المقالات
السياسة
ود الحسين : وحفرة نحاسه
ود الحسين : وحفرة نحاسه
04-24-2014 09:21 AM


(ورد أنه جرت سرقة نحاس السكة حديد في عطبرة جهاراً ليلاً بيد خفيفة لا تخاف أحداً. وذكرني هذا بكتابات لي سبقت عن حسن تدريبي في سرقة النحاس بين عصبة صبية متنفذه بحلة التمرجية بعطبرة في الخمسينات. أعيدها هنا)
كان من عواد السيد عبد الكريم جٌري، صديقي القديم بحلة التمرجية بعطبرة المصاب بكسر برجله في نوفمبر المنصرم، محمد أزرق ود أبو شنب وأبو القاسم جري وصلاح عوض. وأزرق وأبو القاسم عضوان مؤسسان لنادي "الوسخانين" وهي حلقة من أولاد الحلة لا ناد برغم استحالة تفادي الانتماء إلى مثل هذه المؤسسة في المدينة. ويجتمع الوسخانون مساءً عند دكان أزرق. ولهم أنس طريف.
تطرق العواد إلى بعض سيرة السيد ود الحَسِين. وقد نشأنا في تمرجية الخمسينات على جيرة غائبة لهذا الرجل. فله بيتان في مركز دائرة الحلة وظلا خاليين فلا هو سكنهما ولا هو أجرهما. وود الحسين من حلة السيّالة على ضفة النيل. وهو رجل شبعان في الأرض الزراعية. بل كانت له غابة سنط في ظاهر ساقيته معروفة بغابة ود الحسين. وكان يقيم فيها النَوَر (الحلب) متى حلوا عطبرة من أسفار معاشهم الصعب. وكانت تلك الاقامة نافذة أطلعت ناس الداخلة على نظم النور الاجتماعية. وأغرم الناس بفنون الشجار عندهم ودور النساء فيه. وحكوا عن ذلك كثيراً. وقد نصَّب عمدة الداخلة، الشيخ السرور السافلاوي، شيخاً عليهم هو باكاش الذي له جذور في البجا. وكان لباكاش سمت الإدارة. فهو حلو الصورة ولا تراه إلا في كامل هندامه المعتنى به: سروال مزركش في منعطفات هامة منه وعراقي وسديري وتوب وعمامة ومركوب. وكان النَوَر يعرضون عليه متاعبهم مع بعضهم البعض أو مع الآخرين.
لم يشرفنا ود الحسن بجيرته. فقد كان يسكن في السيالة. ولم يمن علينا بجار نأنس به في تلك الحلة الناشئة بدورها التي لم تبن بعد، أو ما تزال غير متمومة، أو تامة مغلقة. وكان ملعب دافورينا يقع أمام بيوت ود الحسين. ولهذا كثرت إشاراتنا إلى الرجل. فقد تنقذف الكرة في المنزل فنتسوره حتى نعود بها. وكانت استعادة كرتنا الضالة هي المناسبة التي تعرفنا بها على محتويات واحد من تلك المنازل. فقد احتشدت غرف البيت وبرانداته وحوشه بأثاثات وغيرها مخزونة بإهمال. وكان أكثر تلك الأشياء مما اشتراه ود الحسين من مزادات رتبها الموظفون البريطانيون لبيع أشيائهم غير المنقولة خلال أعوام 1954 و 1955 استعداداً للجلاء عن السودان. وتذكرون أن حسن خليفة العطبراوي قال للإنجليز في نشيده الوطني المعروف أن يروحوا لبلادهم ويلملموا عِددهم ويسوقوا معاهم ولدهم. ومتحف ود الحسين بحلتنا دليل مفحم أن الإنجليز لملموا عِددهم ولكنهم باعوها في المزاد بالسعر المناسب. وقد رأيت في قفزاتي العديدة فوق حائط بيت ود الحسين لاستعادة كرتنا الآبقة فونغرافات واسطوانات في عراء الدار تحت شمس عمودية مكندكة بغبار عطبرة المرسل. وأتصورها اسطوانات لأساطين الموسيقى الغربية من أمثال بتهوفن وباخ وشوبان. بت الكلب أيتها الشعيرية!
لم يكن ود الحسين جاراً لنا أو جالب جار. ولكننا كنا نراه يومياً مضجعاً على عنقريبه أمام دكانه في سوق الداخلة. كان أنيسه وحافظ سره هو عثمان الترزي الذي اتخذت ماكينته جانباً من فرندة الدكان. ولا أذكر أنني اشتريت شيئاً من متجره ابداً. ولا أظنه كان سيهش ليضيف لماله اللبدا تعريفة شافع يمني نفسه أن يصيب بها حلوى أو بسكويتاً. ولا أعرف شافعاً نجح في حمله للقيام من عنقريبه ليأتي له بشيء من رفوف دكانه غير الأنيقة. وبدا لي دكانه كمجرد ذريعة لود الحسين ليكون في هيصة السوق بطريقته الخاصة. وكان مشغولاً عن البيع والشراء باستعراض تفوقه على منافسيه من التجار. وكان منهم عقلان عبد المجيد. وهو حلفاوي حلو التقاطيع قمحي اللون جلابيته دائماً بيضاء ودائماً مكوية. وقد سمعت عن منافستهما هذه الحكاية الطريفة. فقيل إنه ما جاء عيد الاستقلال حتى تنافسا حول من منهما أطول علماً على دكانه تحية للمناسبة. وكان يراقبان بعضهما البعض فمن زاد بوصة زاد منافسه بوصتين. وكانت هذه المزايدة على محبة السودان تجري على مرأى وسمع أهل الحلة. سودانا فوق.
وكان الرجل كلاسيكي الأعراف بحسب ما علمت عن كيف ودع دنيانا. والرجل أو المرأة الكلاسيكي هو من يعتقد في وجوب إتباعا الأصول في قواعد السلوك لا يبتذل ولا يساوم. حكى لي عواد عبد الكريم عن روعة فراق الرجل لدينانا. فقد أصابه السكري في آخر أيام حياته. وطلب له أهله العلاج هنا وأخذوه إلى مصر حين أعيتهم الحيلة. وقرر الطبيب أن يبتر بعض رجل ود الحسين ليسلم جسده من غرغرينة السكر. وفاتحه ابنه المحامي في الأمر. فقال له ابوه بحزم: يا ابني لقد بلغت من العمر عتيا. وعشت حلواً ومراً. وليس هناك ما يغريني بعد بتبديد جسدي عضواً عضواً طلباً لعمر جديد. إن الله يطلبني إلى جواره فكفاني. يا أبني سأرضى عنك إلى يوم الدين إذا حملتني إلى قبري بكامل عدتي وعتادي. لا تفرط في عضو مني. أريد أن أرقد رقدتي الأخيرة تاماً لاماً." ومات ود الحسين وضمه جسده الكامل قبر. لم ينقص الرجل عضواً.
رأيت خلال وجودي بمتحف ود الحسين أكواماً من النحاس. يبدو أنه كان يشترى قطع النحاس التي يستخرجها صبية حلة التمرجية من نفايات ورش السكة حديد كما حدثتكم سابقاً. وكان قد كف عن هذه التجارة لعهدي بالحلة وأبقى على النحاس لم يتصرف فيه بالبيع. وقد حَملتُ المعلومة عن كنز النحاس هذه لعصابة الأربعة التي كوناها خلال عصر الهرولة العظيمة للنحاس في الخمسينات في الداخلة والتمرجية. وتصرفت العصابة. فسرقنا نحاس ود الحسين عن بكرة أبيه. وهذه حكاية ليوم آخر طالما سقطت الجريمة بالتقادم.


[email protected]


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 1452

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#984652 [عمر]
0.00/5 (0 صوت)

04-26-2014 02:59 AM
دي نكتة يا اخ حسن يا اصنج joke
ود عبدالله لو فاضي يقرا التعليق بتاعي دا الكاتبو في الدورية العلمية دي periodicals كان فهم النكتة
خلي جاري لقاتل الله يا أيها العنطج ..

[عمر]

#984128 [عمر]
0.00/5 (0 صوت)

04-25-2014 11:13 AM
واحد صاحبنا قال عن زميله الامريكي انه قال اذا قيض الله له وربح اللوتري (كم مليون دولار كدا)فانه سيستاجر Morgan Freeman عشان يحكي ليهو قصص قبل النوم ههههههه
أنا لو لقيت لي مليون دولار واحد I will hire dr Abdalla يحكي لي قصص الخمسينات..
لغة وسرد قمة في الروعة..

[عمر]

ردود على عمر
United States [حسن] 04-25-2014 02:49 PM
يا (عمر) انت غارق في الجهل الى اذنيك!!!! ألا تعلم انك بهذا الكلام السخيف تسـئ للبروف
اساءة بالغة؟!!! هل البروف معروض للايجار عشان يلولي وينوم واحد **** مثلك؟!!
قاتل الله الجهل والجهلاء..


#983978 [الصادق]
0.00/5 (0 صوت)

04-25-2014 02:57 AM
يازول بعد تكمل قصة ودالحسين ... تعال قول لينا رأيك في حوار الانقاذ

[الصادق]

#983505 [صالح عام]
0.00/5 (0 صوت)

04-24-2014 03:36 PM
يا دكتور عبد الله ود الحسين جدى ابو امى انا الان عايز حقى على شرط ان تكون من نملة ذاك الزمان الريال ابو عشرين وقرش حسين كامل المخروم وابو قرشين المسدس الاضلاع والباقى ملاليم اصلها كانت مصنوعه من النحاس شكرا لك ايها السفير دائما تمتعنا ب الماضى الجميل متعك الله بالصحه

[صالح عام]

#983452 [حمدالنيل]
5.00/5 (1 صوت)

04-24-2014 02:40 PM
سرد غاية في الامتاع كما أنت ايها الجميل..
بس آخرتها يعني تاريك كنت حرامي ظريف..
جزى الله خيراً رفاقنا الشيوعيين النبلاء
الذين هدوك الى سواء السبيل..
تصور معي بالله يا دكتور.. لو أن هواية
أو غواية سرقة نحاس المرحوم تلك استمرت
وغدت ممارسة ملازمة لك ألى عهدنا الاسلامي
هذا.. بالله كان حا تعمل شنو؟ تبيع خط هيثرو مثلاً
أو ممتلكات مشروع الجزيرة! أوربما القصر الرئاسي نفسه
ويمكن سد/قد مروي ذات فريسة سهلة لك .
أشكر الشيوعيين جزاهم الله خير..وواصل السرد الجميل ..أيها الرفيق النبيل.

[حمدالنيل]

#983253 [ود ود ود الحسين]
5.00/5 (1 صوت)

04-24-2014 11:56 AM
رجع لينا نحاسنا يا بروف و نسقط ليك أبو الجريمة ذاتو ..و لا كمان أحكي لينا بجنس كلامك السمح دا و خلي ساس يسوس للعوام فنحن داخرنك لمتل هذاالفولكلور الثمين فأنت عمدته (أو أحدهم) في هذا البلد ما أمين و كان سويت التانية دي فنحن عافين ليك نحاسنا تب.

[ود ود ود الحسين]

#983142 [حمزة محمد]
5.00/5 (1 صوت)

04-24-2014 10:47 AM
متعنا متعك الله بالصحة والعافية يادكتور بزكرياتك الجميلة فى مدينة عطبرة وحى الداخلة الجديدة والتمرجية والسيالة وحلة الصنفور والبسكت وسوق الداخلة والحفر والنحاس والحديد وعمك بكرى وحسين شلول وعمك ود الحسين زيدنا زادك الله علما وعمرا...

[حمزة محمد]

د. عبد الله علي إبراهيم
د. عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة