المقالات
السياسة
ومن وسوس لإبليس أن يعصي الله؟ (1) هل تفاجأت؟
ومن وسوس لإبليس أن يعصي الله؟ (1) هل تفاجأت؟
04-18-2014 11:34 AM

يقول أبو الفتح الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل إن إبليس إحتج على ربه ووجه له سبعة أسئلة قائلا:

1- إذا كان الله قد علم قبل خلقي كل شئ يصدر عني ويحصل مني فلماذا خلقني أولا وما الحكمة من خلقه إياي؟
2- وهو خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته، فلماذا كلفني بمعرفته وطاعته؟ وما الحكمة في هذا التكليف مع العلم أنه لا ينتفع بطاعة أحد ولا يتضرر بمعصيته؟
3- وهو حين خلقني وكلفني فإلتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة، فلماذا كلفني بطاعة آدم والسجود له؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص؟
4- وإني لم أرتكب قبيحا إلا قولي "لا أسجد إلا لك وحدك"، فلماذا لعنني وأخرجني من الجنة وما الحكمة في ذلك؟
5- وهو بعدما لعنني وطردني فتح لي طريقا إلى آدم حتى دخلت الجنة ووسوست له فأكل من الشجرة المنهي عنها. وهو لو كان منعني من دخول الجنة لأستراح آدم وبقي خالدا فيها، فما الحكمة في ذلك؟
6- وهو بعد أن فتح لي طريقا إلى آدم جعل الخصومة بيني وبينه، لماذا سلطني على أولاده حتى صرت أراهم من حيث لا يرونني وتؤثر فيهم وسوستي؟ فهو لو خلقهم على الفطرة دون أن يحولهم عنها فعاشوا طاهرين سامعين مطيعين لكان ذلك أحرى بهم وأليق بالحكمة.
7- وهو بعد ذلك أمهلني وأخر أجلي إلى يوم القيامة. فلو أنه أهلكني في الحال لأستراح آدم وأولاده مني ولما بقي عند ذلك شر في العالم. أليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من إمتزاجه بالشر؟.

وبعد هذا الخيال الخصب الواسع يقول الشهرستاني أن الله تعالى أجاب على حجج إبليس قائلا: (لو كنت يا أبليس صادقا مخلصا في الإعتقاد بأني إلهك وإله الخلق ما إحتكمت علي بكلمة لماذ؟. فأنا الله لا إله إلا أنا، غير مسؤول عما أفعل، والخلق كلهم مسؤولون).
ويقول إن كل شبهة وقعت على بني آدم منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا نشأت من جراء هذه الكلمة الرعناء: "لماذا؟". وبحسب تفسيره فإنها تعني: "إنكار الأمر بعد الإعتراف بالحق وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص". فلا يمكن أن يجري حكم العقل على ما لا يحتكم عليه العقل. وهنا يجب أن يجرى حكم الخالق في الخلق وليس فهم الخلق فيما يفعل الخالق. أي معرفة منزلتك كمخلوقك والتواضع لأمر الخالق.

وربما يكون الشهرستاني محقا في بعض رأيه لأننا لا نقدر أن نفهم بالعقل كل شئ مهما بلغنا ونفسره بمنطقنا، ولكن ما لا أتفق معه بأننا من جهة أخرى علينا بالتفكير والتعقل لنفهم ونعلم. فالسؤوال بلماذا قد يساعد في الفهم وليس بدعا في التحريم. ولكن علينا تذكر أننا مهما بلغنا فإننا نفكر في نطاق وحدود العقلية التي منحها لنا الله تعالى. فيمكن أن نسأل لماذا ولكننا لا يمكن ان نتعدى حدود ما لا نستطيع بتفكيرنا التفكير فيه. فإبليس سأل: "أليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من إمتزاجه بالشر؟". والملائكة أيضا سألوا نفس السؤوال ولكن بطريقة أخرى: "أتجعل من يفسد فيها ويسفك الدماء؟". والله تعالى أجاب: ((إني أعلم ما لا تعلمون)). فإبليس رفض وواصل وتكبر وأبى السجود وطاعة أمر خالقه، بينما الملائكة سكتوا ثم سجدوا طاعة لأمر خالقهم.

ومن المعروف أن إبليس كان من الجن الذي له حرية الإختيار في العبادة، ورفعه الله مع الملائكة لأنه لا يعصي الله ما أمره ويفعل ما يؤمر فصار مثلهم. ولكن عند منعطف إختبار آخر، أو معرفة أن هناك مخلوقا آخر يمكن أن يكون أفضل منه، أحرقته نار الغيرة فأنزوى إلى زخرف الغرور. وهنا أرجع للسؤوال الذي عنونت به هذا المقال: ومن وسوس لإبليس أن يعصي الله؟.

الإجابة المباشرة إننا لا نعرف خلقا آخر لنقول إنه الذي وسوس لإبليس، فمن يا ترى وسوس له؟.
إبليس أيها القارئ والقارئة الكريمة لم يوسوس له أحد وفعل ذلك من نفسه. نعم "نفس" إبليس هي من وسوست له. فبعد أن وسوست له نفسه وضللته، إحترف مهنة الوسوسة ليوسوس في صدور الناس.ونعوذ بالله من الشيطان الرجيم عليه لعنة الله.

والآن نرجع للإنسان. فهل كل وسوسته ناتجة من إبليس فقط؟.
لا بالتأكيد. فكلمة ("نفس") في منتهى الخطورة. فهي ذات الإنسان الداخلية والمبعث الرئيسي لأفعاله. فالنون والفاء والسين مجتمعات تشير إلى غلاة ثمن الشئ، والترويح، والجمع والمنافسة بالأنفاس، والحسد؛ ... أي تشكل مجموعة من الصفات المتناقضة تعتمل داخل مسمى النفس. وصدق الله تعالى حين قال: ((ونفس وما سواها*فألهمها فجورها وتقواها)). فليس هناك إنسان فيه مطلق الخير أو مطلق الشر لكي يكون خيرا أو شريرا. فعندما يرتفع مؤشر التزكية بالتقوى سيفلح صاحب النفس، وإن دس هذا المؤشر وترك الحبل على الغارب طغى الفجور وخاب صاحبها.

وذكر الله تعالى كلمة نفس في مواطن كثيرة في القرآن الكريم وإنها المسؤول الرئيسي والمتهم الأول الذي يشار له بالبنان في أفعال الإنسان. ((يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون)) [النحل: 111]. ((من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد)) [فصلت: 46]. حتى أعضاء الجسد تبرأ من عمل النفس ك: ((وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون)) [فصلت: 21]. و: ((يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)) [النور: 24].

فالنفس هي المسؤولة الأولى عن الوسوسة لصاحبها كما يقول جل وعلا: ((ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)) [ق: 16]. فإبليس وجنوده –الشياطين- أمرهم هين لأن كيدهم ضعيف أساسا كما يقول الحق تعالى ((إن كيد الشيطان كان ضعيفا)) [النساء: 71].
فالإنسان لديه الإرادة زائدا المشيئة، والمشيئة هي القدرة على التفاعل والتفعيل لإنفاذ الأمر بإذن الله. فالله تعالى يقول: ((لمن شاء منكم))، ((وما تشاءؤون إلا أن يشاء الله)). بينما تجد الشيطان يتبعه دائما كلمة يريد وليس يشاء. فرغبته إرادة عاجزة التنفيذ، ((انما يريد الشيطان ليحزن))، ((انما يريد الشيطان ليوقع))، وهذه الإرادة لا تتاتى إلا كما يقول الله تعالى: ((وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله)).

فإذا النفس هي المعضلة. أنظر إلى الجرائم الفردية المذكورة في القرآن الكريم كجريمة (قتل قابيل لأخيه هابيل) وجريمة (امرأة العزيز وهي الشروع في الزنا) وجريمة ( كفر إبليس نفسه) لوجدنا ان إبليس أو جنده من الشيطان بريئون من كل تلك الجرائم.
واقرأ إن شئت: ((فطوعت له نفسه قتل أخيه)) [المائدة: 30]. وإمرأة العزيز قالت: ((وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء)) [يوسف: 53].
فمعظم الناس حينما يفعلون ذنبا وجرما يقولون: أغواني الشيطان، والشيطان شاطر، ويبرئون انفسهم تماما، ولا يعترفون إنهم ظلموا أنفسهم ليس بإدانتها ولكن بتبرئتها وعدم تزكيتها.
فلكي تكون عادلا لنفسك يجب أن تدينها وتزكيها.


فالنتحدث إذا عن النفس قليلا ولكن دعها للجزء الثاني من هذا المقال بإذن الله الذي سأتناول فيه الأنفس بحسب القرآن و خاطرة من سورة الفجر.

[email protected]


تعليقات 8 | إهداء 1 | زيارات 2148

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#977777 [hjam]
0.00/5 (0 صوت)

04-19-2014 02:19 PM
الترابى

[hjam]

#977233 [العراب]
0.00/5 (0 صوت)

04-18-2014 10:47 PM
دا كلام جميل و مهم جدا...
و مستنين المقال التاني و التالت و الرابع...
حقيقة الكلام دا قريتو في كتب براسيكولوجي بالإنجليزي و لم اجد من يدلني علي مصادر بالعربي...
و كنت كلما اقرأ من المراجع الانجليزية ارجع لاستمع للقران لأحاول الفهم علي ضوءه...
و هنا النفس هي الايقو التي نحتاج لتهذيبها و السيطرة عليها...
بالمناسبة الكلام دا ما مرتبط بالإسلام بس و موجود في كل الأديان السماوية و عند البوزيين و الهندوس و الكونفوشيوسيين...
و هذا هو أساس منهج التصوف اليهودي و الاسلامي و المسيحي...

[العراب]

#977165 [عبدالله النوبي]
0.00/5 (0 صوت)

04-18-2014 09:21 PM
مع وجود النفس الامارة بالسوء وأخرى لوامة وثالثة مطمئنه ( وأسمح لي ) في تعديد الانفس استباقاً

للجزء الثاني من المقال لكن مع كل حدث لا ننسى أن هناك حرباً ابليسية على بني آدم

( قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) ........ ( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ

شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) وأول جريمة لبني آدم نتلمس فيها ذات دوافع ابليس وهي

نار الغيرة والحسد على تقبل قربان أحد الإخوة ورفض قربان الآخر

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ

قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي

أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ

الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ

لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ

فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)

ولعل الندم دليل على وسوسة أو تحريك خاصة وان أمر ابن آدم القاتل وابليس يشتركان في الحسد

على تفضيل الله عز وجل شئ عليهما ولعل من هذا الباب دخل ابليس على ابن آدم القاتل والله أعلم

[عبدالله النوبي]

#977144 [عبدالله النوبي]
0.00/5 (0 صوت)

04-18-2014 08:50 PM
معلومة قيمة أستاذ سيف بحيث أن للإنسان إرادة + مشيئة حرة (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا

كَفُورًا ) و المشيئة ( وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) ولعلهما معاً هي الأمانة

التي أبت السمواوت والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان الظلوم الجهول

فالرابط بين السموات والأرض والجبال أنها مأمورة ومسيرة ولا تملك من أمرها شئ فضلاً عن جمودها

أي كونها من الجمادات كما نقول وهي دائمة الحركة وخفي علينا حركتها وتسبيحها وهناك من قال

أن هذه الأمانة هي الروح التي لا تملكها السماوات والأرض والجبال وقد يكون هذا أيضاً والله أعلم

أخالفك واسمح لي في سبب معصية ابليس فالقرآن بين ( لماذا ) عصى بإعتقاده أنه خير من هذا

المخلوق الجديد تماماً كما الملائكة التي ظنت أن الانسان سيفسد فيها وبسفك الدماء وان صح ظنهم

لاحقاً لكن ابليس حركه الغرور والاستعلاء وسوء الأدب والحسد على هذه المكانة التي اختارها الله لآدم

الفارق في كيفية الخطاب للخالق عز وجل بل الثبات على المعصية وعدم طلب الغفران هو تمرد كامل

وخروج عن قيد الطاعة والعبودية لله عز وجل ولماذا يستمر في الإغواء والاضلال الا حسداً وغروراً

ولعل أمثلة للسؤال من بعد الحيرة والتوهان في الإجابة إبراهيم عليه السلام أرني كيف تحي الموتى

وذلك ليطمئن قلبه ونفسه التي تحدثه وكذلك موسى عليه السلام أرني أنظر اليك وجميعها تدور حول

حكم جهلوها عليهم السلام من كيفية إحياء وحكمة تجلي الله عز وجل لخلقه

[عبدالله النوبي]

#977099 [ana ana]
0.00/5 (0 صوت)

04-18-2014 07:26 PM
شكرا علي هذا المقال الرائع..وواصل

[ana ana]

#976932 [ابو صخر]
0.00/5 (0 صوت)

04-18-2014 03:29 PM
نعم تفاجأت

[ابو صخر]

#976919 [المندهش]
0.00/5 (0 صوت)

04-18-2014 03:07 PM
منطق متهافت وحجج تقوم الهوي .كلام يحتاج الى عقول على مستوي عالى من الادلجه والتسليم بل الموات حتى يتم قبوله.ماهذه الخذعبلات!!!!؟؟؟؟؟؟

[المندهش]

ردود على المندهش
United States [ياسر] 04-19-2014 01:45 PM
"خزعبلات " تكتب هكذا ...

أما عن تعليقك فانى أرى أنه من الأحرى أن تسمي نفسك " المدهش " !

أنت مدهش في الغباء !


#976786 [دا كلام ما صاااااح]
0.00/5 (0 صوت)

04-18-2014 11:53 AM
الترابى وسوس لإبليس
ومازال ابليس يتعوذ من الترابى حتى يومنا هذا

[دا كلام ما صاااااح]

سيف الحق حسن
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة