المقالات
السياسة
كدمبس سلطان الدمبو والتيتل
كدمبس سلطان الدمبو والتيتل
04-10-2014 11:16 PM


وهذه الواقعة حدثت فى احدى السلطنات لقبيلة ذات أصل زنجى فى السودان وكان يحكمها ملك طاغية سفاح يدعى كدمبس ، وابتنى له سكنا" يمكنه من الرؤية من جميع الجهات ما عدا جهة واحدة كان يحجب الرؤية فيها جبل عال يمنع من مشاهدة ما ورائه ، واستولى الغضب على السلطان كدمبس وظن ان الجبل يمثل تحديا" له فأمر بأن يزال الجبل من ناظريه وان تعمل القبيلة رجالا" ونسآء فى تكسير الجبل طيلة النهار تحت الشمس وتحت وقع ضرب السياط على الظهور لمن يبطئ فى العمل ، واما من يعجز عن العمل فيقتل على الفور . واشتد الكرب والعذاب بالناس ، ولا يستطيع أحد على مراجعة السلطان مهما كانت مكانته أو قرابته وصلته به عدا امرأة عجوز حكيمة ، وليست كالبصيرة أم حمد حكيمة المساديد ، كان السلطان يستمع اليها ويستشيرها فى بعض الامور ، وذهب وفد اليها وطلبوا منها ان تكلم السلطان فى الرأفة واللطف بهم وانهم سيعطونها ما تشآء من ذهب وفضة ، وقبلت وقالت لهم انها ستريحهم من السلطان الى الأبد ، وذهبت الى السلطان وبالغت فى المديح والثنآء عليه ، ثم قالت له : ( يا سيدى انت فارس لا يوجد لك مثيل بين السلاطين وركبت الخيل والجمال وحمار الوادى والبغل وحتى الفيل ركبته بس حاجة واحدة ما ركبتها من الحيوان ومافى زول من الوراك والقدامك ركبها وحيركبها ) ونهرها السلطان قائلا" : ( شنو حيوان ده ؟ ) وردت عليه بسرعة : ( يا سيدى السلطان الحيوان ده هو التيتل ) ، وصاح السلطان فى اعوانه وجنوده : ( أنطونى (أعطونى ) طيطل ) ، وهذا الحيوان شديد القوة وحجمه أكبر بكثير من الغزال العادى ولونه رمادى ضارب للسواد وفروته ناعمة براقة وله قرنان مستقيمان فى راسه ، وهو جميل الشكل ويعيش فى الاماكن المرتفعة ، وفصيلته يوجد قليل منها ، ويصعب اصطياده حتى على الصيادين المتمرسين والصياد الذى يصطاد واحدا منه هى شهادة له بامتيازه . ولقد رأيت واحدأ" فى جنوب السودان .
أتحد الصيادون ونجحوا بعد عدة ايام فى ان يوقعوا فى شباكهم تيتل واوثقوه بعد مقاومة عنيفة منه . وفى اليوم المعين لركوب السلطان كدمبس على ظهر التيتل خرجت القبيلة عن بكرةابيها لتشاهد هذا الحدث ، وشدت مجموعة من الرجال ارجل التيتل ورفعوا كدمبس فوق ظهره وربطوا السلطان ربطا" محكما" ثم اطلقوا الحيوان فانطلق كالصاروخ وغاب فى الغابة القريبة . وبعد مدة قص الناس اثر التيتل والسلطان ، فوجدوا قطعا"صغيرة من لحم جسده ومزق من ثيابه المصبوغة بالدم وسط الشوك ولم يظهر للتيتل أثر . وجمعوا ما تبقى من جسم السلطان كدمبس ودفنوه وعاشت بعدها قبيلة الدمبو فى أمان وطمأنينة ، واستقر الجبل فى مكانه .
الجد الحى وقبره
كما ذكرت فى بداية الكتابة عن الطرائف والنوادر والحكايات ان السودان يضم فى داخله المئات من القبائل ذات الاعراق والمعتقدات المختلفة وبعضها يحتوى على اشيآء عجيبة وغريبة ولنا خاصة اهل الكتاب من المسلمين والمسيحيين المؤمنين بان الاديان السماوية منزلة من الله سبحانه وتعالى ، واليوم اقص عليكم حكاية احدى القبائل الافريقية السودانية ولا أود تسميتها لأن حاضرها ليس كماضيها وحتى لا يعيرها البعض بما كان فى اجدادهم الغابرين فى الماضى السحيق .
كان لتلك القبيلة تقليد متبع ومقبول من الجميع وهو اذا بلغ الكبر ارذله بجد العائلة اجتمع اولاده واحفاده ويقولون له انه عاش ما فيه الكفاية وعليه ان يغادر الدنيا معززا" مكرما" ، ويوافقهم على رأيهم وهذا ما كان من امر الجد الذى نحكى عنه الآن ، فقبل كلامهم وامرهم بتجهيز قبر له ، وذهب معهم واختار بنفسه المكان الذى سيحفر فيه القبر ، وكان القبر عندهم عبارة عن حفرة واسعة عميقة ينزلون فيها الواحد حيا" ويضعون معه فى الحفرة كل الأشيآء التى يحبها من الطعام والشراب والخمر ثم يهيلون التراب على الحفرة ويقبرونه وهو حى .
وكان الجد يركب فرسه الأبيض الذى يحبه ويفضله حتى على أعز الناس عنده ويذهب الى المكان الذى يحفرون فيه القبر ويدلى بملاحظاته ويقول ( الحتة ديك وسعوها شوية ، والمكان داك ساووه ، ما تكتروا التراب جنب الحفرة ) ، وكان يذهب فى كل يوم فى مشوار القبر ، وكان اهله لا يضنون عليه بأى شئ يطلبه وهم سعدآء بتجاوبه معهم وطلبوا منه اختيار الاشياء التى سيضعونها معه فى القبر ، وعندما تم حفر القبر دعت عائلته القبيلة لوليمة كبيرة وخمر كثير بهذه المناسبة واعلنوا ان جدهم سيغادرالدنيا فى الغد ليكون مع اجدادهم واسلافهم .
وجاء الغد وذبحت الذبائح وبذلت الخمر باسراف وغنى ورقص الجميع وهم لابسين ازهى ملابسهم ، كما البسوا الجد ملابس جديدة فاخرة واترعوه خمر"ا ثم اركبوه على حصانه الابيض وساروا ورآءه راجلين والنسآء يغنين فى (سيرة) مهيبة حتى وصلوا الى حيث القبر ، وتدافع الرجال لينزلوه فى القبر ، وقبل ان يقتربوا منه اشار بيده اليهم ليتوقفوا ، ووفف الجميع ظانين انه سيلقى عليهم كلمة وداع أخيرة ، وبسرعة ادار فرسه السريع الى الناحية الاخرى واطلق له العنان وفى لحظات اختفى عن الانظار ولم يستطيوا اللحاق به ومطاردته لانهم جميعا" كانوا راجلين . ورجعوا بالخيبة والحسرة ، واصبحت سبة وعار على العائلة واطلقوا عليهم : ( اولاد الجرى جدهم من الموت ) ، واختصارا" ( الجدهم جرى ) .
هلال زاهر الساداتى
27مارس2014
[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1245

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#970978 [SUDAN-JIN]
0.00/5 (0 صوت)

04-12-2014 06:00 PM
كراديس وجماحم

الأستاذ زاهر لك التحية،

على مقربة من مدينة نيالا من ناحية الشرق يقبع جبل (أم كردوس). أذكر في العام 1979 حيث كان السلام يعم دارفور بل كل ربوع السودان تقريبا، كنا في رحلة برية مع مجموعة من معلمي اللغة الانجليزية بالمرحلة الثانوية من المتطوعين البريطانيين في اجازتهم الصيفية من مدينة جوبا الى مدينة ياي مرورا بمريدي، يامبيو، أنزارا ومن ثم الى مدينة واو ثم بمحاذاة السكة حديد الى بابنوسة ومنها غربا نحو الضعين ونيالا لتنتهى الرحلة في جبل مرة عبر كاس. وعندما كنا بمحاذاة جبل أم كردوس تقريبا، ذكر لنا أحد الاخوة من أبناء نيالا وكان مرافقا لنا من بابنوسة أن جبل أم كردوس هو الجبل المعني مع تغيير طفيف في القصة : كان السلطان يريد نقل الجبل لضمه الى مجموعة التلال الصغيرة الأخرى لشيئ في نفسه - ربما للفراغ الذي كان يعانيه من يدرى - أو ربما هى سياسة الطغاة في كل زمان ومكان، يسعون لشغل الناس بالمتاعب حتى لا يتفرغوا للتخطيط للتخلص منهم وحالنا اليوم مع الطغمة الحاكمة أشبه بحال الأجداد مع كل مستبد ظالم. شكرا جزيلا فقد أعدت للذاكرة أياما خوالد... ويا للحسرة، وبئس أمة ماضيها أنصع من مستقبلها، فقبل أقل من ثلاثة قرون تقريبا كان اليابانيون يأخذون بالكهول منهم وفق طقوس جنائزية بعينها نحو سفوح جبل فوجي (فوجي سان) المقدس ويتركوهم مع القليل من الأرز والملح ليموتوا ثم تجمع عظامهم لتحرق لاحقا... والآن الأمة اليابانية حاضرها يغنيك عن البحث في ماضيها،، ونحن في السودان لا يجمعنا معهم الا الألف والنون في الاسم. لك الشكر الأخ الساداتي، وكم من كراديس حملتها الأمة السودانة، وكم من جماجم على السفح قابعة.

[SUDAN-JIN]

#969835 [very sudani]
0.00/5 (0 صوت)

04-11-2014 09:08 AM
لكم اعتقد ان القبيلة المقصودة هي الداجو و ليست الدمبو

[very sudani]

ردود على very sudani
United States [هلال زاهر الساداتى] 04-11-2014 08:44 PM
Very Sudani
شكرا على المعلومة التى ذكرتها ولكنى اخترعت اسم السلطان (كدمبس) واسم القبيلة (الدمبو) والمغزى هو غرابة وشناعة الوسيلة التى يتخلصون بها من السلطان المسن .


#969735 [الدنقلاوي]
5.00/5 (1 صوت)

04-11-2014 04:20 AM
شكراً لك استاذ هلال:
لي ملحوظة على ما أوردته في القصة "الأسطورة" الثانية، وهي قتل الأب أو الجد أو زعيم القبيلة عندما يشيخ، فهذه كانت حقيقة شائعة في حضارات كثيرة قديماً - وليس لدى القبيلة التي خجلت تجيب سيرتها - وهنالك إشارات إلى أن الفونج مارسوها مرة او مرتين على الأقل بصورة طقوسية، وكان المكلف بقتل الملك عندما يشيخ هو سيد القوم وهو من أقارب اللملك "خاله تقريباً"، باختصار انها كانت شائعة في حضارات عديدة وقد أثبتها الأنثروبولجيين وأشهرهم السير جيمس فريزر في "الغصن الذهبي" فلو وثقنا تاريخ هذه الإسطورة لدى القبيلة المذكورة نكون خدمنا العلم وما أسأنا للقبيلة المعنية
والتحية لك

[الدنقلاوي]

ردود على الدنقلاوي
United States [هلال زاهر الساداتى] 04-11-2014 08:41 PM
الاخ الكريم الدنقلاوى
لك الشكر والتحية
لقد قرأت ان عند الفراعنة السود السودانيين كما سموهم انه عندما يموت الملك يقتلون معه كل حاشيته وعبيده وكذلك علمت ان السلطان عند بعض افرع الدينكا عندما يشيخ يقتلونه ولكن بطريقة اخرى، ولم اتحقق من هذه الواقعة


#969672 [المغترب والمشترق كمان]
0.00/5 (0 صوت)

04-11-2014 01:30 AM
حسرة عندنا هلال واحد بس. شكرا ومزيدا من هذا الإرث العظيم يا استاذناالقدير قبل أن يتلاشى ونتلاشى.

[المغترب والمشترق كمان]

ردود على المغترب والمشترق كمان
United States [هلال زاهر الساداتى] 04-11-2014 08:30 PM
القارئ الكريم المغترب والمشترق كمان
لك الشكر والتحية على كلماتك الطيبة، وافتراضا اذا كان هناك هلال واحد فان حواء السودانية لم تعقم بعد، وستنجب اهلة واهلة تبز هلال الحالى .


#969654 [shawgi ¨badri]
5.00/5 (1 صوت)

04-11-2014 12:31 AM
اخي الغالي هلال لك التحية , بالرغم من انني قد قرات الموضوع من قيل ، الا انني استمتعت به وكانها المرة الاولي . اسم كدمبس كان يطلق علي صديقنا وابن حينا محمد سيد . وكان يسكن شمال منزل قدوم زعلان و شقيقه خدر كرموش خيلان الفنانة حنان بلو بلو . وجارهم الاخ عيسي موسي . وكدمبس كان فردة محمد عثمان ابراهيم شوقي . وكانا من اصحاب العضلات البارزة . ويشاهدان سويا في السينمات بعجلاتم المميزة الميزان مقلوب . ولم اشاهدهم في اي شكلة . كانا من المهذبين . وهما من مشاهير امدرمان .

[shawgi ¨badri]

ردود على shawgi ¨badri
United States [هلال زاهر الساداتى] 04-11-2014 08:35 PM
اخى الغالى شوقى
لك التحية والمحبة
الصدفة وحدها جعلتنى اختار اسم كدمبس للدلالة على ذلك الطاغية وليس للاسم علاقة مع كدمبس محمد عثمان الذى لم اتعرف عليه، وانت كدأبك دائما مرجع لامدرمان نستفيد منه .
ودمت وشكرا


هلال زاهر الساداتى
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة