جاء الشاي باللبن في ترمسه كالأوزة مذهبة , وصب أحدهم الشاي بصوت عال في أكواب مذوقة بلون نحاسي , كان جبر مازال يضحك ,ويتلفت إذا قام أحدهم , ويتابعه بنظراته إلى الباب , وفجأة وبعد زمن النسيان الطويل التفت لصافي الدين الذي كان ينظر إلى أعلى ويتأمل في تفاصيل خيال قديم كان يعن له كثيرا وخاصة حينما يرى الكلاب تتعارك أو يسمعها في مواسم الإخصاب تطلق ذاك العواء الطويل الحزين كأنما الميلاد موت , وقال له وقد فقد التعاطف نهائيا وفقد قدرته على أن يكون متوازنا أو عادلا كعادة كل من يضحك كثيرا وقال وهو يكشر : " متى ستتزوج . لقد كبرت كثيرا ؟ وضحك ضحكته الأخيرة والنهائية بتشف وسخرية وهو مستلق على طرف المقعد كأنه يغرق في عالم بلا جراح ولا فواصل ولا اقتباسات ,ثم سكت كأنه يصحو من نوم عميق , وتناول الشاي بيد والخبيز باليد الأخرى وقام مترنحا , وذهب مع من جاء بهم في حافلة كبيرة , كان يجلس وسط الفتيات وهن يهدرن بالغناء والزغاريد والسعادة . مرت سنوات وتزوج الفتاة وسافر بها ورجع وبعد سنتين تأخر ليلا ثم أصبح يتأخر كثيرا وأصبح في الليالي المقمرة يتأمل القمر وخفتت ضحكته ثم تلاشت نهائيا وصار يحدق في النساء في الشوارع وفي مرة تابع امرأة أربعينية أعجبته بقوامها السامق ونعومة جلدها وهي تلبس فستان حريري يظهر لفائف خصرها عندما أغلقت الباب خلفها انتظرها وفكر أن يطلع فوق الحائط ليراها ولو مرة واحدة ولكن في اليوم التالي نسيها ونسي الشوارع الطويلة التي عبرتها وهي سعيدة بمطاردته العاجزة . مرت سنة أخرى حينما انتشرت الأخبار بأن زوجته هربت من البيت ورجعت إلى أهلها وأنها تصر جدا على الطلاق منه . وبعد وساطات طويلة وكثيرة ثبتت على رأيها وأنها لا تريد شيئا في حياتها سوى أن تصبح حرة من هذا الزواج وبعد محاكم حصلت على الطلاق ونسي الناس ذكرها ولكن لم ينسوا أنها من شدة كراهية هذا الزوج أجهضت الجنين الذي تركه في بطنها ودفع أهلها أكثر من مليونين من الجنيهات لقطع الصلة بينها وبينه . لم ينتظر جبر كثيرا كي يعيش في الماضي بل أعلن عن زواج جديد وقد عاد ليعمل في إحدى شركات الاتصالات واستمر زواجه صامتا عدة سنوات دون أن ينجب شيئا ثم أتت سنوات أخرى نسيه فيها الناس تماما لأنهم بدأوا يتذكرون صافي الدين الذي أقام خيمة كبيرة فجأة وعلم الناس أنه دعا أصحابه وأقاربه وأتى بأشهر طباخ في أم درمان تخصص في صنع سلطة الفواكه المحمرة في الصلصة والدجاج المحشو بالفول السوداني والأرز والزبيب و خصص له ركنا قصيا في الدار وأقام له خيمة واسعة لعماله وقدوره وجوالات الفحم التي رصت رصا , وذبح عدة خراف حمرية مكتظة باللحم الذي ربته وهي ترتع على حشائش الرمال في غرب السودان , وأحضر جوالات الأرز المصري لأنه خصص في وسط المائدة صحنا كبيرا مليئا بالأرز واللحم المبهر لكل جماعة على حدة , وجاءت جموع من القوم من كل فج عميق , ومن أحياء السوق , والعرضة , والملازمين , وأصحابه القدامى في مدرسة المسالمة , وأصحابه في فريق ميونيخ المكون من أولاد حي العرب و حي السوق , وأصحابه من تجار سوق ليبيا وتجار السوق الشعبي وتجار الأحذية في شارع الدكاترة , وبعض سواقي الحافلات الذين شارك أحدهم منذ زمن مضى في حافلة احترقت في عرض الطريق وفر ركابها من الشبابيك وذلك كله ليفرغوا أطباق الأرز في بطونهم الخاوية , ويطلبوا غيرها , ويشربوا البيبسي كولا وهم يتكرعون وينادون على الأولاد الذين يحملون صواني الشاي أو أكواب الماء المثلج إلى أن أذن المغرب فصلى بعضهم وانصرف الآخرون وتركوا الخيمة خالية إلا من بعض الناس الذين صلوا العشاء وشربوا الشاي باللبن والزلابيا , وبعضهم ذهب , وبعضهم الآخر بقي ليتناول وجبته الأخيرة مما تبقى في القدور .
تزوج صافي الدين فتاة تعمل في المكتب الإداري لمستشفى أم درمان , بيضاء , رخامية الملمس , شعرها يلامس ركبتيها , وعيونها كعيون الغزلان التي رتعت لتوها , وصدرها كسفينة تتقاذفها الأمواج , وما هي إلا أيام حتى ظهرت عليها عوارض الحمل . ثم أنجبت قبل الاحتفال برأس السنة بعدة دقائق مولدها الذكر الأول , وما وضعت ذاك الطفل على صدرها وتعود على الرضاعة حتى تحركت أحشاؤها مرة أخرى , وقبل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بيومين وفي تلك اللحظات حينما كان أنصار السنة يقاتلون السادة الصوفية والعركية في ساحة المولد ببيت الخليفة بأم درمان بالأسلحة البيضاء , أنجبت توءما متشابهين كأنهما طفل واحد , ثم أنجبت ثلاثة أطفال مرة واحدة في ذاك النهار حين ضربت أجهزة الأمن المتظاهرين في سبتمبر بالرصاص الحي , كانت تضحك وصافي الدين يضحك ويتعجب من عجائب الزمان ومما تخفيه الأقدار ومن أسرار الحياة والموت والشباب والهرم , فبعد أن كبر إلى أن ظهر شيب شاربه , والشيب في ذراعيه , والشيب في حاجبيه , يلتف من حوله الأطفال , وينادونه بأبي , ويبكون حينما يخرج إلى الشارع بدونه . كان الناس في أحد أزقة العرضة يرونه يحمل أحدهم , ويقود الأخر من يده بينما يتبعه آخر إلى بقالة أبو الرخا , وهم يتقافزون من حوله في مودة وحبور كأن للدنيا نواميس أخرى غير التي نعرفها , وغير التي نخافها , ونضع لها ألف حساب , وفي غمرة انشغال صافي الدين بهذه الحياة التي لا حد لها ,, بهذه الحياة التي تتجدد بطريق آخر غير الموت , وبهذه المشاعر التي يتجمع فيها الحب من كل صوب , وتتجمع فيها الحياة من كل طريق , طرق الباب ذات مساء . كان الوجه الذي رآه صافي الدين وجها مكدودا قلقا موغلا في التعاسة والعذاب , وجه لم يقر له قرار طيلة سنين . كان ذاك الوجه وجه جبر الذي طلق المرأة الأخيرة التي لم تلد بعد أن انتظر عشر سنوات , وكان طلاقا مرا طويلا في المحكمة , ثم تزوج مرة أخرى في مصر , وبقي معها خمس سنوات ولكنها لم تلد هي الأخرى ثم تزوج مصرية ولكنها حينما رأت فيلم محامي خلع ذهبت إلى القاضي وخلعته من بيتها وإلى الأبد , فعاد إلى السودان يحمل ذكريات ولكنه متعب منها ومعذب من استرجاعها . جلسا في الهواء الطلق , وكان القمر محاقا , ولكن جبرا كان يراقبه بدقة , ويحاول أن يعرف من أي جهة يأتي ضوء الشمس . بعد أن شرب العصير قال لصافي الدين " أطفالك كثيرون . كلهم في عمر واحد . ذاك من اسمه ؟ " . ثلاث سنوات فقط هي عمر زواج صافي الدين , جمع فيها كل السعادة الممكنة , كل السعادة التي تخيلها من قبل لم يغادر منها كبيرة ولا صغيرة حتى أسماء أطفاله كانت هي الأسماء التي اختارها وهو في الجامعة وحتى لون غرفة النوم ونوعية خشب الدواليب ولون الستائر ومقاعد الحوش وأواني الشراب التي يحبها من الأستينلستيل . عاش كل شيء من قبل بهدوء وعرف تفاصيل المستقبل ثم عاشه عندما كان أمامه وفي خضمه . فلا شيء يكون صادقا وحقيقيا إلا إذا رعاه القلب . لم يسمع صافي الدين تلك الضحكة التي سمعها من قبل أثناء خطوبة جبر في التسعينات , ولكنه حينما فتح الباب له وكان قد بقي معه حتى العاشرة مساء, وشرب الشاي باللبن , وتناول البسكويت قطعة قطعة وهو يتحدث عن ماضيه وما يريد أن يفعله بالمستقبل , رأى أمام الباب أحد الكلاب يجري خائفا وذيله بين رجليه بعد صراع دام مع مجموعة من الكلاب الكبيرة الضارية , وعندما ودعه بعبارات رقيقة وودية وأغلق الباب بمفتاحه سمع صافي الدين جبرا وهو يضحك تلك الضحكة المجلجلة الساخرة من التسعينات تلك التي لا تعرف العار ولا الحياء ثم يردفها بضحكة أخرى في الظلام حينما هجمت الكلاب مرة أخرى على ذاك الكلب الخائف الهارب الذي يحاول النجاة بكل سبيل , ضحكة هزيلة حملها الهواء وبعثرها في كل الأمكنة ولكن صافي الدين لم يلق لها بالا كما فعل من قبل ولم يجد لها مكانا في قلبه الذي رعى الحب ورجع إلى الطفولة وهو يدخل على زوجته ليسألها إن كانت تريد منه أن يحمل لها الطفل ماجد إلى حين تعد له العشاء .



خالد بابكر أبوعاقلة
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 753

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#968870 [Ahmed Yousif]
0.00/5 (0 صوت)

04-10-2014 11:21 AM
قصة جميلة واسلوب رائع ومشوق للصديق وزميل الدراسة الأخ الأديب والمفكر والسياسي خالد أبوعاقلة، نتمنى أن تصدر جميع أعمالك الأدبية والفكرية. وأن تنال ما تستحقة من اهتمام وتقدير.

[Ahmed Yousif]

#968542 [عادل الامين]
0.00/5 (0 صوت)

04-10-2014 06:00 AM
لوحة سيريالية جميلة يا خالد لسودان في زمن الانقاذ
وثقافة المجتمع الاستهلاكي التي حولت كل سوداني الى باحث اجتماعي لا يسالك متى تعود "الديموقراطية " وما الذى في غاية السوء الذى يحدث في المركز والهامش ولكن يسالك لماذا لم تتزوج واين انجازاتك "البيولجية" وما جدوى اغترابك الطويل..وهلم جرا....وهو لا يعلم ان الانقاذ حولت حياة السودانيين في كل العالم الى صالة ترانزيت...لا ينتمون ابدا لما حولهم...فقط العيش في اضيق نطاق للحصول على اكبر قدر من كرامة ...

[عادل الامين]

خالد بابكر أبوعاقلة
خالد بابكر أبوعاقلة

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة