المقالات
السياسة
الفساد في السودان ... الألفه لا يكتب نفسه في لستة المهرجلين
الفساد في السودان ... الألفه لا يكتب نفسه في لستة المهرجلين
04-27-2014 09:07 PM

الفساد في السودان ...
الألفه لا يكتب نفسه في لستة المهرجلين

(1) الدولة والفساد ...الحزب والقانون

تحاول الدولة في قمتها الرئاسية أن تفتح الباب لمصارعة الفساد الناشب باظفاره في الدولة نفسها،فقد صدر (متاخراً جداً) قراراً بانشاء مفوضية لمكافحة الفساد .الشئ الذي يدفعنا للتنبيه بضرورة أن تكون القرارات السياسية الصادرة من قبل الدولة مؤسسة على المصالح القومية وبعيدةً عن الأجندات الشخصية والمكتسبات السياسية وبالطبع فلابد أن تصب مثل هذه القرارات في مصلحة الوطن والمواطن بحيث تكون ملزمة لكل الأطراف المنوط بها محاربة الفساد لتحمل مسؤولياتها، وبالطبع لا بد لكل هذا أن يكون منضبطاً بقانون واضح وصريح ملزم للجميع يتم من خلاله كشف الحقائق ومعاقبة المفسدين.
هذه القرارات مصداقيتها مرتبطة بشكل مباشر بمدى تقيد الأجهزة التنفيذية (كلها) المنوط بها محاربة الفساد بآليات تطبيقها ،والوسائل التي من خلالها تستطيع الابتعاد عن ما يمكن أن يمثل ضغطاً سياسياً يفرز آثاراً سالبة كأخذ القانون بالقوة على البعض ،وجعله (مستأنساً) على المنتسبين لمؤسسات الدولة ونافذيها أو لمن هو (هائم) في فلك المؤتمر الوطني، أواغفال التعاطي وفقا للقانون مع جهات ما أو مؤسسات تتمتع بالنفوذ والسلطة ويتاثر بها صنع القرار بمطبخ الدولة.
منذ الانقلاب على الديمقراطية الثالثة منذ أكثر من عشرين عاما ً نجح المؤتمر الوطني وهو جاثم على صدر الدولة التحكم في مفاصل الجهاز التنفيذي للدولة مستخدماً القرارات الإدارية عبر آلية التشريع ،ومستقلاً نفوذه في اروقة السلطة التشريعية، لذا فمن العسير نجاح اي خطط تنتهجها الدولة ما لم يكن القضاء مستقلاً ونزيهاً ومحايداً تجاه ما يدور في دولاب عمل الدولة السودانية وحتى الساحة السياسية،كما أن على المؤسسات العدلية والقضائية النظر بعين ثاقبة للطريقة التي تحول بها الفساد حتى صار مؤسسة محمية من قبل كل من الدولة بمؤسساتها(اجمعين)،والمؤتمر الوطني الذي (لا...ولم ...ولن يسمح) باخراجه من ثوبه الملائكي وحائط التدين المتحصن خلفه.

اخطر ما في الأمر ذلك (الوضع المقلوب) في هيكل الدولة السودانية الذي تقوم فيه السلطة التنفيذية بالاستئساد على السلطة التشريعية والعدلية نسبة لسيطرتها وامتلاكها الآليات الحقيقية للتنفيذ (المال ـ السلطة)، ويمكن الاستشهاد بامتناع كثير من الولاة والوزراء عن الامتثال امام البرلمان وبعضهم لا يذهب للمحاكم،والبعض من تنفيذي الدولة يستغل نفوذه لمنع وصول المستندات المطلوبة لديوان المراجع العام(الذي بح صوته لأعوام مضت).
إن ما يحاول المؤتمر الوطني تجاوزه الأن.. أن التطور السياسي الإيجابي للدستور له مستحقات تستلزم سن قوانين جديدة متطورة،ولا يمكن أن يحدث هذا مع غياب مناخ سياسي يواكب المرحلة القادمة ،والمناخ المقصود هنا يجعل من غير المقبول أن الدستور والقانون خلال رحلتة من (المقترح حتى الإجازة بالبرلمان) لا يلبي سوى المزاجية السياسية للمؤتمر الوطني، هذه المداورة بين الفساد ومن يحمية ومن يحاول أن يوقفه تتطلب من الأجهزة التنفيذية والتشريعية والعدلية والأمنية أن لا تكون (تروس معارضة) تؤدي لخلل فكري ودستوري وقانوني وتترك الفرصة للسلطة والسلطان القيام بدور الكوابح والقيود الإدارية والاقتصادية والمالية التي تجعل من محاربة الفساد ضجيجا إعلامياً بلا أثر.

تواجه خطط مكافحة الفساد (وإن صدقت) خطورة بالغة مع التوسع والنفوذ الذي حظيت به بعض مؤسسات الدولة،فصارت لها قوتها الاقتصادية والسياسية بعيدا عن سيطرة الدولة نفسها،وأن هذه الدويلات تتآلف وفقاً لمصالح وجودها وعدم فناءها،فالقوة الاقتصادية في الدولة نفسها متنافسة،والقوة الأمنية متعاكسة ،والدينية متنافرة،والسياسية متحكم فيها من قبل كل ما سبق،فأسهمت هذه الأشياء في إضعاف دولاب العمل في الدولة وهمشت آليات الرقابة على مؤسسات الدولة.فتصبح المعادلة كما يلي يخاف من بيده الدولة (من وهن الدولة) ،وتخاف هذه المؤسسات من (فضحها وفضح فسادها) فيتمدد ذكاءها (الخبيث) بحيث تلقي باللوم على جزء ما من الدولة يمكنها التضحية به إن لزم الأمر ،وتحمله (كل الفساد) لتنجو بمن هو نافذ بها، وهو اسلوب نجح فيه الانقاذيون في تحميل الترابي كل سوءات الانقاذ قبل المفاصلة(وطلعوا منها زي الشعره من العجين).

إن المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كالأمراض العضوية إذا لم تجد العلاج المناسب تصبح كالمرض المزمن الذي يمكن أن يكون فتاكاً،حيث تظل فئات المجتمع المدني تئن بالشكوى من غياب الخطط الحقيقية لدرء الفساد ومحاربة المفسدين،وتتطور الشكوك في فساد الدولة من قبل كل فئات المجتمع المتضررة فعلياً منه،الشئ الذي يؤدي إلى تسلل الاحباط لافراد المجتمع من ممارسات السلطات العدلية والقضائية عندما يتسلل إليه الشك في تقاعسها من النهوض والعمل على تحمل مسئولياتها في الحد من فساد اداء الجهاز التنفيذي للدولة وتدهور أساليبها في الإدارة،واليكم حقيقة الأمر ...فالسلطات العدلية والقضائية مستندة الى الدستور والقوانين واللوائح التي من المفترض أن لا تستثنى أحدا من مبدأ العقاب، ومن هذا المنطلق يظل الباب مفتوحاً أمام التساؤلات الكبيرة عن المحاولات المستمرة من قبل المؤتمر الوطني (لاكساب الشرعية الدستورية) لما تفعله الدولة،نفسها التي تحتمي بحزب يمكنه من خلال مؤسسات تشريعية (يمتلكها هي بأكملها أو تنصهر فيه) من سن ما يشاء من قوانين،أواصدار ما يستطيع أن يلتزم به الحزب من قرارات سياسية بدون معايير محاسبة من جهة ما،ورغم أنف السلطات العدلية والقانونية المضطرة للتعاطي مع ما يصدره المؤتمر الوطني نفسه من القوانين، فيتصاغر وقتها حجم السلطة الممنوحة وحجم الحريات للمؤسسات العدلية والقضائية فتصبح (حبالاً بلا بقر)، وصلاحيات بلا تنسيق أو سلطات مؤسسة فقط على الأمر الواقع.
السودان كما أحب أن أكنيه بلد (اللا منطق واللا معقول) فدبلوماسية الاغراء والاغراء المباشر التي اتبعها المؤتمر الوطني، مع خصومه السياسيين أفرزت المطامع وعملت على تنمية الجهوية والقبلية ولم يعد للمؤتمر الوطني ما يستأسد به على الناس سوى مؤسسات الدولة الدفاعية ولم تعد لدى المؤتمر الوطني -اثر التغييرات السياسية التي حدثت بعد توقيع اتفاقية نيفاشا- أكثر من بريق السلطة والثروة لجذب الناس لـ(قاعدته المنتفخة).

إن السياسة السودانية بعيدة عن الشفافية ولم يعد السياسيون يفضلون الشفافية في الاصل، إثر رفع المؤتمر الوطني لسقف القدرات المالية للنظم السياسية وتغيير مفاهيم راسخة في العمل السياسي، وادخال عنصري السلطة والثروة ضمن مفاوضات الانضمام إليها،وهنا يبرز التساؤل عن تغييب المؤتمر الوطني للحد الفاصل ما بين ثروات الدولة السودانية وثروات الحزب التي يهبها المؤتمر الوطني وفقاً لمزاجه السياسي الخاص واجندته في الحفاظ على الحكم ومشاريعه السياسية للاحتواء والاحتضان والشراء السياسي التي لم يجلب جلها لا سلاماً ولا أمناً ولا تنمية للبلاد مما يجعل من الأمر فساداً مارسه المؤتمر الوطني في اموال الدولة(عذراً اموالنا التي يتبحبح بها المؤتمر الوطني).
والدليل على ذلك تزايد ورقعة النزاع المسلح في والتهاب الأوضاع على النطاق المركزي للدولة، وهي تحاول الخروج من مأزق الضغوط الدولية بشكل أو بآخر وايجاد حلول مناسبة لسد المنافذ على الأجندات الدولية والإقليمية ومستجدات المحكمة الجنائية الدولية وكل ما هو متعلق بدارفور محلياً واقليمياً وعالمياً بالشكل الذي يمكن أن ينهي الأزمة.
كما إن انفصال جنوب السودان وما يترتب عليه سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً يمكن أن يصعب الأمر على بلادنا وهي (تهتاج بعيداً عن الحلول بدلاً عن انتهاجها)،فنقبع خلف موارد شحيحة بفعل الفساد المتعاظم مما يعطل من الأنتاج والتنمية،وهذا الشئ لا يقدم الحلول للشعب السوداني (المتعطش لها)،والذي ما زال محتفظاً بحقه في الانتظار للحلول،ومن ثم التحلل من هذا الانتظار وفقا للمشهد السياسي المتغير في المنطقة العربية،وهو المشهد الذي يتغير نتيجة لفترات طويلة من انتظار الشعوب العربية للانفكاك من ثالوث (الحكم والفساد والقمع)،والذي يمكن أن يتكرر هنا رغم أنف المؤتمر الوطني (الحاكم) ومنسوبيه (الفاسدين) ومليشياته وكتائبه (القمعية).

(2) الدولة والفساد ... والصحافة التي اسكتت..!

في هذا الوقت العصيب من التاريخ السوداني لا تستطيع الصحافة السودانية أن تنجو من محاولات النيل منها ،فالدولة بسياستها الشمولية أو الثنائية أو المختلطة كهجين سياسي غير متناغم وبدون ارادة سياسية حقيقية تكون عرضة لانتقاد مؤسساتها ومسئوليها،كما إن تفشي الفساد وتدني الخدمات ، وتصاعد المحسوبية والموالاة في أدارة شئون الدولة، وشكل الاستثمارات الاقتصادية الشائهة تلك التي تهزم (فقه أولويات الدولة)،كل هذا يجعل من الصحافة السودانية وهي بكثير من الحرية(التي منعت عنها سنوات طوال) ،عرضةً للتفلت والانفلات من وجهة نظر الدولة التي تحاول ستر عيوبها وذلك من واقع الاحتكاك المتواصل بين الدولة والصحافة ،فالدولة بدون ترتيب أولويات الدفاع عن نفسها ،لا تفرز فيمن يستحق أن يكون عرضة لهجومها.

تمكنت الصحافة السودانية عقب التوقيع على اتفاقية الشامل 2005 واقرار الاحتكام للفترة الانتقالية والتداول السلمي للسلطة من استعادة (بعض حقوقها)، واستطاعت الاستفادة من مساحة الحرية التي توفرت كاستحقاق رئيس لمتطلبات حرية الصحافة والتعبير المضمنتان في الدستورمما جعل لها ادواراً بائنة في التنبية عن اوجه القصور والفساد السياسي والإداري في مرحلتي ما قبل وما بعد اتفاقية السلام الشامل واستطاعت في فترة وجيزة (2005-2008) أن تصنع لها شكلاً مختلفاً عما كان،وكشفت عن مساوئ نظام شمولي كان يحكم البلاد طيلة 16 عاماً بمزاجية الحزب فيما يخص الأمن والمال والقرار السياسي.
هذا الانفكاك للصحافة من قبضة وهيمنة الدولة التي تسيطر عليها العقلية الأمنية (وما زالت) لم يرض مطلقاً منسوبي المؤتمر الوطني المتشاركين(اجمعين) في إيمانهم بفقه الدولة الدينية والبوليسية وفقه التمكين وفقه السترة والضرورة و(الغاية تبرر الوسيلة).فلجأ المؤتمر الوطني(عبر اجهزة الدولة المسيطر عليها) للحد من هذا التمدد للصحافة المستقلة بما أمكن،فتارة بالقانون (المادة 130 من القانون الجنائي) الذي اغلقت بموجبها الصحف التي مست عصب اخطاء الجهاز التنفيذي للدولة،وحظر النشر الذي استخدمته الاجهزة العدلية لمنع القضايا من التكشف والظهور للناس ومحاباة المسئولين في الدولة، بالاضافة لما هو متحكم في العملية الاعلامية نفسها بقوانينها كالصحافة والمطبوعات وقانون الأمن الوطني (المعدل بعد اربع سنوات من توقيع الاتفاقية)،ولم تنجو الصحافة السودانية من محاولات الخنق الاقتصادي من قبل الدولة (الطباعة والاوراق والتوزيع والإعلان الحكومي) لجعلها أكثر استئناساً متلازما مع ما خطه المؤتمر الوطني للسيطرة على الصحف ورفع معدلات الصرف بالمؤسسات الصحافية التي سيطر عليها.
تبدا فصول محاولة تدجين الصحافة السودانية ومنعها من كشف الفساد المستشري في أجهزة الدولة التنفيذية منذ العام 2008 (رغم أنفنا جميعا) بعد عودة الرقابة القبلية المفروضة على الصحافة السودانية من قبل جهاز الامن والمخابرات الوطني الذي ينصب من منسوبيه (مدراء تحرير حقيقين) بكامل مزاجهم اليومي وما توفر لهم من اكسسوارات السلطة التي يمتلكونها.ولقد حولت الأجهزة الامنية سلطاتها في الرقابة القبلية مباشرة للناشرين عقب ذلك الافطار الرمضاني في عام 2010الذي التئم بمنزل رئيس جهاز الأمن والمخابرات بحضور السادة الناشرين الذين اصبح شغلهم الشاغل ارضاء الدولة والابتعاد عن خانة المغضوب عنهم والمواجهون بالايقاف والمصادرة والملاحقة والتضييق والخنق الاقتصادي.
لا يليق بالمؤسسات الصحفية والصحفيين القبول بهذه الوصاية التي تفرضها الدولة على العمل الصحفي ،إذ لا بد من مجابهة ومكافحة محاولة كبت جماح الصحافة في الوقت الذي تنفلت فيه مؤسسات الدولة من مساراتها التي رسمت لها وفقاً للدستور والقانون،وتفلت من مبدأ العقاب والحساب في الوقت الذي يشتم رائحة فسادها عامة الناس،وينتفخ مسئوليها من مال السحت بلا خوف ولا حياء .
إن الصحافة واقعة تحت براثن ماهو فاسد فيها بالداخل،وما تحاول أن تنجو منه من مضايقات الدولة من الخارج،حيث لا يمكنها من التعليق على ما هو أمني أو عسكري أو سياسي أو اقتصادي إلا وفق سياسات الدولة التي يطبقها الناشرين باكثر مما هو مخطط لهم من محاذير إرضاءاً للمؤتمر الوطني،ونفسهم هؤلاء هم من يتشبثون بمصالحهم رغم أنف الحقيقة والحقوق والحقائق والتحقق،حقيقة ما يحدث وحقوق من يعمل وحقائق ما يدس عن الناس والتحقق من عدم ضياع حقوق المجتمع في التطور والرقي.
فالأمر ليس متعلق البتة بمزاجية المؤتمر الوطني ولا من ينفذ في الدولة،بقدر ما هو متعلق بحقوق ثابتة ومعنونة في دستور(انتقالي)، والأمر لايخص مهنية العمل الصحفي الغير خاضع بأي حال لمزاجية اجهزة الدولة ومؤسساتها الامنية ،والتي لا تعلو على النقد والنصح والارشاد حتى في ما يخص أمن الوطن.حيث تعكف ثلة من منسوبي مؤسسات الدولة وفقا لتقاطعات مصالح مع المؤتمر الوطني بفقه الفائدة أو الانتماء لجعل مسألة الأمن القومي وخطوطهم الحمراء بمثابة الكرت الاحمر الذي تشهره في وجه الجميع حتى وإن كانوا هم أول العابثين بأمننا القومي ومصالح البلاد والعباد.وتبقي الحقيقة التي لا يعلمها هؤلاء أن الأمن القومي ومصالح الوطن العليا بدون دور واضح ومدروس ومتفق عليه للمؤسسات الاعلامية فكرة كاذبة وخرقاء بل أن تجنب ذلك يعد نوع من الضمان والفائدة المستمرة لمصالح من هم في خانة متخذي القرار.
تخلت (صحافاتنا السودانية) عن نبش ملفات الفساد ،وتلك المتعلقة بالعبث بموارد البلاد نتيجة الاختلاسات والاخطاء الادارية والكمية (المهولة) من الموظفين الغير مناسبين لمناصبهم،والاخطاء لفنية القاتلة والتي يتحملها(الغلطان) في المقام الأول من وجهة نظر الدولة (المواطن المغفل الذي يفعل ما نقوله له).اضافة للمشاريع الوهمية التي محصلة انتاجها صفراً كبيراً والاختلاسات المنسية والمتعسرين (المسكوت عنهم) والمحليات مطلوقة السراح منهوبة المال العام والشركات التي انتفخ بها واقعنا الاقتصادي الهزيل بدون فوائد اقتصادية حقيقية و...و..الخ.
والمؤسف حقا أن الكثير من الزملاء الصحفيين استجابوا لضغوط المتنفذين في مؤسسات الدولة التي حامت حولها الشبهات وفقاً لتحقيقات اجرئت واستقصاءات تمت فمات في ارشيف الصحف ملفات (توطين العلاج بالداخل) ذو الحلقة الواحدة في صحيفة السوداني، و(دريم لاند) و(فساد عمليات التبرع بالدم) و(غسيل الاموال ) و(الادوية الفاسدة) و(المحاليل الفاسدة) و(النفايات الالكترونية) و(ملفات عارف وسودانير)،ومنعت الصحافة عن تعقب الحقائق في (احداث إمري) واخرست عن التعليق في استهداف اسرائيل جويا لبلادنا مرتين وغيرها الكثير من الملفات.ولايفوتني التذكير ببعض الصحفين الذين استخدموا هذا الملفات للاغتراف من اموال الشعب من خلال تهديد وابتزاز المسئولين في هذه الملفات،والبعض الأخر يكون مثل موظف للعلاقات العامة في المؤسسة الفاسدة بصحيفته برواتب ثابتة وحلاقيم كبيرة،فصار لدينا ما يفيض من الصحافيين المستأنسيين وبصورة تجعلك كصحفي تبدأ صباحك (ان تكون صحفياً).
سألت نفسي مراراً وتكراراً لماذا بلغ الاستخفاف بالصحافيين من قبل المسئولين والقراء والدولة مداه،فالصحافة تطرد من البرلمان ومن تمارين المنتخب الوطني ،ويوصفون بالـ(قعونج..قاق..قاق) وبالخيانة والعمالة وبحمد الله تصدر صحفنا يوميا وتقابل نفس المسئولين الذين أمروا بطردهم أو علموا بذلك أو أو سكتوا أوان تنفيذه وتفتح لهم ابواب الاعتذارات العظيمة لتبرير (مسح الارض بالصحفيين).
وغرابة الأمر أن هذه الصحف تصدرها مؤسساتنا الصحفية والتي تأمل من خلال تلك الاصدارات أن تدخل سوق الصحافة الربحي بهذا النوع من الصحافة الغير متعبة والبعيدة عن السياسة ومتخذي القرار وملفات والفساد والأمن القومي ،فدور الصحافة هو حماية المال العام وكشف الفساد وتناول هذه القضايا بمسؤولية وجدية،لذا فيصعب التفسير هنا هذه الانتقائية التي تتعامل بها اجهزة الدولة التنفيذية مع الصحافة مما أدى لغياب الأدوار الحقيقية التي تعبر عن الشراكة الحقيقية بين الدولة والصحافة في ما يخص صيانة الدستور وحفظ حقوق ومكتسبات المجتمع السوداني،والاسهام المشترك بين الصحافة والدولة في مناحي التعمير والتنمية كافة التي لا يمكن أن تتوافر مطلقاً في غياب الأمن والاستقرار السياسي.

خلاصة القول ...أن الصحافة السودانية (الأن) تحاول اختراق ما سموه بالثوابت والخطوط الحمراء التي يجهل(كل الشعب السوداني) معظم ما يدور خلفها،لذا فإن العديد من مؤسسات الدولة (بمختلف اثقالها) الاقتصادية والأمنية والدينية والسياسية ملتزمة لحد كبير بمبدأ الشراسة في التعامل مع الصحافة السودانية وسوقها ابعد ما ينبغي عن التاثير في المجتمع السوداني ،ودليلي هنا أن احداثيات التنبؤ بما يهز عروش مؤسسات الدولة المفسدة هي نفسها ..تلك المرتبطة بوجودها وفناءها...لذا فتصبح الآليات المتاحة لتركيع الصحافة بالنسبة للمستفيدين بتلك المؤسسات أمرا منطقياً..ويغيب عنهم ان دورة التاريخ الانساني لكم شهدت سقوط ..(النافذين والمتنفذين) وتبقى الصحافة ...تنهض مهما طال الزمن ..من كبواتها..


) 3(الفساد ...الدولة ضد الدولة...!؟
وانا اكتب هذه السلسلة من المقالات رافقني سؤال أظنه في بالغ الأهمية،من ذا الذي سيحاسب هؤلاء المفسدين في بلادي..!؟
أهي الدولة ... الناشب فيها الفساد باضفاره وعم جل مؤسساتها الأمنية والاقتصادية والخدمية والاجتماعية والسياسية ؟
أهي السلطات العدلية ...وهي التي أغرقتها التعيينات الحزبية وفقه الولاء والطاعة في بحر اللا(استقلالية) المفرطة حيث يحاسب الضعيف وعامة الناس ويغض الطرف عمن له سند رئاسي أو حزبي أو مالي...؟
أهو البرلمان ذلك المتكون جهوياً وقبلياً وفقاً لموازنات داخل المؤتمر الوطني المسيطر عليه والمتحكم فيه لـ(حد الخنق)..حيث بشرنا رئيسه بفقه السترة وإصلاح البين والغض عن فساد البرلمانيين أنفسهم سواء أن فسدوا اقتصادياً أو أخلاقيا....؟
لذا فليث من باب العبث اختياري عنواناً لهذه السلسلة من المقالات (الألفة لا يكتب نفسه في لستة المهرجلين)...فخلال مسيرة الدراسة(ايام زمااان) تعلمت ان الوسيلة الوحيدة لتنجو من لستة المهرجلين في الصف غير ان تلزم الصمت،أن تصبح الألفة تكتب المهرجلين وإن شاركتهم في نفس فعل الهرجلة.
إن الفساد مشكلة بالغة التعقيد بعد أن اصبح الفساد نفسه مؤسسة لها بعدها الأمني والبرلماني والعدلي والإعلامي والمالي،فعقب صدور قرار من رئاسة الجمهورية بتشكيل مفوضية لمكافحة الفساد طفت على السطح الاقاويل هنا وهناك عن فساد اهل بيت الرئيس حتى أن بعض الصحف المتهمة بالولاء للرئيس والحزب سارعت بنشر ملفات للدفاع عن اهل بيت الرئيس بالكثير من الاستماتة واكدت لنا أن اخوان الرئيس (ما لاقين التكتح)،وهو الأمر الذي يسهل تصديقه من قبل العامة ويصعب تجاوزه ممن هم في خانة متنفذي الدولة أو الحزب،واهلنا الجعليين يقولون (عصاك تهزبو...وتركزبو ... وتضربو).
وقد انكر المؤتمر الوطني باكثر من لسان فساد منسوبيه ،وعلى المبالغة في ملفات الفساد والحديث عنه وهو الذي سطر على لسان سوار ومندور تعامل المؤتمر الوطني مع منسوبيه حالة العقاب على الاخطاء فيما يخص المال العام و الخلق بفقه السترة...فقط...رغم أنف القانون وما جاء في الحديث الشريف لوسرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها.
لذا فإن السلطة القضائية مطالبة بالنهوض للقيام بدورها في محاربة الفساد حيث ما من غيرها يصلح ليكون راساً للرمح المفترض غرسه في قلب الفساد، ومن الواضح حين نعرج بالحديث عن هذ الأمر ان ننوه لكون عمليات الاحلال والابدال في القوانين طيلة سيطرة المؤتمر الوطني على مقاليد الحكم شكلت نوعاً من الارباك للسلطة القضائية لكونها مطالبة بالعمل وفقا للقوانين السارية بأمر كل من البرلمان المشرع ورئاسة الدولة التي تجيز هذه القوانين،وهنا نعود لدائرة الدولة والحزب والقانون التي بدأنا منها هذه السلسلة ليتضح لنا ان السلطة القضائية حوصرت حيثما هي،حيث ان روح القانون بمزاج المؤتمر الوطني سوى كان هذا منطقيا أو غير منطقياً لمن هم في خانة الاستقلالية المطلقة في السلطة القضائية.
يمكننا هنا الاستدلال بمظاهر الصراع الخفي ما بين السلطة القضائية والبرلمان حول ملفات الفساد المتحفظ عليها (برلمان السترة)،فقد قامت وزارة العدل عقب تسلمها تقرير المراجع العام بتقديم هذه الملفات للبرلمان،حيث من المفترض البت (فيما لا يستلزم السترة) ومن ثم اخضاعه للمسائل الاجرائية التي تبدأ بالنيابة حتى انتهاء دورتها القانونية باروقة المحاكم.
في قانون الاموال العامة ومكافحة الثراء الحرام هنالك قانون يسمى قانون التحلل حيث يشطب البلاغ من المتحلل ولا يتحمل أي اجراء قانوني جراء ذلك بعد ان تتم تسوية داخل المؤسسة تفضي بضمان عودة اموال المؤسسة المنهوبة.ولقد شهد الاسبوع الاخير من ابريل المنصرم صدور قرار من وزير العدل بضرورة تقديم المسئولين بالدولة لاقرارات للذمة قبل تقلدهم الوظائف،وهذه الاقرارات التي من عيبها انها تكون سرية تقدم للدولة بدلاً ان تقدم للعامة ودافعي الضرائب الذين يعين المسئولين بالدولة لخدمة مصالحهم،حيث ان هذه الاقرارات وهي في كامل سريتها يمكن ان تعدل بـ(فعل فاعل) حتى توائم ما يكون قد اكتنزه المسئول فيما بعد.
الملفات المتعلقة بالفساد تلك الموجودة (الأن) بالبرلمان تحوي ملفات متعلقة بالمؤسسة العسكرية في شراكتها الاقتصادية مع القطاع الخاص أو للشركات التي تنشأ من ميزانية المؤسسة العسكرية للتنافس مع القطاع الخاص في سوق العمل في قطاعات مربحة (الحماية الأمنية،الانظمة الأمنية،النفط،الخدمات الاعلامية والاعلانية،التجارة والاستثمار...الخ) فوفقا للقانون فلا يملك كلاً من البرلمان و المراجع العام مسموح له بمراجعة ميزانية القوات المسلحة ولا جهاز الامن والمخابرات الوطني ولا تتعدي حدود صلاحية المراجعة الاختلاسات خارج دائرة جهاز الامن بينما تخضع الاختلاسات داخل جهاز الأمن والمخابرات للائحة جهاز الأمن والمخابرات.
سازيدكم من الشعر بيتاً....فاللجنة الاقتصادية والمالية بالبرلمان والمنوط بها وضع التشريعات الاقتصادية ومراقبة هذه التشريعات التي اجيزت تجاه الجهاز التنفيذي ووضع السياسات والموجهات الرقابية لإداء مؤسسات الدولة وحماية الشعب من قبلها.هذه اللجنة يكون الانضمام إليها وفقاً لرغبات النواب حيث تضم برلمانيين (فئة رجال الاعمال في البلاد) امثال أبرسي وعبد الحكم طيفور وجمال الوالي وجوزيف مكين وغيرهم من المسيطرين على التكوينات النقابية الاقتصادية المختلفة مما يجعل من تشابك مصالح الاعمال وحقوق الناخبين امرا بالغ التعقيد،لا سيما أنه في اطار ما يحدث حين يكون رجل الاعمال في محل الرقابة على المال تصبح من الصعوبة بمكان عملية فك الارتباط بين (المصالح الخاصة) التي تتهددها سياسات الدولة والمصالح العامة التي تهدد حقوق (كل الشعب).
كما ان بعضاً من اعضاء هذه اللجنة روؤساء واعضاء مجالس ادارات مصارف وشركات واعضاء ادارات في مؤسسات يمكن أن أن تكون مضمنة في أحدى ملفات الفساد (التي لا نعرف عنها شيئاً)،وأخرين مستشارين ماليين لعدد من المصارف ،والمعلوم ان المصارف هي صاحبة التجاوزرات المالية والاختلاسات التي لم يكشف عنها وعن (متعسريها)،كما أن بعضهم يدير شركاته واعماله بحيث يمكن أن يمثل الثقل البرلماني بالاضافة (لثقالة السياسات والتشريعات التي تصدرها اللجنة) بعداً من التوسع والتمدد المالي والاثراء من حيث لا يعي الأخرين،وإلا كيف نفسر استهلاك الحكومة لـ60 مليار من احتياطي ميزانية 2010 لتغطية ديون القطاع الخاص والمطالبين بالسداد للبنوك ..(السادة المتعسرين).
ودعوني أسرد لكم هذه القصة ..في سياق متصل .. احد المعسرين..المساكين اقرضه بنك (شاب جدا) 50 مليون دولار ...ولان المعسر شقيق للوزير..وقانون المصارف يحق لعضو مجلس الادارة الحصول على التمويل دون الالتزام بالضمانات البنكية المطلوبة، كان الرهن مخازن اتضح إنها مؤجرة من (الريس الشهير) وثلاث قطع اراضي في الباقير والتي لاحقا اكتشف أنها لا تساوي (لو توفر سمسار فهلوي) 500000 دولار ..وبعد هروب المتعسر المسكين ووساطات الوزير الشقيق و(الريس الشهير)...عاد المتعسر المنتظر..بعد ايقاف الدعاوي ضده ... وتمويله مجدداً من نفس البنك الشاب...بحيث يسدد القرض الجديد بالاضافة ل4% من القسط القديم شهرياً...والكبير كبير
إن السياسة الاقتصادية في البلاد لا تسيطر عليها الدولة مطلقاً بل المؤتمر الوطني،ولا يغرنكم قرارات برلمان أو وزير أو مسئول فهؤلاء لا يمكن اعتلاءهم هذه المناصب من غير رضا المؤتمر الوطني وكي اكون أكثر دقة من يسيطرون عليه.فالجناح الاقتصادي والأمني متشاكسين وفقا لتشابكات السلطة عند (الأمنيين) والمال عند (الاقتصاديين) وحوجة الجناح الأمني في إنفاذ مشاريعه بعيداً عن (فلقة الرأس القانونية).
هذا الأمر بدأ منذ ما يعرف بعهد التمكين واحتكار المال لصالح الحزب ومن ثم يستطيع السيطرة على مفاصل الدولة من خلال عملية مستمرة من الخنق الاقتصادي،وساعد على ذلك عملية زرع منسوبي المؤتمر الوطني داخل الأجهزة والمؤسسات بالدولة(وزراء الدولة،وكلاء الوزارات،مدراء الإدارات،رؤساء الاقسام،موظفي العلاقات العامة ....الخ).وهي قائمة طويلة من المنتسبين والمؤلفة قلوبهم وأصحاب المنافع الشئ الذي أفضى بالفساد (غولاً) يلتهم موارد السودان ولا يأبه قط بما يسمى (السيد مواطن).
إن هذه العملية المحبوكة جعلت من أموال البترول في جيب الحزب قبل الدولة تملأ بها الحقائب للتسويات السياسية التي تثبت النظام بالحكم وإن تقلصت رقعة البلاد الجغرافية. وأموال البترول (المهولة) منذ عام 97 – حتى الآن والتي لا توجد لها حسابات شفافة حقيقية 2006م والتي مولت مشاريع للمؤتمر الوطني داخل وخارج البلاد.


هل تذكرون طريق الإنقاذ الغربي (وحكاية خلوها مستورة).. ومن ثم مشاريع الطرق والجسور والسدود ا لتي نفذت أغلبها بدون المواصفات المطلوبة بمبالغ دولارية مليونية لصالح شركات المؤتمر الوطني التي أنشأت خصيصاً لهذا الغرض، والسيطرة على قطاع المصارف من خلال إنشاء المصارف التي في شكلها (الدولة) وأصلها (الحزب) كبنك أم درمان الوطني، ودعم المصارف ذات الصبغة الإسلامية (التضامن – بنك فيصل الإسلامي – الشمال الإسلامي) والمصارف ذات الشراكة المنهجية مع المستثمرين من الخارج، وكلها مولت مشاريع خرجت من أجندة المؤتمر الوطني الاقتصادية لصالح الحزب وإن تضرر الناس.
وأكفان الفاتح عروة في حواره مع عادل الباز مناطحة غول الاتصالات وهو يتساءل عن أموال (مهولة) يتلاعب بها المسيطرون على سوداتل وسوداني والجيش الجرار من شركاتها في الداخل والخارج.
وكانت السياسة الاقتصادية للمؤتمر الوطني ذات بعد سياسي (حسود وحقود) على القوى السياسية الأخرى أثرت على مشروع الجزيرة وما ترتب عليه من انهيار المدن التي كانت تقتات من هذا المشروع (الكاملين – الحصاحيصا – مدني – سنار – سنجة - كوستي – ربك – المناقل...الخ)،وانهيار السكة حديد لصالح مواعين النقل (خ. استثمار الصينية).
سيكون من المضحك أن نظن أن الدولة تتحكم في شيء ما.. فالدولة واجهة (كرتونية) يقبع خلفها المؤتمر الوطني.. مدججاً بالأمن والإعلام والمال والرجال يديرون لعبة الاقتصاد بكل ما يلزم من اللا (مهنية) واللا(أخلاق) لصالح المؤتمر الوطني.. وما ذكرته أخيراً.. هو الفساد للدولة (التي التهمها المؤتمر الوطني).. فكيف يمكن أن تحارب الدولة.. فساد الدولة.. ارتهاناً للمعادلة السياسية الراهنة رغم أنفنا جميعاً
(الدولة = المؤتمر الوطني ...بس).ويراقب الله في عُلُوهِ ما ابتلانا به..وأُفسدت به بلادنا.. المؤتمر الوطني.


)4( الفساد.. علماء السلطان وزخرفة للشعب (الجوعان)
كان الحكم في عهد النبي (ص).. حكم لله أسماً وفعلاً إذ كانت الحاكمية وقتها لله سبحانه وتعالى، وكان الرسول (ص) يعمل بإرشاد الوعي النبوي وتحت الرقابة الإلهية والترميز المقدس لنبوته (ص)، وتلا ذلك العهد أن صار الأمر عند من هم في خانة البشر حيث لا يوحى لأحد منهم وحياً مباشراً واضحاً كوحي النبي (ص)، لذا فإن كلامهم هو كلام الناس يصيبون فيه فيثبت الصواب لهم وحدهم، ويخطئون فيه فيعزى الخطأ إليهم وحدهم. وما عدا ذلك من قول إنما هو محاولة لإضفاء عصمة على الحاكم أو قداسة لصاحب الأمر، في محاولة لتحصين أعمال الحاكم بحيث تصبح بلا رقابة أو فحص أو مسألة.
يتوافق جمهور السنة على كون السلطة السياسية ليست بسلطة دينية، وهي لم تكن دينية أصلاً إذ أنها لا تستند على حق إلهي ولكنها تقوم على إرادة المسلمين، فضلاً على أن الحاكم في هذا التقدير بشر بلا عصمة أو قداسة. والسلطة السياسية ليست بقصيدة إذا ما أرتأينا التعريف بالقصيدة تلك المتعلقة بالإيمان والاعتقاد الباطني في الإنسان، بينما الشريعة هي تلك المتعلقة بالجانب الإنساني الظاهري والسلوكي تجاه الله سبحانه وتعالى وإزاء الناس، أما النظام فهو ذلك المتعلق بحياة الناس ومناحي الحياة الإنسانية اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وقضائياً. هذه التعريفات تدل على أن سلطة الحاكم أمام الأمة تستوجب الفحص والمسألة والرشد والتقويم وحتى العزل وقد جاء في شرح المقاصي 272 ج2: (الإمام الذي جار وظهر ظلمه وغشمه ولم يرعوّ لزاجرٍ عن سوء صنيعه فلأهل الحل والعقد والتواطؤ على روعة ولو بشهر السلاح ونصب الحروب).
إذا حاولنا قرن ما يهتم به علماء الدين من فعل تجاه المجتمع وفقاً لفتاويهم (البائن الاختلاف عليها فيما بينهم) والذاهبة لوجوب تطبيق الشريعة الإسلامية بحيث يكون الدين كما عهدناه في ممارسات سابقة لتطبيق الشريعة الإسلامية بمزاج خاص من علماء الدولة لصالح السلطان (الترابي والنميري 1983م)، وهنا ليس بوسع علماء السلطان شق الطاعة عن الحاكم: والتصريح بفساد في حكمه أو من يوليه ناصية الأمر باسم حكمه (الذي يكون مقدساً في الدولة الدينية). لذا فإننا نلحظ أن مطالب علماء السلطان.. في السودان سواء من كانوا في زمرة من هم في تكوينات الدولة للعلماء، أو أولئك المستمدين شرعيتهم (من أنفسهم) في ائتلاف سلفي متشدد خارج هو نفسه عن الاتفاق مع علماء الدولة.. والسلطان، فهؤلاء وأولئك يطالبون بضبط المظهر وينسون صقل الجوهر يتحدثون عن فقه النارجيلة والانتماء السياسي والقنوات (ناقصة الحشمة والموضوع)، يخرجون البيانات ضد من لا تودهم الدولة، وينغمسون في حروف التأييد لمزاجهم الخاص في تفسير الدين والتشدد فيه والتوجيه والوعيد والتهديد لمن خالفهم، يخرجون الفتاوي من ما /// على الناس والأمة، ويتناسون الحق تجاه السلطان والدولة.
علماء السلطان.. وعلماء الافتاء في كل مكان وزمان يتحدثون عن الكيفية التي نخفي بها أفعالنا وراء كوب التدين، وينسون واجب العالم الحقيقي المطالب بملء أرواحنا بالدين الحق، ساكتون عن فقه السترة وزيف العبرة وإدارة مصالح البلاد بالسخرة، وكأن من قال: (لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها) ليس هو بالنبي (ص) الذي يتمشدقون باتباع سنته وضرورة تطبيقها بحذافيرها فيما يخص ما فعله النبي (ص) وما روي عنه نقلاً وتدويناً وهي في وضع اختلاف بين الفقهاء لاختلاف المكان والزمان والإيمان والصدق والورع وخشية الله سبحانه وتعالى والنزع عن التملك والاستيلاء والتسلط والتزلف للحكام.
الآن في هذه البلاد التي ينهشها الفساد.. في ما هو متعلق بمصالح العباد وأخلاقهم.. لا أجد وضعاً للعلماء.. إلا من رحم ربي سوى كونهم ذراع للدولة، تحرك فيهم من تشاء وتقرب من تشاء وليس كمن سبقهم علماء الدين الأجلاء في عصور الحق والحقيقة، الذين كانوا لا يخشون في الحق لومة لائم ولا غضبة حاكم، ولا نزعة مال ولا تغير حال ولا تسوية في ولد أو جلب استثمار في بلد، أو دفعهم لتجنيد الشباب كيما يكونوا للدولة مخلب قط، أو قنبلة في اليد أو حزاماً ناسفاً للقتل بلا عد أولئك العلماء الأجلاء في صدر الإسلام، وعصر الخلافة والسلطان وفقه الحاكمية (المطلقة) حيث أغلظ عليهم حكام (الدولة الإسلامية) على مر عصورها بكثير من القسوة ومحاربة أفكارهم وسجنهم ونصبهم.. وقتلهم..
في ظل تلازم المحسوبية والرشوة مع سلوك الناس في الدولة ودواوينها، وتنامي الجشع بين أفراد المجتمع، واختلال قيمة الحق والعدل إذ يرى الناس حكماً باسم الدين وهو بعيداً عن التدين، متمرس خلق القوة وعضد علماء السلطان الذين ينهون الناس إذا قاموا عليهم بالنصح بالخروج عن الحاكم، والصبر في الملمات والاحتساب // أصابهم بفعل أعمالهم.
لا يمكن النظر هنا لكون علماء السودان المقصود منهم أصحاب المذهب السلفي أو أولئك المتشددين في الدين فحسب، ففيهم من تشهد له بالجهد بما يستوجب الجهر، ولكن هناك فئة من هؤلاء العلماء ظلت بعيدة عن المساس، لا يظنها الناس في صف من نقصد وهي في مقدمتهم، وهم من انتموا للتيار الصوفي الذي انساق جل شيوخه وراء رغبات المؤتمر الوطني والحاكمين لهذه البلاد، يستجيب الشيخ فيصير لزاماً على الأتباع والمريدين الهرولة والجري وراء هذه الاستجابة، ولكم من بيعة تمت للدولة ورئيسها هنا وهناك في افتتاح مسيد أو تدشين نشاط لشيوخ هذه الجماعات الصوفية، والتي يميزها عن المتشددين خفوت صوتها السياسي والمطلب، وتأثيراتها على الناس التي لا تستوجب التناكف حتى لا تتبعثر الهيبة، وهنا أحب أن أنبه فقط أن المنطقة الواقعة بين النيل الأزرق والنيل الأبيض من الخرطوم شمالاً حتى حدود ولايتي سنار والنيل الأبيض جنوباً والنيل الأزرق هي أماكن اكتظاظ للقواعد الصوفية التي لا يذهب علماءها مما يخص الناس في الزروع والبيوع والتدهور الماثل في حياة الناس بعد فشل الزراعة وتغيير تركيبة الثراء في تلك المناطق وفقاً للولاء للدولة، وفي كثير من الأماكن يصبح العالم أو الشيخ (العارف بالله) مولانا علان جزء من استثمارات الدولة في أرض يملكها وأخرى يملك عقل من يملكها، فانتشرت فوضى المشاريع ذات الفشل التي أقعدت الناس من أعمالهم، ويظل الفم مغلقاً ما دام الأمر ينتهي بفاتحة (الشيخ العارف بالله).
إن الدين ليس بمنهج مستحدث في بلادنا، ولم توظف الحداثة في الدين إلا لصالح (الإسلامويين) الذين حاولوا الخروج من حصار السلطة الصوفية المتمركزة في بيوت الشيوخ (الختمية – السيد علي) و(الأنصار – المهدي) و(المكاشفية – المكاشفي) (السمانية – أولاد الشيخ قريب الله) وهكذا دواليك وكانت محاولة الانفلات والانعتاق من هذه القوة المسيطرة على النفوذ الدين (بلا منازع) والاقتصادي الذي تهبه لمن تشاء الشيء الذي أسس فساداً باسم الدين فيما يخص المنهج والسلوك أخرج الجماعات الإسلامية الحديثة بدءً بالدين حتى انتهاءها بالدولة مما يعضد ما أظنه أن العلماء ورجال الدين في الطوائف هم مشاريع محتملة للظفر بكل الدولة (المهدي – الميرغني – الترابي).
وهذا ما جعل معاوية بن أبي سفيان قديماً يقول (الأرض لله وأنا خليفته فما أخذت فلي.. وما تركته للناس فبفضل مني)، وجاراه في ذلك أبا جعفر المنصور القائل (أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة.. وعنكم زادة نحكمكم بحق الله الذي أولانا سلطانه الذي أعطانا.. وأنا خليفة الله في أرضه وحارسه على ماله)، لذا فإن السلطة والحكم وسلطة الدين التي يحوزها العلماء تكون مقترنة إما لفائدة الأمة إن أصاب من يحكم ومن وضع في خانة العلماء، أو لفائدة أي من الطرفين حتى ينقض من بيده السلطة على من بيده الدين، أو بالعكس. ولأن في القرآن حكمة وأجوبة فدعونا نرجع لتفسير هذه الحالة التي تنتاب الحكام أثناء السلطة وتلبس الحق الديني بقوله تعالى (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)
وهنا يمكن الأخذ بعبرة الرغبة في سطوة التمكين وشهوة (التكويش) التي قادت مدلولات الإسلام الحق عرضة للتساؤلات، إذ انصرف علماء الإسلام للتبرير عن أفعال الدولة وأسلمتها ومدها بما يلزم من الفقه، فأصبح الخطأ ممن يحكم مبرراً فقهياً والخطأ عليهم // قضية ويهودية أو صليبية (فقه السترة – فقه الضرورة...الخ).
من السهل أن يطل علينا شيخ (من شيوخ الدين الجدد) قائداً لجماعة ما يدعونا لمزيد من تراكم الجثث ليعلوها من يظفر بالسلطان وربما يكون هذا الشيخ مختفٍ عن الإنس والجان لا نراه إلا في إعلان مجاني لإعلام دولة الإيمان، يدعونا لمزيداً من كراهية الآخر وتجاوز أس الدين، وليست أفضل من مثل حرب مقدسة أديرت باسم الإنسان انتهت بصعود الكثيرين على جثث رفقائهم ظفراً بالسلطة والثروة والجاه.. بنفس الثوب (الدين) وأنفسهم علماء السودان، فقه أنكرت شهاداتهم وأخرى نفرت من فضلهم، وأخرى عادت من مجاهداتهم وأغفلت اسهاماتهم في الدين والجماعة فغيروا المسار من الإيمان إلى السلطة، مفسدة في المال والسلطة واكتناز للخلق الذي يسمى للدين والدولة والمجتمع وإن اشترك كل العلماء.. في الفئتان في الالتصاق بنفس الثوب الذي يجلب الربح لهم.. الإسلام...
السادة علماء السلطان.. علماء الدولة.. ورفقائهم العلماء أصحاب النزعات والرغبات، إننا نذكركم والذكرى تنفع المؤمنين فهذا الشعب لا يخاف الإسلام إنما يخاف عليه ولا يخاف الشرع ولكنه (واثق) في عجز من يسعون لتطبيقه، لقد درج على علماء السلطان، وعلماء القنوات والحزام الناسف والشيشان وعلماء النارجيلة والملابس والهجوم على القوى السياسية على استخدام الشريعة كفزاعة لمحاولة الاختباء حولها، ليست لمحاولة لإحياء الدين فالشريعة تلزم المرء بدءً بالصدق والجهر بالحق والنزاهة والأمانة (صفات رسولنا الكريم)، لذا فإن ترك الفساد يسيطر على عقول الناس وأحوالهم ومعاشهم بدعوى أنه ابتلاء، والذهاب لحيث يمارس الناس ما يؤدون دون نزع للإفساد يجعل من العلماء مصدر قهر للمجتمع لا مصدر للفائدة والاستدلال وقتها سيكون هنالك نفور من الدين حيث يتلفت المرء بحثاً عن قيمة الدين فلا يجدها عند من يحكم ويسوس ولا عند من يُفتي ويرشد وينصح لذا فمع ضجيج الرغبات والجوع والفقر والحوجة والعوز والكفاية فينقلب عن مسار القوامة والاعتدال.
سوف تنتهي كلماتي فلها حدوداً في المقال، ولكن أود أن أرى عالماً يصحو من نومه ويذهب للناس لا أن يأتوا إليه بحثهم على الحق والصدق والتمسك بالدين وفقاً لما تصدقه عقولهم ويجيزه منطق القول والفعل، أن يذهب للمؤسسة المعنية بالشائعات عن الفساد وسألها قبل أن يقول للناس في مسجده حقيقة ما يحدث وآخرون علماء لا تهزهم عصا الدولة ولا بصاحبها ولا مؤامراتها يدخلون الأسواق ويحدثون الناس عن فضل الابتعاد عن الجشع والاحتكار والطمع، يصدرون بيانات تهدد المفسدين بدلاً من انتظار دعومات من مال مسروق حرام لصالح المساجد والخلاوي وأنشطة الجماعات الدينية.
إن هذا الشعب مسلم لا يمكن لحفنة (علماء السلطان) أن يتحكموا في مصير دينه أو أرضه حيث يتنازع الباطل مع الباطل في مشروع الاحتفاظ بالدولة..
حيث يصدر من عالم (حقيقي) كلمة حق يمكن أن يتبعه الناس طالماً كان في طريق لخير الأمة وقتها.. فيا ويل(علماء السلطان).. والسلطان نفسه ...من مثل هكذا عالم.. وهكذا شعب.



نزار عبد الماجد
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1501

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




نزار عبد الماجد
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة