المقالات
منوعات
حسن بلصة - الحلقة الأخيرة
حسن بلصة - الحلقة الأخيرة
04-19-2014 12:12 PM


1-
بتنا في أدنى قائمة اهتمامات حسن بلْصة. إذ جذب المال نحوه، أنماطاً من البشر، حطوا عليه كما يحط الذباب على قطعة سكر. أصبح لديه أصدقاء من علية القوم, أطباء ومهندسون,ومدراء, وكبار موظفين. وهذا ما كان يسعده كثيراً، ينصتون إليه بكلياتهم حين يتحدث, يضحكون بتملق ظاهر، حين ينثر عليهم نكاته ودُعاباته السمجة. ويبدون إعجابهم بأفكاره الفجة, وهم أثناء ذلك، يتلذذون بأطايب الطعام والشراب على مائدته, التي يقدمها حسن وهو يعرف أن قيمتها ستُدفع لاحقاً من هؤلاء، كلٍ حسب موقعه. بات مقصداً لكل من يريد تسهيل أمره مع أي جهة حكومية, وحسن بلْصة جاهز لا يستعصى عليه شيء. أحيانا تصدر الموافقات من على طاولة العشاء عن طيب خاطر, وأحيانا أخرى يتعهد الأمر، مغلف منتفخ، مغلق، يوضع بخفة داخل درج المكتب المفتوح.
وحذراً من عدم الإيفاء بالالتزامات، يطلب حسن أتعابه مقدماً:
- الناس ما عندها أمان, بعدين حقي يروح شمار في مرقة, اشتكي لمين؟
هكذا يعلل طلبه0
تحاشيناه, كما تحاشاه عامة الناس, حاول جاهداً أن يضمنا لمجلسه, إلا أننا تجاهلنا محاولاته. ولقد أصاب عمر حين لخّص تلك المحاولات بقوله:
- صاحبك داير يقشر بينا قدام المنتفعين من هبالتو

ثم جاءت (مايو), وبمجيئها تملّك الرعب حسن بلْصة, فواجهة النظام الجديد, حمراء. ومواقفه السابقة مع أصحاب الرايات الحمر لا تسر, فلقد مسح بهم الأرض بعد أن تركهم، خاصة أثناء مذبحة البرلمان الشهيرة، التي طالت نواب اليسار، وأدت إلى اسقاط عضويتهم فيه، وتبع ذلك حل الحزب الشيوعي.
بجانب أن صاحبنا قال حين انفصل عنهم:
- الجماعة ديل مقشطين, مفلسين، ما منهم فايده, فالحين في الكلام وبس.
لا، بل كان يقول في مجالسه، أنهم مجرد مجموعة من السكارى، يتسولون منه كل ليلة، ثمن زجاجة الشراب والعشاء، ثم حين تلعب الخمر بهم، يرطنون بمصطلحاتهم الغبية، وينظرون إليه باحتقار. ويختم قوله وهو يضرب كفاً بكف:
- بالله شوف جزا المعروف. افندية مقطعين، الحمد لله اتفكيت منهم.
وهو لاينسى أنه يوم طُرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، أقام حفل عشاءٍ فاخر بهذه المناسبة.
يالغبائك يا حسن، أعماك المال عن القراءة الصحيحة للواقع السياسي أمامك، وظننت ما أنت فيه سيدوم طويلا. ماذا تفعل الآن؟ وأنت تعرف تماماً أنّ أصحابك الحمر لا ينسون الوجوه والمواقف مهما طال الزمن.
اختفى حسن بلْصة عن الأعين لفترةٍ حتى ينجلي الأمر, وكانت حينها هوجة الاعتقالات والمحاكمات لرموز الأحزاب ومن انتفع منها, على أشدّها, منهم من استطاع الهرب خارج البلاد, فطال التأميم والمصادرة ممتلكاته, و منهم من لم يستطع, فقبضوه وحاكموه وشهرّوا به. وكان صاحبنا في الموعد, قبضوا عليه, إثر وشاية ممن كانوا يتزلفون إليه أيام العز. صادروا كل ممتلكاته وأمواله. إلا أن صديقنا (عمر)، الذي أصبح نافذاً في ذلك العهد, أنقذه من دخول السجن. فعاد حسن بلْصة من جديد، إلى نقطة الصفر. محبطاً, منكسراً, مقهوراً, فاقد الحيلة, لا يملك قوت يومه. أوصلته الحاجة والفاقة والعوز حد التسول.
2-
بعد حين من الزمان, تبدّلت مواقع الأشخاص, وتغيّرت مواقف سياسية من اليسار إلى اليمين, وتمت تصفية لحساباتٍ مؤجلة بين الرفاق, وانشغل الناس بمتابعة ما يجري على الساحة من صراعٍ بين العسْكر والعسكر، والعسكر والساسة, ومايدور من خلافات عقائدية بين الأطراف داخل منظومة السلطة0 وما حدث حينها من إقصاء وإبعاد للبعض.
وسط كل هذا الحراك والزخم, بات حسن بلْصة مجرد ذكرى باهتة. توقع البعض أنه ربما هرب ليلتحق بالمعارضة الخارجية. إلا أننا استبعدنا ذلك، لعلمنا بطبيعته الانتهازية, وأنه لا يجازف إلا إذا وثق من العائد المادي لمجازفته تلك. والمعارضة لن توفر له ما يتمناه, قال بعضٌ آخر أنه ترك المدينة لمدينة أخرى، لا يعرفه فيها أحد. حتى أكد لنا أحد معارفه، أنه موجود مع جماعته وأبناء جلدته, في ذلك الحي الغامض, المثير للريبة, لا يخرج منه إلا نادراً متدثراً بالظلام0
وشيئاً فشيئاً. نسيناه.
ثم حدثت حركة يوليو, تلك الحركة التي كانت قمة الصراع العقائدي بين رفاق الأمس. وما يهمنا من أمرها هنا, أنها كانت سبباً في ظهور حسن بلْصة من جديد. فهو بجهالةٍ وقصر نظر وعدم إدراك، ، يدفعه الحقد الدفين على نميري وأقرانه، الذين يعتقد جازماً أنهم من تسبب في انهياره وإذلاله وإلحاق الأذى به. بكل تلك المرارات، برز من مكمنه ليرتكب غلطة عمره. إذ انحاز لمؤيدي تلك الحركة, دون أن يتبصَر هوية القادمين الجدد. يبدو أن الحقد أفقده موهبته في قراءة المستقبل كما كان سابقاً.
خرج في مقدمة المواكب، مؤيداً ومناصراً, زاعقاً هاتفاً. ثلاثة أيام وهو يركض هنا وهناك, يحث الناس على مناصرة الوضع الجديد. أرسل برقيات التأييد, وطالب بضرب شرذمة مايو, حسب تعبيره, بيدٍ من حديد, فارتدت الضربة إليه بشكلٍ مأساوي.
حين قُضيَ الأمر, وفشلت الحركة. اعتقلوه, أذاقوه ألواناً من التنكيل والتعذيب, ثم ألقوا به في غيهب السجن الحالك. فلم يحتمل سجن بدنه، وسجن ذله، وخيبته، وانكساره. فقضى نحبه، ذات ليلةٍ عاصفةٍ، مبرقةٍ، مرعدةٍ ممطرة, تذمرَ فيها السجناء من دفنهِ في مثل تلك الليلة, إلا أنهم انصياعاً للأوامر, حملوه, وهم يصبون عليه أقذع ما في جعبتهم من شتائم, ثم قبروه كيفما اتفق0
انتهى



[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 781

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#977996 [عبدالله احمد]
0.00/5 (0 صوت)

04-19-2014 07:11 PM
التحية للاستاذ الكاتب الطيب على هذا العمل الجميل بما فيه من حقائق وممارسات اسلوب حسن بلصة . ومما يدعو للاسف انها تمارس تحت ستار حكومة اسلامية حتى صارت البلصة لها اسماء جديدة غاية في الدلع . وذكرتني يا الطيب بشخص في حينا كان اسمه (حسن لحسة ). شكرا الاخ الطيب على السرد ومزيد من الاعمال .

[عبدالله احمد]

#977653 [المغترب والمشترق كمان]
0.00/5 (0 صوت)

04-19-2014 12:34 PM
كلنا حسن بلصة. وسايكوباتيون. رحمه الله. شكرا الطيب. وريث طيبنا الآخر "الطيب صالح." شكرا

[المغترب والمشترق كمان]

الطيب محمود النور
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة