المقالات
السياسة
ذهب (أبّكر ناصر) .. فهل يبقى التواصل السوداني ؟
ذهب (أبّكر ناصر) .. فهل يبقى التواصل السوداني ؟
04-27-2014 10:49 PM



زاملت أخي و صديقي أبكر ناصر فى جامعة الخرطوم . كانت الجامعة حينها إحدى ساحات التواصل السودانى حيث يلتقي فيها أبناء الوطن من أنحاء متباعدة فتنشأ بينهم زمالة الدراسة و ما تتيحه من تعارف . عرفت أن (أبكر) من قرية (كبم) لكنى لا أعرف إلى الآن إلى أى قبيلة ينتمى , فقد كفانى الوعى الذى كان أى حاجة لتعريف إضافى لأبكر اللطيف الحبوب الشهم . و كان التواصل سلوكاً تلقائياً يخلقه الإحساس الإنسانى بلا قرار مصنوع أو (محاصصة) للصداقة , و عليه لا يحتاج عبد الله الفضيل أن يعرف إلى أى قبيلة ينتمى (قادم) , و يصادق فخر الدين (مناوا) , و لا يحرص كارورى على (إستقصاء) البياض فى لون عاصم عامر , و لا نستغرب إنتماء كردمان لنيالا رغم جذوره فى شندي , حتى بات إنتماء كردمان و أبو خليل لنيالا متساوياً .. و يقدّم طلاب الإقتصاد موسى كرامة لقيادة رابطة الإقتصاد , و يقدّمون فى دورة لاحقة بدر الدين محمود بلا ترتيب لأنصبة جهوية .. و تنافس جريدة (جراب الرأى) الحائطية جريدة (اشواك) و لا تكون معايير التقييم سوى ما ينشر فى الصحيفتين , بلا أدنى إحساس إلى أى إقليم ينتمى التجانى عبد الرحمن و محمد طه .
كان أسبوع دار فور الذى تنظمه رابطة طلاب الإقليم (الواحد) من أجمل أيام الجامعة , لما عرف به الإقليم من تنوع ثقافى تعرف الرابطة كيف تعكسه فى أسبوعها الجميل . و كان المطبخ الدارفورى يدهش أبناء الوسط كثيراً , فقد كانوا يظنون أنهم الأبرع فى صناعة الطعام إلى أن تذوقوا دجاج سرف عمرة و عصيدة الدخن و (ملاح) لا يعرفون إسمه , و أذكر أننى كنت و صديقى على عوض نسارع كل يوم لرشف مشروب (القضيم) الذى لم يعرف حتى ذلك الوقت فى كافتريات الخرطوم .. و كان أعضاء الرابطة من الطالبات و الطلاب يتنافسون في إنجاح أسبوعهم , أعانهم على ذلك نشاطهم الجم و عددهم الكبير , فقد كان أبناء دارفور فى جامعة الخرطوم كثيرين بصورة ملفتة , قدموا بهذه الأعداد الكبيرة من مدرستي نيالا و الفاشر , الشئ الذي يؤكد على بسط التعليم بدرجة (لا بأس بها) , بما لا يوحي بنذر (ثورة) لاحقة تشكو الظلم و التهميش .. ضمت الرابطة أبناء دارفور (الكبرى) , بلا شمال أو جنوب دعك عن ولايات خمس , و لا عرب و زرقة . رابطة عملاقة لا يستغرب أن يكون قادتها من ألمع طلاب الجامعة , و يكفى ان أشير إلى أن طالب البيطرة (عبد الكريم) الذى ترأس الرابطة فى بداية الثمانينات قد اصبح نائباً للفاشر فى الديمقراطية الثالثة .
أرسلتنا الجامعة في إجازة قصيرة لا تمكن البعيدين من السفر إلى ذويهم , فدعوت أبكر و حافظ نصر و أحمد تمساح و سليمان خليل ــ و كلهم من أبناء دارفور ــ لقضاء الإجازة معي فى المناقل , فوافقوا بلا تعقيدات . كان أى معلم في الرحلة ذا خصوصية عند زملائى الأربعة الذين (يشقون) لأول مرة السودان من وسطه , فلا يكفون عن التعليق و ملاحظة التشابه بين سهل هنا و سهل عندهم هناك , و مرعى هنا و مرعى هناك . و إجتهد سليمان عند بداية الرحلة ليختبر معرفته بالجزيرة , فخمّن أن (المسيد) هى 24 القرشي .. و كانت معالم مشروع الجزيرة هى الأبرز فى لفت إنتباه ضيوف الجزيرة .. الحواشات و القناطر و المكاتب و (الكنارات) , و لوزات و سنابل ذهبن مع المشروع المقبور .
قضينا معاً أربعة أيام فى المناقل , سوف تظل من أجمل ذكرياتى , فقد كان الجيران يتحلقون عند كل مساء حول المجلس الذى يضم الضيوف من جامعة الخرطوم . حرصت أن يلتقي بزملائى بعض الذين قادتهم التجارة إلى غرب السودان . و بالفعل حكى هؤلاء لزملائى ذكرياتهم عندما كان (اللوري) متجراً متحركاً .. و كان أحد أدوات التواصل , لا يقل شأنه عن السكة حديد و الإذاعة .. و إستمتع الزملاء كثيراً بالدهشة التى تجتاح صاحب التجربة الأولى , فظلوا فى حالة بحث دائم و تنقيب عن جديد لم يعرفوه من قبل عن وسط السودان و عما لم يألفوه فى دارفور ,, و عن تشابهات مدهشة , فلا يبرح صديقنا تمساح أن يكرر كلما شرب (و الله بس موية مليط) , و يؤكد أربعتهم التشابه الكبير بين المناقل و نيالا حتى كادوا أن يعقدوا توأمة بين المدينتين .. و يعجب سليمان الذى كان أخوه (أحمد) سكرتيراً لإتحاد كرة القدم بالفاشر , يعجب بمهارة لاعبى أهلى المناقل , و يعجبون كلهم بالنشاط التجاري و الصناعي فى المدينة .. عاد الضيوف إلى الخرطوم و هم يحملون أروع الإنطباعات عن الوسط الذى شاهدوه لأول مرة ؛ يحدثون عن مدينة المناقل بإنشراح قائلين إن سوق المناقل أكبر بكثير مما كانوا يتصورون و أن أهل المناقل أطيب ناس و أن (عريق) هو الأظرف و أن (نصر الدين) هو الأحرف ؛ و لم ينس (أبكر) أن يخص نفسه بملاحظة أن بنات المناقل الثانوية هن الأجمل .
جاء زمان قال لى فيه أحد أبناء الغرب و أنا أدلي بدلوى فى (مصيبة) دارفور التى لا يعرف من أي منبت قامت , إن شهادتى مجروحة لأننى أنتمى للوسط النيلي الظالم . و لما نعى الناعي أخانا (أبكر ناصر) , دمعت عيناى على أبكر ناصر و على التواصل الذى كان , و سألت نفسى سؤالاً هو أقرب إلى الإستفهام التقريري إن كان فى مقدور إبنى (مصطفى) أن يصطحب معه (ناصر) فى زيارة إلى المناقل أو إلى أخواله فى مدني .
جاء زمان قال فيه بعض أبناء دارفور إن الوسيلة الأوحد للتعبير عن ضعف التنمية و الخدمات في دارفور هى إطلاق الرصاص كيفما إتفق , و ردّت الحكومة بوابل من القذائف لتندلع نار الفتنة في الإقليم الآمن .. أصبحت الحرب و كأنها خيار لا مفر منه . يبدو ذلك في إستبعاد خيار إستعادة السلام تماماً , لتبقى المغالطة أى الفريقين (يلتزم) بالقانون و الأخلاق فى إدارة الحرب ؛ و كأن الحرب (القانونية) إنجاز يفاخر به أهل السودان بين الأمم .
و إختلطت فتنة دارفور ــ خارج الإقليم ــ بالموقف من النظام القائم , ففرض المعارضون معادلة عجيبة , هي إثبات معارضة النظام بتأييد (كل) ما تفعله الحركات ضد هذا النظام , و إلا فلا مكان لمن يدعي معارضة النظام بين المعارضين الشرفاء , ما دام معترضاً على (نضال) الحركات المسلحة . و هكذا تعلو الاصوات منددة بقصف طائرات الحكومة للقرى الآمنة , و تصمت حيال هجمات (تاتشرات) الحركات حين تجتاح المدن فتقتل و تنهب و تخطف .. فرضت المعادلة العجيبة نفسها بالحملات الإعلامية المنظمة الكاسحة , في ظل نظام يخشي كثيرون أن يجمعهم به موقف و لو كان صحيحاً , و لاذ جل أبناء الإقليم بالصمت خشية أن يقال إنهم قد خانوا أهلهم , فآثروا الصمت المفضي للسلامة .
قد يكون الحل العسكري قد بدا أفضل لمن حمل السلاح حين كانت نتائج الحرب اللعينة فى طى الغيب , أما الآن و قد رأى الجميع آثار الحرب , فليثب الجميع إلي رشدهم , بعد أن تبين أن السلام هو الخيار الأوحد , و لو كان الحاكم فى الخرطوم إبليس .. فقد بات المشردون فى المعسكرات يحنون إلى قراهم , و يذكرون بكل الخير أيام حياتهم الآمنة بعد أن أصبح البؤس المزعوم حلماً , و قد ذهب الأمن ..
فهل أحلم بعودة أسبوع رابطة دارفور في جامعة الخرطوم , أم أظل أسمع عن مواجهات دامية بين أبناء الوطن الواحد فى قلعة العلم و التواصل السوداني ؟

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1157

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#988363 [سيف الدين خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

04-29-2014 10:51 AM
اخي عادل لك التحايا الطيبات هكذا كنا كما قلت الساسة هم الذين ورطونا سرقونا مالا ووطنا ورمونا هكذا وسكنوا ماليزيا بلا كثير حياء الذي قلته عشناه في كل مراحل الدراسة بلا تعقيدات او قبلية فقد سافر الجنوبيون للشمال وادمنوا المحبة هناك ساستنا هم الذين اوردونا موارد الهلاك خالص العزاء كثيوون هم الذين رحلوا من شتي بقاع السودان ولا نعرفهم لذلك اترحم بظاهر الغيب بلا معرفه علي من رحلوا من دفعاتي من حلفا الي نمولي ومن قرورة الي الجنينة وهذا اقل وفاء وبعض زكاة لاتعرف الانصبة ولا القياس واذكرك من دفعتي اصغر نائبين في الديمقراطية الثالثة ابن عمر محمد احمد والسيد هارون عمر تري اي لعنة اصابتنا اما ذكرياتي مع والدكم الكريم لا استطيع كتابتها لانها تبكيني وما بين العفاض وتنقسي سبب ونسب وشكرا لايام الدوحة التي جمعتنا بك

[سيف الدين خواجة]

#986771 [alshifit]
0.00/5 (0 صوت)

04-28-2014 12:13 AM
الف رحمة ونور على روح صديق الجميع المرحوم ابكر ناصر صاحب الابتسامة الوضية والقلب الابيض الكبير. شكرا يا عادل ابراهيم حمد لقد ابكيتنا مرتين رحيل ابكر ناصر وترقب رحيل وطن كان يسع كل ابناء السودان بلا تمييز عرقى او جهوى او مناطقى حتى حل على سماء السودان هذا الكابوس الفاسد المنبت. لك الرحمة ابكر ناصر وشكرا عادل.

[alshifit]

عادل إبراهيم حمد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة