المقالات
السياسة
صُورة فِي نَظرة
صُورة فِي نَظرة
04-11-2014 12:43 PM


قد يقع نظر الانسان على شجرة مورقة لها ذكريات , فتلهب ذكرياته. و ربما يقع نظره على فتاة جميلة فتهيج لواعج الشوق فيه. و قد يمتد الانسان نظره في رحلة برية , فتثير ثائرته لذكريات الصبا. و لكن ما أقصده هنا من "صورة في نظرة" البعد الموضوعي , لا الاشواق الشخصية الذاتية. هي صورة يلمحها الرائي فيختزنها و يحللها الذهن , فإما ان يفندها بموضوعية بعد ما ان جذبته , او ان يختزنها في ذاكرة التقليد بعدما ان استهوته
.
قد يحمل المجموع العصبي للفرد هذه الصورة , و يكون قد حللها مسبقا ً, فهنا يكون دور الذهن ليس إلا شرطي متسلط ينفذ ما طُلب منه في صرامة , فهذه هي هالة التقليد المميتة. و لكن الذهن الحُر , لا يحجر على نفسه , و لا يتعجل النتائج و الاستنتاجات , بل يدع مساحة للإبداع و التحرر المنضبط بقيود الحساب و البرهان. قد يخطئ الذهن في ترجمة الصورة و يأخذها كمُسلّمة اجتماعية أو سلوكية أو دينية, فيكون العرض الباهت لصورة عُرفت منذ آلاف السنوات , دون أن تتبدل أو تتجمل أو يُنفضُ عنها الغُبار.
تأخرت كثيرا خطواتنا نحو التقدم بل تخلفت , و السبب في رأي أن الصورة الدينية التي ارتسمت في أذهان الناس عن سلوك رسولنا الكريم لم تكن مكتملة, ففهما كثير من الناس كرسائل و خطب للوعظ لا للعمل. لذا أصبحت مُكَبِلة للفكر بدلاً من أن تكون دافعة له. فإذا أحسستم بصدق الانسان و أخلاقه و حريته فأتبعوه فلن تخيبوا. هنالك نظرات قاتمة و سوداء و محبطة فهذا هو البلاء , و هنالك نظرات واضحة و بيضاء و طموحة و جريئة و متفائلة فالزموا طريقها فهي سر النجاح.

التفوق الاكاديمي لوحده كجمال الغيث بلا تربة ليهبط فيها و يسقيها , و الأخلاق و الخطب الدينية بلا علم و عمل كالأرض بلا مطر و ماء , يصيبها الجفاف فتتشقق و لا ينجو من على ظهرها. فاكتمال الصورة جوهر الحياة , و تفاعل الروح منبع الحياة , و حركة الفكر و الذهن نور الحياة. بلا أدنى شك نرثى لحالنا و يحملنا الأسى الى حيث الفشل العريض. و لكن اذا تحولت كل أفكار رجال الوطن و شبابه الأدبية و الفلسفية و الدينية و الثقافية الى عمل بل و عمل اقتصادي نجني من وراءه الفائدة العامة للناس فهنا تكتمل الصورة و تتضح النظرة و الرؤية.

لقد ازدحمت ذاكرتنا بصور الماضي , في الكتب المدرسية و الشارع و الاحتفالات و التفاعلات الاجتماعية التقليدية. و قبل ان تُطبق هذه الصور و تتحول الى صورة عملية , شُحِنت مرة أخرى بمثلها و في كل مرة يأتي لأرض السودان من يريد أن يغير الصورة القديمة التي لا تناسبه الى أخرى تناسبه و بصورة انانية و حزبية بعيدة عن الوطنية و الثوابت , بغض النظر عن المنهج السلوكي و التربوي المتوارث في المجتمع , فيا قومي لن تنالوا النجاح حتى تحترموا كل مقدرات الشعب العظيم في طبعه. فان حُمل الشعب على ما لا يطيق تمرد و تذمر , و هكذا ستصبح الحياة أشبه بملهاة ليلية في مسارح المدينة المتهالكة مادةً و فكراً و بشراً و ابداعاً , و لا جديد في دنيا الابداع و سيظل الصراع هكذا الى ما لا نهاية ما دمنا نصطرع في ذواتنا و شخصياتنا , فدعونا نحمل ذواتنا فوق شهواتها و ننتصر عليها. فان خلقنا مجتمعات صغيرة نقية و عملية ستكبر الدائرة و تنمو الى ان تشمل الكل. فدعونا لا نقعد في مقاعد النقد سنين طويلة و نترك مقاعد العمل في صورة كئيبة قد ترسخ هكذا و يلزم الناس الفشل و يلازمون الاحباط, انفضوا الغبار و غيروا النظرة تتجدد الحياة , فليس لفاشل أثر على حياتنا , فالفاشلون لا يسيطرون علينا و لا يقودوننا الى أي طريق. فجرم صناعة المستقبل نحن من نُحاسب عليه , لأن أطفالنا يحملون صورة الكهول الضعفاء , بتسلط الذهن التقليدي فلا يقرءون نظرات أطفالهم , و يثبتون في ذاكرتهم الشدة في التربية و العنت , فهيهات أن يستغيث هؤلاء الأطفال لأنهم لا يجدون سوى شرطي يطبق على أنفاسهم و يقتل طموحهم في جوف الليل , و تجده في ضياء النهار يعلو صوته بالقيم و الأخلاق. هذا مؤشر لعدم الفهم و التناقض و النفاق ان كان بقصد أو دون قصد و ان كان بعلم أو دون علم. فالأطفال قطع من الماس و الجواهر ان شوهتها قتلتها , فرجال السياسة الكارهون للجمال يقتلون الأطفال بأفكار فوق مستواهم و يحرقون فيهم الإحساس لذلك هم فاشلون. و الفشل الأكبر ان كل حياتنا سياسة , ليس فيها قيم أخرى بنفس القدر , لذا جاءت الصورة بتلك النظرة و جاء الفن و الأدب و الثقافة بألوان سوداء و أطفال مجروحين و مشردين و جوعى و لقطاء و جهلاء.


[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 447

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أحمد يوسف حمد النيل
أحمد يوسف حمد النيل

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة