المقالات
السياسة
جبال النوبة مسلسل الحروب والتمردات ، مسألة الهوية ، الدور الوطني المنكور ، والظلم الطويل
جبال النوبة مسلسل الحروب والتمردات ، مسألة الهوية ، الدور الوطني المنكور ، والظلم الطويل
05-06-2014 02:45 PM

على أعتاب الجولة السادسة حول المنطقتين وإنطلاق مؤتمر الحوار الوطني الثاني
جبال النوبة مسلسل الحروب والتمردات ، مسألة الهوية ، الدور الوطني المنكور ، والظلم الطويل
بقلم/ عبدالباقي حسن فيرين (أمون)
الجغرافيا السياسية لجبال النوبة :
تقع جبال النوبة بين خطي الطول (29,31) شرقاً وخطي العرض (10-12,30) شمالاً و بمساحة خمسين ألف ميل و تعادل مساحتها مساحة اسكتلندا. تمتد جغرافياً جنوبا ًوشرقا ً الي النيل الابيض وغربا ًالي غرب كردفان وتأخذ شكل سلسلة عنقودية ذات قمم منفصلة وكتل جبلية منعزلة. وتعد جبال تقلي في أقصي الشمال الشرقي اطول سلاسلها الجبلية وتتناثر جبال النوبة في شكل سلاسل جبلية عظيمة متباينة الارتفاع بعضها اكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة قدم فوق سطح البحر . ويقدر ارتفاع جبل مندي بالقرب من رشاد بحوالي اربعة الاف وسبعمائة وتسعة وثمانين قدما فوق سطح الارض اما مناخ المنطقة فهو السافنا الغنية الممطرة صيفاً والحارة شتاءاً ويأخذ فصل الربيع فيها شكلاً واضحاً( ).
وإدارياً تشمل ذات المنطقة الادارية التي أُصطُلح علي تسميتها بولاية جنوب كردفان بعد المرسوم الدستوري الرابع لعام 1991م ، في اطار النظام الفدرالي ، والبعض يري انه ذات الاقليم مضافاً اليه محافظة السلام او علي الاقل الجزء الشرقي منها المتكون من ريفي لقاوة ، وعموماً فإن جبال النوبة تعني في هذه الورقة ذات الاقليم الإداري المكوِّن لولاية جنوب كردفان الحالية قبل إضافة المحليات الأخيرة ويشمل هذا الإقليم محافظات كادقلي ، الدلنج ، الرشاد، تلودي ، وأبوجبيهه وتقلي وأبي كرشولا زائداً الجزء الشرقي من محافظة السلام وريفي لقاوة للطبيعة الجبلية الممتدة لجبال النوبة والعنصر السكاني الغالب المعروف بالنوبة في المنطقة.
السكان:
تسكن إقليم جبال النوبة الآن مجموعة قبائل من ذوي الأصول المختلفة منهم من عرفوا بالنوبة ويتجاوز عددها الأربع والستين قبيلة ، وهي قبائل متداخلة جغرافياً واجتماعياً تشمل النوبة أقدم السكان ولحق بهم البقارة (المسيرية و الحوازمة أولاد حميد كنانة وغيرهم) قدوماً من غرب أفريقيا عبر ، زنتر ، الجغبوب ، لاتة ، تمبكتو وتشاد ، ومن وسط السودان ، ثم توافدت مجموعات أخرى إليها كـ(الداجو والبرنو والفلاتة والهوسا والبرقو وغيرهم ) من دارفور و غرب أفريقيا أيضاً ، ورغم أجواء الحروب بداية بمطلع الثمانينيات إلا أنها تشكل بوتقة تعايش وتمازج أعراق وثقافات متباينة بين قبائلها تلك ، وقد إبتدعت عبقرية التعايش أن تضم نظارات {إمارات} بعض قبائل النوبة عناصر من هذه المجموعات الوافدة إلى إدارتها تلك التي لا تملك حواكير أرضية (ضم البرقو لإمارة الأجانغ مثلاً) ، وهي نموذج فريد للوحدة وقبول الآخر والتعايش السلمي والتفاعل والتنظيم الاجتماعيين ، ومثال حي مبتدع لإمكانية خلق مجتمع متجانس رغم التباينت الثقافية والعرقية.
أما بالنسبة لحجم سكان جبال النوبة فقد أوضح المؤرخ "نعوم شقير" أن تعداد النوبة قبل فترة الثورة المهدية فاق الخمسين ألف نسمة ، لكن تناقص ذلك العدد في فترة المهدية حتى لم يبق إلا نصفه تقريبا ، بينما قدر مستر جيلان (Gillan) هؤلاء السكان في سنة 1929م وسنة 1930م بحوالي المائتي ألف نسمة ، ثم قدره باربور (Barbour) سنة 1946م بحوالي سبعمائة ألف نسمة ، وكانت نسبة النوبة حوالي 87% من هذا العدد ، بينما تذهب إحصائيات عام 1955م-1956م ، إلى أن تعداد النوبة بلغ نحو خمسمائة واثنان وسبعون ألفا وتسعمائة وخمسة وثلاثون نسمة ، كما أسفرت النتائج الأولية لتعداد السكان في سنة 1983م عن أن جملة سكان مديرية جنوب كردفان قد قفز إلى الرقم 1,287,527 نسمة ، وهذا رقم متواضع في تقديرنا نظراً لاعتبارات عدة ، منها الهجرة بأعداد كبيرة إلى المدن الرئيسية (الخرطوم ، بورتسودان ، القضارف ، مدني و وسط السودان) ، كما أن طبيعة المنطقة من حيث ظروف الاتصال إلى جانب المفاهيم السائدة وسط السكان بسبب الجهل لا تمكن من الإحصاء الدقيق وحسب إحصاء البطاقة التموينية الذي قامت به الحكومة الإقليمية نجد أن عدد سكان ولاية جنوب كردفان بمحافظتها الخمس أنفة الذكر قد بلغ نحو 904,079 نسمة ، ونقدر أن إحصاءاً دقيقا سيسفر عن عدد أكبر وصحيح.
النوبة:
كلمة أو لفظة نوبة يقصد بها القبائل المتزنجة التي تسكن منطقة الجبال بولاية جنوب وغرب كردفان وهي بقية اعرق قبائل شعوب السودانية الأصيلة التي أعطت السودان إسمه وصفته لأكثر من سبعة آلاف سنة في عمق التاريخ وكلمة نوبة هنا مصطلح تعريفي كأن تقول مثلاً : الجنوبيين والبجا والدارفوريين وهي لا تشير إلى لغة أو ثقافة واحدة بل مجموعة قبائل تتحدث لغات مختلفة بلغت عشر مجموعة لغوية تضم أيضاً الداجو الجبليين وتتميز بهذا التنوع رغم مجاورتها لبعضها البعض ولا تفصل بين القبيلة والأخرى سوى بضعة أميال ، وثمة مشتركات ثقافية عامة تجمع هذه القبائل رغم هذه الإختلافات ويبلغ عددها كما سبقت الإشارة نحو الأربع والستين قبيلة تحمل أسماء مختلفة و حواكير(جمع حاكورة) معلومة.
التاريخ الإداري الحديث:
ظلت جبال النوبة إدارة منفصلة في ثلاثة عصور وأنظمة إدارية مختلفة بذات الإسم (جبال النوبة) ، إذ كانت (مديرية جبال النوبة) ضمن 15 مديرية في العهد التركي فقد قسم السودان حينها إلى ثلاثة أقسام كبيرة (الشرقي - الغربي - الأوسط ) وعين على كل قسم حكمدار يكون مسئولاً مباشرة لدى القاهرة ، وفي نهاية الحكم التركي قسم السودان إلى 15 مديرية هي : دنقلا – بربر- بورتسودان- الخرطوم- كسلا- حلفا- البحر الأحمر- النيل الأزرق- النيل الأبيض- سنار- كردفان - جبال النوبة – أعالي النيل - بحر الغزال ( ).
عرفت جبال النوبة كذلك بـ(عمالة جبال النوبة) في عهد المهدية وأمِّر عليها الخليفة عبد الله حمدان أبو عنجة المنضالي ، كما عين الإمام المهدي المك عمر آدم دبالو على تقلي و كدرو و الكواليب و النيمانغ و المندل والصبي في المنطقة الشمالية ، و سميت جبال النوبة بـ (مديرية جبال النوبة) في الحكم الثنائي في الفترة من 1906 ــ 1934م وعاصمتها تالودي.


تطور الحركة السياسية ومثالبها في جبال النوبة:
التاريخ القديم والوسيط:
كانت جبال النوبة مستمراً في قلب الأحداث السياسية والعسكرية عبر تاريخها الطويل ، فغير خضوعها للدولة المروية في التاريخ القديم ثم علوا و دنقلا في القرون الوسطى ، ظلت منطقة منازعة ونفوذ بين السلطنة الزرقاء وسلطنة دارفور لقرون عديدة ، ثم هاجمها منطلقاً من سنار الأمير خميس بن جنقال نحو 1774م وشكل النوبة عماد جيش بادي الثالث من قبائل ما زالت موجودة حتى الآن في جبال النوبة مثل كدرو ، كاركو ، كجورية {كونك} تقلي وجبل الداير ، فيما حاربت تكويناتُها الشمالية دولةَ المسبعات الكردفانية ، وكانت مملكة تقلي النوبية قد تحولت قيمياً لمملكة إسلامية بداية بعام 1530م.
جبال النوبة و المهدية:
لقد تحصَّنت جيوش الإمام المهدي في جبال النوبة في منطقة جبل قدير بعد التضييق عليها من قبل الأتراك في آبا بالنيل الأبيض ، وكُتبت لها أكبر الانتصارات على الإئتلاف التركي والمصري ، فإنطلقت أكبر انطلاقاتها لحصار الأبيض المدينة التجارية الأولى في السودان حينئذٍ بعد مرورها بهيبان والكواليب وأطلق المهدي على أحد مواقعها إسم {البقعة] وهي الأسبق على بقعة أمدرمان ، ثم عرج على تقلي وجبل الداير وفي معيته الآلاف من أبناء النوبة ، و من بعد الحصار تمّ تحرير الأبيض ، وأعقبه التحرك صوب الخرطوم حيث دخلها الإمام الثائر في جيش عرمرم يبلغ نحو (120) ألف مقاتل ليحرَّر السودان ويُعلن أمدرمان عاصمة للشريعة ، ومع ذلك ينكر بعض المهديين الجدد الآن دور النوبة وجبال النوبة في دفع ودعم الثورة المهدية ، وردَّ أحدُ المهدويين الجدد بإستخفاف بسؤال في ندوة بالعاصمة السعودية الرياض عن هذا الدور قائلاً: وماذا يُنْتَظَرُ ممن يرتدي قلادة {السكسك} في الثورة المهدية ؟ و نكاية في القول والقائل إرتدى المتمردون الجدد في جبال النوبة السكسك رمزاً لقضيتهم ونضالهم وواجهوا حكومة حزب الأمة في ثمانينيات القرن المنصرم إنها الكلمة التي تردي بصاحبها في النار سبعين خريفاً !
نعم كان لجبال النوبة وسكانها على إختلافهم الدور الحاسم في إنتصار المهدي وقد خذله أهل الوسط وكادوا يسلموه للأتراك لو لا هروبه وتحصنه في جبال النوبة ، ومع أن جبال النوبة كانت القاعدة العسكرية النضالية الصلبة التي تحصن فيها ثمّ انطلق منها الإمام المهدي لإقامة الدولة فما الذي قلب المهدية ضد سكان جبال النوبة ؟ بل لماذا أنقلب سكان الجبال بعد ذلك التأييد الكاسح إلى مناوئين للمهدية ؟
يقول إستيفنسن أن المهدية كانت مأساة أخرى متجددة للنوبة وغيرهم من سكان الجبال فقد أعدمت المهدية المك آدم دبالو في دار جمع عام 1884م وقد ذهب لتأييد الثورة بعد انتصارها في شيكان فأعتقله القائد المهدوي أحمد جفون بعد حصار تقلي وأقتاده إلى المهدي الذي سارع بإتهامه بتهمة مغلظَّة هي ( الركون إلى الدنيا وحب الجاه !) إلا أن المك دبالو فاجأ المهدي وأعلن تأييده للمهدية واقتناعه بها إلا أنه أعدم ، وتعود قصة عداء المهدي للمك دبالو إلى موجدة قديمة عنده ، فالمهدي كان قد ناظر علماء مملكة تقلي وهم القاضي مرغني والعالم طه والشيخ دفع الله ود بقوي في حاضرة المملكة (الكراية) قبل أن يشرع في تحرير خطاباته الصريحة إلى رجال الدين و زعماء القبائل ولم يستطع إقناعهم أو جرهم إلى صفه ورغم ذلك حارب معه سكان جبال النوبة على إختلافهم ـــ وهم الذين احتضنوا المهدية ومدوها بالرجال والعتاد والمؤن ، ثم حاصروا معها وأسقطوا الأبيض ، غير أن قادة المهدية أداروا آلة الحرب نحو سكان جبال النوبة ذاتهم بعد ذلك قبل وبعد معركة شيكان ، ففي عام 1885م ضرب حمدان أبو عنجة المنضالي جبل كمبو بجبل الداير ثم إتجه إلى قدير منطلق المهدية وسحق البقارة فيها واعتقل واهين المك بوشي مك قدير ، ثم عاد حمدان وضرب العديد من القرى والحواضر مثل الكراية عاصمة تقلي و موريب و كجاكجة و تكم و الكواليب ثم جبل الداير و شركيلة والضباب و سدرة وأم الشيخ و العيلفون وأم دباكر ، فيما أغار عبد الله ود إبراهيم على النيمانغ عامي 1886 – 1887م وكان المهدي قد وجه في 17 ابريل (طيقيدي) 1884م إلى النيمانغ (الآما) و المندل خطاباً جماعياً يطلب منهما فيه بجانب الكدرو والصبي وكافة أهل الجبال تأييد المهدية يقول فيه (الحمد لله الكريم والصلاة على سيدنا محمد مع التسليم ، وبعد ، من عبد ربه المهدي إبن عبد الله إلى أهل جبل الكدرو والصبي و المندل والنمم نتل ( يعني النيمانغ و النتل) وكافة أهل الجبال المؤمنين بالله ورسوله وتابعين لأمرنا فقد أمَّرنا عليكم المك عمر بن المك آدم فقوموا كلكم بحربكم معه إلى قتال الدلنج الترك النصارى ولا تتأخروا عن القيام مع المك عمر فمن خالفه فقد خالفني ولا عهد له عندنا ولا يلوم إلا نفسه ، 12 شوال (كويش) 1244هـ ( ) .
غير أن حمدان أبو عنجة المنضالي عاود غاراته على القبائل فضرب تلودي والليري في الجنوب و كرتالة في الشمال و ميري وجبل تلك في الوسط و الدلنج عدة مرات في أقصى الشمال.
وفي خطوة مفاجئة خرج الجهدية - ومعظمهم من جبال النوبة – وتمردوا على المهدية في الأبيض وإنسحبوا إلى الجبال فتبعهم عم المهدي عبد اللة ود إبراهيم فطاردهم في مجاهل جبال النوبة فقضوا علية في معركة ساحقة في السمّا جنوب كادقلي ، ورغم أن المهدية صنيعة جبال النوبة إلا أنها استنزفت قدراتها القتالية في جبال النوبة ذاتها بفكرة مسبقة عن سكانها النوبة و البقارة (حسب حمدان أبو عنجة المنضالي) بأن النوبة ذوو مفاسد ونفاق خاصة عند اختلاطهم بالعربان ، ثم أنه إتجه إلى هؤلاء العربان ووصفهم (بالمراوغين والمخادعين) فضرب إثر ذلك الرواوقة وأولاد عبد العال وأولاد تاور والطوقية وأبي عضام في 1885م ثم عمد إلى ضرب عشائر البقارة الحوازمة مثل بني جواد ودار بتي وأولاد غبوش وقتل نحو 500 من النازحين البديرية في منطقة الغلفان نمانغ جنوب الدلنج في أغسطس ( بيبيلا ) 1896م ، فيما تم حصار أولاد حميد والبديرية والمسيرية في أبي حراز ، ثم هوجم المسيرية المُهَجَّرين حول الأبيض والاضية وأبي قلب في مارس (بويي) 1896م ثم اعتقل منهم وأرسل إلى أم درمان نحو 648 نفس تحت قيادة سليمان أحمد أكرت ! لقد سيطرت فكرة الفيء والغنائم على قادة المهدية في حربهم على جبال النوبة إلا أن الأساليب التي إتبعها حمدان لإخضاع النوبة في جنوب كردفان تضمنت تحريض الجنود على حرق مزارعهم عند نضوج المحصول وإحراق الغلال( ) وأجْلَتْ قوات المهدية أيضاً قرى وبلدات وقبائل كاملة من جبال النوبة إلى أمدرمان وبحري بمثلما فعلت بنوبة شمال كردفان حول بارا !
، كيف نبرر لمثل هذه السلوكيات كحرب دينية مرجعيتها الإسلام ؟! ولهذا إعتبروا المهدية صنواً للفوضى والإستباحات المريعة (إنت قايل الدنيا مهدية) هذه بعض صورة ومرأى ميراث المهدية في جبال النوبة ، وحقاً كانت المهدية مأساة أخرى لسكان جبال النوبة ، ولكن هكذا يكافأ سكان جبال النوبة دائماً من قوى المركز الحاكم في كل العصور!
مقاومة النوبة للحكم الأجنبي الغازي: .
بعد سقوط أم درمان بيد جيوش الحكم الثنائي عام 1898م اشتعلت جبال النوبة مرة أخرى بالثورة ضد الإنجليز وكان الكثير من المحاربين لجيوش الحكم الثنائي في جبال النوبة من جنود المهدية السابقين الذين انسحبوا إلى الجبال بعد معركتي كرري وأم دبيكرات ومعركة شركيلة بين المك كمبو مك جبل الداير والخليفة عبدالله التعايشي إنسحب على إثرها الخليفة عبدالله شرقاً صوب أم دبيكرات – حسب الروايات الشعبية - حيث واجه جحافل جيش الفتح فإستشهد.
لقد عاد أفراد جنود المهدية من أبناء الجبال إلى قبائلهم ، ففي النيمانغ مثلاً كان من جنود المهدية السابقين آدم تووفي ، سعيد مشارين ، أنار تانغير ، سولقي حماد ، إيدافور شييما والأخير كان قد دخل الحبشة مع القائد المهدوي الذاكي طمل ، وفي ميري كان توتو لندوك ، كنو تيرك وإبنه عبد الله وكان هؤلاء الثلاثة قد دعموا الجهدية المنشقين عن المهدية ثم إنضموا للمهدية وحاربوا في كرري ثم عادوا ليحاربوا قوات الحكم الثنائي في جبال النوبة.
لقد كان أول الثائرين على الحكم الثنائي ـ حسب الأسبقية التاريخية لهذه الثورات ـ الكجور نمر في المندل (ملاي) في أقصى المنطقة الشمالية نحو 1902م ، ثم تبعتها ثورة قبائل مناطق جبل (الداير) عام 1904م في شمال شرق الجبال ، وفي (الليري) عام 1906م في أقصى جنوب شرقها ، وفي (نيانج نيانج) عام 1906م ، وفي (كاندرو) عام 1906م ، ثم اشتعلت الثورة في جنوبها في جبال (براني) في مركز تلودي عامي 1906م ، ثم تبعتها بثورة عام 1917م ، وانتشرت الثورات في جبال النوبة ضد الإدارة الأجنبية كالنار في الهشيم في مناطق مركز الدلنج وقبائلها التي بدأت العصيان المسلح أصلاً ، و من ذلك قبيلة النيمانغ عام 1906م ، ثم (فاندا) عام 1908م بقيادة الكجور جبتا ضالوم ، وثارت (كيلاكيدو) عامي 1908م و1909م ، وفي (تيما) عامي 1909م و1910م ، ثم إشتعلت في (جبل رقيّق) عامي 1910م و1911م ، وفي (كيلة كرون) عام 1910م ، وفي (توقوي) بتقلي في الشمال الشرقي عام 1910م ، ثم (هيبان) وسط الجبال عام 1911م ، وفي (التيرا الأخضر) في الوسط أيضاً عامي 1914م و1915م ، ثم مرة أخرى في (المندال) عامي 1914م و1919م.
ثم إشتعلت الثورة في (تولشي) أقصى غرب جبال النوبة في عام 1914م بقيادة الثائر توتو الأحمر الجندي السابق في شرطة السجون في بورتسودان ، ثم في (ضلمان) عام 1914م. وتواصلت تفجيرات براكين الثوار في جبال النوبة ضد الإدارة البريطانية في مركز (كادوقلي) الذي ظل قائد الثائرين بالمنطقة الفكي علي الميراوي يحاول إجتياحه في محاولات عدة بعون من المجندين من أبناء القبائل المختلفة ، فتمددت الثورة إلى البيئة المجاورة في (شات الصفية) عام 1914م ، وفي (ميري) معقل الفكي علي عام 1915م والذي أعتقل ونفي إلى الخرطوم وما لبث أن عاد و إستأنف الثورة فأعتقل مرة أخرى ونفي إلى الدلنج حيث مات بعد ذلك مسموماً في سجنه عام 1927م . وهبَّت قبائل تيمين جلد كتلا في وجه الإستعمار في 1926م وقتل الثوار المك كورديلي مك كتلا فلجا الثوار إلى تولشي ناقلين الثورة إليها فثار التلوشيون للمرة الثانية في وجه المستعمر بقيادة كوشي توتو الأحمر وإستمرت الثورة فيها منذ عام 1939م حتى 16 فبراير (كيشوكور) 1945م ( ).
في حين ظل النيمانغ في ثورة وحالة حرب دائمة ضد الحكم الأجنبيّ تحت القيادة المباشرة لقائد الثائرين الشهيد السلطان عجبنا بن أراوجا من 1906م حتى عام 1918م والذي سلم نفسه ورفض الإبقاء على حياته فنفذ فيه ورفيقه الكويير سباي كيليكون حكم الإعدام في 27 ديسمبر (فيل كورين) 1918م في حين تم إعفاء حكم الإعدام عن المناضل ليمان ترووا لصغر سنه. لقد سحقت الإدارة البريطانية ثورات النوبة سحقاً دامياً واستشهد منهم الآلاف في إباء وشمم فيما أقتيد الأسرى ليكونوا عماد قوة دفاع السودان (بلك نوبة) الذين نفذوا ثورة اللواء الأبيض في قلب الخرطوم عام 1924م بقيادة إبن جبال النوبة الملازم علي عبد اللطيف الليماوي الميراوي وعبد الفضيل الماظ التلوداوي ، ومن الصف والجنود الرقيب أول أردا بيقو الكرمتاوي ، فومو وجام الكلاراوي ، أمينا درديما السلاراوي ، بولدال نورنوف التندياوي ، حلوف التوم الغلفاني ، كوسا أويا الميراوي ، وغيرهم ، بينما وجد البعض طريقهم للقتال في الحرب الكونية الثانية وليبلوا ذاك البلاء العظيم في جيوش الحلفاء وحربهم في كرن وفلسطين وطبرق ومعركة العلمين مهراً للإستقلال المجيد. ومع ذلك لم تتمكّن الإدارة البريطانية من السيطرة النهائية على جبال النوبة ، إلا في عام 1945م عقب معركة تولشي الشرسة على مشارف نهاية الحرب العالمية الثانية حيث قمعت المعارضة الثائرة بشراسة أيضاً في كل هذه الهبات و الثورات.
لقد إسغرق البريطانيون نحو النصف قرن ليتحقق لهم السلام و الإستقرار في جبال النوبة وهو تحدي لم تواجهه هذه الإمبراطورية العظمى في أيً من مستعمراتها التي لا تغيب عنها الشمس.
و ربما لأجل ذلك عاقبت الإدارة البريطانية جبال النوبة وسكانها النوبة بصفة خاصة الذين ثاروا ضدّها لما يناهز سنوات النصف الأول للقرن العشرين متَّصلة بوضعهم في حيز التهميش التام والمحكم وفقاً لقانون المناطق المقفولة و الذي إستنته الإدارة البريطانية عقاباً للثائرين في جبال النوبة ، وجنوب السودان ، وجنوب النيل الأزرق وجزء من الشرق ودارفور، وتلك هي القصة الحقيقية الكاملة لما يسمّى في أدبيات السياسة اليوم بالمناطق المهمَّشة وهي المناطق التي ما تزال تجالد وتحارب المركز في مختلف العصور والحقب سواء قبل الحكم التركي (الفونج والمسبعات) ، ثم التركية التي أجَلَتْ نحو الـ 200 ألف نفس من جبال النوبة وحدها ، ثم حاربوا المهدية في كل فترتها البالغة نحو 14 عاماً (1885 -1898م) ، وهكذا إتفقت سياسات التركية والمهدية في جبال النوبة وهما العدوتان !
الحركة السياسية الحديثة في جبال النوبة:
لم تكن الحركة السياسية في جبال النوبة الحديثة إلا امتداداً لتنامي الوعي السياسي في السودان عقب الإستقلال لذلك كان طبيعياً أن تبرز الحركة السياسية بعض القيادات من أبناء المنطقة وسط الأحزاب القومية آنذاك التي كانت تعبر من خلالها الجماهير السودانية عن تطلعاتها وهمومها و آرائها السياسية وما ينبغي أن تكون عليه صورة مستقبل السودان عقب الإستقلال وقد كان الرواد الأوائل من سياسي و قادة جبال النوبة حضوراً في برلمان 1953م الذي حسم مسألة تقرير المصير بإجماع البرلمان السوداني في 19 ديسمبر (فيل كورين) 1955م و كانوا كذلك ممثلين لأحزاب الأمة والوطني الإتحادي في انتخابات عام 1958م التي برز منها على سبيل المثال المرحوم محمد إيور درمة ، المرحوم حماد أبوصدر شالوكة ، المرحوم فطر جاد الله ، وغيرهم وقد كان يعتقد في هذه القوى السياسية آنذاك و الحركة السياسية القومية أن تحمل هموم وتطلعات أهل المنطقة وترفع عنهم تلك المعاناة التي عاشوها في فترة الاستعمار بحيث يجدون أنفسهم إلى جنب رصفائهم السودانيين شركاء في مرافق الدولة المختلفة يخططون ويقودون بلادهم التي ضحوا من أجلها هذه التضحيات الكبيرة إلا أن ذلك وللأسف لم يحدث وهكذا إنتقل الغبن والإحتقانات التاريخية إلى أجيال ما بعد الإستقلال.
بروز إتحاد عام جبال النوبة:
لم يكن أداء الأحزاب السياسية المسماة قومية قدر الطموح الذي تحلَّق حوله الناخبون في جبال النوبة إذ لم تبد حرصاً كافياً لتغيير واقع المنطقة والنهوض بها من كبوتها التي أرداها فيها الإستعمار ، و لذلك كان طبيعياً في تلك الظروف الحرجة من تاريخ الإستقلال أن تبحث النخب السياسية المثقفة في جبال النوبة عن مواعين سياسية بديلة تستوعب قضايا المنطقة وهمومها وتخاطب وجدانهم وتكون قريبة من أحلامهم ، وبالرغم من وجود بعض الروابط والتنظيمات الإجتماعية والمناطقية والرياضية في بعض المدن الكبرى إلا أنها لم تكن كافية لتلبي احتياجاتهم وأحلامهم المشبعة بروح الوطنية والآمال بسودان ما بعد الاستعمار ، سودان مليء بالاحترام والمساواة والإنعتاق.
أن الإخفاقات التي لازمت الحكومات من (1956 – 1964م) وفشلها في تحقيق مصالح المنطقة والغبن الذي خلفته تلك السياسات بالإضافة إلى أجواء الديمقراطية التي أشاعتها ثورة أكتوبر قد وفرت مناخاً جيداً و عوامل ساعدت في قيام تنظيم إتحاد عام جبال النوبة كتنظيم رائد بأهدافه وهمومه المحلية المطلبية الواضحة إلا أن ذلك لم يشفع له لدى الحكومات المركزية وبعض القوى السياسية التي وصمت اتحاد عام جبال النوبة والقوى الإقليمية الأخرى الشبيهة التي نشأت في بعض مناطق السودان بأنها تكتلات جهوية عنصرية وأنها مؤامرة دبرها المستعمرون رغم أن المستعمرين قد رفضوا من قبل السماح لها بالتعبير عن قواعدها كتنظيم سياسي مثلما سمحوا للجماعات المشابهة في المركز ، والواقع أن هذه القوى والأحزاب المركزية قد تجاهلت عن عمد حقيقة أنه لم تيحارب الإستعمار البريطاني في السودان وخارجه قوة كما حاربه النوبة زهاء النصف قرن من الزمان وأن أحزاب المركز هي ذاتها التي أبقت على ضريبة الدقنية أو (مال الهوى) الإستعمارية المنشأ مسلطة على رقاب النوبة {فقط} لعقد كامل بعد الإستقلال فكيف يستقيم القول أن الإتحاد صنيعة إستعمارية المنبت ؟! ولكن وللأسف هكذا تم تصنيفه والتعامل معه ولكنها هي صور الإحتقار والصغار والإقصاء ! وهكذا أيضاً تناغمت أهداف الإستعمار والقوى الوطنية بعد الإستقلال في حبال النوبة وهما كما يقال عدوَّان !
وفى تطور للواقع السياسي قدمت الحركة السياسية بجبال النوبة الحزب القومي السوداني عقب إنتفاضة عام 1986م متطوراً من إتحاد عام جبال النوبة الموصوم بالجهوية والعنصرية في محاولة جادة من قادة الحزب وعلى رأسهم الراحل الأسقف فيليب عباس غبوش لإبراز الروح الوطنية و للخروج بقضايا جبال النوبة من المحلية إلى هموم القومية ، وكان الأسقف فيليب قد أنضم من قبل عقب انقلاب مايو لقوى المعارضة خارج السودان ضد حكم الرئيس جعفر محمد نميري وأسس الجبهة القومية السودانية المتحدة كوعاء للمعارضة الخارجية وقد كان الحزب سباقاً في دعوته للمحافظة على النظام الإقليمي وتطويره إلى الفيدرالية والدعوة إلى إعطاء المزيد من الفرص لأبناء الأقاليم لإدارة شئونهم المحلية تفادياً للمشكلات التي قد تنجم عن إهمالهم وقد كانت تلك قراءة إستباقية لما يمكن أن تصير إليه الأمور في المستقبل ، وبالرغم من الخلافات والإنقسامات التي ضربت الحزب اليوم إلا أن فصائل الحزب المختلفة ، القومي الجديد ، القيادة الجماعية ، القومي الحر ، القومي الديمقراطي الجديد ، القومي المتحد لم تبتعد كثيراً عن موجهات دستور الحزب القومي الأول للعام 1986م.



الدور الإستراتيجي لاشتراك أبناء النوبة في الحركة الشعبية والجيش الشعبي.
لقد أحدث نقل الصراع المسلح من جنوب السودان عام 1985م إلى منطقة جبال النوبة نقلة كبيرة للصراع والنزاع حول (مسألة النوبة) كخطة إستراتيجية من الحركة الشعبية لتوسيع دائرة الصراع ونشر أفكارها المؤطرة فيما يسمى بـ " السودان الجديد " والقيم التي طرحتها في العدالة والمساواة و الإعتراف عملياً بالتنوع العرقي والثقافي ما أسمته (التنوع التاريخي والمعاصر) فإندفع البعض مؤيدين ومنضمين لهذه الحركة وصاحب ذلك ـ كعادة قوى المركز ـ رؤية غير متزنة في التعامل مع المنطقة ، إن أبناء المنطقة كما أسلفنا كانت لهم اليد طولى مع الآخرين في الدفاع عن الوطن ضد الاستعمار كما قدموا العديد من التضحيات في سبيل وحدة السودان و إستقلاله وتحرره والمحافظة على تماسك لحمته فإنخرط العديد منهم في القوات المسلحة السودانية رمز القومية وخدموا فيها بإخلاص ووفاء وإستشهاد لأجل الجندية والسودان ، وهي الصفة التي يجيدونها كونهم مقاتلين أوفياء لا يقارعون وهي الصفة التي جذبت الأتراك لغزو السودان فحارب تحت إمرتهم بعض النوبة ضمن الجيش الفرنسي بطلب من نابليون بونابرت الثالث في المكسيك تحت مسمى (فيلق الصفوة السوداء أو صفوة الفيلق الأسود) عامي 1861 – 1867م حيث أبرزوا قوة وإقداماً نادرين وبسالة منقطعة النظير وسلوك عسكري غاية في الإنضباط وأظهروا أصالة معدنهم الحقيقي في ميادين القتال في الحرب العالمية الثانية ، مثلما فعلوا من قبل في المكسيك حيث أثبتوا كفاءة نادرة وإقتدار عظيم تفوقوا بها هناك على الجنود الفرنسيين ومن معهم من الأجناس حيث حملوا العبء الأكبر في معارك المكسيك وإجتثوا شأفة الثوار رغم تفوقهم العددي عليهم بما يعادل التسعة أضعاف وإكتسبوا بذلك سمعة طيبة جداً بين الحلفاء والأعداء معاً ونال العديد منهم الميداليات وعضوية حرس الشرف وكونت منهم فرقة القوات الفرنسية الخاصة في المكسيك ( ) وهي الحقيقة التي صدع بها المشير سوار الذهب عقب محاولة الإنقلاب التي شهدتها الفترة الإنتقالية ومحاولة بعض الموتورين المركزيين وصم النوبة المشاركين في الإنقلاب بما هم ليس أهلاً له من تخوين وعمالة وتعصب عرقي (عنصريين) وهي الحقيقة التي صاح بها المشير عمر البشير في وجه الشانئين عقب استعادة أبكرشولا وخطابه الشهير بمناسبة عيد الإستقلال الأخير ويعلم الجميع ما يقال عن النوبة من تخوين وعمالة وتعصب عرقي إن هي إلا إفتراء وتعدي وقد إجتالت هذه التهم من أطلقها عبر العصور فتمرَّغوا فيها طويلاً ، إلا أن هذا الإخلاص والوطنية والوفاء لم يحقق لهم الأمل في المواطنة المتساوية أو الإعتراف لهم بإختلافاتهم الإنسانية.
مؤتمر كاودا:
لقد جاءت الخطوة الهامة والخطيرة في تطور الحركة السياسية للنوبة في مقررات مؤتمر كاودا في العام 2002م لتمثل تحولاً سياسياً نوعياً هاماً في رؤية القوى السياسية الفاعلة في جبال النوبة آنذاك (الحزب القومي السوداني المتحد) بسبب تفويض الحزب للحركة الشعبية للتفاوض بإسم جبال النوبة ، ورغم الإنتقادات التي وجهت للخطوة هذه إلا أنها حققت تحولاً هاماً كسباً سياسياً للحركة الشعبية كسبت من ورائها المزيد من العضوية والعشرات من الشباب المقاتل الذين انخرطوا في صفوفها وكانت تلك النواة الحقيقية لما يعرف اليوم بقضية المنطقتين وقد كانت الدوافع دائماً: ضعف التنمية في جبال النوبة ، ضعف مشاركة أبنائها في حكم أنفسهم و البلاد ، إختلال موازين و قيم العدالة والمساواة مع الآخرين و أخيراً قضايا الهوية القومية وهي القيم والمفاهيم التي استخدمتها الحركة الشعبية لاستقطابهم لمشروع السودان الجديد وهي الأهداف التي ظل أبناء النوبة خاصة يبحثون عنها طيلة تاريخهم السياسي ، وهكذا إستهم المركز على المعالجات الأمنية وإشراك بعض النوبة ممن لايجدون قبولاً لدى القاعدة العريضة والجماهير هؤلاء الذين يحتشدون فقط في مؤسسات هامشية في المركز يتشاكسون فيها بعضهم البعض ، يتصارعون ويتنافون ولا يحسنون أغلب الظن مخاطبة القضايا التي تشغل القواعد وتطلعاتهم المشروعة فصنفوا بأنهم ما هم إلا أبواق يرددون ما يقره المركز بينما يشتكي بعض الصادقين منهم لطوب الأرض بسبب أن لا أحد يستمع إلى أصواتهم وآرائهم في المركز الذي يقبعون طويلاً في مؤسساته ، وبالمقابل إستهمت الحركة الشعبية على أم القضايا وأشواق أبناء النوبة في المساواة والعدالة التي أقرتها الإتفاقيات المتتالية ، ولكن الحركة الشعبية هذه – في راينا المتواضع- قد فشلت في إستخدام التكتيكات السياسية بديلاً للحرب والقتال ولو لا أن العقلية العسكرية غلبت على تفكير قادة الحركة الشعبية في جبال النوبة لقبلوا - بعلم وتاكتيك - بنتائج الإنتخابات الأخيرة رغم رأيهم فيها ومرارة الخديعة التي يظنون وكان ذلك خيراً ألف مرة من هذه الحرب التي لا تبني طُرّاً ، غير أن المتصارعين أوقدوا نارها ثم إنسلوا وتركوا سكان جبال النوبة للمعاناة ! ، إن الرهان على الحرب رهان خاسر لكلا الجانبين ، ففرضية إكتساح فيالق ثوار الحركة الشعبية الغاضبين الحانقين مقر الحكم في الخرطوم إنطلاقاً من جبال النوبة يبدو تصوراً غير واقعياً بل هو مثال نادر جداً في المحيط الأفريقي والعالمي ، كما أن الجيش السوداني ومن حوله من مساندين شعبيين عقائديين مسلحين مع دعم الحكومة والدولة يجعل من هذه الفرضية مستحيلة دون كسب ولاء الجيش السوداني ذاته الذي قد يعتبر قتاله معركة ثأر شخصية لكرامته وعزته ، كما أن هزيمة الجيش الشعبي على صعوبتها في جبال النوبة وإن حدثت لن يحل مشكل إختلال المساواة والشراكة العادلة في حكم بلادهم والإعتراف بهويتهم وينعدم حينها تنفيس الاحتقانات التاريخية فسرعان ما تتهيأ لهم الأسباب فيبعثوها ذمية فهكذا يقول التاريخ والمعاصرة ، إذاً لا بديل للتفاوض والحل السلمي في هذه الحرب كما كان في الحرب السابقة.
إتفاقية السلام الشامل:
لقد جاءت إتفاقية السلام الشامل 2005م لتضع حداً لحرب استمرت لأكثر من عشرين عاماً إستجابة لأصالة هذه القضية التي حمل من حمل السلاح من أجلها وقاتل ، وحظيت جبال النوبة ببرتكول خاص للحكم ودستور غاية في الرصانة والعدالة هو الدستور الإنتقالي وسط شعور عام وأمل عريض بعودة الاستقرار للمنطقة و بداية تنمية ظلت غائبة لعقود من الزمان وسط آمال بعودة المنطقة لسيرتها الأولى مساهمة في تماسك النسيج السياسي و الإجتماعي والثقافي للسودان ومشاركة في وحدة البلاد ، ولعب دور الجسر الرابط بين شمال البلاد وجنوبه ، إلا أن تطور الأحداث في نهاية الفترة الانتقالية تطوراً دراماتيكياً أطاح بذاك الشعور والأمل في الإستقرار نتيجة لضيق الأفق السياسي وبعض القصور في إتفاقية السلام الشامل وبروز دولة الجنوب والأصابع الخارجية وراءها فاندلعت الحرب في المنطقة مجدداً في 6 يونيو (أمَّنْ بودي ديا) 2011م وتحولت المنطقة مرة أخرى إلى بؤرة صراع مسلح وتوقفت التنمية الإقتصادية والسياسية وتأزمت الأوضاع الإنسانية ، وضربت المنطقة في تماسكها وتعايشها الإجتماعي السلمي بسبب أن المركز دائماً لا يقف بمسافة واحدة من مكونات الإقليم منذ التركية بل كان مستمراً ضد النوبة فظهرت الإستراتيجيات القبلية والقادة القبليين في المركز والولاية لا يعرفهم أحدٌ خارج قبائلهم بل حتى داخل قبائلهم فكانوا سبباً في مزيد من الإحتقانات وأصبحت القضيا الحقوقية لشعب النوبة وسكان جبال النوبة بسبب مواقفهم هذه من حيث يدرون أو لا يدرون مدخلاً يهدد الأمن القومي وذريعةً للتدخل الدولي إذ لم يعد أبناء النوبة هم حملة السلاح وحدهم ضد المركز في المنطقة.
وأخيراً برزت الاتفاقية الإطارية و الإتفاق الثلاثي للعون الإنساني و القرار الأممي رقم (2046) كأمل آخر لتسييل المواقف المتصلبة بين المتحاربين إلا أنه أطيح به ! ودخلت المنطقة مجدداً في القتال المرير وقد إتسعت دائرته وكثر المتحالفون مع وضد وتنوعت أدواته ورغم جولات التفاوض وجلسات الحوار العلنية و السرية و الإتصالات إلا أن الأزمة لم تراوح مكانها بين الحركة الشعبية قطاع الشمال والحكومة السودانية ، وفي تطور ذي صلة جاء خطاب رئيس الجمهورية في 27 يناير (قوسوكور) 2014م في نقاطه الأربع التي خاطب فيها أم القضايا في السودان عامة وجبال النوبة خاصة أهمها قضية الهوية ، وجاءت الخطوة التالية بمؤتمر الحوار مع الأحزاب السياسية في 6 أبريل (طيقيدي) 2014م وهي خطوات ذات أهمية عالية فيما يعني النزاع في جبال النوبة خاصة ، غير أن المشكلة ليس في عقد المؤتمرات والحوارات ، ففي البال مؤتمر الحوار الوطني من أجل قضايا السلام ومخرجاته بعد أربعة أشهر فقط من إندلاع ثورة الإنقاذ ، ولا في وضع الدساتير إذ ليس أجمل وأشمل من الدستور الإنتقالي 2005م وإنما الإلتزام والتفيذ والمماكنة ، فهل نحن صادقون هذه المرة أم هي حلقة مفرغة من إجترار التجارب الفاشلة وشراء الأزمان ؟


لماذا كل هذه الحروب في جبال النوبة ؟ :
يجب ألا تغيب عن الذاكرة هذه الأسئلة حول لماذا كل هذه الحروب في منطقة جغرافية محدودة لكل هذه القرون والأحقاب المتطاولة ؟ أيعود ذلك لعبقرية المكان التي لا تعرف لغة سوى العنف والقتال ؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب فلماذا لا نرصد حروباً بين مكونات النوبة في بعضها أو مع غيرهم من المتساكنين إلا بتحريض من المركز ؟ أيعود ذلك لثقافة السكان وتكوينهم النفسي وكراهيتهم للأغراب؟ لا نستطيع إثبات مثل هذه الفرضية الفرية مع واقع إستيعاب النوبة لكل من ولج إلى جبالهم وصبغوه بصبغتهم بمثلما أخذوا منه ، هل النوبة يدافعون عن أنفسهم في هذه الحروب السابقة ضد قوى المركز وما تلتها من حروب لاحقة ؟ أم هم ضحايا إستراتيجيات طالتهم وما تزال تطالهم؟ فواقع الحال يقول أن النوبة لم يحاربوا إلا حكومة الإستقلال وعبود وحكومة أكتوبر فقط ! هل النوبة يحاربون دائماً بالوكالة عن الآخرين ؟ وما هي المصلحة التي جنوها في كل هذه الحروب المتجددة التي تغطي نحو الخمسة قرون حتى الآن ؟ ما الذي يخبئه المستقبل لجبال النوبة ؟ وكيف يمكن وضع حد لسلسلة الحروب هذه ؟ أم أن الإستراتيجيات المصممة حولها لم تترك للنوبة وسكان جبال النوبة قاطبة سوى القتال والحروب حاضراً ومستقلاً ؟! إنها الأسئلة اللَّاهبة والمحيرة !
في ظل هذه الأسئلة و الأوضاع المأساوية التي تعيشها المنطقة في حاضرها يُطرح سؤال هام كذلك حول كيفية العودة بجبال النوبة إلى سيرتها الأولى مشاركةً ومساهمةً ومدافعةً للهم الوطني السوداني عقب إنفصال الجنوب إذ لم تجن شيئاً من هذه المواقف الوطنية المشرفة وهي عريقة في ذلك كما شهد لها التاريخ والحاضر ؟ وكيف لها أن تقف في وجه أعداء السودان اليوم دون أن تكون معولاً في تفكيك ما تبقى من السودان معيدة للأذهان بطولات وتضحيات أبنائها الأشاوس ؟ وكيف لها أن تقفز فوق حاجز الأزمة الخانقة إلى رحاب الأمن والاستقرار والعمل الإيجابي؟ بل ماذا في جعبة المركز حول جبال النوبة غير الذي عرفته وعايشته عبر التاريخ ؟ هل إلى الإستقرار والسلام من سبيل في جبال النوبة ؟ أم يظل أبناؤها يحملون السلاح بوجه المركز كما دأبوا عبر القرون ؟!

ما هي مشكلة جبال النوبة ؟
من حق أي مراقب أن يسأل هذا السؤال ، ما هي مشكلة النوبة في جبالهم وكيف خُلقت ؟ ولماذا يشنون الحروب المتكررة ضد المركز عبر القرون المتطاولة ؟ مخطئ من ظن أن المشكلة من صنيعة الإستعمار كما يحلو للبعض ترديده وإلا لماذا حاربوا هذا الإستعمار فوق الأربعة عقود كما لم يحاربه إقليم من أقاليم السودان ؟
قصة هوية النوبة وتعامل السلطة المركزية معها:
أولاً : أن الإستعمار الإنجليزي المصري هو الذي هدف من خلال السياسة اللغوية والثقافية التي اتبعها في جبال النوبة إلى محاولة صياغة النوبة وفقاً للعقلية الغربية أو التغريب Westernization أو المبادئ المتحضرة Civilized Principles من خلال الخط العلماني Secular line الذي يضم الجنوب وجبال النوبة مقابل الخط الإسلامي لشمال السودان ، وقد هدف بذلك إقامة وحدات إدارية تعتمد في نظامها الإداري علي العادات والتقاليد والثقافة المحلية لسكان تلك المناطق ولذلك أصدرت قانون المناطق المقفولة في عام 1922م الذي بموجبه يمنع دخول المديريات الجنوبية الثلاث في ذلك الوقت وجزء من مديرية دارفور وجبال النوبة والإنقسنا بالنيل الأزرق إلا بإذن السكرتير الإداري أو مدير المديرية المختص بغرض مراقبة تجار الرقيق الذين كانوا ما يزالون يتحركون تحت عناوين مستعارة ، ولحق ذلك إصدار عدد من القرارات التي تحدد شكل العلاقات الإنسانية بين سكان تلك المناطق وشمال السودان وفي سبيل ذلك تم إجلاء عدد كبير من التجار الشماليين وكذلك منع تعلم اللغة العربية أو التحدث بها حتي لا يحدث اتصالاً فعالاً بين تلك المجموعات السكانية ، بل ذهب لأكثر من ذلك حيث تم تحديد الزى الذي يلبسه سكان الجنوب والمناطق الأخرى وتم فتح الباب أمام البعثات التبشيرية التعليمية التي كانت تقوم بما تقوم به اليوم معظم منظمات حقوق الإنسان (2).
ثانياً : لقد أغلق المستعمر منطقة جبال النوبة لما يناهز العقدين من الزمان بقصد عزل النوبة كإثنية خاصة عن محيطهم من المتساكنين معهم أولاً ، ثم حبسهم عن مؤثرات شمال السودان ثانياً دون مشورة أحد ومن ثم تنميطهم وفقاً للنموذج الغربي {الغربنة} ، وعندما فشل هذا المستعمر في تطبيق ما أسماها بـ (سياسة النوبة) Nuba Policy لأن المنطقة تضم أيضاً سكاناً من العرب المتزنجيين negroid –Arab حسب تصنيفهم العرقي للبقارة – حسب مارش March - ، عندما فشل هذا المستعمر سلم المنطقة لمخططات المركز الانغلاقية دون مشورة احد إيضاً ، وذلك لأن الوجود المشترك بين النوبة والبقارة شكل وضعية معقدة جداً أعاقت مستمراً تطبيق السياسة المصممة لجنوب السودان في جبال النوبة ، ليس فقط من الناحية الإدارية ولكن من الناحيتين الإقتصادية والتعليمية (3).
ثالثاً : ويعد من أهم أسباب مشكلة جبال النوبة كذلك عدم وقوف قوى المركز الحاكم منذ الإستعمار بمسافة واحدة متساوية من مكونات المنطقة الإجتماعية {النوبة والبقارة} ، بل ومستغلاً التنوع الثقافي والاجتماعي لمجتمع جبال النوبة ظل المركز يفرض مؤثراته الإدارية والثقافية بتمييز طرف والتحيز ضد طرف منذ التركية شاملاً الحكم الوطني مما عمق الإنفصال الداخلي للمجتمع المحلي ورشحه للصراع فوُجدت إثر ذلك وبسند مركزي أجيال بعد أجيال إلى الآن ترفض حتى إسم جبال النوبة العريق لأنه – حسب فهمها - دلالة عرقية وحسب.
خامساً : إنه وتنفيذا لمنهج تغريب النوبة من قبل الإستعمار إنعقد في عامي 1926– 1928م على التوالي مؤتمرا جوبا و الرجاف للنظر في كيفية وضع المناهج التعليمية في جبال النوبة والجنوب تبلورت فيهما رؤية اللورد كرومر حول مستقبل التعليم في المنطقتين ويبدو من خلال مقررات المؤتمرين أن الاستعمار كان ينظر لإرث النوبة التليد (وهويتهم الثقافية والقومية) Sound Nuba Civilization بدونية ملحوظة من موقع عقلية إستعلائية باطشة و مع ذلك دعا للحفاظ على هذا الإرث لأهداف غائية وهو ما عناه (بخلق) هوية للنوبة من خلال مناهج التعليم Create Nuba Entity through Education ، ومن الشعارات التي تبناها المستعمرون {بناء حضارة للنوبة بالاتساق مع شروط ثقافتهم وحضارتهم} Build up Nuba Civilization on Nuba Cultural Line بمعنى حقن الثقافة المحلية برؤى غربية محكمة بالعقيدة المسيحية ومؤسساتها أو ما أسموها {كلمة الله God's Word} متى كان ذلك ممكناً وإلا فالقوة العسكريةMilitary Procedures هي البديل الثاني وقد أضطر المستعمر لاستخدام الآليتين معاً على افتراض أن هذه الهوية غير موجودة في الواقع العيني ، أو هي في أحسن الحالات في حاجة إلى بلورة وصياغة حتى وإن جاء ذلك بالإستلاب العنيف ولهذا أقرَّ الإبقاء على نمط التوطين القروي Villagization للنوبة خاصة للحفاظ عليهم من الإستعراب ومحاربة سياسة التوطين الحضري Urbanization الذي من باب الوجوب والحتم سيفسدهم ، غير أن الاستعمار الذي أتبع هذه السياسة تجاه النوبة ـ ورغم مساوئها ـ إلا أنه قد اعترف ضمناً على الأقل بقدر ما من الخصوصية والشرعية للهوية الثقافية المحلية لشعب النوبة كأساس تنهض عليه الشخصية الغالبة لإنسان المنطقة وعندما فشل المستعمر في تطبيق سياسة النوبة Nuba policy أو ما أسماه حزام النوبة Nuba Griddle ، أتبع الإقليم إلى المركز والوسط تلقائياً وإلى هوية السودان الأوسط الذي يستبد به المزاج العربي الإقصائي وهواه ، من الغريب أن يتخذ المستعمر موقفين متناقضين في وقت وجيز كهذا ، لقد ذهب السير (دوقلاس نيوبولد) حاكم كردفان للفترة 1932 – 1936م والسكرتير الإداري للحاكم العام 1939 – 1945م ذهب ليقدم محاضرة في المركز العربي بالقدس في أكتوبر (كويش) 1944م بصفته السكرتير الإداري لحكومة السودان من قبل الإستعمار وقرر في هذه المحاضرة بعروبة السودان وهو ما يعني نفي وإقصاء أفريقيته ، وما كان إلا لفت للأنظار عن ما تمهد له بريطانيا حينها وهو قيام دولة إسرائيل بعد ذلك بأقل من أربعة أعوام بناءاً على وعد بلفور ، ولا يستبعد المحلل وجود إتفاقيات سرية مع الإدارة البريطانية في السودان مع القوى السياسية التي تلت الإستعمار بشأن جبال النوبة خاصة ، وهو موقف يتناغم مع الحكم الوطني وأحزابه الرائدة منذ مؤتمر الخريجين الذي تعامل مع النوبة بصورة استبدادية وغلو وإستعلائية ظاهرين ، إذ لم يعترف لهم بأية شراكة وطنية عادلة من ناحية أو خصوصية قومية ، بل اعتبرهم عرباً أقحاحاً قفذاً فوق واقعهم العرقي والثقافي الماثل والمعاش ، لماذا ؟ لأن ثقافة المركز – بفهم هذا المركز - هي ثقافة أنموذج يجب تمثلها فرضاً دون مشورة أحد Paradigm shift وهذا الموقف تجاه النوبة ينطلق من إرادة مجتمع الوسط الكبير {المركز} الذي ظل يحكم ويوجه ويدير السودان ويسوسه منذ دولة الفونج ، وقد أقرَّ الإمام الصادق المهدي مؤخَّراً جداً بأن مجتمع الوسط الكبير هذا تستبد به مفاهيم ثقافة الرق ومعالم وملامح الإقليمية العرقية وسياساته تجاه الهوامش وليست جبال النوبة وحدها وهو ما يعرفه علماء علم الإجتماع السياسي بمصطلح Ethnic Regionalization وهو شكل من أشكال مذهب الدارونية الإجتماعية ، وإنه صراحة التمركز حول الذات العرقية والثقافية للمركز ، ومع أن الوسط أو المركز هذا وقواه الفاعلة جهة من الجهات في خارطة السودان وفق علم الجغرافيا فليس هناك من يتهم المتعصبين له ولعنصره بالتحيز والجهوية والعنصرية بينما هي قلادة عار وخروج في جيد كل من ينادي بالمساواة في الحقوق والواجبات في جبال النوبة خاصة وما هي إلا إزدواجية معايير صارخة ! إن فكرة عروبة كل السودانيين وما فيها من تبسيط وتعميم كاسح تجعل قضية الهوية القومية والثقافية والعرقية للسودانيين نقطة الضعف و(كعب أخيل) ، فبنظرة موضوعية لواقع مكوناته العرقية وإنتماءات قبائله تجعل منها بضاعة قليلة مزجاة مفتقرة للحيلة والمقدرة على الإقناع والإبتياع ، ولكنها مع ذلك فكرة سوف تظل تتسبب في حروب قادمة بمثلما تسببت في حروب وإنفصال كائننين فخيراً فعل خطاب الرئيس الذي نُعِتَ بالوثبة بأن أعاد التفكير حول هوية السودانيين القومية إلى مربع التداول والحوار ولمنضدة التشريح والبحث بدلاً من القرارات والمراسيم الإستعلائية ، ويعني أن هوية السودان لم تحسم بفصل الجنوب وهو الأمر الذي راهن عليه الكثيرون من خلال المواقف والتصريحات الماحقة.
فكرة حرب النوبة فكرة مركزية !
إذاً فقد أثمرت سياسة دمج الأطراف في المركز وغيرها من أساليب النمذجة والتنميط العنيفين ما جر منطقة جبال النوبة إلى رفع العقيرة المطالبية واتبعتها السلاح في وجه الحكومات الوطنية المختلفة فوق الثلاثة والعشرين عاماً وما يزال هذا السلاح للأسف مرفوعاً حتى الساعة ، بمثل ما أعلنت العصيان المسلح بوجه الاستعمار الأجنبي فوق الأربعين عاماً ، مشكلة جبال النوبة وحروبها إذاً فكرة مركزية إبتدعتها قوى المركز في عصور مختلفة بداية بدولة سنار ، فكرة عمادها النظرة الأيديلولوجية والأحكام التقييمية تجاه النوبة السكان الأقدمون للسودان مما يجعل هذه الحروب في الغالب الأعم حروب هوية وصراع لأجل الوجود والبقاء على قيد الحياة وليس لأنهم تعدوا على حق كائن من كان أو تماروا في هوية أحد وقد لاحظنا ذلك آنفاً من آيات الإحتقار والصغار والإقصاء التي أبدتها القوى المركزية الحاكمة نحو جبال النوبة عبر العصور.
إن الفذلكة التاريخية هذه مهمة جداً من جهة معرفة الجذور التاريخية لمشكلة جبال النوبة المعاصرة ، وهي مفحمة بالقدر الذي كانت تكفي دليلاً لأولى الألباب على عمق و صدقية وأصالة هذه القضية ، فأن يدافع النوبة عن حريتهم وحقوقهم وخصوصيتهم بحرب لأكثر من ستين عاماً خلال القرن الماضي وبلغوا بها المنابر الإقليمية والدولية الآن لا يدل على جزافية في التفكير والتدبير أو جنوح عبثي نحو العنف دون مبررات ، إن كان هناك من يخضع مثل هذه الأمور لمقاييس الموضوعية في العقلية المركزية ، بل ولدى من يمسكون فعلاً بتلابيب ملف المنطقة في الحكومات المركزية المختلفة من المهنيين والسياسيين مما يجعلها سياسة نمطية راكزة تواطأت عليها وتواصت بها حكومات بعد حكومات ، و لا يُستثنى منها من نصبهم هذا المركز لرعاية وإدارة هذا الملف من منسوبي المنطقة وفق رؤى المركز وليس وفق الأشواق الموضوعية لأهل المصلحة في المنطقة لذا يجد الباحث والمراقب هؤلاء المنسوبين نسخة طبق الأصل يتبنون رؤى المركز وقد أُختيروا على علم ومعرفة من هذا المركز وليس بالضرورة وفق رغبة سكان الجبال على إختلافهم.
ونفصح فنقول أن الاستعمار قد حاول إبعاد المنطقة عن مؤثرات الثقافة العربية والإسلامية ، حينما رأى في التغريب أو الغربنة Westernization طريقة مثلى وهوية أنموذجاً لتمثلها (النمذجة والتنميط إلى الغرب الأوروبي) ، غير أن الحكومات الوطنية أيضاً قد فرضت الاستغراب على النوبة من خلال الهوية العربية ومزاجها الاستئصالي بقصد نمذجتهم (الإستتباع والإحتذاء إلى العرب والثقافة العربية نسخة المركز) ، في حين قدمت مثالاً شائهاً للحكم الإسلامي منذ السلطنة الزرقاء ، حكم إسلامي يتنكب سبل الإعلام والشعارات الزاعقة ولا يساوي بعد حتى بين المسلمين في الواقع العيني ولا يعترف بأية خصوصية عرقية أو ثقافية أو لغوية للنوبة أو غيرهم ، وهو الإنكار و عدم الإعتراف الذي نضد الجنوب للإنفصال ، ومع أن الخصوصية هذه إلهية الجُعل والمنشأ إلا أنها معطلة التنفيذ والمماكنة حتى ممن يرفعون الشعارات الإسلامية الزاعقة هذه ، وغالى البعض وما يزال يغالي عندما يتخذون من صور ومظهر السودانيين العرقي والجهوي مقياساً يحاصصون على أساسها الحقوق والواجبات والمواطنة بدلاً عن حقوق الإنسان والإعلان العالمي الإسلامي لحقوق الإنسان مقروءاً مع نصوص الدساتير السودانية المتعاقبة وما ورائها من منهج الرحمن الذي يقر فقط بقياس الإيمان وما وقر في القلب وليس الصور والأعراق ، فباتوا يبررون قياساً على ذلك فصل الجنوب لأن أهله لا يشبهون هذا البعض ! ولكن تمركز هذا البعض حول الذات المركزية غمَّ عليهم الواقع السوداني الواقعي إذ يُفاجأون الآن أن الذي بقي من السودان بعد فصل الجنوب – في جبال النوبة خاصة - كثير جداً لا يشبه صور هذا البعض فماذا هم فاعلون بهم ؟!
أجل ، وبسبب عدم الإعتراف بالتنوع والخصوصية والمواطنة الكاملة لشعب جبال النوبة غابت المشاركة العادلة لهم في حكم بلادهم بل صار السودان بنظر العديد من أهل الرأي من النوبة خاصة - وهو رأي بات ينداح على نطاق واسع - دولة للمهاجرين خاصة لا حظ لهم فيها البتة ، نعم لا حق لهم وإن ناضلوا من أجل السودان وضحوا بإخلاص ونبل أو أشرعوا المطالبات العادلة نحو حكامهم بعاصمة البلاد سلماً كان ذلك أو يئس البعض وأبلس سادراً وحمل السلاح فالمحصلة واحدة {التحيز ضدهم} وغيرها من صور التقليل من شأنهم وإقصائهم وإحتقارهم وإستضعافهم ، وتاهت بسبب هذا الإختلال معدلات التنمية عن ديارهم ، ونسجت حولهم الخطط والأيديلوجيات المتقاطعة والإستراتيجيات الإحلالية ومن ذلك إختفاء (إسم جبال النوبة) - وقد عرضنا لتاريخه – إختفاؤه من وسائط الإعلام الرسمي وخطب الرسميين وإستعيض عنه بإسم (جنوب كردفان) وكانت النتيجة تضاعيف ماحقة وردود أفعال عنيفة ونذر مستقبل مظلم مفتوح على كافة الإحتمالات ، ذلك أن النوبة الذين في المهجر وأولئك الخاضعون للمناطق المحررة خلال ما يقارب الثلاثة عقود لم يعودوا هم النوبة الذين عرفهم من عرفهم ، صياغة مختلفة ومناهج دراسية وتصورات مغايرة وإحياء محموم للغات المحلية والعادات والعقائد القديمة وبرامج تأصيلية ملتصقة بهويتهم وثقافتهم الأفريقية المضامة ، ومن ذلك تغيير الأسماء العربية الإسلامية إلى الأسما الأصيلة و وتبديل الزي والزينة فضلاً عن الإرتداد عن دين الإسلام وهو الدين الخاتم الذي أرسل الله النبي عليه الصلاةُ السلام للناس كافة ليقوم الناس بالقسط إذ لم يجدوا هذا القسط حتى ممن ينادون بتطبيق الشريعة عيناً ، ولكن البعض عندنا أفلح في أن يجعله ديناً للعرب وحدهم ونشروا ذلك بالطرق المختلفة والمعاملات ، وبشروا من خلال السلوكيات إنه لن يحسن إسلام غير العربي إلا أن يدخل فيه من باب العروبة السياسية والهوية العربية ولكن كثيرين ممن ولجوا هذا الباب في السودان خاصة إكتشفوا زيف ذلك من خلال قراءة تجربة الحكم الإسلامي منذ سنار والمهدية وما بعد الإستعمار وهكذا أيضاً إختط النوبة منهجاً مغايراً كرد فعل لأفعال المركز ، وهكذا فسقوا عن طاعة المركز ولسان حالهم يقول: لا طاعة لمركز ظالم لا يخاف فينا إلاً ولا رحمة ، ولا يحترم سنة الله وفطرته في الإختلاف فينا ، ولا يبسط لنا العدل المساواة كما ينبغي ، ولا يشفع لنا عندهم قِدَمُ وجودنا في السودان قبلَ كلِ أحد فلا طاعة له علينا ، وهكذا تهيأوا للقتال والمقاومة أو الهلاك دون هويتهم لعقود قادمة ، وهكذا مضوا في طريق اللاعودة في الطرف الآخر ولا يمكن لمراقب أن يتجاهل موقف النوبة المتحالفين مع المركز من قضايا الهوية والممارسات الثقافية التي نجمت عن عمليات التعريب القسري عقود طويلة وقد حمل السلاح من حمله بسببها و أعلنوا هذا الخروج الداوي على الدولة ، والسؤال ما هي تصورات هؤلاء المتحالفين حول وجودهم في سودان الحاضر والمستقبل وقد صاروا أكثر تبايناً عن النوبة في الطرف الآخر أم هي عندهم من القضايا المسكوت عنها رغم نتائجها الكارثية ؟ أهي قضية حقوقية عادلة أم أضغاث أحلام خرافية تأمر حملة السلاح وهي عصية التحقيق؟
لقد قال لي أحد حملة السلاح هؤلاء مهاتفاً (إن كانت القوة المادية هي التي تدفع المركز لظلمنا فسوف نحصل على القوة المادية هذه أيضاً وسوف نقاتل كل من يلج جبال النوبة كما فعل الأسلاف فالظلم هو الظلم لم يبدله تقادم السنين ولا تعاقب الأزمان حتى ينصرنا الله أو نهلك دون حقوقنا ) ، هذه هي إذاً بؤرة المشكلة وهي المسألة وقد نصت عليها الاتفاقيات المتتالية (إتفاقية الخرطوم وسويسرا والسلام الشامل) وفصَّلت فيها بإسهاب بالقدر الذي شخَّص الظلم وأسباب رفع السلاح – رغم أنها لم ينفذ منها شيئاً - وهي مشكلة لا تعوض عنها قضايا المشاركة الرمزية لبعض منسوبي المنطقة في السلطة المركزية أو الولائية مثلما لا يعوض عنها إمتلاك بعضهم نذراً من الثروة أو إحداث قدراً من التنمية بإتجاه التوازن إذ السؤال دائماً أيساوي ذلك حظ الآخرين في أقاليم الوسط أم هي إلا قسمة ضيزى ؟ إن الحل برأينا المتواضع في مخاطبة أم القضايا هذه مجتمعة ، فما هي آفاق الحلول العملية المتاحة التي تجري على أساسها المفاوضات والجولات الراتبة في مدينة زهرة الشمس الحبشية ؟
النتائج والخلاصات والتوصيات:
خلصت الورقة إلى النتائج التالية:
أولاً : شن الحرب ضد جبال النوبة فكرة مركزية في العصور المختلفة ولم يفرضها النوبة على المركز بسبب رفضهم التدخل في شئونهم و العبث بهويتهم والإصرار على التحيز ضدهم.
ثانياً : المستعمر هو الذي خاض في هوية النوبة القومية دون مشورة لهم أو تفويض منهم ، مرة بإستتباعهم لثقافة الغرب الأوربي ثم إستتباعهم ودمجهم في ثقافة وسط السودان العربية وكذا فعلت قوى المركز الحاكم بعد الإستقلال بتطبيق نظريات الإقتداء والإحتواء والإستتباع والنمذجة والتنميط من خلال ثقافتين متقاطعتين مع ثقافة النوبة ولكنهما طريقتان حاولتا طمس هوية النوبة الحقيقية وهي أعرق الهويات السودانية على الإطلاق فإنتهكتا خصوصيتهم عن عمد وتبادلا الأدوار.
ثالثاً : منطقة جبال النوبة ذات وجود تأريخي وسياسي قديم أسهمت من خلاله في تشكيل السودان الحديث منذ ما قبل مملكة تقلى الإسلامية والعهد التركي الذي أستهدفها في مالها ورجالها مروراً بدورها الفاعل في أنجاح الثورة المهدية ثم تمردت عليها وحاربتها ، ومقاومة الاستعمار الإنجليزي كأطول مقاومة عرفها اللإنجليز في مستعمراتهم ، ثم إستهدفتها السياسات المركزية قبل وعقب الإستقلال بالحروب الممنهجة طويلاً بقصد إخضاعها بالتنميط والنمذجة والإستتباع بالتغريب مرة والتعريب مرة أخرى في معاداة ظاهرة لهوية غالبية سكانها النوبة ، وتعرضت المنطقة بسبب ذلك لسياسات ثقافية متباينة فيما يتعلق بعلاقاتها بالمركزية من السعي لاستبعادها إلى محاولة استتبعاها في أطار ثقافة المستعمر الأجنبي ، ثم إستيعابها في إرادة مجتمع المركز وهويته العربية إلى محاولة دمجها وظيفياً مع الاحتفاظ بهويتها وثقافتها ، ومراعاة تباينها الثقافي والعرقي والديني وهي الأسئلة التي ما تزال تدور حول (قضايا الهوية القومية لشعب النوبة) من خلال سياسات دفعت الكثيرين لاستخدام أساليب عنيفة للتعبير عن رفضهم لتلك السياسات فوصم المركز المنطقة من خلالها بالتمرد والعصيان ، ولكن الحديث عن (الهوية وممارسات إقصاء الآخر والتقليل من شأنه) في خطاب الوثبة الذي صدح به رئيس الجمهورية في 27 ينار (قوسوكور) 2014م ما هو إلا تعبير صريح وفصيح عن أصالة قضية الهوية هذه وخطورتها وأهميتها كذلك كأحد مسوغات الحرب والخروج على الدولة المركزية في جبال النوبة على مدى الخمسة قرون!.
رابعاً : أظهرت جبال النوبة وعياً سياسياً مبكراً ومشاركة فاعلة في مقاومة المستعمر الإنجليزي وقدمت نماذج لحركة النضال الوطني الصادق ونموذجاً لحركة سياسية إقليمية رائدة وواعية كشفت ضعف سياسات الحكم المركزي والقوى السياسية المسماة قومية تجاه المنطقة .
خامساً : إن النزاعات التقليدية بين المكونات الإجتماعية في المنطقة كان سببها دائماً النزاع حول المراعي والمياه والسيادة ويعود بعضها إلى ثقافة ما قبل قيام الدولة المركزية والتي كانت تحسمها الأحلاف عبر آليات فض النزاع التقليدية التي تنظم الحياة الإقتصادية و الإجتماعية وتستند على العرف القبلي في إطار المدافعة العادية الطبيعية وهو ما يشكل نموذجاً جيداً في التعايش السلمي واحتواء النزاعات ولم يشهد الإقليم الصدام العنيف بين مكوناتها إلا بتحريض سافر و مباشر من قوى المركز الحاكم منذ الإستعمار شاملاً العهد الوطني وقد دأب المركز على الوقوف مع مكون ضد آخر في المنطقة كشكل من أشكال السيطرة والحكم.
سادساً : السبب الرئيسي في الإتجاه نحو الإقليمية الضيقة و الإتجاه نحو العمل المسلح لدى البعض في التعبير عن قضايا المنطقة هو الإحساس بالغبن الإجتماعي والثقافي و الإقتصادي الذي كان نتاجاً لسياسات الإستعمار ومن ثم سياسات الحكومات الوطنية المتعاقبة في السياسة و الإقتصاد والثقافة {الهوية} ومازالت هذه الأسباب ماثلة للعيان إلى الآن وقد فشلت وسائل التعبير السياسي السلمية {الأحزاب} في تحقيقها إذ تمَّ رميها بالجهوية تارة والعنصرية والعمالة تارة أخرى وهي مفردات ما تزال تطال تكوينات النوبة وأفرادهم حتى الساعة ومن ذلك إقصاء إسم جبال النوبة العريق والإستعاضة عنه بجنوب كردفان.
سابعاً : أصبحت منطقة جبال النوبة منطقة إستهداف عالمي في أواخر القرن العشرين بعد إنتقال النزاع المسلح إليها وتردي أحوالها فأصبحت مسرحاً للدول الغربية والمنظمات الدولية التي لها دائماً أهدافها الإستراتيجية فباتت تعبر من خلالها عن عدم رضائها بالدولة المركزية وصارت تسوق الإتهامات حول إنتهاكها لحقوق الإنسان بينما ترعى المنظمات المشبوهة نكاية في إسلامية شعارات النظام الحاكم.
ثامناً : لم تحقق إتفاقية السلام الشامل تطلعات أبناء جبال النوبة ومتساكنيهم في السلطة والثروة وتحقيق سلام مستدام ، والحرب الدائرة الآن هي نتاج لعدم توافق الشريكين ( الحركة الشعبية – المؤتمر الوطني) وإبعاد إرادة أهل المنطقة المتمثلة في تنفيذ المشورة الشعبية بصدق وشفافية.
تاسعاً : إن مسألة جبال النوبة قضية حقوقية واضحة بدأت بوسائل مطالبية مشروعة إلا أنها باتت الآن أكثر تعقيداً إذ صارت ضحية للأيديولوجيات المتقاطعة وساحة لتصفية الحسابات القطرية والإقليمية والدولية فضاعت معالم القضية الأساسية فلا بد من العودة بها إلى جذور المسألة الأصلية والمعالجة على أساسها في إطار السودان الواحد.
عاشراً : في ظل كل هذه الظروف والبلاد تحتفل بالعيد الثامن والخمسون لاستقلال البلاد من المستعمر الإنجليزي وجبال النوبة ما تزالت تعانى ما تعانى من ظروف إنسانية بالغة السوء بتزايد حركة النزوح والخروج واللجوء من المنطقة بحثاً عن ملاذات آمنة وتوسعت دائرة ومساحة الحرب وشملت كل السكان وتوقفت عجلة التنمية فإنه لابد من مخرج يعيد للمنطقة سيرتها ودورها الريادي والطليعي في المشاركة في الهم الوطني وخلاف ذلك يجعلها دائرة وسجينة في فلك العمل المسلح وهي عريقة فيه كذلك ، ولن ينهي الحل الأمني والعسكري المشكل وقد دُوِّل فسرعان ما يعود الأمر لمربع الحرب والإقتتال متى توفرت الأسباب وتهيأت الظروف فالإحتقانات الموروثة وصور الظلم عبر الأجيال لا يمحوها تبدل الأنظمة والشخوص والآجال وذلك ما يشير إليه تاريخها.
تَخلُصُ الورقة إلى عدد من التوصيات والإستشرافات:
1. الإهتمام بتاريخ المنطقة وأبراز دور النوبة المتقدم وغير المسبوق في مناهضة الاستعمار وتقديمهم حركة إقليمية واعية وسباقة ساهمت بإيجابية في الحياة السياسية السودانية والعمل على تضمين رموز المنطقة في سلسلة رموز الحركة الوطنية السودانية في المناهج الدراسية المختلفة وتشجيع التأليف للحركة الوطنية فيها .
2. الإهتمام بالتراث المحلي وإعلاء قدر الثقافات والأعراف المحلية وتثبيتها وتشجيعها لتعبر عن المنطقة ودورها في تشكيل الثقافة السودانية ، فالنوبة من أهم الشعوب الأصيلة الباقية في القطر فهم بعض نفحة السودان القديم.
3. تشجيع البحث العلمي في المنطقة نسبة لأهميتها ودراسة تراثها التاريخي الإجتماعي لقلة المعلومات المتوفرة عنها نتيجة لظروفها الطبيعية والحروب التي استمرت لفترات طويلة من الزمن .
4. تعزيز التعايش السلمي والتسامح الديني في المنطقة والسودان ودعم الروابط ومنظمات المجتمع المدني التي تعمل في هذا المجال بعد ما أصاب المنطقة من تهتك للنسيج الإجتماعي بسبب الحرب والسياسات الإقصائية.
5. إبعاد اٍلاسلام عن إحتواء القوميات السياسية لهذا الجنس أو ذاك ودعمه وتصحيح مناهج الدعوة إليه ليكون كما كان للناس كافة ، فالهوية العربية الطبيعية أو السياسية ليست شرطاً من شروط الإسلام أو صحته كما تنادي بعض الأفكار والتيارات.
6. الإقناع العملي لحملة السلاح بأن قضاياهم التي حملوا من أجلها السلاح قضايا عادلة وأن هويتهم محل إعتراف وإهتمام وهي في مناط الحفظ والصون.
7. العدالة في توزيع السلطة والثروة بين كافة مناطق السودان مع التمييز الإيجابي للمنطقة.
8. إفساح المجال لمثقفي المنطقة ولمنظمات المجتمع المدني للمساهمة بالرأي والفكر في شئون ومستقبل المنطقة والبلاد عامة والسماح للقادة الحقيقيين لإدارة قضايا المنطقة السياسية محلياً ومركزياً وليس تنصيب من لايرضى عنه أهل المصلحة في الإقليم من النسخ المركزية.
9. التواثق على دستور يؤمن حقوق المجموعات السكانية والجهات بأوزانها المختلفة وخيراً فعل خطاب الوثبة بأن دعا لذلك.
10. الإهتمام بالتعليم في منطقة جبال النوبة لتعويضها عما فاتها في هذا المجال والتعبير عن ثقافات ولغات أهل المنطقة كافة في وسائط الإعلام المحلية والقومية وتعويض ما فاتها إدبان فترة الحرب والعناية بجامعة الدلنج إذ أنها الجامعة الوحيدة بالمنطقة وتطويرها بالكليات العلمية والنظرية التي تخدم قضايا المنطقة.
11. دعم دور الإدارة الأهلية الفاعل في تحقيق الضبط الإجتماعي على مستوى جبال النوبة ، ودعمها بالإمكانيات اللازمة للأداء عملها .
12. حتمية الحل السياسي الشامل لازمة المنطقة لضمان الإستقرار وعودة الحياة الطبيعية ذلك أن الحل العسكري لن يضع حداً للصراع .
13. الإستفادة من تجارب الآخرين في تحقيق الوحدة و الإندماج الوطني في إطار التنوع العرقي والديني واللغوي والثقافي بالإعتراف الحقيقي والعملي بالتنوع وترك النوبة لإقرار ملامح هويتهم دون تدخل أو وصاية من المركز في إطار السودان الواحد.




هذا والله الموفق والهادي إلى طريق مستقيم






المراجع:
1/ منصور خالد ، السودان أهوال الحرب وطموحات السلام رؤى بلدين ، دار تراث لندن.
2/ أحمد إبراهيم أبو شول ، الفاتح عبد الله الانتخابات البرلمانية في السودان (1953 – 1986م)– مركز عبد الكريم ميرغني.
3 / عوض عبد الهادي العطا ، تاريخ كردفان السياسي في المهدية ط 1 1881- 1898م.
4 / * R .C .Stevenson The Nuba people of kordofan province Monograph 7 1985 U. of K.
* Ahmed Othman M. Ibrahim The Dilemma of British Rule in The Nuba Mountains 1902-1947. 1985.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 3916

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#995357 [السماك]
0.00/5 (0 صوت)

05-06-2014 08:17 PM
يعطي هذا المقال صورة معتمة للنوبة عن عمد تكرس جهل الناس بهم .. وهو نفس دأب الإنتلجنسيا الشمالية في الكتابة عن سكان الهامش وتعمد إظهارهم وكأنهم مجموعة من البشر لا أصل لها ولا تاريخ .. ليس جهلاً ولكن لعلمهم أن النوبة هم السكان الذين أزاحتهم العناصر المستعربة من وسط السودان وأستوطنت مكانها .. هم الشعب الذين عرفوا في كتاب طبقات ود ضيف الله بالعنج .. هم النوبة الذين أفتتح بهم كتاب طبقات ود ضيف الله - تحقيق يوسف فضل - أن الفونج ملكت أرضهم سنة 950 (هجرية) ..

النوبة هم سكان الممالك النوبية التي قامت في القرون الوسطى في المنطقة الممتدة من المديرية الشمالية إلى جنوب مديرية الجزيرة .. وإرثهم الثقافي وتراثهم يفصح عن ذلك بكل وضوح .. فلماذا اللف والدوران ؟؟ فهناك من الأبحاث المحكمة المعاصرة من أساتذة سودانيون يبحث في تاريخهم ومن هم ومن أين أتوا فلماذا تجاهلها عند الكتابة عنهم ؟؟

والأسف الكاتب لم يكتب إسمه حتى ولا المؤسسة التي ينتمي إليه ..

[السماك]

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة