المقالات
منوعات
صورة الأنثى فى شعر محجوب شريف
صورة الأنثى فى شعر محجوب شريف
04-11-2014 08:00 PM

صورة الأنثى فى شعر محجوب شريف
تأملات من نافذة اغنية "السمبلاية" لمحمد وردى

عرف محجوب شريف بأشعاره النضالية . و لعله الرقم الأبرز فى مسيرة الشعر العامى السياسى السوداني فى العصر الحديث. لكن محجوب شريف أيضا شاعر كتب قصائد عاطفية من طراز رفيع . و قد تغنى له الراحل العظيم محمد وردى فى هذا الخصوص بروائع مثل " جميلة و مستحيلة" و " انا مجنونك " و " سمبلاية " و غيرها . كما ان لمحجوب قصائد مغناة تتناول قضايا مهمة مثل قضية الهجرة التى تناولها فى نصه الجميل " سافر زمان قبال سنين " التى صدح بها صلاح مصطفى .
ثلاثة ملامح تستوقفنى فى علاقة محجوب بالأنثى : أولها الربط بينها و بين الأرض ، باعتبار أن الأرض هى الأم التى خرجنا منها و فيها نعود و عليها اتكالنا فى المعاش اليومى . هنا مثلا فى " سمبلاية " تجد هذا بوضوح فى المقطع :
و بينى و بينك الضحكة و رحيق الشاى
و طعم الخبر و السترة و مساء النور
و صدق العشرة بين الأرض و الإنسان
و فى مقطع ثانى من " السمبلاية " يصدح محجوب :
لقيتك فى حياتى جذور
بنيّه اتلفحت بالنور
مهجّنه من غنا الأطفال..
ومن سعف النخيل والنيل
ومن وهج الشمس موّال
هذه الرؤية تقفز مرة أخرى فى نص مثل "جميلة و مستحيلة" و بشكل أعمق حين تشتبك الحبيبة مع كل مظاهر الكون و اختلاجات حركته :
حدثت عنك نجمة جارة
و زرعت اسمك حارة حارة
فى مناديل العذارى
فى مشاوير الحيارى
فى لحا الأشجار كتبتو
نحتو فى صم الحجارة
بحت لى الشمس البتقدل فى مدارا
الملمح الثانى هو الربط بين الأنثى و مفهوم السكينة الروحية . و لذا يشكل تعبير- بل مفهوم - " راحة البال" مدخلا كبيرا لفهم رؤية محجوب شريف للأنثى . فهى بالنسبة لشاعرنا الكبير ليست مجرد جسد يتغزل فيه كما فعل الأقدمون و كما يفعل بعض معاصري محجوب نفسه . لكن الأنثى تشكل لمحجوب وطنا و أهلا و صحابا . إنها راحة البال التى ينشدها فى خضم صراعه الدائم مع الطغاة فى وطنه الكبير : العالم . و هو فى حبه ذك العاشق العف " ابن البلد " الذى لا يعرف القفز فوق الحائط ، بل يدلف دوما من باب الحوش الكبير :
و انا اخترتينى إنسانا عزيز النفس بتمنى
و بسيط الحال
على حرمت غرسا ما سقيتو حلال
و ما فصد حصاهو قفاى
محجوب إذن لا يريد غرسا مسروقا. بل يريد غرسا رواه بسواعده . يريد أن يزرع أرضا حمل حصاها على ظهره حتى جرحته الحجارة .
الملمح الثالث فى رؤية محجوب للمرأة هى أنها شريكة له . شريكة فى نضاله اليومي في سبيل لقمة العيش و ليست مجرد فرد مترف يعيش على هامش الصراع :
ومشوار الحيا اليوماتى
ما بين الجبل والسهل..
ما بين الصعب والسهل
عزّ الليل..
وفى سكّه مطر بكّاى
ولا هماً تشيلى براكْ
ولا جرحاً أعانى براى
ولانا على بعض نمتن
بل إن الأنثى شريكة له فى نضاله السياسي الأوسع . ففى قصيدة " فى انتظارك " يصدح محجوب :
بى اختيارى و بى اختيارك
كم نشارك فى المعارك
ما بنخلى فرسنا بارك
لا يؤمن محجوب بمبدأ الاضطرارية في الحب . و الحب لديه ليس عاطفة تأتى كغيمة صعلوكة من اللا مكان ، ثم ما تلبث أن تتلاشى كبرق . ففى رائعة "سمبلاية " يبدأ محجوب بقوله إن حبه لمحبوبته كان وليد اليقين ، و لم يكن حبا مراهقا فجا . و انه حين التقاها و أحبها لم يفعل ذلك لجاه أو مال . بل أحبها لأنها ملاذه من سأم الليالى البور . و لعلى لم أقرأ وصفا ابلغ لليالى الخاوية الباردة من وصف الليالى البور : هنا أيضا تقذف الى السطح علاقة محجوب بالأرض. فالبوار مصطلح يستخدم أصلا لوصف الأرض العقيم التى لا تلد ثمارا . و أنثى محجوب هى ملاذه كما أسلفت بل أحيانا قد تكون بداية وجوده نفسه كما يهمس هو فى رائعة " انا مجنونك " :
معاكى معانى حياتى بتبدا
و افتح بابا ياما انسد
و اشوف العالم ربوة جميلة
عليها نسيم الصبح مخدة
و حب محجوب ليس حبا رومانسيا فجا ، لكنه حب ناضج . حب يعترف بان الحياة ملأى بالصعاب و الصراعات التى تحتاج الى صبر و احتمال . و هما – هو و محبوبته - فى مشاور الحياة المرير قد يختلفان ، لكنه اختلاف صحى ، اختلاف قوة لا ضعف ، و هو لا ينظر إلى أنثاه من عل ، و لا بفوقية :
وتزعلى يوم..
وازعل
وننفعل مرات
تقبّلى منّى..
واتوسّد ضُراعى سكا
وفينا حنينه
تتشابك موده..
تشابك الغابات
ونحن اذا اختلفنا سوا..
بنطيع الصاح
ولو بتنا القوا بنرتاح
هذا من زاوية الأنثى الحبيبة بمعناها الضيق . اما رؤية محجوب للاثنى بشكل عام ففيها الكثير من التوقير و التقدير لها و لدورها . و يحتفى محجوب جدا بالمرأة المناضلة البسيطة التى تقوم على تربية صغارها و تشمخ فى وجه الزمن القبيح . ففى " عشرة مقاطع للحياة " يصدح محجوب محتفيا بانثى ما :
إنسانة ابسط ما يقال
لو صاح
اعز من النساوين الرجال
أنثى ولا دستة رجال
تمشي وما بتطأطي
ما بين بير وشاطي
تطلع عالي واطي
نهارها مع السواقي
وليلها مع الطواقي
وعمرها للجهال
هذه الصورة تتكرر كثيرا فى شعره . فمثلا فى قصيدة " ام اليتامى " نطالع :
بين العمل والبيت
فصّد جبينها عرق..
أم اليتامى بكت
لمن حسابها فرق
ماهية تمشي السوق
مركب مصيرها غرق
حق اللبن والزيت
الكسرة والكراس
هم في عيونها برق
الما بحس ما بهم
والخان همومو سرق
هذا المرتب تب
ما بسدها الفرقة..
القعدة في المكتب
والإمضا في الورقة
و قد يحتفى محجوب بالأنثى كجزء أصيل من شباب المناضل الواعي الذى يمتلك القدرة على التغيير و الصمود فى وجه الريح :
شجر متشابك الهامات
جيلاً جاي حلو الشم
صبايا وفتية يمرحوا فى صباح الغد
عيونهم برقهن لماح
سوالم رد
وتطلع من شقوق الأرض
آلاف المدن قامات
يطلعوا من قلب الحجر الصم
خفاف ولطاف
ثعابيناً أوان الجد
غير ان الأنموذج الأغلى للأنثى فى حياة محجوب يتجسد فى أمه " مريم محمود " و لعل مرثية " يا والدة يا مريم يا عامرة حنية " تشكل واحدة من اصدق المراثى فى الشعر العربى فصيحه و عاميه . و مريم محمود هى سنده فى الكون :
عارف حنانك ليّ راجيك تلوليني
دايماً تقيليني وفى العين تشيليني
ألقاه عز الليل قلبك يدفيني
ضلك عليَّ مشرور قيلت فى سنيني
أنا لو تعرفيني لو تعرفي الفيني
انا كم بحبك كم
و لعل هذه المرثية تحتاج الى تأمل منفصل .
بقى ان اقول ان الراحل العظيم " محمد وردى" تلقف رائعة " سمبلاية بحسه العبقرى ، و حاك لها من الحانه المتفردة وسادة وثيرة من حرير موسيقى ، ثم تعانقت الكلمات الجميلة مع اللحن العبقرى لتهدران بواسطة الصوت الحضارة فإذا بالسمبلاية واحدة من أهرامات الغناء السودانى الشوامخ .
.....
يتبع
........


مهدى يوسف ابراهيم: جدة 2013
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 3591

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#970678 [بتاع بتتييخ]
1.00/5 (1 صوت)

04-12-2014 11:54 AM
مات شاعر الشعب محمود شريف تاركا هذا الشعب في الامه وجراحه عاش حياته فداء لهذا الشعب وان اكبر استفتاء هو تلك المواكب التى صارت تنشد ما كتبه اثناء تشييعه
وضرب تجار الدين ضربة تحت الحزام عندما رؤو تهافت المحطات الفضائية على اعلان موته وهم لن يقدمو سوى مجرد خبر عابر
الا رحم الله شاعر المكلومين والمستضعفين من ويلات الزنادقة والاصوليين
ونعلم انك خالد في قلوبنا وانتا الذي كانت كلمك اعتى واقوى من رصاص الكهنة
وبءسا لتجار الدين الملاعين ... ولابد لهم من نهاية

[بتاع بتتييخ]

مهدى يوسف ابراهيم
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة