المقالات
السياسة
من روائع سورة الكهف (2) مربط الفتن وخلق عظيم كسفينة نجاة.
من روائع سورة الكهف (2) مربط الفتن وخلق عظيم كسفينة نجاة.
04-11-2014 09:51 AM


مواصلة لما ذكرت في الجزء الأول فإن الخيط الذي يجمع كل الفتن الواردة في القصص الأربعة في سورة الكهف يوجد في منتصفها. إقرأ معي قوله تعالى: ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا)) [الكهف: 50]. فالخيط المحرك هو إبليس والعياذ بالله منه. فهو لم يكن من الملائكة بل من الجن. و الله رفع مكانته ووضعه معهم لتفانيه فى عبادته. يقول بعض العلماء إن الجن أول من سكنوا الأرض بعد ما خلقها الله تعالى، ولكن عم سفك الدماء والفساد فيها من جراء بعض الخلق. فرفع الله تعالى إبليس من الأرض ليكون مع الملائكة لأنه كان من الصالحين. ثم قال للملائكة، ومعهم إبليس، إني جاعل في الأرض خليفة. خليفة ترمز كخليفة للجن في الأرض وليس كما يعتقد البعض بأنه خليفة لله تعالى. فخليفة في الأصل تعني الذي يعقب ما سبقه فيكون مختلفا عنه. ومنها تأتي خلاف ومتخلف ومستخلف ومخالف. ((وهو الذي جعلكم خلائف الأرض)) [الأنعام: 165]. أي كلنا خلفاء. إذا المعنى الأصلي خلاف لما إعتدنا فهمه. فالله سبحانه هو الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد، وله مقاليد السموات والأرض، وهو الملك القدوس تبارك وتعالى فأنى يكون له خليفة يحكم بأمره وهوحكمه نافذ في خلقه وفعال لما يريد. لذلك من يدعون الحق الإلهي في الحكم تجدهم يتخذون كلمة خليفة لله في الأرض خداعا ليتحكموا في خلق الله تعالي متناسين عمدا أن سنة الله في الأرض التغيير ولا يمكن أن يكون هناك ممثلا لله أبدا. ويحذر الله من يأتي ليحكم بين الناس كخلف لما بعده أن يكون مختلفا وخليفة فعلا. فكما نعلم قصة نبي الله داوود عليه الصلاة والسلام عندما تخلصوا من النظام السابق وقتل داوود الطاغية جالوت ومن ثم نصبه قومه ليحكم بينهم. فحينها يقول رب العزة لداوود أن يكون مختلفا عن ما سبقه من نظام ويحذره من عدم العدل ولا تعني كلمة "خليفة في الأرض" أن يدعي الحكم بأمر الله. ((ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب)) [ص: 26].

مكان الثقب..

وعموما نحن كبشر يمكن أن نرتقي لمرتبة الملائكة، كما أرتقى إبليس، إذا صرنا لا نعصي الله ما أمرنا ونفعل ما نأمر به. ولكن علينا الإنتباه، فالله سبحانه قال للملائكة أنفسهم أسجدوا لآدم تشريفا وتقديرا وطاعة لله تعالى، فسجدوا بلا غرور وكبر. ولذلك ينبهنا الله تعالى هنا لعدم التكبر والغرور بالعبادة مهما بلغ أحدنا من منزلة رفعه الله تعالى لها. وهنا يجب عليك ملاحظة مبدأ الحرية والإختيار وعدم القهر والإجبار الذي يؤكده رب العزة جل وعلا. فقد إعترض إبليس اللعين على أمر الله ولم يعاقبه سبحانه وتعالى مباشرة ولكن سأله و أعطاه فرصة للرد بقوله تعالى: ((قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين)) [ص :75]. أي: إذا أصابك غرور تب وأرجع لرشدك لأنك لم تكن لتصل لتلك المكانة مع العالين لولا فضل الله عليك ورفعك فيها. ولكن إبليس جادل بغرور وقال: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين". وتأمل الجهل الذي أصابه وهو يدعي بأنه خير من ذاك المخلوق، وهو لم يخلق ذاك المخلوق أساسا ولا حتى نفسه –لنقول إنه خلقها كما يشاء -، ليجوز له ان يعقد تلك المقارنة المجحفة. وزاد من الغرور والجهل والعصيان حتى جاهر بالمعصية فطرد من رحمة الله. وبكل قوة عين مترجيا من الحق تعالى قائلا: أنظرنى إلى يوم يبعثون. والله الغفور الحليم ينظره. فتأمل الحرية وحقوق التعامل عند بارئها ونحن نسلبها من بيننا بالكبر والجهل ونضيق على بعضنا إلى حد يصل لسفك الدماء والقتل والتشريد والإهانة والإذلال ولا يلتفت أحدهم إلى أن الله خلق الخلق جميعا مختلفين واحرار، فقط عليهم إحترام حريات بعضهم. ولكن الكثير من الناس لا يكترث لأمر حرية الإنسان أولا لذلك وجد الشيطان ثغرته.

وكما ذكرنا آنفا بأن ما ذكرنا من قصص لا تمثل فتنا إلا إذا أضفنا لها كلمة واحدة ألا وهي "الغرور". الغرور فى الدين، الغرور بالمال والولد، الغرور بالعلم، الغرور بالحكم والسلطة. و كلمة "الغرور" هي إذن الرابط بين كل تلك الفتن. ويقول الحق تعالى: ((وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)) [آل عمران: 185]. الغرور تعني كل ما يغر ويخدع وتعني أيضا الباطل الفاني. وفسرها البعض بأن الغرور هو إسم للشيطان أيضا من قوله تعالى: ((فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولايغرنكم بالله الغرور)) [فاطر: 5].
والغرور هو فتنة إبليس التي غوي بها وطرد من رحمة الله، وهي خطيئته الأولى والتي يريد اللعين أن يوقعنا جميعا (البشر) فيها. والغرور كالقنبلة النووية التي بمقدورها الإنشطار إلي عدة قنابل عنقودية كفتن أخري توسع دائرة الضلال وتفسد الأرض وتدمر البشر بعضهم ببعض في سرعة متناهية. خذ مثلا: الغرور بالقبيلة والعرق يسبب مشكلة العنصرية، الغرور بالمناصب يؤدي لإحتكارها و للفساد الإداري وهكذا.
ولتنفيذ ذلك يعتمد الشيطان الرجيم إستراتيجية شاملة. والله تعالى يدعونا أيضا لمحاربتها بإتخاذ إستراتيجيات مضادة. فمن سورة فاطر إقرأ معي: ((إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير)) [فاطر: 6]. وأرجوك أن تلاحظ معي الآية التي قبلها: ((يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور)) [فاطر: 5]، فالخطاب موجه إلى جميع الناس، والشيطان عدوا الإنسان في المقام الأول. فإذا صار الإنسان نفسه عدو أخيه الإنسان فهذا يغني الشيطان ويجعله يجلس متفرجا مستمتعا ليرى كيف يفسد الإنسان في الأرض و يسفك الدماء، ليبين أنه أفضل من هذا الإنسان "خليفته" ويؤكد تساؤول الملائكة لرب العزة: ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)) [البقرة: 30].

تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن..

وبما أننا نؤمن بالقرآن وهو هدينا، فهذا يعني لابد لنا كمسلمين أن نكون في خط المواجهة الأول، وأن نحمل الأمانة على عاتقنا وأن ننادي أولا بأن نكون إخوان في الإنسانية ونقف ضد أي نوع من أنواع الفساد في الأرض وسفك الدماء واضعين كل الإستراتيجيات اللازمة لتفويت تحدي الشيطان لرب العالمين بغوايتنا أجمعين.

فمن أولى الخطوات لابد لنا معرفة ما يقوم الشيطان به وشكل ألاعيبه. وهنا أتذكر أكثر وصف عجبني سمعته من حديث أحد العلماء. فيروي أن أستاذا طلب من بعض تلاميذه رسم شيطان يجلس في غرفة ما. معظم الطلاب رسموا الشيطان وهو يجلس بإذنين طويلين وشكل قبيح في غرفة رثة. بينما هناك طالب واحد رسم الغرفة عادية ولكن كل شئ فيها معكوس، الصغير كبير والكبير صغير، المستقيم معوج والمعوج مستقيم، المستوي مقلوب والمقلوب مستوي، الأبيض أسود والأسود أبيض، وهكذا كل شئ عكس صفته لللبس والضلال. والإنسان الذي يجلس في الغرفة مستأنس وكأن كل شئ عادي في نظره.

فما يمارسه إبليس عليه اللعنة هو التزيين والوسوسة والرجز و التدليس والتلبيس والتسويل والنزغ والتنسية والزعزعة لينحرف الإنسان عن الفطرة. فيعكس للمغوي واقع مختلف، كاللعب بالألفاظ، ليخرج صاحبه من دائرة العقلانية والمرجعية لله سبحانه وتعالى وتذكره. ((إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء)) [المائدة: 91]، فيزرع التحاسد والكراهية والأنانية والتباغض والحقد بين الناس. ومن ثم يوقعنا في فتنة أخرى حذرنا الله منها مباشرة: ((يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة)) [الأعراف: 27]. والخطاب هنا أيضا لكل البشر والناس لأن الله تعالى يقول: ((إن الشيطان للإنسان عدو مبين)) [يوسف: 5]. فعدو الإنسانية هو الشيطان وإذا أختلف الأنداد فيما بينهم تسهل العداوة والهجوم عليهم. فكل الناس برغم إختلافهم لابد لهم من التعايش السلمي مع بعضهم البعض لكي لا يحققوا غرض الشيطان الأول.
أما المؤمنون فقد خصهم الله تعالى بخطاب آخر بقوله: ((إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا)) [المجادلة: 10]. ويقول لهم: ((إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين)) [آل عمران: 175]. وعليك ان تلاحظ بأن الشيطان يريد فقط وليس يقوى أن يفعل شيئا وليس لديه مشيئة، فقط يوهم ويستخف ويستهزئ بمن يظنون أنه قوي ليفعلوا له ما يريده منهم، فيكونون أولياؤه، ويخوفهم لذلك. بينما الله سبحانه يفعل ما يريد وما يشاء وفعال لما يريد ولا يخوف المؤمنون بل لهم كامل حرية الإختيار والمشيئة والإرادة بأن يفعلوا ما يريد الله تعالى إذا شاءوا بما يشئ الله عز وجل فيكونوا أولياؤه، ويعينهم على ذلك.
فليس للشيطان شكل معين بحيث لا أستبعد بأنه يمكن أن يتخذ شكل شيخ له لحية حتى يزين للناس الباطل حقا. وأستغرب ممن يظنون أن الشيطان له شكل قبيح فقط ولا يمكن أن يكون جميلا كالإنسان-متمثلا به- كما يقول ربنا سبحانه ((من الجنة والناس)). فنحن لا نعرف شكل الجن ولكن نعرف شكل الإنسان. لذلك ربما يتمثل لنا في أشخاص يظنهم البعض ملائكة أطهار- والعياذ بالله.

مهمة المؤمنين الرئيسية في السفينة..

وهي سد الثقوب. فالله يأمر المؤمنين ب:((يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين)) [البقرة: 208]. والأمر بالدخول في السلم كافة لأن الحروب هي من خطوات الشيطان. وإذا تأملنا في القرآن الكريم نجد كل الآيات تشير لنبذ الحروب وإطفائها ((كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين)) [المائدة: 64]. ((حتى تضع الحرب أوزارها)) [محمد: 4]. ولكننا للأسف نجد أن الفهم عكس تماما. ونجد منطقتنا تضج بالحروب. ومن المؤسف جدا أن بعض الشيوخ يأججون لإشعال نار الحروب مدعين إنها لنصرة الله ودينه ويقتلون ويسفكون دماء الآخر لأنه مخنلف عنهم عقائديا وطائفيا ومذهبيا. وقد بينت ذلك في مقالاتي "أنا النبي لا كذب" بأن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام لم يشن حربا قط على أحد بل رد لعدوان فقط وأن تسمية المعارك التي خاضها غزوات ما هو إلا تضليل وتدليس من إبليس لتزيين الحرب كشئ يأتي بجميل. ومن ثم أسموا حروب رد العدوان في زمن أبوبكر الصديق حروب الردة، وهي ليست حروب إنما رد لعدوان. وبذلك قنن سلاطين وملوك المسلمين شن بعض الحروب على الشعوب بدعوى الفتوحات لنصرة الدين. وإذا رجعت لسورة البقرة وقبل الآيات التي تدعوا للسلم يقول ربنا سبحانه: ((ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام* وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد* وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد)) [البقرة: 206].

لذلك في نفس السياق يأتي التتويج النهائي الذي يفرح إبليس في نهاية سورة الكهف حين يرى الإنسان أو الناس ضالين و يحسبون أنهم يحسنون صنعا و حقيقة أعمالهم خاسرة وباطلة بسبب عماهم وغرورهم بما يعملون كما يقول المولي تعالى: ((قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)) [الكهف: 104]. وعليك أن تلاحظ بأن إبليس يعلم ان الله واحد فليس مشركا بالله مطلقا ولكنه متحديا له سبحانه وكافرا به لأنه إغتر وجعل الإنسان –مخلوق الله- عدوه. فحين يتخذ البعض نهجه يتوهم الشيطان حينها بأنه كسب رهانه مع رب العالمين ليرتاح لحظيا، ثم ينكص على عقبيه ويتركهم في ضلالهم يعمهون. ويرجع ذلك أيضا لأن أعينهم (القلبية والعقلية) لا تنظر ولا تستمع لتعقل وتؤمن على هدى وبصيرة، وتدخل في السلم والسلام مع الإنسانية كما يقول تعالى: ((وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا * الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا)) [الكهف: 101]. أما أولي النهي الذين أذانهم العقلية صاغية وألباب عيونهم القلبية واعية سينجون بجهادهم لسد الثغرات وتحقيق السلام.

((وكان الإنسان أكثر شئ جدلا))..

وهنا ندخل في جدلية أخرى لأن أولئك الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا لا يظنون أنفسهم ضالين بل قائمين بالحق ضد الباطل. فالحق يكون باطلا هنا، والباطل يكون حقا. فكيف تعرف الحق من الباطل؟. فهذا الموضوع سأتطرق له مرة أخرى بإطالة إن شاء الله. ولكن إختصارا يتضح لنا من الآية إن الأزمة هنا أزمة أخلاق في النهاية والتي تؤدي لهذا الجدل. فالسيئ وعديم الضمير والأخلاق يعمل أعمالا علي المستوى الفردي أو الجماعي ويحسب أنه يحسن صنعا. والأسوأ والأضل هو إدعاء الحق المطلق و إمتلاك الحقيقة المطلقة وبذلك الحق الإلهي والصك الرباني في إيذاء خلق الله وسفك دماء الناس بكل أريحية وهو يكبر الله أكبر. بينما الآخر لم يبسط يده ليعتدي، ويقتل الآخر لمجرد إختلافه معه. فالتمييز بين الحق والباطل يكمن هنا في التفريق بين مبدأ كل واحد منهما. فكلاهما ربما يموت في سبيل مبدأه وتحقيقه، ولكن من منهم يستطيع أن يبسط يده ليقتل أخيه الإنسان في سبيل تحقيق رغبته ويتخذ كل وسيلة لتبرير الوصول للغاية. فهذا الأخير هو ما يناقض مبدأ رب العالمين الرئيسي في عدم إلتزامه بإرادته الأرض أن يكون فيها السلام، وليس عليها السلام. فمن يفسد فيها ويسفك الدماء هو ولي للشيطان -جند أبليس- ومحقق لوعد إبليس الأول لتحديه لرب العالمين.

فالتفريق بين الحق والباطل يكمن في المبدأ إذن والذي يلبسه الشيطان على الناس. وبعد الآية [الكهف: 50] التي تتحدث عن اللعين يخبرنا رب العزة أنه للناس في القرآن من كل مثل ولكن كان الإنسان أكثر شئ جدلا. ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق متخذين آيات الله هزوا. وبعد أن يستفحل الوضع ويتفشى الظلم يقول ربنا سبحانه: ((وتلك القرى أهلكنهم بما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا)) [الكهف: 59].
فالمقياس بسيط إذا، فمن الذي يدعو لشيوع السلام بين الناس بمختلف أديانهم وسحنهم وأعراقهم وألوانهم وقبائلهم دون تفرقة لأنهم جميعا خلقهم الله، ويدعو للعدل بينهم، ويقول للناس لابد من الأمن والتعايش السلمي فيما بينهم سيما إن كانوا في رقعة أرض/وطن واحدة. وبين آخر يدعو لعكس ذلك تماما بالتعصب والتعنت والتزمت وفرض رأيه قسرا على الكل، فيسفك دماء الناس لتصفية رقعة الأرض لدين أو عرق أو ملة، مدعيا نصرة الله وغير مكترثا للإنسان أساسا وحريته والعدل والمساواة بينهم.

فلا غرو إن العالم كله يبحث عن السلام والأمان الآن لأن هذه هي الفطرة الإنسانية. والحق يعرف بالفطرة والتي يموهها إبليس اللعين لتمور عن عين القلب والعقل. وهنا يستحسن ان نعرف الفرق بين الفطرة، الغريزة، الطبع، الأدب، الخلق.
- الفطرة: الصفات التي جبل الله عليها النفوس للميل للحق ومناصرته والتفريق بين الحق والباطل. كالبراءة والصدق وعدم الكذب والتمثيل والخداع، والميل للقيم الإيجابية ومنافرة السلبية. والفطرة أقرب وصف لها ذمة الإنسان أو الضمير الحي.
- الغريزة: هو سلوك الإنسان العام والخاص الخاضع أيضا للوراثة. والغريزة يشترك فيها الإنسان والحيوان سويا.
- الطبع: وهو ما إعتاد عليه الإنسان. ولهذا الطبع يغلب التطبع دوما. ولا يمكن التخلص من الطباع السيئة إلا بالرجوع إلي الفطرة. والطبيعة أو الطبع ليس جبل كما يقولون، لأنه لو كان كذلك لما رجع وتاب الكثير ممن عملوا السيئات وكانوا من الكافرين والظالمين.
- الأدب: تصرف الناس علي مقتضى الصواب. وهو رياضة النفس بالتعليم والتهذيب علي الصحيح.
- الخُلق: وهي الحالة الراسخة للنفس التي تصدر عنها الأفعال بموضوعية وعقلانية وإتزان في جميع التصرفات ليسمو الإنسان بفطرته ويرجع بها لأخلاق الحق سبحانه وتعالى ليكون على خلق عظيم.

لنبحر جميعنا بسلام..

على تلك الأوتار الخماسية يلعب الشيطان الرجيم فيوسوس بالغلظة وغواية حب الدنيا وعدم الحكمة والموعظة الحسنة والأنانية وفساد الأخلاق مستخدما ريشة الغرور. فعلينا إذا بتفتيش ما هو الخلق الذي يطفئ نار الغرور في النفس. فقد وجدت إن خلق التواضع هو السفينة التي تجمع كل قوارب النجاة التي تحدثنا عنها سابقا. فهو دواء شافى وقاتل لمرض الغرور، وهو خلق ترتوي منه بقية مكارم الأخلاق لتنمو.
الآن إستبدل كلمة الغرور من تلك الفتن وضع كلمة التواضع مكانها، فستكون: التواضع فى الدين، التواضع في المال والولد، التواضع في العلم، التواضع في الحكم والسلطة. أهناك فتنة في ذلك. فعندما يتواضع المرء لا يتعصب ويدرك بأن هناك من أفضل منه فيستمع ويصغي فلا يتكبر ولا يتجبر ولا يستبد ويغتر بما عنده.

ويعكس الله تعالي ثواب التواضع مباشرة في الآية الكريمة: (( ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا)) [الكهف: 104]. فمن المعروف بأن الفردوس هو أعلى مراتب الجنة. فلا يسعني هنا إلا أن أقول سبحان الله وصدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: (من تواضع لله رفعه). فلاشك ان التواضع يرتقي بالشخص يصعد به إلي أعلى المراتب في الدنيا وجنان الآخرة.

وفي ختام السورة يخاطب الله تعالي الذي أدب حبيبه صلى الله عليه وآله وسلم أحسن تأديب بتذكاره شخصيا بالتواضع فيقول له: ((قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)) [الكهف: 110]. أي أن تواضع وقل بأنك بشر مثلهم والفرق أنه يوحى إليك. فكان عليه الصلاة والسلام لا يعرف من بين أصحابه جميعا إن كانوا عبيدا أو موالي. وكان يجلس مثلهم ويأكل معهم. فكان خير مثال ودليل لهذا الخلق العظيم، ولم يكن فظا غليظ القلب بل رحيما بكل الخلق والناس أجمعين.

وتجد في سورة الكهف كلمة ((وليتلطف)) والتى يجب بعدها السكوت. فهي الكلمة التى تأتي فى منتصف عدد كلمات القرآن الكريم تماما والتى حوالى 77439. و التلطف معناه الترفق والمعالجة بأدب وهذا لا يتأتى إلا بخلق التواضع.
فسورة الكهف منجية من الفتن بإذن الله إذا تدبرناها وتخلقنا بخلقها كما نحافظ على تلاوتها كل جمعة. فهي سفينة من جواهر ومرسى أمان من فتن الدنيا وتقودنا إلى جزيرة كنز الآخرة إن شاء الله.

اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأشُرب أعمالنا كلها بالإخلاص وخلق التواضع.
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1798

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#970555 [كىىكى]
0.00/5 (0 صوت)

04-12-2014 09:39 AM
ان الله يقول في معنى اياته ولقد نزلنا القران للزكر فهل من مدكر فالقران هو كلام الله وهو العالم بحالنا لانه خالقنا لكن ابليس عليه اللعنه هو سبب كل هده الابتلاءات فالمخرج والمنجى بين ايدينا كتاب نقراه صباح مساء دون تدبر فجزاك الله خيرا على ما اوضحت وهدانا جميعا الى الصراط المستقيم

[كىىكى]

#970239 [NB]
0.00/5 (0 صوت)

04-11-2014 07:28 PM
تصحيح:((وتلك القرى أهلكنهم لمّا ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا)) [الكهف: 59].

[NB]

#969898 [بت البلد]
0.00/5 (0 صوت)

04-11-2014 10:42 AM
شكرا لك وكتر خيرك ... ونسأل الله العظيم أن يجملنا بالتواضع ويختم لنا بخير عمل ويجعل ثوابه الجنة... آآآآميييييييييييين

[بت البلد]

#969888 [usama]
0.00/5 (0 صوت)

04-11-2014 10:19 AM
كلام جميل ربنا يفتحها عليك قبل شوية كتبت كلام فيه عنصرية لعدم فهم الغرور لكن الحمدلله اول حاجة قريتها بعد الكتابة مقالك وحسيت باني اخطات وارجو من الله ان يغفر لي ويرحمني ...

[usama]

سيف الحق حسن
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة