المقالات
السياسة
ومن وسوس لإبليس أن يعصي الله؟ (2) النفس وخاطرة عن سورة الفجر..
ومن وسوس لإبليس أن يعصي الله؟ (2) النفس وخاطرة عن سورة الفجر..
04-25-2014 01:43 PM

كما ذكرت لك فإن العدو الرئيسي للإنسان هو (" النفس"). ونفس إبليس هي من وسوست له. فقد كان من الجن ورفعه الله مع الملائكة الكرام وعند الإختبار وسوست له نفسه بالكبر والغرور، فعصي الله، فخرج من رحمته جل وعلا.
فنفسك مسؤولية فردية كما يقول عز وجل في مختلف المواضع ((اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا)) [الإسراء: 14]، ((اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم)) [غافر: 17]، ((كل نفس بما كسبت رهينة)) [المدثر: 38]، ((علمت نفس ما أحضرت)) [التكوير:14].
ويؤكد الشيطان نفسه بأنه برئ من تهمة الوسوسة على لسانه بقول الله تعالى: ((وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم)) [إبراهيم: 22]. ويقول تعالى: ((الذي يوسوس في صدور الناس)). فهو يوسوس في صدور الناس وليس في نفوسهم.
فلوم نفسك أولا ولا تلوم الشيطان مباشرة.
وقد قضى الله بأن ألهم نفس الإنسان ليكون بها تناقضات تمكنه من معرفة الحق من الباطل والتمييز بينهما. ففي حياته وأفعاله يجب عليه التفريق بينهما لمجانبة الخطأ ومقاربة الصواب. وهذا عكس ما يتوهم الكثير من الناس بأن فلانا هذا شرير، فهو كذلك وسيظل شريرا طوال عمره، أو ذاك خيرا وسيكون كذلك باقي حياته. فهذا ليس العدل الإلهي أن يكون الرب إنتقائي. فإذا هي حالات والله ألهم وللنفس مطلق الحرية فيما تختار. لذلك يقول الله تعالى: ((ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها)) [الشمس: 10].
والحق تعالى هنا يرشدنا مباشرة بما علينا فعله مع هذه النفس. فتزكية النفس هي التي تنجي من وسوستها. ويقول الله تعالى ((قد أفلح من تزكى)) [الأعلى: 14]، والمقصود بها تزكية النفس وهو ما اعتقد به جازما عكس ما وجدت في كثير من التفاسيرعلى إنها تعني الزكاة. فتزكي تعني التطهر من الدنس والشوائب. وفعل تزكية النفس فعل مستدام ومتجدد، ولا يجوز لإنسان القول بأن نفسه وصلت مرتبة زكية ونجا بنفسه. فهذا يورث الغرور ويزرع بذور الكبر كما كانت مغروسة في نفس الشيطان. فقد خرج نباته شجرة معصية، إستغلظت وأستوت على سوقهاعندما أمره خالقه بطاعة بسيطة تذكره بأنه ليس أفضل خلق الله كما يتوهم. فإبليس زكى نفسه، لذك يقول الله تعالى: ((فلا تزكوا انفسكم هو اعلم بمن اتقى)) [النجم: 32]. فلا يجب أن تزكي نفسك أبدا لأن لا أحد غير الله يعلم مافي النفوس، والعلم عند الله إذاً بنتيجة التزكية. ولكن عليك فقط بتذكر أن عملية تزكية النفس يجب أن تكون فعل مستمر وعمل مستدام.

فلا يخدعنك أحد بقوله أن الله زكي نفسه، أونفسه أصبحت طاهرة نقية. وكما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون). فليس هناك نفس معصومة، فلابد لها من رثيب ومحاسب. لذلك في التعاملات الإجتماعية لابد أن يكون المجتمع يراقب كل إنسان ولا يحكم عليه بمجرد رؤيته ساجدا خاشعا متبتلا من خشية الله. فنفس الإنسان متقلبة وهي لا تتورع أن تفسد إذا لم يكن لديها رادع يشجبها حين تعتدي وتفسد أو وازع إجتماعي يجعلها تستحي حين تغتر وتستكبر.
ولنا مثال حي في إدعاء "الإسلاميين" زكاة أنفسهم، وإنهم أفضل خلق الله. ولكن الواقع يكذبهم، وفي الحقيقة إن أنفسهم مثل أي نفس بشرية أخرى.

وتزداد الخطورة حينما يعتقد المرء أنه وصل مرحلة إنتهاء التزكية بينما يكون سائرا خلف هوى نفسه. فالآلهة التي كانت تعبد مثل يعوق ويغوث واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى إنتهت وهدمت جميعا إلا إلها مزيفا واحدا لا يزال موجودا ويعبده كثير من الناس. فهل عرفته؟. إنه إله "الهوى" الذي يقبع داخل أغوار نفس كل واحد منا.
يقول الحق تعالى: ((أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون)) [الجاثية: 23]. وهذا يعني إن الإنسان الذي يحب نفسه ويجري خلف هواها يضيع ويصير لا يتقيد بأمر ونهي ولا يرعوي لوازع ولا يصغي لنصح وسيخسر خسرانا كبيرا. وهذا هو إتخاذ إله الهوى، والأسوأ والأضل فيه أن يعتقد الإنسان انه يحسن صنعا لأن المعايير في نظره تكون قد أختلت وحدث له تلبيس وغرور وكبر من نفسه. وإذا قيل له إتق الله أخذته العزة بالإثم.
ومثال لذلك فرعون وهامان وعاد وغيرهم من عتاة الطغاة والكافرين المجرمين أعداء الإنسانية. فالله تعالى لم يذكر لنا إن الشيطان وسوس لهؤلاء ليصبحوا أأمة للكفر. بل كانت نفوسهم هي شيطان لوحدها، وكان فرعون يقول: "ما أريكم إلا ما أرى وما اهديكم إلا سبيل الرشاد". ويؤسفني ان الإسلاميين يتخذون نفس النهج.
و أورد هنا طرفة لفرعون مع الشيطان. يحكى ان فرعون كان له حمام (أكرمكم الله) لا يدخله أحد غيره. فدخله ذات يوم وتفاجأ بوجود شخص واقف فيه. فثار وغضب غضبا شديدا وإنتهره قائلا: من أنت؟. قال له: أنا إبليس. فرد فرعون: أنت إبليس الذى يأمر الناس بالمعاصي، أخرج من هنا أيها الفاسق. فنظر إليه إبليس مبتسما قائلا: أنا أغوي الناس وأنزغ بينهم وأسوس لهم ليبتعدوا عن عبادة الله، ولا أستطيع أمرهم وليس لي سلطان عليهم إلا أن أدعوهم. أما أنت بسلطانك تأمرهم أن يعبدوك أنت، ويأخذوا برأيك فقط، وبالأحرى تصادر حرياتهم التي منحها الله لهم لتجبرهم لأن يعبدوا إله هواك الذي إتخذته نفسك.
ومن هذه القصة نعرف إن شياطين الإنس أسوأ وأضل من شيطاين الجن وإبليس نفسه.

فما العمل إذا، وكيف نهدم ونتخلص من هذا الإله اللعين؟.

مراتب النفس..

يقول أحد العارفين إن النفوس بحسب القرآن الكريم سبعة أنفس:
- النفس الأمارة بالسؤ. ((وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء)) [يوسف: 53].
- النفس اللوامة. ((لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة)) [القيامة: 2].
- النفس الملهمة. ((ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها)) [الشمس: 8].
- النفس المطمئنة. ((يا أيتها النفس المطمئنة)) [الفجر: 27].
- النفس الراضية. ((إرجعي إلى ربك راضية)) [الفجر: 28].
- النفسة المرضية. ((إرجعي إلى ربك راضية مرضية)) [الفجر: 28].
- النفس الزكية. ((قد أفلح من زكاها)) [الشمس: 9]. فهذه هي النفس المحورية والتي تخوض جهاد النفس. وصدق رسول الله حين قال: (رجعنا من الجهاد الأصغر للجهاد الأكبر). وهي التي تجعل صاحبها شهيدا بإذن الله وإن مات على فراشه.

وقد رتبتها لك حسب ما ذكر من الأسوأ ضررا إلى أقلاها. وقتل تلك النفوس واجب كما أمر موسى عليه الصلاة والسلام قومه قائلا: ((وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم)) [البقرة: 54]، - فاقتلوا أنفسكم- المقصود بها مجاهدتها وقتلها بتزكيتها للتخلي عن كل درجة من الدرجات السفلى والإرتقاء للمراتب الأعلى، وليس كما يقول بعض المفسرين بأنهم قتلوا أنفسهم بمدي وسكاكين حيث مات منهم في تلك الليلة 70 ألف نسمة!. ونسأل هؤلاء "العلماء" هنا: أايس هذا إنتحارا، وكيف يتوب ربهم عليهم بعده. لا تقول لي إن شريعتهم كانت كذلك!، ويكذبون عليك. فأنا لا أصدق لأن النفس البشرية حرمة الله سبحانه والله لايريد سفك الدماء والله لا يحب الفساد. ولا يمكن أن يأمرهم موسى بقتل أنفسهم قنوطا من التوبة و رحمة رب العالمين، ((انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون‏)) [يوسف: 87]. و روح الله: رحمته وفرجه وتنفيسه.
ولذلك لا أعتقد برأيهم لأن الراجح المقصود هو قتل "إله الهوى" معنويا بقتل تلك النفس الأمارة ومغادرة محراب إله الهوى ونهي النفس عن الذهاب إليه مجددا و طاعته. وإله الهوى لا يموت وسيظل قابعا في أغوار الصدر منتظرا لحظة الإنكسار والعودة إليه مجددا. وذلك كما يقول الحق تبارك وتعالى: ((وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)) [النازعات: 40]. فلابد من العصيان النفسي والمقاطعة المعنوية له لكي نفلح. وعلينا أن نخاف من فقدان مقام الله في النفس عند دخول معبد إله الهوى.

وعموما فإن النفس البشرية تترواح بين مراتب تلك الأنفس، ولا يمكن أن يستمر تحررها من إله الهوى وتفلح في الإنعتاق التام منه إلا إذا هيمنت النفس الزكية بين الأنفس. فالإنسان أحيانا يصعد وترتقي نفسه، وأحيانا يضعف فتنزل نفسه إلى مرتبة أقل. فلا تدوم نفس على حال لأن الإنسان خلق ضعيفا، مما يتطلب منك أن تكون في مجاهدة مستمرة.

فجر النفس..

في سورة الفجر وردت ثلاث انواع من الأنفس التي تقبع في المراتب العليا من درجات سلم إرتقاء الأنفس. ويستخدم الكثير آية النفس المطمئنة -((يا أيتها النفس المطمئنة))- للنعي للوفيات فقط، مما تسبب في تعميم لمعنى مغلوط وطمس مضمون وفهم حقيقي للآية. فالقرآن أولا لا يخاطب بياء النداء الأموات، بل الأحياء ليتعظوا ويعتبروا ويهتدوا إلى طريق الرشاد قبل الممات.
فإذن الآية تمثل تحذيرا للإنسان صاحب النفس المطمئنة الذي وصلت نفسه مرحلة الإطمئنان بأن: لا تتدنى في مراتب النفوس الدنيا مجددا؛ وذلك من السياق العام للسورة.

إقرأ معي السورة من اولها. ((والفجر* وليال عشر* والشفع والوتر* والليل إذا يسر)) [الفجر: 4].
لقد بدأ الله تعالى السورة بالقسم بالفجر، وعشرة ليال، والشفع والوتر، والليل إذا يسر. فعندما يقسم رب العزة ليس عبثا وإنما الأمر جلل. فالفجر وقت وبه صلاة قال عنها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها). والعشرة ليال الراجح إنها العشر الأواخر من رمضان لأن رسول الله أوصى بتحري ليلة القدر في تلك الليال، وسلام هي حتى مطلع الفجر. ونزول القرآن على الدنيا عيد يجب أن نحتفل به عشرة ليال، ولكن غالبية علمائنا الأفاضل حصروا أعيادنا في عيدين فقط. وقد ذهب البعض على إنها العشر أيام الأوائل من ذي الحجة. ولكن الله تعالى يتحدث عن ليال عشر وليس أيام – فيها نهار-.
ومن ثم أقسم سبحانه بالشفع والوتر. والشفع هو الزوج، والوتر هو الفرد. والله العليم فربما ترجع هذه الأية للتاكيد على أهمية الإجتهاد في كل الليال بشفعها ووترها. ومن الممكن ان يكون القسم للتنبيه لأهمية صلاة الشفع والوتر واللتان هما آخر صلوات لدخول الليل. ومن ثم أقسم بالليل وتيسيره للقائمين والمتضرعين فيه. ففي الليل السكون من صخب الدنيا، والهدوء من ضجيجها وزخرفها، وصفاء الذهن للتفكير. فيخلو الإنسان مع نفسه ليواجه بها ربه يريد تزكيتها.

وإن ما أقسم به رب العزة يمثل برنامجا للتأهيل النفسي لتزكية النفس. ثم يطرح جل وعلا سؤولا مستفهما: ((هل في ذلك قسم لذي حجر؟)) [الفجر: 5]. والحجر هو العقل، لأنه يحجر صاحبه من الجهل. أي: هل في هذا القسم ما يمنع ذو عقل أن يصدقه، أو هل هذا قسم لمن لا لديه عقل؟. كلا والله يا رب، لأنه للذين يعقلون فقط.

ثم يذكرنا ربنا بصيغة تسائلية مخاطبا لرسول الله، ولكن مضمون الخطاب لنا جميعا لنعي ونعقل، قائلا: ((ألم تر كيف فعل ربك بعاد* إرم ذات العماد*التي لم يخلق مثلها في البلاد*وثمود الذين جابوا الصخر بالواد* وفرعون ذي الأوتاد* الذين طغوا في البلاد* فأكثروا فيها الفساد* فصب عليهم ربك سوط عذاب*إن ربك لبالمرصاد)) [الفجر: 14].
والرؤية تعني العلم، أي ألم تعلم ما فعل الله بعاد، وثمود، وفرعون الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد؟. ألم تعلم أنه تبارك وتعالى صب على أولئك الطغاة المجرمين سوط عذاب وإنه لبالمرصاد لكل الطغاة الظالمين الفاسدين. وعليك ان تلاحظ بأن هؤلاء جميعا لم يوسوس الشيطان لهم بل كانت أنفسهم هي مصدر غوايتهم وكل ما فعلوه في الناس من طغيان وظلم من عند أنفسهم. والملاحظة الأخرى إن هؤلاء الطغاة الظالمين لم يهلكهم رب العزة وحدهم بل ومن ناصرهم من قومهم. ((ألا بعدا لعاد قوم هود)) [هود: 60]، ((ألا بعدا لثمود)) [هود: 68]، وفرعون ((فأغرقناه ومن معه جميعا)) [الإسراء: 103].
فلايجب أن نكون مثل هؤلاء المجرمين الظالمين بطاعة إله الهوى، أو نناصر أمثال هؤلاء المفسدين ونؤيدهم. بل بالعكس فعلينا مجابهتهم والتصدي لهم. وبرنامج التأهيل النفسي الذي إبتدر به الله تعالى الآية يساعد في هذا الجهاد.

ثم يلفتنا الله تعالى لطبيعة النفس البشرية مجددا. ((فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن* وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن)) [الفجر: 16].
جرت العادة لدينا إذا أنعم الله على أحدنا يقول ربنا أكرمنا كرم "شديد" والحمد لله، وليس في هذا عيبا. ولكن الخطأ أن يظن الإنسان هذا ليس إبتلاءا ولا يؤدي شكر حقيقي.
وبالمقابل يظن الكثير الذين يبتلون بمحدودية الرزق المادي، إن هذا إبتلاء من رب العالمين. وهذا ليس عيبا أيضا، ولكن الخطأ في إعتقاد هوانه على الناس ويقول: الحمد لله إن راض بقسمة ربي وفي قرارة نفسه إنه مهان من الناس بسبب هذا.
فهذه حالة الإنسان وإن كان موحدا ويحمد الله، تظل هناك الإسقاطات والترسبات النفسية وهذا هو محك الإختبار. فعليك أن تلاحظ بأن الله تعالى يذكر إن كلا الأمر سيان. فكرم/عطاءه، وتقدير/تحديده للرزق المادي كلاهما إبتلاء. والإبتلاء هو إختبار، وهو عكس البلاء والذي يعني وقوع العذاب.

فطبيعة النفس المقارنة التي يثيرها إله الهوى و يشغبها لتكون أمارة بالسؤ ومتقلبة في أهوائها. فعندما يحد الله رزق الإنسان تحدثه نفسه بحرمانها وتظل ساخطة وغير راضية، مع إنه يقول ربي. ولو أفلح بتزكية نفسه لترضى فعليا بكل ما يقسم الله له من غير غل وحسد لأحد، ويعصمها من الغش والسرقة والرشوة وكل الأفعال الفاسدة، تكون نفسه راضية.
وذات الإنسان عندما يفتحها الله عليه وتفرج يقوم بكفران النعمة بعدم تأدية شكرها فعليا. وقلنا إن الشكر ليس هو الحمد. فالحمد يمكن ان يكون باللسان فقط ولكن الشكر لابد ان يكون بعمل معنوي ومادي محسوس. ولا أحد يمكنه أن يبلغ شكر الله كاملا ولكن يسعى إليه بعمل الإحسان. ((ومن شكر فإنما يشكر لنفسه))، ((وكان سعيكم مشكورا)). فيكتفي الكثير بقول: "أكرمن" – كالحمدلله، وشكرا يا رب، وأسجد شكرا لله- ويعتقد حينها إنه أدى شكر ما أغدق الله عليه من نعم. ولو أنه أدى شكر النعمة حقا لأصبحت نفسه مرضية برضاء الله سبحانه وتعالى عليها.

لذلك ينبهنا الله لبعض مواطن الشكر بعدها. فيقول لنا رب العزة كلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله عندما يقول ربنا: كلا، فيجب الإنتباه لما بعدها. فالله تعالى يريد تنبيهنا إلى ميادين القتال التي يمكن ان ندمر فيها إله هوى النفس معطيا مثالين بعدم إكرام اليتيم والحض على طعام المسكين. ((كلا بل لا تكرمون اليتيم*ولا تحاضون على طعام المسكين)) [الفجر: 18]. والمتسبب في تيتيم الأطفال وكثرة المساكين هو الظلم الذي يقع على العباد من أولئك الطغاة أمثال فرعون وعاد وثمود. لذلك يجب إكرامهم، وإكرامهم يكون بنصرة هؤلاء المستضعفين والوقوف في وجه أولئك الطغاة الظالمين.
ويورد الله سبحانه وتعالى الأسباب النفسية التي تمنع من الخوض في تلك الميادين بسبب الأنانية التي ينصبها إله الهوى كعبة داخل صدرور الناس. ومثال لذلك أكل التراث/الميراث وحب المال حبا جما. ((وتأكلون التراث أكلا لما* وتحبون المال حبا جما)) [الفجر: 20].

ثم يقول رب العزة مجددا "كلا" للتنبيه ليوم القيامة واصفا رهبته وحضور الملائكة والشهود على ما فعل هذا الإنسان. فحينها سيتذكر الإنسان ويأسف لأنه لم ينصر المستضعفين ولم يعطف عليهم ويكرمهم، ولكن أنى له الذكرى والندم وهو يقول: "ياليتني قدمت لحياتي". فسيستدرك إنه مات وإن هذه هي الحياة الفعلية والله تعالى يقول له: ((والآخرة خير وأبقى)). ويندم يوم لا ينفع الندم على ما سخط ولم يرضى ولم يقدم من شكر فعلي ليكون مرضي. ففي ذلك اليوم سوف لا يعذب عذابه أحد غيره لأنه هو من أغوى نفسه بالأنانية وأضلها بإله الهوى. فهو المسؤول المسؤولية الفردية و المباشرة عن ذلك. ولن يجد حتى من يفك وثاقه من العذاب. ((كلا إذا دكت الأرض دكا دكا* وجاء ربك والملك صفا صفا* وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى* يقول يا ليتني قدمت لحياتي* فيومئذ لا يعذب عذابه أحد* ولا يوثق وثاقه أحد)).

ولكن هذا العذاب الآجل المعد لمن تلاعبت به نفسه، ولكن أنت تقرأ وتسمع القرآن ماتزال حيا ولك الفرصة أن تتعظ وتعتبر وتهتدي من قبل ذلك اليوم. فلذلك يرسل الله تعالى نداءا لمن يظنون انهم مطمئنون، أي أصحاب النفس المطمئنة قائلا لهم: ((يا أيتها النفس المطمئنة* ارجعي إلى ربك راضية مرضية* فادخلي في عبادي* وادخلي جنتي)) [الفجر: 30].
فالله تعالى لا يقبل من نفوسهم إستكانت وأطمأنت، ((أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون)) [الأعراف: 99]. فمهما يكن فمادام الإنسان في الحياة فهو في إبتلاء وإختبار دائم، كما يقول عز وجل وذكرنا من قبل. لذلك يدعوا الله النفس بالرجوع لربها، ورب الشئ مؤدبه. فرب النفس المطمئنة هو الإنسان الذي أوصلها لتلك المرتبة. فعليه الإستمرار بتزكيتها حتى تنال الرضا المتبادل.
أو حتى يرضى عليها الله سبحانه فتصبح راضية وتسير بأدب بارئها فينعكس ذلك سلوكا في عدم الأنانية ونبذ الكبر وكل الصفات الذميمة وترجمة ذلك بالتواضع والإنفاق على المساكين واليتامى والفقراء ونصرتهم بالوقف ضد ظالميهم. وبالمقابل ترجع مرضية بما ينعم الله عليها من نعم جزاء ما جاهدت وإستشهدت في قتل إله الهوى. فالراضية والمرضية هي نفس أصحاب حزب الله الخاشين له: ((رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)) [المجادلة: 22]. ((رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه)) [البينة: 8]. وهم الفائزون بجنته: ((رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم)) [المائدة: 119].
وهكذا تدخل النفس في عباد الله عندما يحبها فترجع راضية مرضية. فهي نفس يضع لها القبول في السماء والأرض بما تفعله من خير تدخل به في خدمة الناس والبشرية جمعاء. وهذا توافقا مع الحديث القدسي: (إذا أحب الله تعالى العبد، نادى جبريل، إن الله تعالى يحب فلاناً، فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض).

اما دخول الجنة فيأتي لاحقا لأنه نهى النفس عن إتباع إله الهوى في المقام الأول وحصن نفسه من وسوسة الشيطان. وذلك توافقا مع الآية: ((وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)) [النازعات: 40].

ولا يتأتى الرقي بالنفس إلا بالجهاد ويقظة الضمير الحي للنفس الزكية. فإذا إدلهم ليل النفس لابد أن يخرجها ربها إلى النور لتعود للفجر.


سيف الحق حسن
saifalhag.hassan@gmail.com


تعليقات 9 | إهداء 0 | زيارات 1873

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#985700 [osama]
0.00/5 (0 صوت)

04-27-2014 04:52 AM
من وسوس لإبليس أن يعصي الله؟
الاجابة :
الشيخ / حسن عبد الله الترابي

[osama]

#985471 [ana ana]
0.00/5 (0 صوت)

04-26-2014 07:15 PM
جزاك الله ألف خير ...اللهم ارحـــنا منهم واجعلهم هم الازلــة وفي مقدمتهم عراب المشروع الحضاري

[ana ana]

#984938 [محمد أحمد]
0.00/5 (0 صوت)

04-26-2014 11:24 AM
خسمة وعشرون عاما لسان حالهم ولسان مقالهم يقولون لنـــــــــــا

"ما أريكم إلا ما أرى وما اهديكم إلا سبيل الرشاد".

اللهم ارحـــنا منهم واجعلهم هم الازلــة وفي مقدمتهم عراب المشروع الحضاري.

[محمد أحمد]

#984488 [عبدالله النوبي]
5.00/5 (1 صوت)

04-25-2014 09:08 PM
وان كانت مرافعة لإبليس يفرح بها بأنه ليس المذنب الوحيد لكن ....

هي في ذات الوقت تبيين أن كيد إبليس ضعيف جداً مقارنة بإله النفس وان تم قتلها كما عبرت عن ذلك

بتزكيتها يكون إبليس في خبر كان وتحررت تلك النفس ودخلت في عباد الله المخلصين الذين ليس لابليس

سلطان عليهم ... اما خاطرة سورة الفجر فتلك لفته لا أجد كيف اعبر عن لفتتك هذه وربما هي فجر خاص

أو فجر عام وخصوصاً أن بعدها سورة الضحى من حيث ترتيب التنزيل لا ترتيب المصحف ومن حيث أن

الوحي انقطع بعدها فترة زمنية طويلة حتى أتت سورة الضحى اضافة مهمة جداً وتنبيه للاخذ بطريقة

مختلفة للامور ... جزاك الله كل خير وبارك لك وبارك فيك وفي سعيك نحو البيان والايضاح والتفكر

[عبدالله النوبي]

#984444 [بت البلد]
0.00/5 (0 صوت)

04-25-2014 08:03 PM
ما شاء الله أحسنت والله ... جزاك الله ألف خير ...

[بت البلد]

#984434 [العراب]
0.00/5 (0 صوت)

04-25-2014 07:39 PM
كلام جميل جدا جدا...
واصل في نفس الموضوع...
اتمني ان يفتح الله علينا بالفهم...

[العراب]

#984404 [من اهل العوض]
0.00/5 (0 صوت)

04-25-2014 06:39 PM
جزاك الله خيرا ... فنحن في اشد الحاجة الى تفسير القران بلغة اليوم ( في كثير من القضايا ) حتى يصبح القران منهاجا لنا

[من اهل العوض]

#984388 [osama]
0.00/5 (0 صوت)

04-25-2014 06:03 PM
يازول قونالك قوم لف 200 مرة

[osama]

#984367 [ادروب الهداب]
0.00/5 (0 صوت)

04-25-2014 05:26 PM
انا في اعتقادي بان كل اهل اﻻنقاذ ﻻ يمتون لﻻسﻻم باي صلة

[ادروب الهداب]

سيف الحق حسن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة