المقالات
السياسة
حنتوب الجميلة.. المستر هوبسون: صريع السودان، وفي ثرى بخت الرضا قبره
حنتوب الجميلة.. المستر هوبسون: صريع السودان، وفي ثرى بخت الرضا قبره
04-17-2014 07:55 AM






لم يكن عدد معلمي مادة الرياضيات من السودانيين، الذين كانوا يعملون في كلية عردون عندما حان موعد انشطارها إلى حنتوب ووادي سيدنا في بدايةعام 1946، يغطى حاجة مصلحة المعارف للعمل في مدرستيها الثانويتين ومن بعدهما الخور الخصيب، خور طقّت. واستمر هذا الحال فترة من الزمان مما جعلها - حتى بعد أن أصبحت وزارة للمعارف عام 1948، ومن ثَمَ وزارة التربية والتعليم سنة 1963- تواصل تعيين المعلمين الأجانب من بريطانيا ومصر وغيرهما من دول العالم للاستعانة بهم في تدريس مادة الرياضيات الأولية والإضافيه. كان المستر هوبسون من الذين سعد طلاب حنتوب بلقائه معلماً فيها منذ بداية عهدها عام 1946 إلى حين انتقاله إلى معهد بخت الرضا في اغسطس 1949. وهو من نذرنفسه لتدريس مادة الرياضيات في أناة وهدوء نفس وانفراج أساريري فريد. كان إلى الرباع أقرب طولاً وفي شىء من ضخامة الجسم. كما كان له نصيب في منطقة الوسط ولكن في تناغم وتناسق مع باقي أعضاء جسمه المتماسك في تحركاته جيئة وذهاباً. كان ذلك في داخل الفصول وخارجها إلى داخلية "ابو عنجة" أثناء اليوم الدراسي أحياناً أو متابعاً نشاطات طلابها عصراً بين ميادين الرياضة الخضراء طوال العام، والمنتشرة في أرجاء حنتوب على مقربة من شاطىء النيل الأزرق، أو تلك الأخرى ذات الأرض الرملية الجرداء شمالي مباني المدرسة التي كان بعضها يستخدم في الحالات الطارئة لتمارين كرة القدم وألعاب القوى.
لم نحظ نحن طلاب كولمبس بتدريس المستر هوبسون أبان فترة عمله في حنتوب إلا لفترة أسبوع واحد تغيب خلاله أستاذنا أمين زيدان عن حنتوب في مهمة رسميه في الخرطوم. حقيقة كان أسبوعا لا ينسى، فقد تبين لنا أن طلاب أولى
ليوناردو كانوا محقّين في اشادتهم بالمستر هوبسون وهم يسعدون يومياً بلقائه وسماع نبرات صوته الفريد وبتعامله لأبوى معهم.

كان المسترهوبسون من صنف المعلمين الذين أحبوا المادة التى يدرسونها وعاشوها داخل نفوسهم وسعوا إلى نقل أحاسيسهم تجاهها إلى نفوس طلابهم ليشاركوهم عشقها ولتصبح جزءا من حياتهم. المستر هوبسون كان ملاذ ومقصد الكثيرين من الطلاب جماعات وأفراداً أثناء اليوم الدراسي وفي فترة المذاكرة المسائية، يلجؤون إليه لشرح ما عصى عليهم استيعابه من أقسام الرياضيات أولية أو إضافية. كان يجد وافر الاحترام والتقدير من الطلاب والمعلمين والعاملين لحلاوة حديثه وتهذيبه في طريقة تعامله مع الآخرين . كان ذا ابتسامة دائمة يلقى الجميع ببشاشة منقطعة النظير. تواصلت علاقاته بعدد من طلاب حنتوب خاصة من ساكني داخلية "ابو عنجة" بعد أن انتقل إلى بخت الرضا. وقد رشح من أخباره أنه تمكن وفي برهة وجيزه من استلاب أفئدة الدارسين والعاملين في بخت الرضا على اختلاف مواقعهم وأضحى ريحانة مجتمع المعهد الذي أحب العمل فيه ناصحا لدارسيه وصديقاً ودوداً لأساتذته.
لم يفت على اللجنة العليا للاحتفال بعيد حنتوب الفضي أن تقدم الدعوة للمسترهوبسون مع المستر براون لحضور الاحتفاء بمناسبة البيوبيل إلا أنه أبرق معتذرا لظروفه الصحية، شاكراً ومقدراً ومتمنياً لحنتوب ولطلابها كل التقدم والازدهار. وتمنى لطلاب داخلية أبوعنجة دوام الفوز في كل مبارياتهم ضدالداخليات الأخرى، ولداخلية "أبو عنجة" أن تفخر بأن رئيس السودان كان أحد قاطنيها ورؤسائها في سابق الأوقات .

كان أهل التعليم في مزيج بين أحزانهم لفقدهم الأستاذ عبد الحليم علي طه رئس اللجنة العليا للاحتفال بالعيد الماسي لمعهد بخت الرضا (في أكتوبر1984)، الذي انتقل قبل اشهرقلائل إلى رحاب ربه في حادث مروري اليم على شارع الخرطوم- مدني، وبين استعدادات أسرة المعهد لأخراج المناسبة بما يليق بالمعهد وبدوره الكبير وقد بلغ الخمسين من عمره. وبينما كل قدامى المعلمين و"الحنتوبيانز" على وجه الخصوص يتلهفون للقاء المستر براون"أوف حنتوب" القادم إلى السودان لحضور العيد الماسى للمعهد الذي كان له فيه عطاء وأي عطاء خلال السنوات الخمس التى قضاها بين هيئة التدريس والتدريب في بخت الرضا قبل
اختياره لقيادة المسيرة التربوية في حنتوب، فإذا بالأستاذ إبراهيم نور وكيل وزارة التربية والتعليم الأسبق والذى كان قد انتقل إلى وكيلاً للتعليم العالي، يصل إلى بخت الرضا يحمل صندوقا خشبيا صغييراً كان يحوي رماد جسد مسترهوبسون الذي كان قد أوصى قبل مماته ان تُحرق رفاته ويُرسل رمادها ليدفن في ركن حدد موقعه من بين أركان المسكن الذي كان يقطنه في بخت الرضا. وهكذا كان اسم المسترهوبسون وذكراه العطرة، وهي لا تزال حية متقدة يجترها قدامى الحنتوبيين وأهل بخت الرضا، الذين سعدوا بلقائه ونهلوا من علمه وأفادوا وإرشاده وتدريبه ، كلما جاء تذكارلعهد حنتوب الزاهي ودور المعهد المتعاظم الجميل ويبدون اعجابهم بوفاء المسترهوبسون وحبه للسودان وأهله واختياره أن يظل بينهم بعد مماته طالما لم يدم له البقاء فيه وهو على قيد الحياة في بخت الرضا التي أحبها بكل جوارحه لتبقى آثاره تحت ثراه إلى مالا نهاية.
وقد تواترت كثير من حكاوى تعلّقت بما كان يحمله بعض البريطانيين الذين عملوا في السودان من حب كبير وإعزاز عظيم له، وكيف كان الكثيرون منهم يتمنون البقاء والعيش فيه أطول فترة من حياتهم إن لم يكن بقاؤهم مستداماً فيه.

ولعلها كانت من غرائب المصادفات ، والشئ بالشئ يذكر، أن جاء الأستاذ ابراهيم نور- اأبان فترة عمله ملحقاً ثقافياً في بريطانياعام 1975، أن جاء إلى مدرسة خورطقت الثانوية، حينما كان طلابها وخريجوها ومعلموها وقيادات التعليم في وزارة التربية والتعليم في غمرة ابتهاجهم
بعيدها الفضي،جاء يحمل صندوقاًصغيراً بداخله رماد جثمان شاب بريطاني في مقتبل العمر كان قد سبق له عيش طيب في خور طقت (الخور الخصيب) مع أسرته لما كان والده "قاراث قريفث" يعمل رئيساً لشعبة اللغة الإنجليزية خلال أعوام
1963-1966، فأصيب طفله "ريس قريفث" بداء "السُّكري" الفتّاك مما حدا أسرته بالعودة به إلى بريطانيا حيث واصل الطفل حياته إلى أن اكمل دراسته الجامعيه. ولكن حنينه للعودة إلى السودان ظل جارفاً، وما انفك يزداد في كل حين. ولما أحس بدنو أجله (حسبما روى لي والده لما عاد ليعمل ثانية في معهد الكليات التكنولوجيه عام 1987، جامعة السودان حاليا) ،طلب من والده ان يزورالسودان، ولما تعذر تحقيق رغبته بسبب شدة وطأة الداء عليه ، أوصي والديه بإحراق جثمانه بعد وفاته وإرسال الرماد إلى خورطقت ليُوارى في ركن معين من أركان المنزل الذي عاش بين أسواره قبل عشر سنوات.

كان لي لقاء درامي حزين مع المستر قاراث قريفث عندما عاد للعمل في السودان في عام 1987. لم يتمالك المستر قريفث نفسه عندم وقعت عيناه على شخصيي فانفجر في بكاء طويل أبكانى معه. وزادت دهشة الحاضرين الذين شهدوا الموقف الحزين عندما أبلغتهم بأمر ولده رايس قريفث الذي سكنه حب السوان وأوصى بأن يُدفن رماده في بيتهم القديم بخورطقت.

يقيني أن السودان وأهله كانوا على الدوام موضع التجلة والاحترام في نفوس الكثرة الغالبة من شعوب العالم. هل من أمل لعودة عقارب الساعة القهقرى ليعود ذلك الزمان من جديد؟
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1193

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#976318 [عبدالمحمود عثمان أحمد]
0.00/5 (0 صوت)

04-17-2014 06:27 PM
أودُّ أنْ أحيي أستاذ الأَجيال الطيّب السّلاوي؛ وأودُّ أنْ أحكي ما حدثَ من الأستاذ الرّاحل عبد الحليم علي طه ـ رَحِمَهُ الله ـ ... حين كان رئيساً للّجنة العُليا للاحتفال بالعيد الذّهبي لمعهد التّربية بخت الرّضا، وأنا كنت من ضمن رؤساء الشُّعَب في المناهج، في مجال التّربية الفنيّة، ولاحقاً في الوسائل وتقنيات التّعليم... حدثَ أنْ كان الأستاذ عبد الحليم معنا في بخت الرّضا، لحضور الاجتماعات التّحضيريّة للعيد، التي كانت تعقد في المكتبة المزكزيّة. تلك الاحتفالات التي سيحضرها ضيوفٌ من داخل وخارج السّودان. وبما أن بعض أعضاء اللّجنة التّحضيرية كانوا من خارج بخت الرّضا، فقد كنّا في وداعهم بعد سلسلة من الاجتماعات. وذهبنا معهم إلى مرسي بنطون الدّويم. وتكريماً لهم سيقلع البطون في دورٍ خاصٍ بهم فقط ... كنّا في الرّصيف العالي، ونزل الضيوف إلى البنطون بانحدار لايقل عن خمسين متراً، ولدهشتنا، قبل أن يتحرك البنطون، خرج منه الأستاذ عبدالحليم مسرعاً ـ نحونا ـ وتَوقَّفَ البنطون في انتظاره، وعندماوصل إليْنا تجمّعنّا حوله. وخاطبنا، قائلاً:( أحكي ليكم النكتة دي، " كان في واحد بيخوِّف الحارَة كلّها، والنّاس بتخاف منه، لأنه ضخم وفظ. وفي يوم من الأيام لقى واحد ضعيف ومسكين، نَهَرَهُ، وقال ليه تعال هنا!..تعال هنا! الزّول المسكين جاهو خايف، وقال ليه أها جيتك، كان كتلتني كان خليتني !! " وضحكنا. ولكنه أردف قائلاً:" هَسّعْ بخت الرّضا نحن جيناها، كان كتلتنا، كان خلّتنا !!" وتَرَكَنا ونزل للبنطون وهو يسير وحده، والمجموعتان داخل البنطون وفى الرّصيف يُتابعونه ! وكانت آخر نظراتٍ (لوداعٍ حالي/ ووداعٍ أخير)، حيث لقي الموت بعد أسبوعٍ واحدٍ، في حادثِ سَيْرٍ أليم ـ رحمه الله ـ .... ولم يحضر الاحتفالات.

[عبدالمحمود عثمان أحمد]

#976137 [عبدالقادر التجانى]
0.00/5 (0 صوت)

04-17-2014 03:16 PM
السادة / قراء صحيفة الراكوبة الاعزاء
لكم التحية و التجلة
بهذه المناسبة اروى لكم حكاية قصيرة تدل على وفاء الاساتذة الاجلاء فى ذلك الزمن الجميل :
درست فى مدرسة الفاشر الثانوية العليا للبنين 68/1972 حيث امتحنت للشهادة من القسم الادبى فى السنة التى تم فيها كشف امتحانات الشهادة السودانية (محى الدين صابر) وطبعا لم تكن لنا اى معرفة بمثل هذا الموضوع حتى انتهاء الامتحانات و اذاعة الامر بواسطة الاذاعة السودانية والله على ماأقول شهيد .
كان لنا استاذرياضيات مصرى مسيحى (قبطى) يدعى عبدالملاك عبدالمسيح و كنت اجلس فى الفصل فى اقرب مكان للاستاذ و احساسى المتولد هو أن هذا الاستاذ جاء من مصر مباشرة للفاشر لتدريس العبدلله فقط و ليس لشئ آخر و كان كراس الرياضيات الخاص بى يمرر على طلاب الفصل كل يوم سبت للاطلاع عليه وعندما حل امتحان الرياضيات و صرفت لى كراسة الاجابة وجدت أن الزمن ساعتين و ان الاسئلة هى خمس مسائل اجبارية و بعد أن شرعت فى الاجابة بساعة زمن اكتشفت أننى حللت اربع مسائل تمت مراجعتها من قبلى و تبقى لى زمن ساعة أخرى لحل المسألة الاخيرة هذا و قد حللتها فى خمسة و خمسون دقيقة .
و بعد تسليم كراسة الاجابة فوجئت بالاستاذ / عبدالملاك عند باب الخروج يسألنى عن الاجابات فاعطيته اجاباتى شفاهة فما كان منه الا الشك و الاضطراب فاجبته يا أستاذ / هل أنت اعطيتنى فرصة لسؤال أى من زملائى أو فتح اى مرجع أو كتاب و حلفت له بأن تلك هى أجاباتى :
فما كان منه الا أن خلع قميصه و ربطه على وسطه و أبتدأ فى الرقص البلدى رافعا يده و ملوحا بها صائحا مائة فى المائة مائة فى المائة عندها احسست و شعرت بفرحته العامرة التى فاغت فرحتى .
هذا هو الزمن الجميل فاين نحن من ذاك الزمان يابلدى !

[عبدالقادر التجانى]

#975749 [waiting for godot]
0.00/5 (0 صوت)

04-17-2014 10:01 AM
"هل من امل لعودة عقارب الساعة الى القهقرى ليعود ذلك الزمات من جديد؟"
في وجود هؤلاء!!!... لا أظن.

[waiting for godot]

الطيب السلا وي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة