المقالات
المنوعات
"مدخل لدراسة قبيلة روفيك (دميك)" للدكتور قندول: الصورة الأثنوجرافيَّة لقبيل نوباوي
"مدخل لدراسة قبيلة روفيك (دميك)" للدكتور قندول: الصورة الأثنوجرافيَّة لقبيل نوباوي
01-26-2016 11:14 PM


عندما يضع الفنَّان ريشته مختتماً عمله في شكل نهائي أو كمسودَّة، سواء أكان هذا العمل سيمفونيَّة أو لوحة فنيَّة أو رواية، كلَّها تحمل قيمة واقعيَّة كإرث فني أو توثيقي. ففي عشيَّة انصرام العام 2015م صُدر للدكتور قندول إبراهيم قندول كتاب يعتبر من باكورة أعماله. وفي هذا السفر المعنون "مدخل لدراسة قبيلة روفيك (دميك)"، الذي يقع في 443 صفحة من الحجم المتوسط، أفرغ فيه الدكتور قندول أثمار معرفته عن منطقة روفيك (دميك) خاصة، وجبال النُّوبة بشكل عام. ومع ذلك، تشي الدراسة بأنَّ الدكتور قندول قد استخدم جل علمه الأكاديمي بشيء من التحليل والتدقيق كثير في هذا الكتاب الذي يعتبر المرجع الأول عن القبيل إيَّاه. فلا ريب في أنَّ المتعلِّمين الحائزين على وسم الثقافة، وامتلكوا ناصية المعرفة ولا يلقِّنوها ويفهِّموها لغيرهم كمن يملك الثقافة ولا ينتفع بها، أو كالبحر الذي "إن كثر ما فيه من جواهر لا يحلو طعمه بها، ولا يتغيَّر لونه بلونها، والرَّابح من جلس على شواطئه، واستمتع بمشاهدة منظره، وجلب شيئاً من جواهره الثمينة." وهذا الكتاب كتاب الدكتور قندول تتجلَّى أهميَّته لأنَّه أول دراسة منهجيَّة مموثقة نظر فيها الكاتب عما هو محلي وانكبَّ عليه دراسة وبحثاً وتحليلاً ليصل إلى ما عظَّمه أو بغضه أهله من جانب، وما هو شائع لدي مجموعة كا قولو من جانب آخر، ثمَّ ما هو مشترك مع عموم قبائل جبال النُّوبة الأخرى من جانب ثالث، وذلك إنَّما ليكشف لنا عن تمفصلات وتفاعلات، بل عن تلاقيات بأكثر من معنى ومغزى. ومن الواضح – على أيَّة حال – أنَّ غاية المؤلف من وضع هذا الكتاب كانت غاية تعليميَّة مع ما يستتبعه هذا من موضوعيَّة نلاحظها في تقسيم الكتاب إلى خمسة فصول كما في ثناياه. وكذلك اشتمل الكتاب – فيما اشتمل – على أشكال مختلفة وجداول متعدِّدة لتوضيح ما لزم توضيحه، وإعطاء أمثلة رقميَّة رأى الكاتب أهميتها في إفادة القارئ بإبراز هذه الحقائق.
ففي الفصل الأول، الذي جعل المؤلِّف عنوانه "الجغرافيا وعلاقة دميك بالقبائل النَّوباويَّة وغيرها"، استعرض فيه البيئة الجغرافيَّة والثروات الطبيعيَّة والحيوانيَّة، وشبكة الطرق البريَّة، ومعاني ودلالات أسماء القبائل النُّوباويَّة الأخرى. وفيما يختص بهذه الأسماء أرجع الكاتب هذه التسميات إلى أصولها التي تعارف أهلها أن يتسمُّوا بها لا كما أطلقها عليهم سواهم. إذ أوضح الكاتب ما وسعه الإيضاح – وهو محق - بأنَّ أسماء قبائل النُّوبة تشترك جميعها في مدلول عام هو "الناس" ثمَّ يضاف إلى هذه الكلمة اسم معلم طبيعي في المنطقة كالجبل أو مجرى مائي (الخور) أو غيرهما. فدميك مثلاً معلم طبيعي وهو مجرى الماء و"كا روفيك" هو ناس دميك أو روفيك. في هذا الفصل تطرَّق الكاتب أيضاً إلى العلاقة الأثنيَّة التي تربط قبيل دميك بمجموعات كا قولو الأخرى، والمجموعات السكانيَّة الأخرى كالمهاجرين من غرب إفريقيا أو عرب البقارة، الذين قدموا من كل حدب وصوب، وتساكنوا مع الأهالي بالمنطقة.
أما في الفصل الثاني فقد تكلَّم المؤلِّف عن نسق الحياة الاجتماعيَّة بما تحويه هذه الحياة الاجتماعيَّة من عادات وتقاليد. والعادة هي إرث أو تقليد حيوي الذي يفيض نبضاً بالحياة، بحيث لا يمكن أن يُفرض من الخارج. وإنَّ هذا التقليد هو دافع فعَّال لتقرير مصير الذات الإنساني. وبهذا المعنى يكون التقليد مصدراً للدِّفاع عن الذات، وعنصراً لابتكار مصيره.
وحينما عكفنا على قراءة هذا الفصل بما حواه من نظام القرابة ومصطلحاتها وأهميَّتها والبناء الأسري والخطوبة ومراسيم واحتفالات الزواج والطلاق ومعاملة الأرامل والعادات الممارسة في شأن المولود منذ الولادة والطفولة والمراهقة والختان وغيرها، يُخال إلى المرء أنَّ جميع قبائل النُّوبة كانت أسرة واحدة، وقد تفرَّقت بهم السبل بسبب الهجرات الداخليَّة، والحروب القبليَّة، والانغلاق في جبالهم درءً لإغارات الاسترقاق وتجريدات الحكومات الاستعماريَّة والوطنيَّة. فلا شك في أنَّ معرفة الباحث بالمنطقة والعادات والتقاليد والعناصر القيميَّة في ثقافة أهله هي التي أهَّلته في أن يخرج إلى الناس بهذا الجانب الاجتماعي عن دميك، ويذيعه فيهم. إذ تحدَّث الكاتب عن بعض العادات والتقاليد التي لئن اقترفها أحد أفراد القبيل فلا يُخالط ولا يُؤاكل، ولا يحدثونه ولا يبيعون له شيئاً، ولا يشترون منه شيئاً، بل ينبغي أن يُهجر ولا يُذكر، ويُنكر على من يذكره، فيصبح كالذي به جرب تتحاشاه العشيرة كلها. وللعادات والتقاليد قيم اجتماعيَّة يتعلَّق بها المجتمع المعني أيَّما تعلُّق. وهذه القيم الاجتماعيَّة قد تكون ذات خلفيَّة تأريخيَّة طويلة تارة، أو ذات ارتباط بالمعتقدات المقدَّسة تارة أخرى؛ أو الاثنين معاً تارة ثالثة؛ ولعلَّ العلة في ذلك أنَّ للعقائد الموروثة من الأسلاف سلطانها القوي على نفوس الناس وأفئدتهم. فما لم تسبِّب هذه العادات ضرراً للمجتمع، ولا تتعارض مع مبادئ العدالة والمساواة والضمير الحسن، ولا تعوق أو من المحتمل أن تعوق التنمية الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، فإنَّها تستوجب الاحتفاظ بها كإرث اجتماعي ثقافي، فما لا يسر لزوماً لا يضر عموماً. والقوانين القبليَّة في دميك خاصة، أو الإفريقيَّة عامة، لا تحمل الروادع القانونيَّة مثلما هي الحال في القوانين الأوربيَّة، وبالمعنى العقابي للقانون. بيد أنَّ الروادع الإفريقيَّة تتمثَّل في الآتي:
(1) مخافة الله.
(2) الخوف من قوى ما وراء الطبيعة.
(3) الخوف من الانتقاد الشعبي.
(4) الخوف من الثأر والانتقام.
أما في الفصل الثالث من الكتاب فقد ناقش المؤلف قضيَّة الأرض، حيث نعلم أنَّ قضيَّة الأرض قد أمست جزءً رائساً من قضايا الصراع الدَّموي الذي بدأ في منطقة جبال النُّوبة منذ اعتزام الحكومة المركزيَّة على استغلال أراضي جبال النُّوبة في مشاريع الزراعة الآليَّة. إذ أنَّ مسألة الأرض واستغلال مواردها الطبيعيَّة كانت دوماً من أكثر قضايا النِّزاع دمويَّة بين الحكومات والشعوب الأصيلة، وبخاصة أمر استغلال الموارد الغابيَّة، أو الأراضي الخصبة في المشاريع الزراعيَّة الكبرى، أو استخراج المعادن والنفط من باطن الأرض وغيرها. واستحواز الأرض واستغلالها قد ينبنيان على مزاعم إيديولوجيَّة – كما هي الحال في أي غزو أجنبي، حيث عقلن الأميريكيُّون احتلال أراضي الهنود الحمر بأنَّهم متوحِّشون ، واعتمدوا – فيما اعتمدوا – على "عقيدة الأرض الخلاء" (The doctrine of vacuum docilium)، التي تقول إنَّ الأرض غير المزروعة عُرضة للاستيطان؛ وكذلك فعل المزارعون الهولنديُّون (البوير) في جنوب إفريقيا في منتصف القرن السابع عشر الميلادي. وبعد نضال مرير من الشعوب الأصلاء أقرَّ بعض الدول بأن يكون هناك نصيب معلوم لمواطني المنطقة التي يتم استغلال موارد أراضيهم، والاهتمام بتوفير الخدمات التعليميَّة والصحيَّة والبيطريَّة، وتحسين فرص التعليم لأبنائهم، وتنمية المنطقة من خلال إنشاء الكباري ورصف الطرق البريَّة، وتوفير فرص العمالة للمواطنين المحليين وغيرها من الإصلاحات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والتنمويَّة الأخرى كما حدث في أستراليا في سبيل الأروما (سكان أستراليا الأصليين).
ونسبة لأهميَّة هذه المسألة الحيويَّة في حياة الإنسان في جبال النُّوبة أولاها الدكتور جمعة كندة كومي اهتماماً كبيراً، بل كتب عنها في كتابه "الأرض والحكم والصِّراع في جبال النُّوبة" (2010م)، وكذلك الأستاذ عادل شالوكا في كتاب له تحت الطبع بعنوان "الأرض والهُويَّة في جبال النُّوبة"؛ وها هو كتاب الدكتور قندول يمثِّل إضافة زاخرة في هذا الشأن. ومن هنا يتَّضح أنَّ حيازة الأرض داخل مجتمع جبال النُّوبة لم تتم على قاعدة المساواة، وقد ساهمت الدولة السُّودانيَّة في هذا الاتجاه. إذ أقدم حكام السُّودان منذ الستينيَّات على إدمان اغتصاب أراضي النُّوبة وتوزيعها على بعض الشخصيَّات القياديَّة، والتجار الجلابة، وموظفي الدولة، وكبار ضباط الجيش المتقاعدين من خارج الإقليم عن طريق منح الملكيات الشاسعة لهم، إما فرديَّة أو إقطاعيَّة، لذلك بات بديهيَّاً أن تشكِّل هذه الثروة العقاريَّة بعداً هاماً في التصنيف الطبقي. إذ أصبح الملاكون في قسمة الهرم الاجتماعي، وذلك بفضل ما درَّته عليهم أملاكهم من أرباح وثروات هائلة. ألا ليت حكام السُّودان كانوا زاهدين كشيوخ مملكة سنار، وكان بعض سلاطينها يقدِّر ورع الشيوخ وزهدهم، ومنهم الملك بادي بن رباط الذي جمع كبار الفونج وقال لهم: "الشيخ إدريس شيخي وأبوي، وداري من العسل إلى البصل بقسِّمها له النصف." وقد اشطاط الملك وأراد أن يهبه قطعة أرض من أراضي جبال النُّوبة، فما كان من الشيخ الورع إلا أن امتنع وقال له: "هذه دار النُّوبة، وأنتم غصبتموها منهم أنا ما بقبلها."
على أيٍّ، فإنَّ مسألة الأرض في السُّودان ينظِّمها قانون تسجيل الأراضي للعام 1925م (The Land Settlement and Registration Act, 1925)، وقانون الأراضي غير المسجلة للعام 1970م. ووفق قانون الأراضي غير المسجلة للعام 1970م فقد أثبتت التجارب والممارسات أنَّ مواد القانون تُطبَّق في بعض المدن والمناطق الحضريَّة. غير أنَّ ملكيَّة كل الأراضي في السُّودان تابعة للدولة من الناحية النظريَّة، والأحكام العرفيَّة هي التي تنظِّم استخدام الأراضي وسط المجتمعات القبليَّة والريفيَّة. بيد أنَّ ممارسة هذه الأحكام العرفيَّة لا تحرم الحكومة من ملكيتها القانونيَّة. والشيء المعلوم هو أنَّ قانون الأراضي في السُّودان متأثِّر بالقانون الإسلامي والعرف، ويعترف بملكيَّة الأرض. هذا المنحى العقدي لأسلمة حيازة الأرض قد وجد سبيلها في مملكة سوكوتو في شمال نيجيريا، التي أسَّسها عثمان دان فوديو العام 1809م. إذ تشير سياسة الأرض في الخلافة السوكوتويَّة آنذاك بأنَّ الأرض ملك عام لكافة المسلمين، ليس لجيل بعينه، بل لكل الأجيال. وبناءً على ذلك لا ينبغي أن تكون الأرض ملكيَّة خاصة لأحد، ولا يجب أن تحتكرها ثلة من الناس أو مجموعة من الأسر. إذ كان يُنظر إلى الأرض في هذه المملكة بأنَّها قاعدة متينة لتأمين الاقتصاد والرفاهيِّة الاجتماعيَّة للمسلمين. إزاء ذلك أقرَّ القانون في سوكوتو بأنَّه لا ينبغي أن تُمنح قطعة من أرض المسلمين إلى القوى أو المصالح غير الإسلاميَّة – أو بشكل آخر – فإنَّ الأرض لمتَّصلة بصورة مباشرة بالدِّفاع عن الإسلام، حيث كان يُعد مخالفة قانونيَّة منح المراكز الحضريَّة الإسلاميَّة أراضي إلى الذين ليست في قلوبهم مصلحة في الإسلام. فحينما طلبت الحكومة البريطانيَّة قطعة أرض لشركة النيجر الملكيَّة رُفِض طلبها بحجة أنَّه يتعارض مع قانون الشريعة، التي لا تصادق على منح جزء من إقليمها إلى دولة غير إسلاميَّة. فالأرض مورد طبيعي لمنفعة المقيمين فيها بغض الطرف عن أديانهم أو أثنياتهم أو ملامحهم، ولكن إقامة هذه الحجة الإسلاميَّة هي التي ارتكز عليها المسلمون بعد اجتياحهم العراق واغتصابهم أراضي مصر الخصبة بعد مصادرتها من شعوبها الأصلاء من الأقباط والنُّوبيين في القرن السابع الميلادي، وذلك كله باسم الإسلام. وفي الحق هذا هو الإيتاغ بعينه، والإيتاغ هو الإثم وإفساد الدِّين.
مهما يكن من أمر، فإنَّ قانون الأراضي غير المسجلة للعام 1970م في السُّودان يختلف عن قانون الأراضي الإنكليزي، الذي لا يحتوي على عقيدة تملُّك الأرض أو تملك الأرض تملُّكاً مطلقاً. ومع ذلك، نجد أنَّ حق تملُّك الأرض لا يُمارس مطلقاً، فالأرض يمكن أن تكون عرضة للمساءلة القانونيَّة. وإنَّ بعضاً من الأعباء القانونيَّة على الأرض لتشمل ضريبة الأرض، وضريبة المنزل أو المبنى، أو المجاري المائيَّة والتصريف، ورسوم عبور الطرق البريَّة، وحقوق استخدام الماء وهلمجرَّاً.
بيد أنَّ الأهم في هذا الفصل هو حزمة المقترحات القيِّمة التي قدَّمها المؤلِّف في حل قضيَّة الأراضي والإصلاح الزراعي في منطقة جبال النُّوبة، وإستراتيجيَّة تحقيق هذه الأهداف، ثمَّ ختم الكاتب هذا الفصل بملحقين هامين هما قرارات وتوصيات مؤتمر أبناء النُّوبة بكاودا في كانون الأول (ديسمبر) 2002م، ومؤتمر كل قبائل جبال النُّوبة في نيسان (أبريل) 2005م.
أما الفصل الرابع ففيه بحث الكاتب في مسألة المعتقدات الدينيَّة والضبط الاجتماعي والثقافي. ولعلَّ هذا الفصل من الدراسة هو الذي يميِّز ثقافة أهل النُّوبة عن غيرها من الثقافات السُّودانيَّة الأخرى. فإنَّك واجدٌ هنا دور الكجور الذي استرعى اهتمام كثرٍ من علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع من السُّودانيين والأجانب على حدٍ سواء. ومن هذا المنعطف يمثِّل كتاب "الكجور: دور العرَّافة الإفريقيَّة في جبال النُّوبة" (2000م) لمحمد هارون كافي مرجعاً هاماً. وكذلك كتب المبشِّرون المسيحيُّون الذين عملوا في جبال النُّوبة إبَّان الحقب الاستعماريَّة (1898-1956م) عن المغزى الروحي والاجتماعي لمؤسسة الكجور وسط المواطنين في جبال النُّوبة. بيد أنَّ دراسة الدكتور فاروق مصطفى إسماعيل المعروفة ب"أثنوجرافيا كارلنجا: دراسة في التغيُّر الثقافي في جبال تُلشي، جنوب كردفان – السُّودان" (1982م) إضافة هامة للدراسات الاجتماعيَّة عن الكجور والعادات ونسق الحياة الاجتماعيَّة في تُلشي. وقد ربط المؤلف قندول بشيء من الربط المحكَّم شديد بين العلاقة الأزليَّة لتُلشي ودميك، ثمَّ عقد مقاربة بين اعتقاد القبيلين في الكجور وأنماط النشاطات الاعتقاديَّة والاجتماعيَّة والترفيهيَّة التي فيها يبرز دوره ويعلو على الأحكام الأخرى، ومدى تقبُّل أفراد المجتمع لتينك الأحكام الاجتماعيَّة الصادرة منه بشيء من الرضا والتعامل معها بكل إطمئنان دون أن يروا فيه تأليهاً مفرطاً، أو تجاوزها ومن ثمَّ احتمال العواقب الوخيمة التي قد تنطلى على عدم الامتثال لأوامره ونواهيه.
وتكجيرات الكجور هي أشبه بالأسطورة، التي لا تكون أبداً مشاعة ومتداولة، بل هو الوحيد الذي يملكها ويملك تفسيرها، وربطها بأنشطة الناس اليوميَّة طقوساً وعادات وأدياناً وما شابه، علماً بأنَّ القبيل كله سيُفنى ويُهلك إذا ما دُنِّست الأسطورة، لأنَّ الأسطورة حين تُدنَّس، تبتذل وتفقد بالتَّالي أساس قوَّتها الفاعلة في المجتمع. ومن هنا يأتي التأكيد بأنَّ الأسطورة مقدَّسة، وهي مقدَّسة بخاصة لأنَّها جزء من التبجيل والتوقير. والكجور يُحط علماً بالمعارف فوق الطبيعة، التي يكتسبها خلال رؤى الأحلام في نومه أو تنوِّمه.
وفي الفصل الخامس ناقش الدكتور قندول التغيُّرات الاجتماعيَّة والسياسيَّة في المنطقة. فمن المعلوم أنَّ أي مجتمع لا بد له من الانفتاح على الثقافات المحليَّة المحيطة به، والخضوع إلى العوامل الخارجيَّة المؤثِّرة عليه، ولو بشيء من التأثير قليل. إذ أنَّ ديمومة الحياة تتطلَّب ذلك. ومجتمع دميك ليس باستثناء. ففي ظلال تكوين الدولة السُّودانيَّة بعد الاستقلال، وتسهيل عمليَّة التواصل والتثاقف، وانتشار التعليم، واستخدام الدولة لوسائل الإعلام المرئيَّة والمسموعة والمقروءة لنشر برامجها مهما تكن، حدث بعض التغيُّرات في العادات والتقاليد وأنماط الحياة القبليَّة لأهل دميك. غير أنَّ نشوب الحرب الأهليَّة في السُّودان عامة، وجبال النُّوبة على وجه الخصوص كانت لها انعكاساتها السياسيَّة والاجتماعيَّة على حياة الأهالي في المنطقة. وفي هذا الأمر تمثِّل عمليَّة النُّزوح والهجرة إحدى إفرازات النِّزاع الدَّموي في جبال النُّوبة، والمفاعيل المتوخاة من حدوث هذا النُّزوح الداخلي أو الهجرات الخارجيَّة.
وقد اختتم المؤلف كتابه باستعراض بعض الأنشطة الاجتماعيَّة والثقافيَّة التي يقوم بها أبناء قبيلة روفيك (دميك) في العاصمة المثلثة، وذلك لإثراء التعدديَّة الثقافيَّة والأثنيَّة التي يُحظى بها السُّودان، وكذلك لتمليك وتوريث الأجيال القادمة – وبخاصة أولئك الذين ولدوا وترعرعوا في العاصمة إيَّاها – الإرث الاجتماعي أو الكنز القومي، الذي هو سمة رائسة في المجتمع السُّوداني المنشود. ولئلا يكون الحديث مطلوقاً على عواهنه، حقَّق الكاتب بحثه بعدد من الملاحق كثير، حيث تجدونها كلها مدوَّنة بين ثنايا الكتاب وفي مؤخِّرته.
ومع تواجد هذا التجمع القبلي في العاصمة القوميَّة نجد أنَّ هناك ثمة إيجابيات وتحدِّيات تواجههم في حيواتهم التي يحييونها في المدينة. ومن هذه الإيجابيات انخراط أبنائهم في مراحل التعليم المختلفة مهما كان حجمه، والحصول على العلاج حتى ولو كان بشق الأنفس، إلا أنَّهم – على الأقل – أفضل حالاً من أهليهم في القرية، وبخاصة في ظروف الحرب الأهليَّة التي تتعرَّض لها جبال النُّوبة منذ زمن ليس بقصير. أما التحدِّيات التي تقف أمامهم فهي تعرُّض ثقافتهم للتغيير تغييراً جزئيَّاً، أو الاستبدال والإحلال كليَّاً. إذ نحن نعلم بأنَّ الشروط، التي تجعل أيَّة مجموعة إثنيَّة أن تغيِّر قيمها أو أفكارها أو ثقافتها بسهولة، هي وجود عناصر ثقافيَّة جديدة أو مختلفة، والتي من خلالها يمكن أن تختار ما طاب لها من الاختيار من أجل إحلاله أو إضافته إلى ما لديها مسبقاً. وفي حال المجتمع الرِّيفي أو القبلي لا تتوفَّر مثل هذه الخيارات دوماً. بيد أنَّ أغلب المجتمعات الحضريَّة هي في الأساس كوزموبوليتانيَّة، وتقدِّم خيارات ثقافيَّة مركَّبة وأوضاعاً اجتماعيَّة قد تثير التقييم الثقافي وانعكاساته على الفئات الاجتماعيَّة.
ومن بعد، فإنَّ لكلِّ كتاب قدره ومقداره كما كان يردِّد الأديب الفرنسي ألكسندر دوما، ومثل هذا الكتاب كتاب الدكتور قندول هو ما يحتاجه أبناؤنا في مقتبل العمر، يقرأونه فيتأثَّرون به، ويستفيدون منه، ويرجعون إليه كلَّما دعا الأمر، ومن بعدئذٍ لهم الحكم مدحاً أو قدحاً. بيد أنَّ الأهم في الأمر كله هو أن لا نبخس الناس أشياءهم، فقد اجتهد الكاتب، وكدَّ في سبيل أن يخرج للنُّوبة على وجه الخصوص والسُّودانيين بشكل عام بهذا العمل الأثنوي لمجتمع قبيل نوباوي. وكم رغبنا في أشدَّ ما تكون الرغبة أن يكون كتاب الدكتور قندول إيَّاه سراجاً منيراً، أو شعلة مضيئة، أو شمساً وهَّاجة في السُّدُم لكافة أبناء النُّوبة الذين نهلوا المعارف في العلوم المختلفة أن يدوِّنوا ما لديهم من ثقافة عن مناطقهم، وما عندهم من تجارب اجتماعيَّة بشيء يحفظ لأهل النُّوبة تراثهم وتقاليدهم، الطارف منها والتليد، وهويَّتهم الثقافيَّة في بلد تنوشه سهام الهُويَّة الوطنيَّة، وتتقطَّع أوصاله في سبيل إثبات الذات واللغة، وتتعدَّد الطوائف، وتختلف المنازع، وتتباين الأهواء وهلمجرَّاً. ونحن إذ نتوسَّل بهذا النِّداء القومي على أن تتم هذه الدِّراسات النُّوبويَّة من خلال عيون أبناء المنطقة وعبر كلماتهم ومن دواخل وجدانهم، لا من خلال اجتهادات الأجانب الغرباء، أو البحَّاث الجهلاء من أهل السُّودان الآخرين، الذين يسخِّرون نصوص همومهم في السخرية من أهل هذه المنطقة وانتقادهم بلا حجج واقعيَّة، وبعدئذٍ يمكنهم التصدِّي للأخطاء والأغلاط التي تعتري الصحف والكتب فيما كُتب عنهم.
بقي لنا أن نقول كان لنا عظيم الشرف في أن نقرأ صفحات هذا الكتاب في جميع مراحل إعداده من البداية إلى النهاية متلهِّفاً على أن أقف على شيء منه، ويجدر بنا هنا أن نقرُّ بأنَّنا تعلمنا كثيراً مما قرأناه في ثنايا المسودَّة، وبخاصة أنَّ المؤلِّف متخصص في علم المحاصيل الزراعيَّة، وقد استطاع بخبرته التقليديَّة ومعارفه العلميَّة فيما قرأه في الجامعات (السُّودانيَّة والمكسيكيَّة والأمريكيَّة) أن يمزج الاثنين معاً مزاجاً بارعاً؛ ثمَّ لترى أنَّه ربط معرفة الأهالي التقليديَّة بأساليب الزراعة الحديثة واستخدام المخصبات العضويَّة وإعداد الأرض والدورة الزراعيَّة وغيرها. وفي هذا الأمر إذ إنَّه يوضِّح لنا أيَّما إيضاح أنَّه ذو علاقة حميميَّة بعلمه الأكاديمي. وكذلك – ومن خلال قراءتنا لمسودَّة كتاب الكاتب – توصَّلنا إلى حقيقة استقرائيَّة ألا وهي أنَّ جميع قبائل النُّوبة ربما كانت أمة واحدة، ولكن نسبة للظروف التأريخيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والمناخيَّة تفرَّقت بهم السبل، وباتوا شعوباً اختلفت ألسنتهم، لكن ظلَّت ثقافتهم قريبة كل القرب إلى بعضها بعضاً.
وعلى هذا المنوال – ولمن أراد ان يستزيد من المعارف الأثنيَّة عن بعض قبائل جبال النٌّوبة الأخرى – فعليه أن يطَّلع على المؤلَّفات العديدة المنشورة باللغة الإنكليزيَّة، وخاصة تلك التي كُتبت باللغة العربيَّة وبأقلام نُّوباويَّة. فعلى سبيل المثال لا حصريَّاً هناك كتاب "القانون والعرف وحقوق الممتلكات وسط أما (النيمانج) في جبال النُّوبة في السُّودان: تحليل المفاهيم التقليديَّة للممتلكات من منظور تأريخي" (2014م) لهنود أبيا كدوف وكتاب "أثنوجرافيا أورونقي: دراسة في الملامح الاقتصاديَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة في تيمين" (2014م) لعمر مصطفى شركيان. أما الكتب الإنجليزيَّة فقد أوردها الكاتب في ذيل الفصل المعيَّن.
[email protected]



تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 4147

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1406127 [Ismail Elmahdi]
5.00/5 (1 صوت)

01-27-2016 07:42 AM
كل التهاني للصديق الدكتور قندول إبراهيم قندول لصدور كتابه الهام والمفيد ليس لأبناء النوبة فحسب ولكن لكل سوداني حادب على معرفة بلدة وهويتها. والشكر للدكتور مصطفى شريكان لإلقاء الضو على هذا المجهود المقدر..

[Ismail Elmahdi]

د. عمر مصطفى شركيان
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة