قصة قصيرة بعنونان " ديستوبيا"
04-19-2014 08:09 PM


الثُرَيّات نازفة، مُدْماة، يسيل الدمُ ملتوياً إلي الاسفل علي السلك العنيد الذي يثبت الواحدة منها علي السقف، قطرات دمٍ أُخري شاردة تتبع تعرجات السلك المكسو بالبلاستيك الذي يَمِّد الواحدةَ منها بالكهرباء، الثُرَيّات مثبتة علي السقف المُحَزّز بقضبان الفولاذ التي تمسك بتقعرات الاسمنت في إنعقاد أجزاء السقف. عَرِفت لاحقاً أنها دماء الضحايا الذين يقتلون ، الضحايا الذين يُعَذَبون؛ دم من فَرْج يافعة مغتصبة انتهكت كرامة انوثتهاو هدمت بالعسف أحلام طفولتها، دم من مؤخرة سجين منتهك الرجولة، دم من نَحْر مواطن مذبوح. الدم واحد ، عَرِفت ذلك قدماي فملمس الدمِ علي أسفل قدمي كان دافئا، متشابها و احمرا. و من زوايا البناء يرد الأنين نابض بالألم، صوت مُنْكَتم و مؤكد الانسحاق، أنين الجياع الذين لا أمل يلوح في الأفق لنجدتهم بلقمة تستر عُرْي البطن منهم او بدواء يغطي انكشاف الحال بالمرض و الحمي. سألت نفسي أهكذا يا الله أمام عينيك و في سقف بيتك ترتكب الجرائم. المجرمون يتغنون بأسمك و يقولون:
هي لله..هي لله ... هي لله ..هي لله ..لا للدنيا و لا للجاه ..هي لله.
سَمِعت المجاهدين المُسَمّنين كدجاجات المتعافي1 سمعتهم يهتفون
فليَعُد للدين مَجْده أوتُرَق مِنّا الدماء ..أو تُرَق كُلّ الدماء2.
إقتادني رجال الأمن من بيتي اقتلعوني من نور الحياة مع زوجتي و بناتي إلي ظلمة السجن. الدرب بين الحرية و الجبس محتشد بالجسارات، الانكسارات ، الانتصارات و الهزائم، هو درب طويل كما بدا لي. لم يكن ليل التعذيب قصيرا، كان طويلا و مؤلما، الشتم ، التهديد، الضرب، المنع من النوم، المنع من استخدام الحمام، نزع الملابس و الانتهاك الجنسي، دروس اجبارية في الفقه الاسلامي علي طريقتهم، إملاء رؤية سياسية باهتة المنطق عبر محاضرات مكرورة، محاولة يائسة لغسل الدماغ و محاولة أكثر يأساً لتغيير الآخر حتي يتفق مع ما هو مطلوب.
المسجد أكثر ابنية البلدة علواً،حوائطه أمتن، ابوابه كبيرة،نوافذه محكمة البناء، لذلك ربما اختاروه سجناً بعد العدوان الأخير علي الناحية. في وقت ما جاءت سيارات، عصب رجال الأمن أعين المعتقلين بعصابات من قماش متسخ، قطع من ثوب إمرأة مقتولة، عرفت ذلك من رائحة إعداد الكسرة المختلطة بالدم، تُرِكْت مع الذين سينظفون المسجد، أُعْطِينا مكانسَ و دلاءً من الزنك و مماسح قطنية مثبتة علي أعواد حَسُنة الاستدارة و ملساء يبدو أنها مصنوعة في الخارج عرفت ذلك من جودة صنعها. نظفنا سطح المسجد من الدماء، كانت بالمكان أجزاء من أيدٍ، آذان و قطع من أقمشة نسائية ملطخة بالدم،أمرنا الجند بإحراق ما جمعناه بالتنظيف في براميل كانت بالأصل لماء الوضوء، انتهينا من تنظيف سقف المسجد، أنزلنا الجند لننظف صحن المسجد و نغسله من آثار التعذيب و الانتهاكات، الاتساخ ماكث بالمسجد، أعدنا التنظيف ابتدأنا بالسقف من جديد، رأئحة الدم ماكثة كما هي. جلب رجال الامن سوائل تنظيف معطرة فغسلنا المسجد للمرة الثالثة بذلك إختبأت روائح التعذيب و الانتهاكات خلف رائحة سوائل التنظيف المعطرة لكنها ظلت ماكثة لا تخفي علي أنف مدربة كأنفي. بعد ذلك الجهد المُمِض أُخذنا في سيارات، كنت معصوب العينيين ، منتهك، جائع و مبدد. أُنزِلنا في مكان مختلف، الزنازين هنا مُجهّزة للحبس و التعذيب.تُرِكْنا لحالنا في ذلك اليوم، آلام جسدي و انتهاك الروحي لم يجعلاني أحس بالجوع او العطش. نمت كميتٍ و في المنام زارني ابونا الشيخ محمد احمد الصالح، كان في اثواب بيضاء ، في سمرة انيقة وجبين وضاء و قال: الكربة لانفراج .. و الغم لانكشاف ثم ابتسم.
قلت له: لماذا الغم و الكربة بالأساس؟
قال: ما اصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفو عن كثير (الشوري ..30)
قلت له: ماذا فعلت انا بالذات؟
قال: و من الناس من يعجبك قوله في الحياة في الدنيا و يشهد الله علي ما في قلبه و هو ألد الخصام (البقرة..204).
قلت له :لم افهم يا ابونا الشيخ.
فابتسم و قال: إن رأيتهم تعجبك أجسامهم ، و إن يقولوا تسمع لقولهم،كأنهم خشب مسندة، يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدو فاحذرهم، قاتلهم الله، أني يؤفكون ( المنافقون ..4)
قلت له: لم أفهم يا ابونا الشيخ.
فال: ألم يعجبك قولهم حين قالوا جئنا لنبطق الدين، ألم تسكت عندما قتلوا الشيوخ و جلدوا الناس و أذلوا عباد الله و أهانوا النساء و أذلوا أهل الملل الأخري من عباد الله، ألم تسكت؟ ثم قال: خُم و صُر و قهقه عاليا ثم أُعرِج به للسماء.
قبضبت من أثر معراجه شعاعا من نور، أخذني الشعاع عاليا، أخذني أخْذاً أشَّدُ في وطأته من نَيْر تعذيبهم و ضربهم، أخذني الشعاع و ألقي بي بعيدا في رمل حارق و شمس مبهرة أشّدُ صًلْياً من أي نار عرفتها. صحوت و كنت بعيداً عن زنازينهم و بعيداً عن مساجدهم ذات الإتساخ الماكث و التي تفوح من جنباتها رائحة الاجساد المنتهكة، كنت بعيدا و منفياً.
في المنفي البارد و الأعجمي عرفت أن كلمة أعجمي نفسها كلمة منكرة ذات حمولة عنصرية منتنة.
عرفت أن صمتي أمام القائلين " العَبْ عَبْ و المَرَا و مَرَا"3 كان جريمة.
عرفت أن صمتي أمام القائلين " ود الغرب4 ما بِسُر5 القَلِب" كان جريمة
عرفت أن صمتي عن المطالبة بالعدالة ،الحرية ، الخبز و الخدمات كان جريمة أخري
عرفت أن صمتي كان دعما لسارقي السلطة وناهبي خيرات البلاد و منتهكي حقوق المواطنين .
عرفت الكثير لكن يبدو أنه بعد فوات الآوان.
..............................................................
1- اسلامي فاسد
2- ابو أسيد (منشد)
3- العَب المقصود بها العبد و معني المثل أن العبودية تطارد ضحيتها كوصمة مدي الحياة و كون الانسان إمرأة أمر مرذول.
4- ود الغرب المقصود بها الواحد من ابناء دارفور او كردفان. و منشأ المقولة ايام حكم الخليفة عبد الله في زمن المهدية و نتيجة لنشاط ابناء البقارة في مناصرة الثورة المهدية و ثبيت حكم الخليفة. اجترحت المقولة تلك الأيام و مازالت نافذة في تفكير الكثيرين من قليلي الوعي من غير ابناء غرب السودان.
5- ما بِسُر تعني لا يسر و لا يفرح.
6- ديستوبيا dystopia المعني في القاموس تعني المجتمع الذي يعيش أهله قمعا،مرضاً و ألم و بؤس
7-

taha.e.taha@gmail.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1090

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




طه جعفر
طه جعفر

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة