المقالات
السياسة
موسم الهجرة الي الحوار..!
موسم الهجرة الي الحوار..!
04-26-2014 10:07 AM


بسم الله الرحمن الرحيم
موسم الهجرة الي الحوار..!
شُغلت الساحة السياسية خلال الأيام الماضية ومازالت بموضوع الحوار! الذي دعا وتحمس إليه النظام الحاكم بشكل مُنقطع النظير! كمن وجد(خلية ذهب) في صحراء العتمور في زمن الصعود المادي الصاروخي! او واحة مياه عذبة في فيافي التيه والقفر والفقر، التي قاد البلاد إليها، جهلا وقهرا وظلما! ليأتي فجأة وبعد هذه الرحلة الطويلة، من الغباء السياسي والعناء الإقتصادي والمعاناة الإنسانية والرهق الوجودي، وببراءة الذئاب ومكر الثعالب! ليعلن فينا أنه موسى هذا الزمان الأغبر، وانه بُعث بنظام الله المختار! وهو يحمل ألواح الحوار في يدٍ، وفي الأخري أغصان الزيتون وبشارات التنمية والرخاء!! وكما عودنا دائما، بتوظيف كل آلياته السياسية وأذرعه الإعلامية والدعائية، ومُناصريه في ثوب الحيادية(لأنه لأ حياد مع الدمار الكامل والفساد الشامل)! لتعزف نفس المنظومة، وتردد نفس الكلمات والأداء، كفرقة لأ تمل أداء الألحان الجنائزية، برتابة تبدع في الإلتزام بدفع كل مستحقاتها الآنية! لينخرط النظام بكلياته في هذه الكذبة/المخرج الجديد. ولم يعدم من يصدقه! غفلة حينا او عجزا في أحايين كثيرة! في هذه المهزلة، وأرتضي لنفسه دور الكُمبارس او المُسهل(إدارة جامعة الخرطوم نموذجا، وهي تتغول علي إرث سياسي باذخ تركه رجال عظماء)! أي من أجل القيام بأي دور، يحسب لها في تشكيل المستقبل القادم، او لرفع العبء والحرج عنها، إذا ما إنزلقت البلاد، الي أتون الفوضي وجحيم الإنفراط والضياع وذهاب ريحها!! (بهذه المناسبة نوجه سؤال برئ لإدارة الجامعة، أين وصلت التحقيقات في مقتل الطالب علي أبكر موسي أحد رعايكم، وغيره من الشهداء، الذين تلطخت أيادي محاوريكم بدماءهم). وسيناريو الهروب الي الأمام، من دفع إستحقاقات الأوضاع الراهنة تكرر كثيرا! عبر إبتداع قضايا او طرح أفكار، تحمل ظاهريا طابع الإجماع والإتفاق(نموذج دعوة الحوار)، ولكنها في الحقيقة مُفرغة المضمون، بسبب إستخدامها الأداتي! بمعني، إن الغرض من الطرح، ليس هذه القضايا او الأفكار بالتحديد، وإلا لأستتبع ذلك عدد من الإجراءات المُسبقة، التي تثبت جدية التعامل مع هكذا قضايا حساسة! ولكن الغرض يكمُن بالتحديد، في إستثمار الأثر النفسي والدعائي، لقضايا تحمل طابع الوطنية والمسؤولية والجدية، كقضية الحوار سالفة الذكر ومدار الموضع!
ولكن هل يقبل موضوع الحوار مع هذا النظام، هكذا ضربة لأذب! أي من دون مشروعية التساؤل، لماذا الحوار من الأساس؟! وفي هذا التوقيت بالتحديد؟ وما هي أهداف النظام من هذا الحوار، وسقفه، وأجندته، أي مضمونه النهائي؟ وهل النظام نفسه مُصمَمْ لطرح الحوار او قبوله او الإلتزام بمخرجاته و تنفيذ قرراته؟ أي هل الحوار في مثل هذه الظروف، من أجل الوطن أم من أجل النظام؟؟!! وبما أن النظام ومن خلال ممارساته السابقة وذاكرة الخراب الراسخة، أثبت بما لأ يدع مجالا للشك، أنه نظام يستخف بالوطن ويزدرئ بمواطنيه، فالإجابة تكون قد حسمت مسبقا!!
وبما أن موضوع الحوار، وكغيره من مواضيع ذات طابع وطني، كالسلام والإستقرار وتماسك اللحمة الوطنية...الخ، هي مواضيع او قضايا يصعُب أن يعترض عليها أحد! وإلا لحقت به تهم لأ حصر لها، في بيئة مُحفزة علي الظنون والمُتاجرة بالعواطف! والأهم من ذلك أنها فعلا مطالب مُلحة، ولأ غني عنها، وهي أكثر إلحاح، في أوقات المنازعات والأزمات وتعرض البلاد لخطر التفكك والتشظي، كواقع البلد الراهن!! وهو واقع مأساوي مُتفجر، إرتبط أساسا بوجود النظام نفسه! ومن هنا تكمن المفارقة! بمعني، أن كل دعوات الحوار او المصالحة او الإتفاق، علي قضايا وطنية كبري، تشكل إنفراج و بداية الطريق للخروج من نفق الأزمات المُظلم، تصطدم مباشرة بوجود هذا النظام! بتعبير آخر، النظام هو المشكلة الأساسية والمتن المسبب للأزمات! وتاليا ما يصدر عنه، من مُبادرات او حلول او دعوات للحوار! تُحدث ربكة كبيرة، وتشتت في مواقف الرابطة الوطنية المعارضة! والأسوأ أنها تُحدث إنحراف خطير، عن رؤية المُشكل الأصل او منبع الأزمات والأخطار وهو النظام، وبالتحديد الطريقة العشوائية الإستبدادية الفسادية، التي يُدير بها هذه البلاد المنكوبة! ويبدو أنه، من نكد الدنيا علي هذه البلاد التعيسة، أن يطرح الحوار لحل مشاكلها، مَنْ ظل علي الدوام، يتفنن في تحطيمها وزرع الفتنة، بين مكوناتها المجتمعية والدينية والقبلية!! نخلص من ذلك، الي أن أي دعوة للحوار او لحل أي من القضايا والأزمات الراهنة، تطرح من قبل هكذا نظام، تشكل أزمة في حد ذاتها! وما هي إلا نوع من التمويه وشراء الوقت وهروب من المحاسبة، وتعقيد أكبر لأزمات البلاد المتراكمة. وذلك لسبب بسيط، يتمثل في أن إستخدام المُسكنات(دعوات الحوار الهوائية) تؤخر من العلاج(التغيير الجذري) وتاليا تزيد من فساد الجرح الوطني الغائر المتقرح! لأن حوار كهذا يحمل فنائه في بذرته او فشله في أحشائه! سواء من ناحية شكل الطرح، الذي يحمل طابع الإستصحاب حسب تعبير موفق للدكتور جبريل إبراهيم، وإن شئت سمه الإستهبال او الإستغفال او الإستحمار بحسب تعبير الكاتب والمسرحي المصري الساخر علي سالم، وهذا ما يستبطن وصائية وإستعلائية النظام، أو إحتقاره وإستضعافه للطرف الآخر (الشريك في الحوار)، وبهذا يمكن أن يطلق عليه حوار النظام الواحد، أي شئ شبيه بعرض الرجل الواحد! او من ناحية زمان توقيته، أي ليست لحظة حرجة جدا، لتشكل خطر جدي يهدد إستقرار النظام، وتضييق عليه هامش المناورة، ليصبح تحت رحمة، مقايضة الذهاب بأقل الخسائر! او إنتظار الخسران الوشيك لكل شئ، وتحمل تبعات الإنتقام، الملازم للعناد والإنكار والغرور! وعند هذه المرحلة بالتحديد، يكتسب الحوار جديته وأهميته، بعد أن تتحدد سقوفه مسبقا، وليس أقلاها إحداث تحول جذري في بنية الحكم وهيكلية الدولة، والتبسط والتمدد في شأن الديمقراطية بكل مؤسساتها ومضامينها. ووضع كهذا كفيل بإبعاد قادة النظام وأعضاءه، من أي معادلة حكم مستقبلية عمادها الشفافية والإختيار الحر! أي يتم لفظهم آليا عبر معايير الجدارة والإستحقاق، سواء أكانت سياسية او أدارية او أجتماعية...الخ. ومؤكد أن مراحل كهذه، أي مراحل جدية الحوار وهيبة المحاوريين! لم تستوِ او تنضج بعد، في ظل غياب رؤية معارضة، موحدة ومتماسكة، وذات أهداف ديمقراطية واضحة المعالم! لأن رؤية او مواقف كهذه، ليست مهمة من جهة، خلق حالة فائضة من الطمأنينة والثقة بالنفس لدي المعارضة، وتاليا بث الرعب في خشب النظام المسندة، تدفعهم لتخريب نظامهم بايديهم فقط! ولكن أهميتها الحقيقية تكمن في أنها، تعطي للسياسة قيمتها وحيويتها، وللسياسيين المعارضين إحترامهم ومكانتهم اللأئقة، لدي كل المواطنين وبمختلف جهاتهم ومشاربهم! وبجملة واحدة رد الإعتبار للسياسة والعمل السياسي، اللذان إريقت كرامتهما كثيرا، علي مذابح الإنتهازية والفوضوية وتأرجح المواقف، والتكالب علي جمع الغنائم، حتي قبل ان تجف سيوف المعارك الثورية، وينجلي غبار الوضع المُنتفض عليه! ولأ ينفي ذلك أن الأدوار لأ تستوي بين مكونات الجبهة المعارضة! فهي تتفاوت، ما بين أحزاب متذبذبة المواقف والأقوال والنيات والأطروحات، تجاه النظام المغتصب للسلطة، كحزب الأمة والحزب الإتحادي الديمقراطي! الي مواقف جذرية وواضحة، مثل مواقف الحزب الشيوعي والحركات المسلحة والحركة الشعبية، في ضرورة إبدال دولة الحزب والخراب، بدولة المؤسسية والشرعية المبنية علي الكسب السياسي والرضا الجماهيري والإمتثال للدستور..الخ، وعلي العموم هي المواقف الأكثر صواب في مواجهة نظام تخريبي بإمتياز! ولكنها تحتاج لوضع برامج وخطط أكثر وضوح وفاعلية، سواء من ناحية مواجهة النظام او من ناحية ترتيب الأوضاع ما بعد زوال النظام (القريب بإذن الله)! بمعني أنه بعد وضع الأهداف وطريقة تنفيذها، تصبح مسألة إزالة النظلام، مسألة وقت لأ أكثر ولأ أقل! وعندها تأخذ مسالة الحوار نفسها بعدا آخر، أكثر جدية! بتعبير آخر، هل الحوار يصب في صالح الأهداف الموضوعة سلفا ويندرج ضمن الآليات المقترحة أم لأ؟ وعلي ضوء الإجابة، يكتسب الحوار مضمونه وشرعيته، إذا ما دعم الأهداف المطلوبة والوسائل المقترحة. او يرفض بصورة واضحة وجلية، ليقطع الطريق أمام النظام، الذي يهوي الألعاب البهلوانية الشعاراتية، و يفوت عليه الفرصة التي يرغب من خلالها، في زرع الفتنة والإختلاف بين مكونات المعارضة، أي لضرب إسفين بينها، ليستنزف جهدها ويبدد وقتها وطاقتها، في مشاكل داخلية إنصرافية، تشغلها عن الهدف المركزي، او العقدة التي بحلها تحل كل العقد، أي عقدة الأزمات او عقدة النظام!
أما إذا كان الهدف الوحيد للحوار، هو تخوف البعض علي مصير البلاد والأخطار التي تواجهها، ومراعاة للضيق المعيشي الذي يرزح تحت نيره غالبية المواطنيين! فلا أعتقد أن الوطن يظل في أمان في يد نظام غير مأمون! او الشعب يمكن أن يخسر أكثر مما خسره او يتحمل أكثر مما تحمله، لو رفض حوار شكلاني يعمق من هذه المخاطر والآلام مستقبليا! كما أن حوار فطير هزلي كهذا، يستهين بتضحيات الجماهير سابقا ومستقبل أجيالها لأحقا. فمن غير المعقول بل وأقل عدلا وإنصافا، أن تفطر الجماهير بعد كل هذا العناء المر، علي بصلة تغيرات شكلية، في جسد سلطة مشلولة وعاجزة كليا، لجهة تقديم أي نوع من الخدمة او المنفعة للجماهير، وليست أقل ضررا لجهة تخذيل الشعب وإذلاله وحشره في زمرة المعسرين البائسين! والأكثر ألما وجورا، أن تسمح بإستمرار هذا العذاب السلطوي الإسلاموي الأسيف! ولكن وبما أن المخاوف والأخطار تظل متواجدة، ومتوافرة عوامل إيقاظها والإستثمار فيها! فمسؤولية هذا العبء تقع بالتحديد علي عاتق الجبهة الوطنية المعارضة، ليس بحسبانها أكثر مسؤولية ووطنية من النظام الحاكم! ولكن بوصفها الأقدر علي وضع البلاد في طريقها الصحيح. وذلك ليس عن طريق إثبات فشل أطروحات وبرامج النظام الحاكم، وفساده المعمم وبطلان نموذجه وتاليا وجوب إزالته فقط، فهذه مهمة في غاية السهولة ولا تحتاج لجهد خارق او عبقرية او إضاعة زمن!! ولكن عن طريق، بناء برامج طموحة تستصحب المشاكل والمخاطر الآنية، وتضع أفق حلول تستوعبها، وتخلق بدائل أفضل للمستقبل المنشود. ولن يتم ذلك إلا عبر:
أولا، ولكي تؤدي الجبهة المعارضة دورها بصورة جيدة، لأبد من أن تتحول لجبهة عريضة، بأن تحدث توسع في مفهومة السياسة ذاتها، أي أن تتحول من ضيق السلطة والتسلط والحكم، وحيازة الإمتيازات ومراكز الصدارة الإجتماعية، الي وسع المشاركة الجماعية والتعاون والتضامن، وتوسيع فرص المساهمة العامة والترقي لجميع المواطنين، وبمختلف تخصصاتهم وأعمالهم ومهنهم، وأن يرتبط الترقي بحجم الفائدة العامة المُنجزة، سواء من الفرد او من التخصص! وبتعبير آخر، أن يشغل السياسيون المحترفون موقع الرقابة والتنظيم، ويتركوا للآخرين دور التخطيط والتنفيذ، بمعني أن يُترك الإقتصاد للإقتصاديين والطب للأطباء، وكذلك بقية التخصصات والمجالات، أي أن يكسر الحاجز الوهمي بين السياسي واللاسياسي! وبتعبير أكثر وضوح، أن يعمل السياسيون المحترفون، علي توفير الإطار السياسي للحياة العامة، او التعبير عن مصالح الجماهير بلغة سياسية، ذات طابع جدلي او صراع سلمي، يهذب المنافسة بين البرامج والأفراد، ويوجه التطلعات الخاصة نحو المسار العام. بمعني، إن السياسة هي من يشكل البيئة العامة او الفضاء المشترك، الذي يستوعب التباينات وينسق بين المجالات والتخصصات المختلفة، وفي ذات الوقت يحافظ علي الخصوصيات، أي هي المنظومة الجامعة للطبائع والمصالح المتنافرة، ومن هنا تكتسب أهميتها وصعوبتها، وحاجتها للأفراد أصحاب المواهب والقدرات القيادية، والكارزمة المساعدة علي القبول والإقناع والتأثير، وإحتمال هذا ما يُفسر كثرة السياسة(شمولها وأهميتها) وقلة السياسيين(الحقيقيين)! الشئ الذي يفسر بدوره السطو علي السياسة والدولة والمجتمع، من قبل أفراد او جماعات او مؤسسات(غالبا عسكرية) عاطلة سياسيا! لتنتج بدورها إستبداد سياسي وإنغلاق لحيوية المجتمعات، وتثبيط لطاقة تفاعلاتها الداخلية! أي تستبدل حالة الطمأنينة والتساكن المجتمعي، بين مختلف مكونات الوطن الإجتماعية. بحالة من الخوف المكبوت والصراع المكتوم بينها، والتي تتفجر بمجرد إرتخاء قبضة النظام الإستبدادي وممارسته لسياسة فرق تسد! بهذا المعني يصبح الإستبداد هو حالة اللاسياسة، التي تُفرض علي الدول والمجتمعات قهريا، علما بأن اللاسياسة تعني في أفضل حالاتها، تدمير الحاضر، وإهدار فرص التطور والتقدم الي المستقبل، وكفي بهذا داء لأ يمكن إحتماله او الصبر عليه!! وبالعودة الي دور السياسيين المحترفين، من الأفضل أن تتحول العملية السياسية علي أيديهم الي عملية إدارية. أي الي تكامل تخصصات، مرجعيتها الحصرية الموهبة والقدرات والميول، علي أن تصب جميعها في غاية تطوير الوطن ورفعة المواطن. أي من دون تفاضل بين التخصصات او تمايز بين الوظائف والمهام! بمعني تحطيم التراتبية المولدة للتمايُزات النخبوية والفرز الطبقي والتفاوت المجتمعي! وأي معارضة او سياسة دون ذلك، تعني إعادة إنتاج للأخطاء والأزمات، وتفريط في منجزات الثورات والإنتفاضات، وإجهاض لأي أحلام بالتغيير او النهوض او التقدم الي الأمام، والأسوأ من ذلك، تهيئة البيئة لإنتاج نسل جديد من الإنقاذ، أكثر ضراوة وقدرة علي مقاومة التغيير او الإزاحة!
ثانيا، تمتين الجبهة المعارضة، عبر التنسيق فيما بينها بصورة محكمة وإستيعابية، تمتنع علي التميز والإحتكار وأيضا التصغير والتهوين، أي بين مكوناتها، بتخفيف حدة الخلافات والإنشقاقات وتعظيم شأن الذات والتضحيات، وبتوظيف الأدوات الي تملكها رغما عن تباينها، في إتجاه هدف واحد، وهو التخلص من هذا النظام، وإبداله بنظام أكثر تشاركية ورحابة ديمقراطية. والمقصود بالتحديد، التنسيق المحكم، ما بين الحركات المسلحة والأحزاب المدنية، ولن يتم ذلك إلا بعد أن توظف الحركات المسلحة، سلاحها من أجل أهداف سياسية قومية لأ لبس فيها! بمعني أن يرتهن السلاح للعقل والتوجيه السياسي او المصلحة العامة، وذلك خوفا من سيطرة السلاح وطغيانه، أي إزاحة السياسة الي الهامش وبروز الغرائز وإنفلاتها، وفي هذا بلاء وشر مُستطير، والذي يعني إعادة سيرة الإستبداد ولكن بصورة أكثر شراسة وعنف ودموية، وجذرية في فرض رؤيته ومصلحته! كما أنه أكثر خطورة علي التشكيلات المدنية والقبلية الغير حاملة للسلاح، فهي إذا لم تهمش في ظل أي سلطة شرعتها السلاح، فإنها غالبا ما تدفع ثمن الأخطاء التي إرتكبها نظام الإنقاذ! ومعلوم أن نظام كهذا، يمثل خليط من الجريمة والفساد والمكر والظلم العام، يشكل ربط أي مجموعة او قبيلة او منطقة به! حكم مسبق عليها، بالنفي من الوطنية والحق والعدالة! وهذا ما يبرر ليس تجريمها فقط! ولكن تحويلها الي شماعة لإستيعاب كل الأخطاء السابقة واللاحقة! بمعني إلباسها ثوب الشيطنة، الذي يعني عمليا، أن الملائكة في الجانب الآخر من الضفة! أي العودة قهقريا الي ثنائية الخير المحض والشر المطلق! ومع ثنائية كهذه، من السذاجة بمكان إستنكار الإرهاب او العدوان المجاني، او توقع التعايش والوئام! لأن من يحكم في هذه الظروف ليس الأفراد، رغم مسؤوليتهم عن أفعالهم، وإنما الهواجس والمخاوف والظنون! وحكم كهذا مؤهل لكي ينتج قدر هائل من الكوارث والنكبات! وهذا ما لأ يليق بأي جهة او جبهة، تسعي لبسط القسط وإقامة دعائم القانون والنظام بين الناس، او تطرح نفسها كحامل لواء التغيير والتحسين والإضافة الخيرة للحياة، هذا من جانب، ومن الجانب الآخر، فإن كل ذلك لأ يمثل أي مصلحة او خير، علي مستقبل البلاد والتآلف بين مكوناتها الإجتماعية، والإستفادة من كل أفرادها ومناطقها الفائدة المثلي، علي قاعدة الميزات التفضيلية والثراء في التنوع والتعدد في المصادر! وكل هذه الثغرات يمكن سدها والتحكم بها، عن طريق، وضوح الأهداف والوسائل، وتوسيع المشتركات الوطنية والإرتهان للمعقولية، والعمل المشترك من أجل تضميد جراح الماضي ورد المظالم والحقوق الي أهلها، أي إعادة الإعتبار للفرد السوداني عامة، والفرد المهمش سياسيا او ثقافيا او إجتماعيا...الخ بصفة خاصة. وبما أنني بصفة عامة، ضد رفع السلاح، أو إستخدام العنف في حل القضايا السياسية اوالفكرية او التنموية، ليس كموقف مثالي او نبيل، ولكن لإعتقاد راسخ أن الحرب ليست أكثر من كونها، حالة غياب العقل وموت الضمير ووحشية البرية، او هي حالة جنون البشرية في أقصي محنها و تجلياتها!! ولكن من غير الموضوعي أن تحدد للآخر خياراته، وهو يواجه نظام إستئصالي، لأ يحترم الآخر فقط! ولكنه يبرر إستباحته، ويوظف تلك الإستباحة، للحصول علي المزيد من الإمتياز الدنيوي والأجر الآخروي! أي يصعب تحكيم العقل والتحكم بالمشاعر، في مواجهة نظام لأ عقلاني ولأ قلب له! ولكن القصد أن يهدف التغيير القادم، ليس لإزالة الظلم و الأحقاد والغبن فقط! ولكن لبناء منظومة إجتماعية جديدة او التأسيس لعقد إجتماعي جديد، يستهدي بالمعايير الدولية الراهنة، ويعلي من شأن الإنسان بوصفه إنسان فقط! أي برد الإعتبار لحق المواطنة وحقوق الإنسان، وتجديد قيمة الوطنية، والرابطة الأهلية بين المواطنين من جهة، ومع الدولة كجهاز تنظيم وإدارة وحياد من الجهة المقابلة!
ثالثا، تطوير آليات الجذب والتطمين، لقبول تنظيمات متذبذبة، كحزب الأمة والحزب الإتحادي كما ذكر أعلاه! بمعني عدم ترك هذه الأحزاب بقاعدتها وإرثها التاريخي، لقمة سائغة ليبتلعها نظام الإنقاذ التخريبي النهم، بقصد توسيع المسؤولية عن الدمار او تفريق دم الأخطاء بين القبائل او الأحزاب السياسية! او يوظفها من أجل إضفاء مزيد من الشرعية علي لأ شرعيته التي تلازمه كظله، حتي في حواره ورفضه! والحزبان التقليديان يتشابهان من حيث النشأة والأداء! ووجودهما بنسختهما التاريخية التقليدية أي ذات الصبغة الطائفية، كان مبررا في فترة من الفترات! ولكن للزمان أحكامه وللقضايا تجدداتها، وتاليا طريقة التعامل معها! مما يستدعي التجديد، من أجل المواكبة والتأثير، والمقصود هنا التجديد بمعناه الشامل، أي كعقليات وأفراد وطريقة عمل وتنظيم وإستفادة من المستجدات! أي التجديد الكامل او كحزمة واحدة لأ تستثني عامل من العوامل، يفقد التجديد مضمونه او يلغي فاعليته او يتحايل علي غرضه، أي إما التجديد الكلي او لأ تجديد! نسبة لشمول وتعقيد وتراكيب القضايا، وتاليا توسيع دائرة الرؤية والمشاركة والمنافسة الحقيقية، المنتجة للثقة والإبداع. لأن إستخدام نفس الوسائل والأفكار والأشخاص، في كل مرة وعلي مدار تاريخنا السياسي، في التعامل مع قضاينا، وتوقع نتائج مختلفة! فهذا غباء كما ينسب لأنشتاين في جملة مشابهة! كما أن المحاولات المستميتة لإيقاف حركة التاريخ وسير الزمان، ومحاولة الحجر علي الواقع والوقائع، سواء في قبة الإمام او جبة مولانا، فهذا من رابع المستحيلات! وعند هذه النقطة بالتحديد، يكمن طابع التذبذب والتأرجح الذي يعيش فيه الحزبان! ولأ ينفي ذلك أن حزب الأمة، أكثر ديناميكية وحركية من الحزب الإتحادي الجامد! وذلك لأن حزب الأمة يستمد حركيته، من حركية السيد الصادق المهدي، ولو أنها حركية محورية او حول نفسها، أي حركية تفتقد التراكم والتطوير! وبالطبع يستمد الحزب الإتحادي جموده، من جمود مولانا الميرغني، الذي لأ تهزه أحداث جسيمة اوتستثيره فواجع أليمة، او تحركه منعطفات حرجة ظلت تحاصر الوطن، فهو ينتظر فقط أن تُسلم له السلطة، ليسلم الجميع، وهكذا تنتهي مشاكل الوطن!! وبهذا فهما يشكلان تجسيدا واقعيا للحزب الفرد او الفرد الحزب! بمعني أن يعمل الحزب لمصلحة الفرد القائد، ويصح تبعا لذلك، أن تصبح قضية الحزب ومبررات وجوده، هي تلبية رغبات الزعيم! وهي رغبات لأ تبدأ بالحزب ولأ تنتهي بقيادة الدولة أبديا، مرورا بإمتلاك السلطة الدينية! ولأ معني بعد ذلك لإنتخابات حزبية داخلية، او منافسة موضوعية، او إبتداع أي إمكانية لإستيعاب طاقات أعضاء الحزب الآخرين! فهم فقط مجرد تروس صغيرة، تخدم ماكينة القائد الملهم، ومهما كان حجم ذلك الترس، او كسبه السياسي او المعرفي او النضالي! وبهذا تصبح هموم المواطن ومشاكل الوطن، مجرد رتوش أمام سطوة مواهب وقدرات ورمزية الزعيم/القائد/الحزب/الدولة، بل من شدة فرادة وعبقرية مولانا /السيد/الزعيم، نجده يتخطي قضايا الوطن الهامشية، الي الإهتمام بقضايا كونية وهموم عالمية، تحتاج لقدراته الخارقة! لأن الإهتمام بقضايا الوطن وحدها، إضافة الي شدة تواضعها، فقد يشاركه فيها صغار القادة ومتصدري الأحزاب الأخري، وفي هذا إهانة لمكانته السامية! لذلك فأي دعوة حوار، حتي لو كانت في بلاد (الواق واق) فإنه يشعر كأنه معني شخصيا بها، أي كأن الدعوة موجهة إليه بصورة حصرية، بإعتباره رب الحكمة ومبعوث الحلول و عقد التصالحات، أي كواجب ديني قبل أن يكون صالح دنيوي! أي الدعوة للحوار مُرادفة لوجوده ومهامه!(لذلك قد يُبادر بإرسال مقترحاته فتوحاته للحلول، لكل الجهات ولمختلف الأزمات، كخدمة شخصية منه او كواجب نذر له نفسه، وقد يستغرب لماذا لأ يُدعا الي حل النزاعات في كل مكان؟ لذلك نجده يشعر بالأسف لسوء حظ مشكلة فلسطين ودولة جنوب السودان وإقليم الباسك في إسبانيا وسفسطة مياه النيل وتخرصات علماء البيئة وحديثهم عن أخطار تغيرات المناخ..الخ ويفترض فورا أن المشكلة ليست في الأزمات فهي من طبيعة الحياة، ولكن المشكلة حصرا في عدم دعوته للمشاركة ونيل بركات دعاء المباركة! وكثرة المبادرات ليست حالة موضوعية او إبداعية كما يبدو ظاهريا، وإلا لكان لها مردودا عمليا، ولكنها في الحقيقة حاجة نفسية، تبرر الزعامة من جهة، وتقنع الأنصار من الجهة المقابلة! بمعني أن الزعامة تكتسب ألقها من الحركة، وبغض النظر عن نوع الحركة او فاعليتها! وليس من العطالة او الإرث التاريخي المكتسب! أي لأ زعامة مع عطالة كما يعتقد الزعيم المتضخم! او هذا ما يفرقه عن زعماء آخرين أقل موهبة وإبداع منه، كما أنه لأ زعامة مشتركة في عصر واحد، أي لكل عصر زعيمه، وهو زعيم هذا العصر بلأ منازع!!). المهم هذه الأوضاع الحزبية الملتبسة المتداخلة! بررت نوع من الإزدواجية في الأدوار، أي ما بين الدور الديني والسياسي، والتنظيمي والفردي! والأخطر في هذه الوضعية المُبهمة! أنها تمنع وضوح الرؤية، او صعوبة التعامل او التحالف مع أحزاب كهذه! فهي تحاول جاهدة الجمع بين المتناقضات، من أجل الكسب في كل الأوقات وبمختلف الظروف! بمعني أن الحزبين التقليدين يلعبان في المنطقة ما بين السلطة الحاكمة و المتلبسة للدين، وبين المعارضة الفاقعة العلمانية! وبتعبير أكثر وضوح، فهي تحاول أن تظهر بوجه مطمئن لكلا الطرفين المتصارعين، فإذا حسم الصراع لصالح السلطة الحاكمة بواجهتها الدينية، فيمكن لها الإنحياز الي ذلك الجانب المنتصر، وذلك عبر تعلية الجانب الديني في الحزب! والعكس صحيح، أي إذا كانت الغلبة للجانب العلماني المعارض، فعندها يمكن تعلية الجانب العلماني في الحزب! وهكذا تحاول أن تجد لها موطئ قدم في الفترة القادمة، وبغض النظر عن محصلة الصراع! أي بدلا عن القيام بواجبها في تشكيل الفترة القادمة، فهي تعمل من أجل التطفل عليها، وإن من موقع اليد الدنيا! أي العيش علي جهد الآخرين وحاصل تضحياتهم! لكل ذلك، يمثل التعامل مع أحزاب كهذه، أمر في غاية الصعوبة، ويحتاج لبذل كثير من التطمينات لها، وبذل أكبر لجانب الحذر من إنقلاباتها المفاجئة في أي لحظة، وتحولها عن حلفائها وإرتمائها في أحضان النظام! ومن إطلع علي لقاء السيد الصادق المهدي، علي صفحات صحيفة الحياة اللندنية، يمكن أن يلحظ ذلك! علي الرغم من الموضوعية التي تحلي بها السيد الصادق المهدي في ذاك اللقاء! وهي موضوعية خذلتها بعض النقاط، مثل قضية إشتراك إبنه في الحكومة، التي يُفترض أن الوالد/الحزب يعارضها!! والتي بررها بما يُفهم أنه شأن شخصي، او كما عبر الحزب في بيان أصدره علي حسب قول السيد الصادق المهدي! وكأن هذه المعاملة بالحسني ينالها كل المختلفين مع الحزب، والأصح مع السيد الصادق المهدي! وفي هذه الجزئية تحديدا نذكر حبيبنا السيد الصادق المهدي، بأن أصعب شئ، هو تسويق ما لأ يمكن تصديقه! المهم الغير موضوعي في موضوعية السيد الأمام، هو الثقة التي يوليها، لنظام غير جدير بالثقة مطلقا! فكل ما ذكره من مبررات، لأ أظن أنه يُبيح نسيان كل المواقف التنكرية والخيانية، للمواثيق والعهود والوعود، التي أدمنها هذا النظام، ليُمنح كل هذه الثقة وبصورة مجانية!! أما حجة أن المحاورين لن يخسروا شيئا، حتي لو تنكر النظام للحوار الحالي ولمخرجاته، علي إعتبار أنها تكشف لأجدية النظام او لأ مصداقيته، فهذه حجة يطالها البطلان من أعلي راسها حتي أخمص قدميها! فهذا النظام وبعد مسيرة ربع قرن لأ أظن أنه يحتاج لإختبار او إكتشاف، لمعرفة مدي أمانته او وفائه بالعهود او جديته بالمرة، فما يحتاجه هذا النظام هو المواجهة والإستئصال لأ غير!! فهذه حجج غير مقنعة، إلا إذا إستمرأ السيد الإمام اللدغات من جحر الإنقاذ، الذي لأ تسكنه سوي الآفات والمصائب والمحن!! والقصد من كل ذلك، أن تستهدف الجبهة الوطنية المعارضة، إقناع قواعد الحزبين التقليدين بفك إرتباطها بقياداتها التاريخية المتذبذبة او إجبارها للخضوع لمشيئة القاعدة، في الإصطفاف الي جانب الجبهة الوطنية المعارضة، لأنها اولا قاعدة غير تقليدية و ثانيا تشترك في حاجاتها العصرية مع بقية المواطنيين ، كما أن قيادة لأتهتم برغبة قاعدتها، لأ رجاء منها! وكما أسلفنا لن يتم ذلك، إلا عبر صلاح الجبهة المعارضة ذاتها، أي بإظهار شفافيتها وجديتها وتمسكها بأهدافها المعلنة، التي لأ تسعي الي عزل أحد، وتشغلها فقط، قضايا البناء والتقدم وترسيخ قيم الحريات والديمقراطية والمؤسسية..الخ أي إعلا قيمة الوطن والمواطن، وليس الإنجرار للمشاعر السلبية، كالإنتقام والتراجع والنظرة الي والوراء، وعبادة الماضي والأفراد! أي الإصرار علي وجود منظومة خارجية او متعالية(لأ متحكم فيها، أي شبحية دنيوية او قدرية آخروية) تقود المسيرة وتتحمل المسؤولية، عبر وكلاءها في الداخل أو خلفائها في الحاضر!!
والخلاصة، إن الحوار الحقيقي، تحتمه ظروف ومبررات حقيقية، وينفتح بدوره علي أفق أكثر تصالح وإنسجام، وذلك بعد الإعتراف بالأخطاء وتعويض الضحايا، والقطع نهائيا مع كل الأسباب، التي قادت الي دمار البلاد، وإفقار مواطنيها وتشريدهم في الداخل والخارج، عبر مصادرة الوطن الأصل! ومنحهم أوطان بديلة! تقل فيها الرحمة وحميمية او حرارة الإنتماء(خارجيا) وتكثر فيها الإهانة وغياب الأمن(داخليا)! عن طريق إستخدام أساليب الإستبداد والإكراه والفساد، في إدارة الدولة السودانية! أما حوار المراكبية الإنقاذوي الذي يملأ الآفاق المحلية، ويعكر سماء الرؤية الموضوعية الصافية! فلا يمثل أكثر من ذر للرماد في العيون، ومحاولة نشطة لتغبيش الحقائق، وإخفاء الفظائع، ولكتابة تاريخ جديد ومزور، يمثل فيه الإنقاذويون دور الموجه والوصي والأخ الأكبر! ولكن هيهات!!
وفي الختام نستعيد معا، كلمات رائعات للشاعر المصري أمل دنقل من قصيدته الشهيرة
لأ تصالح(لأ تحاور!)
لأ تصالح(لأ تحاور!)
ولو منحوك الذهب
أتري حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما
هل تري؟
هي أشياء لأ تشتري
...الخ

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 683

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة