المقالات
السياسة

05-06-2014 12:57 AM



يوشك علماء النفس واللغة والأدب والنقد بصفة عامة، ان يُجمعوا على أن أية ممارسة أو عمل سردي، إنما هو في جوهره، سعي لتأكيد الذات، أو إعلام بها وبكينونتها المميزة، وبالتالي فهو محاولة لتكريس فرادتها واختلافها عن الآخر بصورة ما من الصور. ولعل هذا المفهوم، هو عينه ما تعبر عنه المقولة الفرنسية القائلة بأن الإنسان عندما يكتب، فإنما يكتب ذاته في الواقع:
Lorsque on écrit ; on s’écrit !
وبالطبع فإن هذه الذات ربما تكون تعبيراً عن الأنا الفردية، أو الأنا الجماعية أي "النحن"، سواء كانت تلك النحن أمةً، أو وطناً، أو منطقة بعينها داخل قطر ما من الأقطار، أو قبيلة، أو عشيرة أو أسرة، نزولاً إلى أصغر وحدات الانتماء الاجتماعي للإنسان. وتأسيساً على ذلك، فإن مقاربة جدل الأنا والآخر، تغدو أمراً حتمياً لا مناص عنه في أي شكل من أشكال السرد التي ظل يجترحها المبدعون مهما كانوا، وحيثما كانوا في شتى أنحاء العالم.
على أن هنالك بعض الخصائص المميزة، والعلامات الفارقة التي تسم مقاربة هذا النمط السردي من ذاك، في تناوله لجدلية العلاقة بين الأنا والآخر، وذلك وفقاً للمقومات والخصائص الذاتية لهذه الأنا أو النحن، ودرجة حساسيتها، ونوع استجابتها لهذا المسلك أو الموقف أو ذاك الذي يصدر عن الآخر تجاه أي منهما.
إن إشكالية التعاطي بين الأنا والآخر، سلباً أو إيجاباً، بغضاً وصراعاً، أو محبة و وئاما، هو موضوع قديم قدم الوجود البشري نفسه. وقد تمت معالجة هذا الموضوع – بخلاف الأعمال الروائية والسردية المختلفة – من خلال مقاربات عديدة، ومن زوايا نظر ومضامين شتى: فلسفية، وسياسية، وانثربولوجية، وسوسيولوجية، وتاريخية، وسوى ذلك من المنطلقات المختلفة لسائر مناهج العلوم الإنسانية الأخرى.
لقد عرض لهذا الموضوع من قبل في الواقع، مفكرون وكتاب كثيرون ينتمون إلى بيئات وثقافات وخلفيات وأزمان متباينة، نذكر منهم على سبيل المثال فقط: الجاحظ، والشهرستاني، وابن خلدون، وكارل ماركس، وآرنولد توينبي، ورفاعة الطهطاوي، ورشيد رضا، ومحمد عبده، ومالك بن نبي، وفرانز فانون، وجان بول سارتر، وإدوارد سعيد، وعلي مزروعي، وغيرهم.
أما في مجال القصة والرواية بصفة عامة، فقد كان لموضوع العلاقة بين الأنا والآخر، مكانة بارزة في عدد من الروايات والأشكال السردية الأخرى التي أبدعها نفر من الروائيين والمؤلفين الدراميين النابهين في شتى أنحاء العالم. نذكر من بين تلك الأعمال العالمية التي عرضت لإشكالية العلاقة بين الأنا والآخر – على سبيل المثال – رواية " قلب الظلام " للكاتب البولندي الأصل الذي كان يكتب باللغة الإنجليزية "جوزيف كونراد"، ورواية الكاتب الفرنسي "البير كامو" بعنوان: "الغريب" L’Etranger، ورواية الكاتب الإنجليزي " ادغار مورغان فورستر": " ممر إلى الهند" أو A Passage to India ، ورواية " التجربة الغامضة " L’Aventure Ambiguë للكاتب السنغالي " شيخ حامدو كان" ، ورواية: "الأشياء تتداعى" Things Fall Apart للكاتب النيجيري "تشينوا أشيبي"، بالإضافة إلى رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، وروايات عربية أخرى كثيرة عرضت لقضية جدل الأنا والآخر قديما وحديثاً، مثل رواية " ثلاثية غرناطة " لرضوى عاشور. (13)
وهكذا نجد من خلال الأمثلة التي سقناها هاهنا للروايات العالمية التي عرضت لمسألة العلاقة بين الأنا والآخر، أن السرد العربي، وكذلك السرد الإفريقي، لم يكونا بدعاً من الأعمال السردية التي تطرقت لهذا الموضوع في شتى أنحاء العالم.
ونود أن نتناول فيما يلي، بشكل مركز وعمومي وموجز، موقف كلا السردين العربي والإفريقي من مسألة جدل العلاقة بين الأنا والآخر بصفة عامة، وذلك عبر مثالين محددين، نحسب أنهما يعبران تماماً عن كلا النمطين السرديين ألا وهما رواية: "موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح" ورواية: "الأشياء تتداعى" للروائي النيجيري "تشينوا أشيبي".
ولعل أولى الملاحظات التي قد تعن للقارئ أو الباحث انطلاقاً من اطلاعه على هاتين الروايتين أن الآخر "الأساسي" هو واحد بالنسية لكليهما، وللسردين العربي والإفريقي عموما، ألا وهو: الاستعمار الغربي، أو الرجل الأبيض المسيحي "المغتصب للأرض، والمذل للشعب، والمنتهك للكرامة، والمنتهب للثروات، والمخرب للقيم والموروثات الثقافية الخ". ولكن لا شك في أن كلا السردين قد عرضا لعدد من "الأواخر" على مستويات مختلفة وفي سياقات متباينة، بما في ذلك تصوير كل منهما للآخر، أي العربي في مقابل الإفريقي، أو العكس، على أنه "آخر" بكل ما يقتضيه ذلك من صور ذهنية مكونة عنه. ففي رواية "رجل الشعب" A Man of the People للنيجيري تشينوا أشيبي نفسه، وهو مسيحي من إثنية "الإيبو" القاطنة بجنوب شرق نيجيريا، تستهجن أحدى شخصيات الرواية سلوك فتاة ما من تلك القبيلة فتقرعها قائلة لها ما معناه: "لماذا تفعلين هذا .. هل أنت مسلمة ؟!"
الأنا والآخر في رواية الطيب صالح: "موسم الهجرة إلى الشمال":
تتناول هذه الرواية بعمق جدلية العلاقات بين الكيانات الحضارية والثقافية المختلفة، ممثلة بصورة خيالية ورمزية في شخصيتي "مصطفى سعيد"، وهو شاب سوداني يسافر إلى بريطانيا للدراسة الجامعية والعالية في عشرينيات القرن الماضي، والذي يمثل هو نفسه بصفته سودانياً، مزيجاً مركباً من الهويات العربية والإسلامية والعربية مجتمعة، حتى عندما سألته إيزابيلا سيسمور، البريطانية الجنسية وإحدى شخوص الرواية قائلة له: ما جنسك؟ هل أنت إفريقي أم آسيوي؟ أجابها بقوله: أنا مثل عطيل، عربي إفريقي. فنظرت في وجهه وقالت: نعم. أنفك مثل أنوف العرب في الصور، ولكن شعرك ليس فاحماً مثل شعر العرب. فرد عليها قائلاً: "نعم هذا أنا.. وجهي عربي كصحراء الربع الخالي، ورأسي إفريقي يمور بطفولة شريرة..". هذا من جانب، بينما تمثله من الجانب الآخر، شخصية "جين مورس"، تلك الفتاة الإنجليزية المعتدة بشخصيتها، وخصوصاً بنبل محتدها، وتفوق أرومتها تفوقاً جبلياً مركوزاً في أصل عنصرها، في مقابل شخصية رجل سوداني لا يتطرق إليها أدنى شك في أنه وكل ما يمثله من هوية مركبة تجتمع فيها العناصر العربية والإفريقية والإسلامية، دونها ودون هويتها مرتبة، مما جعل الصراع المأساوي بينهما حتمياً، وانتهى إلى ما انتهى إليه من إقدامه على قتلها وهما على فراش الزوجية، وحبسه هو بعد ذلك في السجن بلندن لمدة سبع سنوات، عقاباً له على تلك الجريمة.
على أن مقاربة الطيب صالح لجدل الأنا والآخر في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" تبدو مقاربة عميقة وواعية وموضوعية، بل وإنسانية، تنحو نحو استبصار المشترك الإنساني بين البشر، وخصوصاً أنها مقاربة توحي بأن الأنا سوف لن تظل محتفظة بكل خصائصها ومشخصاتها إلى آخر الدهر، وكذلك الآخر، وإنه لا محالة أن تتأثر الأنا بالآخر متى ما احتكت به وتعاطت معه بشكل إيجابي بعيدا عن الصور التنميطية المسبقة.
إن الراوي في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، وهو يمثل في نظر الكثيرين من النقاد والدارسين لسان حال الطيب صالح نفسه، والمعرب عن رؤاه وأفكاره، يقدم صوة واقعية وإنسانية حقاً عن المجتمع الأوروبي عامة، والبريطاني على وجه التحديد، وذلك حين يقول ما معناه: " إن الأوروبيين، باستثناء اختلافات قليلة، أناس مثلنا ... يربون أولادهم حسب الأصول.. يحلمون أحلاماً بعضها يتحقق وبعضها يخيب، وينشدون الطمأنينة في الزوج والأهل والولد.. بعضهم أعطته الحياة، وبعضهم حرمته الحياة.. الخ ".
ويمضي الطيب صالح في مقاربة جدل الأنا والآخر على نحو شديد العمق والاستقصاء، عندما يتعرض لمظاهر الأرق والقلق الوجودي والتوتر الذي يعتري المرء عندما يصبح الآخر نفسه جزءاً من الأنا على نحو يصعب الفكاك منه. إن ذلك هو بالفعل ما حدث لمصطفى سعيد، والذي يتجلى خصوصاً في نهايته المأساوية الغامضة التي صُورت بصورة رمزية عميقة الدلالة، حيث حمل تيار النيل جثته واتجه بها نحو الشمال، ذلك الشمال الذي ظل يتوق إليه، رغم أنه كان سبب مأساته وأزمته الوجودية. (14)
جدل الأنا والآخر في رواية "الأشياء تتداعى" للنيجيري تشينوا أشيبي:
تصور رواية "الأشياء تتداعى" للروائي النيجيري العبقري، تشينوا أشيبي، الذي رحل عن دنيانا قبل بضعة أشهر، تصور بطريقة فنية خيالية، الأثر الطاغي، بل الانقلاب الجذري الذي أحدثه الاستعمار الإنجليزي، بكل أبعاده ومعطياته السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية على مجتمع قبيلة الإيبو القاطنة في جنوب شرق نيجيريا، وما تمخض عنه من صدمة ثقافية واجتماعية قاسية، وتكريس للشره الإمبريالي، والتكالب الاستعماري في أبشع صوره، وزعزعة للأعراف والقيم الاجتماعية والثقافية التي ظلت قائمة لآلاف السنين، مما أدى في نهاية المطاف إلى تحطيم مجتمع الإيبو التقليدي إلى غير رجعة.
لقد توسل تشينوا أشيبي فنياً لتصوير نتيجة صدام الهويات، أي صراع الأنا والآخر بامتياز، عبر قصة زعيم العشيرة التقليدي، وبطل الرواية "أكونوكو" الذي جاء الاستعمار البريطاني لكي يضع حداً لسلطته وطموحاته التي كان يرى أنها طبيعية ومشروعة في مجتمعه التقليدي الذي يتغير بدوره بفعل التغيير الجوهري في القيم والمفاهيم التي جلبها المستعمرون البيض، مما اضطر مجتمعه نفسه إلى تغريبه ونفيه بعيداً عن قريته، فلما رجع إليها ووجد كل شيء قد تغير، وأن الأشياء قد تداعت بالفعل، لم يحتمل رؤية العالم الذي درج فيه طفلاً، وترعرع فيه شاباً قوياً يصرع جميع الفتيان الذين كانوا ينافسونه في حلبات المصارعة في مناسبات القرية المختلفة، مما أهله إلى أن يصبح رجلاً محترماً ذا حيثية ومكانة مرموقة في مجتمعه المحلي، لم يحتمل أن يرى ذلك العالم يتداعى أمام ناظريه، فانتحر.
إن رسالة رواية "الأشياء تتداعى" لتشينوا أشيبي "لا يكتمل فهمها تماما في الواقع، من دون قراءة روايته التي تلتها بعنوان: "مضى زمن الراحة "أو No Longer at Ease. فكأن المعنى الذي هدف إليه أشيبي هو أنه عندما تتداعى الأشياء، والأشياء هنا هي بالطبع، الموروثات الثقافية والاجتماعية والدينية الخ للمجتمع التي دمرها الاستعمار الغربي وبدلها، فإن زمن الراحة يمضي. فلعل الراحة ههنا معناها: محض الاستكانة إلى ميراث الأسلاف، والامتياح كفاحاً من معينه الصافي وغير المشوب بشوائب الحضارة الغربية، فإن ذلك قد أضحى من الماضي، ويتعين عندئذٍ التفاعل مع المعطى الحضاري الجديد الذي جلبه الاستعمار وفرضه، ثم أضحى هو نفسه بدوره، جزءاً من هوية المجتمع التقليدي على كل حال. (15)
+++++++
إحالات مرجعية:
(1) Narrative: www.wikipedia.org
(2) نفس المصدر المذكور أعلاه
(3) د. حاتم الصكر، " السرد العربي القديم: من التراث إلى النص " ، صحيفة 26 سبتمبر اليمنية ، www.26sep.net
(4) سلمى الخضراء الجيوسي، " في انطلوجيا السرد العربي الحديث " ، منتديات استار تايمز www.startimes.com بتاريخ 13 نوفمبر 2013م
(5) الطيب صالح، رواية " مريود بندر شاه"، دار العودة، بيروت
(6) د. احمد محمد البدوي، أوتار شرقية في القيثار الغربي، منشورات جامعة قار يونس، ليبيا، 1989م، الصفحات30 إلى47 و67 إلى 85.
(7) يعقوب المحرقي، "دراسة الحكاية الشعبية الإفريقية"، مجلة الثقافة الشعبية، البحرين، العدد 17.
(8) Cora Agatucci,” African Storytelling “, Web.cocc.edu
(9) المصدر السابق
(10) د. خالد محمد فرح، " جدل الأنا والآخر في أعمال الطيب صالح "من كتابه بعنوان: عن المريود اللامنسي: مباحث في إبداع الطيب صالح، دار الفكر، نواكشوط ، 2009م، الصفحات 55 – 71.
(11) زايد محمد الخوالدة،" اتجاهات الرواية الإفريقية في ظل ما يسمى بأدب ما بعد الكولونيالية"، صحيفة الراي العام السودانية، عدد يوم 12 يناير 2011م.
(12) علي شلش، الأدب الإفريقي، عالم المعرفة، الكويت
(13) د. خالد محمد فرح، مصدر سبق ذكره.
(14) خالد محمد فرح، نفس المصدر، الصفحتان 66 و67.
(15) خالد محمد فرح، نفس المصدر، صفحة 67.

Khaldoon90@hotmail.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2148

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. خالد محمد فرح
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة