المقالات
السياسة
تحولات السودان وانعكاساتها العربية ..
تحولات السودان وانعكاساتها العربية ..
04-12-2014 08:01 PM


شارك الكاتب مؤخرا في ندوة في بيروت أقامتها صحيفة "السفير" اللبنانية بمناسبة مرور40عاما على صدورها مستشرفا المستقبل من قراءة لما يجري في السودان.
*****
المستقبل يبدأ اليوم، والتيارات المتصارعة في هذه الفترة تضع الأساس لمستقبل يتخلق الآن. رغم ان السودان يعيش على الهامش السياسي والاقتصادي والجغرافي للمنطقة العربية، إلا أن ما جرى ويجري فيه يمكن أن يشكل مرآة لتطورات الأحداث التي يشهدها العالم العربي وشعوبه. ففي أكتوبر/تشرين الأول من العام 1964 أنجز السودان ثورة شعبية أطاحت بالحكم العسكري الأول فيه، وكرر نفس الخطوة بعد ذلك بعقدين من الزمان عندما أطاح بالحكم العسكري الثاني في أبريل/نيسان 1985 مستخدما نفس الأساليب السلمية المجربة من الأضراب السياسي والعصيان المدني ليسبق بذلك ثورات الربيع العربي بأكثر من أربعة عقود من الزمان.
وفي مطلع عقد السبعينات قام السودان بأول خطوة من نوعها في العالم الاسلامي عندما تم تعيين أول قاضية شرعية، ومع بروز المرأة في ميدان العمل العام بسبب هجرة الرجال إلى مناطق الاغتراب وتصاعد عمليات العنف واهتزاز النسيج الاجتماعي تقدمت المرأة في درجات السلم الوظيفي والعمل العام وتحقيق شيء من الاستقلالية الاقتصادية ولو أنها تركزت في ميدان المهن الهامشية إلى حد كبير، لكن ذلك الحضور عبر عن نفسه سياسيا عندما أقر قانون الانتخابات الذي أجريت على أساسه انتخابات العام 2010 نسبة 25 في المقاعد لصالح النساء. وباستثناء العراق الذي خصص بالفعل نسبة لمقاعد النساء، فإن بقية الدول العربية حتى تلك التي قطعت شوطا على طريق التحول بعد الانتفاضات الشعبية التي مرت بها مثل تونس واليمن لا زالت تتحدث عن إجراءات لدعم التمثيل السياسي للنساء سيتم تقنينها في الانتخابات المقبلة.
في ديسمبر/كانون الأول من العام 2012 افتتح الرئيس عمر البشير خط أنابيب يمتد على مسافة 147 كيلومترا في مربع (6) وهو أول خط يتم بناءه بعد انفصال جنوب السودان قبل ذلك بعام، والفكرة أن يساعد الخط شركة "بتروأنرجي" على توصيل نشاطها إلى داخل المربع الذي يمتد بين ولايات كردفان ودارفور في غرب البلاد، لكن بناء الخط الذي كان ينبغي أن يستغرق فترة ثلاثة أشهر فقط استنزف قرابة ضعف تلك المدة وذلك لأسباب تتعلق بمطالبات لأهالي تلك المنطقة أنهم يريدون نصيبهم من الثروة النفطية في شكل خدمات وفرص توظيف لأبناء المنطقة ومشاريع تنمية، وهذا هو المشهد الذي تكرر بصورة أو أخرى في إقليم برقة الليبي وطوره أكراد العراق لتحقيق قدر من الاستقلالية لاستغلال مواردهم النفطية لصالحهم وبعيدا عن الهيمنة المركزية لبغداد، الأمر الذي يؤذن بدخول صناعة النفط العربية مرحلة جديدة أبرز ملامحها تقليص سيطرة المركز على هذه الصناعة الهامة والاستراتيجية.
بل إن السودان كان أول من شهد وصول جماعة الإسلام السياسي إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري، الأمر الذي يثير أسئلة عن مدى التزام هذه الجماعات بالممارسة الديمقراطية علما أن تنظيمها السوداني وقتها "الجبهة الإسلامية القومية" وعلى غير ما كان سائدا في المنطقة كان متاحا لها العمل تحت رايتها المستقلة معارضة ومشاركة في حكومة ائتلافية. على أن سنوات حكم الإسلامويين السودانيين التي أكملت ربع قرن من الزمان كشفت بجلاء عن خواء الشعارات حتى في القضايا ذات البعد الأخلاقي مثل العدل والفساد وحقوق الإنسان، ناهيك عن الفشل الاقتصادي بل وحتى في الحفاظ على حدود الدولة السودانية الموروثة. ففي عهد الإسلامويين انقسم السودان. وها هو شبح التقسيم يطل على العراق وسورية وغيرها من دول المنطقة.
بل إن طول المكوث في دست الحكم قضى تقريبا على ألق الشعار الإسلاموي في البلاد حتى أن الحزب الحاكم وارث عقود من تراث الحركة الإسلاموية السودانية آثر هجر تلك الصفة وأطلق على نفسه أسم "المؤتمر الوطني" فقط، بينما الحركة الإسلامية تابعة له، واكتملت هذه المرحلة أواخر العام الماضي بخروج شخصيات تاريخية ذات رمزية إسلامية من كابينة القيادة مثل نائب الرئيس السابق علي عثمان ومسؤول الحزب الدكتور نافع علي نافع.
وهذا ما يعتبر خلاصة وتجسيدا لفشل النخبة السودانية بيمينها ويسارها، عسكرييها ومدنييها الذين حكموا البلاد لأكثر من نصف قرن من الزمان ولم يستطيعوا التواؤم والتوصل إلى صيغة تعبر عن التنوع الذي يحفل به السودان مما نتج عنه ازمات متلاحقة وحروب أهلية متتالية لم يؤد فصل الجنوب إلى إخمادها.
ولا يقتصر الفشل على الطاقم الحاكم حاليا وإنما يمتد إلى المعارضة بشقيها السلمي الموجود داخل البلاد وتلك التي تمتشق السلاح وترفع شعار إنصاف أهل الهامش من أهل المركز المستأثرين بكل السلطة والثروة. فمعارضة الداخل تعاني من أمرين أنها جربت مرتين على الأقل من قبل ولم يكن أداؤها في مستوى الطموحات، كما أن قياداتها في العقد الثامن من عمرها في المتوسط، الأمر الذي لا يجعلها معبرا مناسبا عن المستقبل. أما الحركات الحاملة للسلاح وتنضوي تحت لافتة الجبهة الثورية السودانية من الحركات المتمردة في دارفور والجبهة الشعبية- قطاع الشمال، وهو من بقايا الحركة الشعبية التي انفصلت بالجنوب، فأنها أيضا تعاني من إشكالين رئيسيين أنه وبعيدا عن الشعارات حول إنصاف المهمشين ليس لديها برنامج عملي لكيفية تحقيق ذلك، كما أن بعض هذه الحركات دخلت في اتفاقيات من قبل مع الخرطوم انتهت إلى وظائف وامتيازات لبعض منسوبيها، وهو مالم ينعكس على القواعد. على أن أهم نقد يوجه إلى هذه الحركات أنها بلجوئها إلى البندقية تضع الخيار الديمقراطي في خطر لأن من يصل إلى الحكم عبرها لن يتخلى عنها من أجل صندوق الاقتراع، وما يجري حاليا في جنوب السودان من تفجر للعنف بين رفاق الأمس يبقى شاهدا حيا على ذلك.
على أن هناك أربعة عوامل ستؤثر على مستقبل البلاد من خلال تبلورها والطريقة التي سيتم التعامل معها: أولها ان الأزمة الوطنية وصلت مرحلة شاملة دفعت بالنظام إلى الإعلان عن حوار بين كل القوى السياسية حتى تلك الحاملة للسلاح، وهو ما ينتظر ان يتشكل بصورة عملية ويخلص إلى نتائج خلال هذا العام. وهناك أيضا الدور المتعاظم للمرأة في الحياة السياسية والاقتصادية، والبروز القوي لثورة الاتصالات. فهناك شبكة أرضية من الألياف الضوئية تمتد على مسافة تقارب 25 ألف كيلومترا، كما تجري الخطط لإكمال التحول من التقنية التقليدية إلى تلك الرقمية في غضون ست سنوات. وتشير الإحصائيات المتوفرة إلى وجود 30 مليون وحدة من الهواتف السيارة توفر الكثير من استخدامات الإعلام الجديد بما في ذلك الأنترنيت التي يعتقد أن نصف سكان السودان على الأقل لديهم اشتراك فيها.
وهذا الوضع سيفرض واقعا جديدا أنه لن يكفي رفع الشعارات في الإجابة تلك الاسئلة التي يطرحها وإنما في كيفية تطبيق تلك الشعارات على أرض الواقع والاهتمام بالناس في أقاليم البلاد من خلال برامج عملية تركز على تنمية تلك المناطق وتوليد الثروة فيها بداية. وهناك إشارات على هذا التحول بدأت في ولايات البحر الأحمر في شرق السودان، ونهر النيل في شمال السودان وشمال كردفان إلى الغرب. ومدى النجاح في هذا المسعى وتحوله إلى هم قومي سيحدد مستقبل السودان.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 899

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#971922 [عثمان سعدالدين]
0.00/5 (0 صوت)

04-13-2014 05:02 PM
الأستاذ السر سيد أحمد تحياتي
أنت يا أستاذي خبير في مجال إقتصاديات النفط وكنت من الصحفين القلائل الذين أتيحت لهم الفرصة للدخول في هذا المجال بحكم عملك بالقرب من وزير الببترول السعودي الأسبق دكتور محمد زكي يماني مشهود لك بالكفاءة والتحليل المعمق في هذا .
لكنك حين تتحدث في ندوة عامة في بيروت أقامتها جريدة السفير اللبنانية العريقة للناشر الأستاذ الصحفي الكبير طلال سلمان، في العموميات ،كان بجب عليك تزويد الحاضرين للندوة بصورة دقيقة وشرح تفصيلي عن مجمل الأوضاع في السودان بشكل سليم ، كان ينبغي عليك أن تتحدث عن جذور المشكل السوداني منذ الإستقلال وحتى الآن ، ودور النخب السودانية وأنت منهم جيل ما بعد الإستقلال في الفشل المزري في إقامة دولة حديثة وتنمية مستدامة ، وتعليم جيد يرفد حياتنا العملية بخرجين يعرفون كيف يوظفون مهاراتهم في خدمة الأقتصاد السوداني المشوه ، بدل الأرتماء في أحضان الطائفية . النخبة هي المرآة لأي شعب ، وأنت سيد العارفين أن أي مجتمع لابد أن تكون له رافعة وهي النخبة لكي تتحدث بأسمه وتتناول قضاياه الملحة والتي تشكل صمام آمان ضد أي إختراقات هنا وهناك تمس حياته ومطالبه في الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية ، لكن بكل آسف آثرت النخبة السودانية مصالحها الخاصة في اللهث وراء المناصب وحب النفس والأنانية وإنتهاز وإستغلال الفرص السهلة ، بدليل أصبح كل أنصاف المتعلمين حملة الدكتوارة والماجستير وزراء حتى صرنا أكبر دولة بها عدد وزراء سابقين ولا حقين ، كان على هؤلاء جميعاً تقديم خدمة أفضل لشعبهم في مجال التعليم كل في تخصصه ، وهم الذين تعلموا على يدي دافع الضرائب السوداني.
كما أن كثير من النخب تعوزها الرؤية الواضحة لتقديم البديل ، كما ان موافقهم يشوبها كثير من العوار ، كثير منهم إما مشاركين بفعلية في كارتنا الراهنة أو يقرأون فقه الإجتماع السكوتي بدل من قول الحقيقة ، آخرين آثروا الهروب والإنزواء بعيداً عن المشهد في بلاد الله البعيدة والإستمتاع بفائض القيمة وجنانها الوارفة ، أو جالسين على الرصيف يتفرجون على المحنة التي حلت بنا .
أذا كان لديك رأي واضح في هؤلاء الأبالسة كما يقول أستاذن الكرسني وكذلك في المعارضة الضعيفة كما تقول ، لماذا لا تقود أنت تيار نخبوي حديث مع آخرين يقوم على تفوصيف حقيقة الأزمة السودانية ويقدم رؤية واضحة في كيفية الخروج منها والمستقبل الجميل الذي تتطلع إليه كثير من جماهير شعبنا الفضل .
بدل التذاكي والحديث عن العموميات والنقد المجاني وفي الهواء الطلق طالماً الحديث ليس له ثمن مسبق الدفع ، في تقديري وأنا أعتبر في مصاف أحد أبناءك الصغار ، هذه واحدة من أزماتنا الكبيرة الحديث السهل الذي يسهم في بقاء النظام أكثر مما يساهم في إيجاد مخارج لإسقاطه .
الأماني السندسية التي ظل يرددها شيوخ فقه السترة القابضين على زمام الأمور في السودان بالطبع هي أدغاس أحلام وسراب يحسبه الظمآن ماء .
في الختام لك مودتي وإحترامي

[عثمان سعدالدين]

السر سيد أحمد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة