المقالات
السياسة
يوميات حرامي نحاس: مظلوم من محجوب ود العمدة
يوميات حرامي نحاس: مظلوم من محجوب ود العمدة
05-02-2014 08:12 AM

كنت صريع معدنيين في باكر صباي بمدينة عطبرة. أما المعدن الأول فهو الصفيح. وكنت ضمن فريق بفصل للجغرافيا بمدرسة عطبرة الأميرية الوسطي في نحو 1954 أو 1955 جرى تكليفه بدراسة مواقع إنتاج الصفيح في العالم. وكان درساً شغفت به وذقت منه لذائذي الأولى في البحث والكشف وعرض النتائج. أما المعدن الثاني فهو النحاس. وكنا نجده في طيات نفايا ورش السكة حديد التي يحملها قطار مخصوص بعد ظهر كل جمعة ليودعها الحفر التي تقع من وراء المستشفي وشرقي حلتنا وهي التمرجية بالداخلة الجديدة. فما تهل القاطرة حتى يعدو صبيان الحي إليها بعدة الشغل من لبس هَلهَل وقدوم وسكين وقفة سكر قديمة لحفظ حصائلنا من المعدن النفيس. ونعود في العصر وجهنا يلعن قفانا من فرط الاتساخ بفحم الورش وشحومها. ثم نبيع تلك الحصائل إلى تجار النحاس وهم بكري أو ود بدق. وننعم بالمال كسباً حراً لا نتكففه من أب أو أم بأعذارهم المفضوحة.
ولم أداوم على التعدين للنحاس في الحفر. فالعائد منه دون الجهد المبذول والعرق المسفوك. وقررت وجماعة من أصدقائي أن نحصل على المعدن غلابا بسرقته من مظانه. وحكيت في حديث مضى كيف جردنا جارنا ود الحسين من أكوام نحاسه التي وجدناها بمنزل له اتخذه مخزناً لهكر أكوام وأكوام أكثره مما اشتراه من دلالات عرض فيها الإنجليز موجودهم من الأثاث والحاجات في 1955 قبل أن يعطونا قفاهم نهائياً. وما زلت أعجب لمهارتنا الدقيقة في تأمين السرقة بالتوقيت الذكي اللماح لها. فقد سرقنا نحاس الرجل في واضحة النهار. فذلك وقت القيلولة في المدينة العائدة للبيوت بعد صفارة نهاية الدوام في الساعة الثانية بعد الظهر تماماً. وهو وقت تنقطع فيه الرجل وتصطلي الشوارع بالحر وحدها.
وحملتني حمى النحاس وكسبه إلى مخاطرات يقشعر جسدي لنتائجها لو كٌشفت على تلك الأيام. أذكر يوماً غشيت فيه المنتزه بالحي الإنجليزي بالمدينة. وكان المنتزه برغم موقعه المميز الخصوصي مفتوحاً للسودانيين يفدون إليه في نهار رمضان خاصة يحتمون بأفيائه من حرور عطبرة الباطشة الموسوسة. وأذكر شجرة بالمنتزه بلغت من الكبر عتيا وبدأت تنهار فوق جذعها الوحيد. وقد نوّعت هنا على بيت للشاعر على عبد القيوم. وكنا نتأملها ونعجب لشيخوخة الشجر. فالشجر في صورتنا له هو مثلنا: محض صبا لا يهرم ولا يتقوس من مر السنين. وساقتني قدماي في ذلك اليوم إلى حوض السباحة المجاور للمنتزه. وتلمظ خيالي ويدايّ لدى رؤية خرطوش ماء الحوض بفمه النحاسي الغليظ المثير. واشتهيت ذلك الفم النحاسي الندي. وبقي يلح على خاطري حتى بعد أن عدت إلى بيتي. فقد استولى عليّ وكنت قد سبقت واستوليت عليه في خيالي وبعته بثمن جزيل لبكري أو ود بدق.
ولم أعد أقاوم إغراء المعدن النفيس. فعدت للحوض في يوم آخر بنية سرقة فم الخرطوش ولا نامت أعين الجبناء من حراس النحاس الأشداء. وأخذت معي نصف شوال لأخفي فيه فم الخرطوش النحاسي وحمله إلى بيتنا بعد سرقته. وغافلت من كانوا حولي ودسست الفم النحاسي الأقحواني في الشوال وانصرفت. وكان خط سيري ايضاً مما فكرت فيه. فلم أرد أن اسلك شارع النيل الذي يقود بيسر إلى حلتنا. فقد يثير الشوال فضول الشرطة التي تغشى الشارع أو حتى فضول السابلة أو زملائي وينفضح أمري. وتفادياً لهذا المصير قررت أن اتخذ طريق جروف أهل الداخلة التي تمتد ما بين دور الإنجليز ونهر النيل. وليس غريباً حمل الشوال على مثل هذا الطريق الزراعي الشاق غرابته من صبي على شارع إنجليزي محض. ونجحت. وبلغت حلة نواوي بالداخلة بغير إثارة شبهة متطفل أو معترض.
ولكن دوام الحال من المحال. فما صعدت رصيف النيل لأسير جنوباً نحو حلة التمرجية حتى وجدت نفسي في مواجهة المرحوم محجوب السرور السافلاوي ابن عمدة الداخلة. وهو رجل ضخم العرانين طويل أجش الصوت. وشك محجوب فيّ لسبب ما. وانتهرني سائلاً عما في الشوال. واضطربت وحرت جوابا. ففتحه واستحوذ على فم الخرطوش الندي بالنحاس. وصادره مني. وعدت من هذه الرحلة المثيرة وفمي ملح ملح. وقد لقيت أرملة محجوب في زيارتي للداخلة في نهاية العام المنصرم. واسترجعنا ذكراه رحمه الله. كما أحسن إلي أخوه هاشم وأخته ومريم بعزومة غداء يغني عليها محمد محمد خير في رحاب دورهم الغراء بثغر نيل الداخلة. وكنت كتبت في مرة سابقة عن ليلة زواج مريم حسناء الحي بين الثريات اللماعة على أشعة جرائد النخل وبوح النيل حتى استشاط دنقلاوي حديث الهجرة إلى المدينة وجداً فترقرق الدمع على خديه. وكنت أنظر إليه بطرف خفي. وذكرني ذلك دائماً بقصيدة "لوعة الغريب" للتيجاني يوسف بشير. و غريب التيجاني كالدنقلاوي أضناه الحنين إلى دياره الأولى فعزف على القيثار وذكر أمه وأخته في روضة معطارة كجنينة العمدة السرور السافلاوي. وهي ذكرى:
رنقت كالندى على الوتر البا كي رفيفاً وكالأماني تارة
أطلق الوجد من يدي ها كناريّ هوى واستفز منها هزاره
هبطت دمعة هناك وماجت نغماً مبهماً وفاضت إشارة
وإلى مغامرة أخرى وأخيرة من صباي الذي ولعت فيه بالنحاس.

[email protected]


تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 1265

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#992208 [ابكر دريسة]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2014 03:11 PM
.

[ابكر دريسة]

#992129 [عكر]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2014 01:26 PM
الكتابة حول الذات ... جميلة و تنعش الذاكرة و هي في الغالب تعبر عن سايكولجية الكاتب نحو ( الا اشباع ) وهي سبيل طويل و منهل لا ينتهي او (انستلوجيا) حبيسة لم تجد حينها لمستمع ... كحال رائد الفضاء فتجربته تظل تحكي الي مماته لان عامل التفرد غلاب ... كما في قصص الميثولوجيا الشعبية تظل لما تحمل في طياتها من قيم.و قديما كانت هي الدستور او مصدر التشريع...هنا يظل سؤالنا للكاتب الكبير و الاديب المميز متي يخرج لنا بسفر قرني (عصري) كما فعل من العظماء تلستوي و الكس هيلي او كاتب (الجنرال في متاهة) غيرهم....؟؟!!

[عكر]

#992104 [بكرى نحاسة]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2014 12:59 PM
اختشى على روحك يالعجوز الامعة ولا خلاص افلست وبقيت عقيم عقليا وبدنيا؟

[بكرى نحاسة]

#992009 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2014 10:52 AM
عفوا للتكرار لكن وجدت اخطاءا, وهنا تصحصخ.

اخشى ان الراكوبة الغراء نشرت هذا الادب من سودانايل لنتسلى بالمناواشات التى يرفدها افق معروف يحصر الوطنية فى حماسة معينة.
مساهمة د. عبد الله لخلق حس وطنى معافي ضخمة جدا ومتشعبة.
وان كان هو يضمر شيئا بدوره من نشر هذا الادب فى هذا (التوقيت؟), لا احسبه الا يصارع مسالب هذه الحماسة.
خاض الافندى فى حديث الساعة الفساد, لقى قبولا. كيف لا؟ وهو حديث الساعة ما يطلبه المستمعون.
لكنه ابعد ما يكون عن نقد الفكر القائم عليه النظام. يعنى هي اخطاء افراد والمنهج صاغ سليم.
مشكلة السودان اعقد من ان ترد للانقاذ وحدها.
لكن فى افق تفكير هو اضيق واعجز من ان يمضي نقدا فى الاتجاهين.نقد الانقاذ من جهة ونقد نسب الغول .
واستاذ د.القراي الذى يبدو كالقطب المتنافر مع د.عبد الله رحب بضرب اسرائيل لليرموك. لماذا؟ لانه اعجز كذلك من ان يمضي بالنقد فى الاتجاهين . فالحماسة تتطلب التصويب لاتجاه واحد.

[فاروق بشير]

#991791 [أيام لها إيقاع]
0.00/5 (0 صوت)

05-02-2014 09:58 PM
إخص عليك ،، حتى الطيب مصطفى يحتقرك

[أيام لها إيقاع]

#991528 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

05-02-2014 12:57 PM
(ولكن دوام الحال من المحال. )
لا احسب هذه الصيغة موفقة تهيّئ لتصاعد الحدث بظهور ابن العمدة.

[فاروق بشير]

#991461 [الناقش]
0.00/5 (0 صوت)

05-02-2014 11:31 AM
تداعي مريب يا دكتور عبد الله لموقف من يفترض أنه مثقف في قامتك ، يقف في ظل الدخان ولا يستشعر حريق البلاد الذي ياكل أخضرها ويابسها ، بينما تجتر أنت ذكريات سرقة النحاس ايام الصبا و أنت الآن في خريف العمر تشهد بعين السلبية المودعة لشاشة مشاهد الدنيا ، وطنا بحاله يسرق ، ولا تنبث بحرف واحد عما يحدث وتهرب مع موجات الذكريات ، ساحبا النظر عما تراه هذا إن كان فيك بقية بصر وليس بصيرة ، فلا غرو أن يتأتي مثل هذا الفعل الشائن من رجل باع تاريخه ببردة مهترئة تقيه زمهرير خاتمة العمر بسوءة الصمت المفضوح ولا نقول المريب ، مثلك ومحمحد محمد خير مكانهما مكبات النفايات البشرية في مؤخرة قطار الإنقاذ الهالك لا محالة فتبا لمن لقبكما بالمثقفين وأنتم مسخفين بلا منازع !

[الناقش]

ردود على الناقش
United States [فاروق بشير] 05-03-2014 03:37 AM
اخشى ان الراكوبة الغراء نشرت هذا الادب من سودانايل لنتسلى بالمناواشاة التى يرفدها افق معروف يحصر الوطنية فى حماسة معينة.
مساهمة د. عبد الله لخلق حس وطنى معافي ضخمة جدا ومتشعبة.
وان كان هو يضمر شيئا بدوره من نشر هذا الادب فى هذا (التوقيت؟), لا احسبه الا يصارع مسالب هذه الحماسة.
خاض الافندى غى حديث الساعة الفساد, لقى قبولا كيف لا وهو حديث الساعة ما يطلبه المستمعون.
لكنه ابعد ما يكون عن نقد الفكر القائم عليه النظام. يعنى هي اخطاء اغراد والمنهج صاغ سليم.
مشكلة السودان اعقد من ان ترد للانقاذ وحدها.
لكن فى افق تفكير اضيق اعجز من ان يمضي نقدا فى الاتجاهين.نقد الانقاذ من جهة ونقد نسب الفول .
واستاذ القراي الذى يبدو كالقطب المتنافر مع د, عبد الله رحب بضرب اسرائيل لليرموك. لماذا؟ لانه اعجز كذلك من ان يمضي بالنقد فى الاتجاهين . فالحماسة تتطلب التصويب لاتجاه واحد.


#991455 [Magdi Sarkis]
3.00/5 (2 صوت)

05-02-2014 11:18 AM
يا بروف مع تقديري وإحترامي لمذكراتكم وذكرياتكم الرائعة أيام الصبا الباكر بنواحي أتبرا وداخلتها... ولكن ألا تتفق معي بأن التوقيت غير مناسب لنشرها:الناس والبلد في شنو..وأنت وحمى النحاس في شنو !!

هذه هي الأيام التي ندخرُ فيها قلمكم وفكركم لتدلوا بدلوك من فيض علمك في شئون الوطن ومشاكله الآن ..أو لم تك قبل أربع سنواتٍ مرشحنا للرئاسة ؟ بلى. إذاً قدم لنا مشروعكم السياسي وبرنامجكم الإنتخابي لإنتحابات العام 2015؛ فقد مرت أنهارٌ من المياة تحت الجسر منذ آخر ترشيح لكم للسُدة الرئاسية.

شكراً جزيلاً على المذكرات الرائعة، فقد كنت متابعاً لها من بدايتها، وهي ضربٌ من ضروب الأدب لم يعرفة السودانيون من قبل؛ ولئن شئت الدقة لا يستسيغونه لأن فيه مواجهة صريحة مع الذات أولاً !!

[Magdi Sarkis]

ردود على Magdi Sarkis
United States [أبوسارة] 05-02-2014 10:19 PM
هذه أزمة المثقفين. خلوه يعيش في ماضيه و يحن إلي أيام السكة حديد و أتبرا و أنا حالياً ماركسي لكين ما شيوعي و غيرها من النكات التي يطلقها هذا الرجل.

[منصور] 05-02-2014 05:21 PM
لا تحرج الدكتور.. خليهو عايش في ماضـيه التليد أيام كان فتى جسورا يجابه الطغاة ويكتب بشجاعة ورجولة.. لعن الله الكيزان الذين افسدوا كل شئ حتى الرجال!!
الدكتور الآن لا يقدر أن يقول شيئا في المأساة الحاصلة لأنه لا يملك الا ان يرعى بقيده!!!


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة