المقالات
السياسة
قف .... والدك في خطر!
قف .... والدك في خطر!
05-07-2014 01:08 AM



قد يبتدر الكاتب مقاله بعنوان صارخ-كوسيلة مشروعة وإن لم تكن مستساغة-لاستجلاب اهتمام وفضول القارئ، والذي من جانبه يحق له أن يحنق على الكاتب عندما يكتشف أنه قد وقع في فخ عنوانٍ مضللٍ أجبره على قراءة مقال متواضع الفكرة فارغ المحتوى. على أنني في هذا المقام أجد نفسي أنحو ذات المنحى فأسير في سكة اصحاب العناوين المثيرة.

ولكن لعل القارئ يلتمس لي العذر في ذلك فقد استفزني وآلمني، بل أوجع قلبي فأبكاني وأحال أمسيتي إلى كرنفال من الأحزان، مقطع من "اليوتيوب" يعرض مشهداً لشيخٍ في الثمانين من عمره جالساً على سرير فيما شخصٌ ينهال عليه ضرباً بعصى غليظة يستتبعها بلطمات وصفعات، والعجوز يحاول أن يدفع عن نفسه الأذى يبديه الضعيفتين ولكن دون جدوى.

ذلكم الشخص الذي كان يمارس تلك الفعلة النكراء هو عامل "بنغالي" قد استخدمه منذ أربعة أشهررجل من "إمارة الفجيرة" بدولة الامارات العربية المتحدة وذلك للقيام على خدمة والده والنوم معه في نفس الغرفة لتلبية احتياجاته.

في تلك الفترة القصيرة كان الشيخ كثيراً ما يشكو لابنه ما يلقاه من أذىً على يد ذلك الوحش الآدمي، إلا أن الابن-سامحه الله- لم يُعِر شكوى والده اهتماماً وعزا الأمر كله إلى أوهام وخيالات الشيخوخة.

ولما توالت شكاوى العجوز، قرر الابن "أخيراً" تركيب كاميرا في غرفة والده ليُوَاجَه بالحقيقة المرة. لقد ترك والده دون أن يدري أنه قد تركه فريسةً لذلك "الوحش" المريض يفرغ في جسده كل شحنات حقده وغضبه وعلله النفسية .. ترك الرجل والده برفقة الخادم دون أن يخطر بباله أن يتفقده في مرقده اثناء ساعات الليل الطويلة.

وإذا كان الخادم قد برر فعلته تلك بأنه أراد "إرغام" العجوزعلى النوم حتى"يكف عن ازعاجه"، فبماذا يبرر الابن عدم اهتمامه بشكوى والده بصرف النظر عن مصداقيتها أو عدمها؟ أولم يَدُر بخلد الابن أن والده في حال كان "كاذباً" في شكواه أنه ربما اختلق تلك الرواية حتى يفوز"بِطلّة" من ابنه تخفف عنه وطأة الوحدة.. تلك الوحدة التي يفاقم منها بالتأكيد صحبة شريك غريب السحنة .. غريب اللسان.

والآن نحن نعيش في زمنٍ أصبح فيه الفرد عبداً مملوكاً للتكنولوجيا بكافة ضروبها واستخداماتها بدءاً من التلفزيون، مروراً بالكمبيوتر إلى الموبايل، نكاد أن ننزلق إلى ذات الهاوية التي وقع فيها ذلك الابن .. "هاوية العقوق".

إن إطعام الأبوين وكسوتهما وقد بلغا من الكبر عتياً، وإن القيام على نظافتهما وراحتهما بعد أن ضعفت حواسهما، لا يُصدُّ عنهما ذلك الاحساس المؤلم من أنهما قد اصبحا عبئاً على الآخرين فأي"تقطيبة" أو تنهيدة تنم عن ضجرٍ هي خنجر مسموم تغرسه في قلب من نذرا حياتهما من أجلك .. يفرحان بكل خير يتنزّلُ عليك، ويجزعان من كل شر يصيبك.

إن الجَلْد المعنوي الذي نمارسه يومياً على آبائنا لهو في ظني أشد قسوةً وأغور ألماً من ذلك الجلد الذي كان يتعرض له العجوز من قبل الخادم الآسيوي.

الآباء اليوم – للاسف - يعانون من عزلة وغربة حقيقية بعد أن تغوَّلت تلك الاجهزة الالكترونية على القليل من الوقت الذي يمضيه الابناء بصحبتهم .إن مشاهدة التليفزيون في كل الأوقات أو إدمان الجلوس أمام شاشة الكمبيوتر مع حبل الونسة الذي لا ينقطع بالموبايل، يُصدِّر لتلك الفئة الشعور بالتهميش والإقصاء حتى وإن كانوا متواجدين فعلياً في وسط أسرهم.

لا جدال أن البعض من أولئك المسنين قد يصبح مع تقدم السن عصبياً أو ملحاحاً في مطالبه، وذلك يتطلّبُ طول البال، ورحابة الصدر. وفي النهاية فإن معاملتنا الطيبة .. المتفهمة والممزوجة بمشاعر العطف والحنان لأولئك الأعزاء هي غرس نجني ثماره أبناءً بررة، ننعم في كنفهم بكل الرحمة والرعاية والحب.

وتحمل القصة التالية أيضاً رسالة تحذير للأبناء ليتدبروا أن الجزاء من جنس العمل. فقد خرج زيد بن أسلم (مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه) من المسجد فوجد شاباً يخنق شيخاً، وقد اجتمع الناس عليه، وذلك الشيخ أبو الشاب! فقال لهم زيد بن أسلم: دعوه فإني رأيت هذا الشيخ يخنق أباه في هذا الموضع!

*قال تعالى في محكم تنزيله: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)).

bidourmoneim68@gmail.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 976

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




بدور عبدالمنعم عبداللطيف
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة