المقالات
السياسة
قصة مدينتين: الخرطوم وبورتلاند ..
قصة مدينتين: الخرطوم وبورتلاند ..
04-16-2014 10:11 AM



ساقتني الصدفة المحضة الى ميدان "بايونير" الواقع في قلب مدينة بورتلاند بولاية أوريغون يوم الأحد الماضي. وجدتُ الميدان مكتظا بالناس، شيبا وشبابا وأطفالا، أصحاء ومُقعدين على كراسيهم المتحركة، وفي الجو الربيعي المشمس في الشمال الغربي الممطر، "رائحة" احتفال ما. ثم لاحظت أن مسرحاً مهولاً قد نصب في قاع الميدان المشيد كمسرح روماني بمدرجات على جانب واحد، وعليه لافتة ضخمة تفسر مناسبة الاحتفال: "العيد الثلاثون لميدان بايونير". وقد اصطفت على خشبة المسرح نحو عشرة فرق موسيقية مختلفة ضمت إحداها ثلاثة من أحفاد عائلة فونتراب التي سارت بذكرها الركبان بعد أن خلدها على الشاشة الفضية فيلم "صوت الموسيقى" أحد أشهر أفلام القرن العشرين.
أول ما أثار انتباهي (السوداني)، إلى جانب فكرة الاحتفال، هو خلوّ المناسبة من الخطب عدا خطبة قصيرة من عمدة المدينة (والذي ارتدى ملابس بسيطة مثل جمهور الاحتفال، ولم يحمل عصا أو صولجان)، وخلوّها من التسييس والهتافات. اقتصر الاحتفال فقط على إنشاد جماعي شاركت فيه الفرق الموسيقية المختلفة والجمهور(بما فيه العمدة وأسرته) لأغاني شائعة طُبعت كلماتها ونوتتها الموسيقية في كتيب وُزّع مجانا على الجمهور لمساعدته على المشاركة في الإنشاد. وقد علمت مما ذكره عمدة المدينة في خطبته القصيرة أن ميدان بايونير كان قبل ثلاثين عاماً موقفاً للسيارات أفلحت المدينة في تحويله إلى ميدان عام ساهم الجمهور في بنائه عن طريق شراء الطوب المصقول الذي رُصفت به أرضية الميدان ومدرجاته، وتقام فيه طوال الصيف الاحتفالات بالمناسبات العامة والحفلات الموسيقية والبرامج المُخصصة للأطفال.
بيد أن عيني الثالثة - قاتلها الله - لم تتركني استمتع بالجو الربيعي ولا ببهجة من حولي، ولا بالأغاني الجماعية التي يشارك فيها الجمهور الفرق الموسيقية التي اعتلت المسرح. دفعتني عيني الثالثة - كعادتها - للمقارنة بين حالنا وحال معظم خلق الله في بلاد الله، وعلى وجه الخصوص بين مدينة بورتلاند، أكبر مدن ولاية أوريغون الأمريكية (نحو 600 ألف نسمة) والتي تأتي في المرتبة الثامنة والعشرين من حيث عدد السكان في الولايات المتحدة، ومدينة الخرطوم، عاصمة السودان التي تضم نحو ثلث سكان السودان، وتستأثر بنصيب الأسد من السلطة والثروة والخدمات.
أسست مدينة بورتلاند في عام 1850 أثناء موجات الهجرة الضخمة نحو الساحل الغربي للولايات المتحدة، وتقع عند التقاء نهر ولاميت بنهر كولمبيا قبل أن يبلغ مصبه في المحيط الهادي، بينما أسست مدينة الخرطوم في نحو عام 1830 بعد الغزو التركي-المصري عند التقاء النيلين الأبيض والأزرق. ولعل أوجه الشبه بين المدينتين تنتهي عند هذا الحد. فمدينة بورتلاند بها 200 حديقة عامة من مختلف المساحات والتصاميم (بينها ميدان بايونير)، وتربط المدينة، عبر نهري ولاميت وكولمبيا، 18 جسراً (بُني بعضها في القرن التاسع عشر)، وبها نحو 20 متحفاً من مختلف التخصصات، وتربط قلب المدينة بأطرافها ومطارها النشط شبكة من المواصلات العامة تشمل البصات وخطوط الترام (التي حُوِّلت لتمر بميدان بايونير لتُسهّل وصول الجميع للميدان). وأهم الحدائق العامة في بورتلاند هي الشريط العريض من الخضرة والمماشي ومسارات الدراجات الممتد على طول شاطئ نهر ولاميت بحذاء مركز المدينة. أما الخرطوم فترتبط مدنها الثلاثة (بملايينها) بثمانية جسور على نهر النيل وعلى النيلين الأبيض والأزرق، وليس هنالك شبكة للمواصلات العامة تديرها المدينة (إذا استثنينا البصات الخردة التي لفظتها مدن أخرى في مختلف أنحاء العالم)، وليس هنالك حدائق عامة تذكر إذا ما أخذنا حجم المدينة وعدد سكانها في الاعتبار، بينما تتعرض المتاحف القليلة الموجودة إما للإهمال أو للنهب.
تذكرت، وأنا في ميدان بايونير، ميدان الأمم المتحدة الخرطوم في غابر الأيام قبل قدوم الجراد، حين كان، على بساطته، قلب المدينة النابض، ومركز مواصلاتها العامة، ورئة وسط المدينة الوحيدة ومسرح ترفيه مواطنيها؛ يصدح فيه مادحو الرسول بطارهم وأصواتهم المبحوحة، ويرقص على إيقاع "طارهم" الراقصون الذين يقفزون داخل الحلبة في عفوية، يرقصون ما شاء لهم وهم في انتظار المواصلات، أو في انتظار صديق. قتلت العقول الصغيرة التي تحكم الخرطوم بعقلية أصحاب الحوانيت و"التشاشة" ميدان الأمم المتحدة، الساحة العامة الوحيدة في الخرطوم القديمة بين النيلين والسكة حديد، وأقامت مكانه مسخا من الزجاج والألمنيوم، لا روح فيه ولا فائدة تُرجى، ثم باعت كل الساحات العامة في المدينة، وباعت شواطئ النيلين حتى خشينا أن يأتي زمان لا نرى فيه النيل إلا من على الجسور!
وجه الاختلاف الرئيسي، في رأيي، بين الخرطوم وبورتلاند (ومعظم المدن والبلاد) هو مكانة الإنسان وقيمة المواطن في نظر من يُديرون هذه المدن والبلاد. في بورتلاند، تأتي احتياجات ومصالح المواطن في المقام الأول عند التخطيط والتنفيذ والصيانة؛ وانظر، مثلاً، كيف جعلوا في كل تقاطع في الطرقات منحدرات لتيسير حركة المشاة من كبار السن، وحركة الأمهات وهن يدفعن عربات الأطفال، وحركة ذوي الإعاقة وهم على كراسيهم المتحركة؛ وانظر في المقابل إلى شوارع الخرطوم ومرافقها العامة لتدرك أن احتياجات المواطن ومصلحته وصحته هي آخر ما يُفكر فيه الحكام.
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 783

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#975235 [المتفائلة جدا]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2014 04:29 PM
فى الخرطوم مصلحة جيوب مستجدى النعمة تأتى أولا و أهم بكثير من المواطن نفسه ناهيك عن مصالحه..إن هؤلاء أتوا لينهبوا السودان ويدمروهوا ..فهم لا يعرفون معنى أن يبنوا وطنا فشيخهم لم يعلمهم ذلك..

[المتفائلة جدا]

#975132 [كفاية]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2014 02:35 PM
وبعد دا يقولوا ليك ديل كفار ونحن اصحاب توجه حضاري !!!!

[كفاية]

#975011 [ابو البنات]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2014 12:27 PM
الاخ عوض.

سافرنا معك في سياحة رائعة وقاتل الله العين الثالثة كما قلت...الرجاء الكتابة دوما عن المدن الامريكية لان اسلوبك في ادب الرحلات جميل....اسعد الله يومك

[ابو البنات]

#974963 [ابو الشيخ]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2014 11:38 AM
لما قريت العنوان افتكرتك بتقارن بين الخرطوم وعطبره مش عندنا أسمنت اسمو بورتلاند !!!!!!

ياخى شن بلم القمرى مع السمبر !!!!!

[ابو الشيخ]

عوض محمد الحسن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة