المقالات
السياسة

05-09-2014 07:52 AM



(أعرض منذ حين نُبذاً عن معلمين تلقينا العلم منهم في حنتوب الثانوية بين 1949 و1952. وكثير منهم زاملتهم حين صرت معلماً مثلهم. أما الطاهر العاقب فخلاف ذلك. فهو درسني في حنتوب ثم صرنا معاً طلاباً في جامعة الخرطوم)

سعدنا نحن طلاب المجموعه الثانيه (سيت 2 set 2, ) في السنة النهائية بالجلوس إلى حلقات درس معلم مقتدر بكل المقاييس أكمل معنا ما تبقى من مقرر دروسلرياضيات في المرحلة الثانوية، وسعى بكل همة واقتدار لتهيئتنا للجلوس لامتحأن المادة في ديسمبر من ذلك العام. رغم أنه كأن قد قطع دراسته الجامعية قبل أن يحصل على شهادة البكالوريوس إلا أن إلمامه بكل أقسام المادة كان مكتملاً . كان يبدو عليه صغر السن في شكله، ولكنه كان يفيض حزماً ووقاراً. فما كانت مدة حصة الرياضيات ذات الدقائق الأربعين إلا للعمل الجاد المتواصل. لم يكن في درسه مكان للهزل ولا التراخى ولا الخروج عن النظام. فقد كان الطرد من الدرس مصير مَن يتأخر عن بداية الحصة, كما كان مصير كل متراخٍ أو مهمل لأداء الواجبات. كان جاداً غير عبوس، ولكن قلما كانت تعلو وجهه الابتسامة أثناء الدرس.
ولكن كانت تعليقاته خارج محيط الدرس تفيض سخرية المشوبة بأقدار من الحكمة وفصل الخطاب .ذلكم كأن أستاذنا المرحوم الطاهر أحمد العاقب من أبناء مدينة شمبات الغر الميامين,,وهو شقيق أصغر للمهندس عبدالرحمن أحمد العاقب وزير الأشغال في حكومتي أكتوبر 1964. ولم يكن التجرد والإخلاص في العمل عليهما بغريب، فقد كان أبوهما صالحاً أدلى بسهم وافر في مهنة التعليم ، حيث كان أحد العلماء السودانيين الذين استجلبهم الشيخ أحمد سوركتي لمساندته للقيام بأمر الدعوة ونشر الثقافة الإسلامية في جزر الأرخبيل الإندونيسي في بداية القرن العشرين.
كان الأستاذ الطاهر من النابغين، تقدّم أقرانه دراسياً في كلية العلوم بجامعة الخرطوم مما أهله للابتعاث للحصول على درجة البكالوريوس من إحدى الجامعات البريطانية، ولكن لأسباب خارجة عن إرادته اضطر لقطع دراسته وعاد إلى السودان معلماً في المدارس الوسطى بادئ الأمر إلى أن نُقل إلى حنتوب معلماً للرياضيات. ثم اُبتعث مرة أخري إلى جامعة الخرطوم لإكمال ما انقطع من دراسته الجامعية ليصبح زميلاً لنا أبان فترة دراستنا الجامعية . وانتقل بعد تخرجه أستاذاً في معهد المعلمين العالي التابع وقتها لوزارة التربية
والتعليم قبل أن يصبح كلية للتربية ويتبع لجامعة الخرطوم حيث أبلى فيه بلاءً حسنا حتي صار عميدا له في فترة من الفترات. ألأستاذ الطاهر – عليه فيض من رحمة الله - كان خفيف الشعر في مقدمة رأسه مما جعله واسع الجبهة عريضها. وقد قيل أن ذلك سمة النابهين. سعدنا بلقائه وبزمالته عامين في جامعة الخرطوم ،يشاركنا السكن في داخليه النيل الأبيض التي أصبحت مقرا لكلية القانون في لاحق من الزمان. في حنتوب سكن "هاوسماسترا" في داخلية النجومي أثناء السنوات الأربع التي قضاها معلماً فيها. صال وجال بين فصولها ومنصاتها. أبان فترة زمالتنا له في جامعة الخرطزم كنا بادىء ألأمر نتهيب وجوده بيننا بذات القدر مما كان عليه حالنا ونحن طلاب درس نجلس إلى حلقات درسه في حنتوب. لعله أدرك صمت طلابه القدامى في حضوره وهم زملاء له في الجامعة، فبدأ يتبسط في تعامله مع رفاقنا القادمين من وادي سيدنا أو خورطقت أو من غيرها وهم يتعاملون معه معاملة رفيق دراسة ويشاركهم تبادل الرأي في كل الشؤون كواحد منهم.

ورويدا بدأنا نتحسس مواقع أقدامنا ونتحسب لزلات ألسنتنا عند التحدث إليه. فتجرأنا وسايرناهم. ولم نلحظ منه إنكارا لنا في الانفتاح إلى محادثته. وهي محادثة انطلقنا فيها إلى أغوار نفسه التي ظلت تبدو لنا كل حين كلما ازددنا منه قربا أنها تفيض صفاء منقطع النظير . ظرف وحلاوة حديث ما كأن يتسنى لنا أن ندركه لولا أن أكرمنا المولى بزمالته في جامعة الخرطوم عامين دراسيين. فأفصح عن مكنون مخبره في تعامله مع الناس أجمعين. كنا دائما نستذكره أيام حنتوب وما كان فيها من الأحداث فيسترسل في الحديث عن بعضها دون الإفصاح أو الخوض فيما كأن يحتمه عليه وضعه كمعلم سابق لنا من أسرار تلك الأحداث. كأن يضحك كثيراً عندما نستعيد معه ذكرى تصرفات البعض منا في سنة رابعة "ابن خلدون" . وبقدر ما كانت شخصيته طاغية، ولما تزل، وستظل تفرض علينا احترامه وتوقيره ويزداد في نفوسنا إجلالاً وإكباراً. رحمة الله عليه وعلى رفاق دربه من أساتذتنا الأخيار.
مما لا شك فيه أن مجموعتتا تلك تظل على مر الزمان تدين له بالعرفان على ما بذله من جهد مقدر وعطاء عظيم وتفانٍ مما مكننا من اجتياز امتحان
الرياضيات. بل وونجاح كل المجموعة وحصول عدد كبير منها على أعلى الدرجات. وكذلك يظل ساكنو داخلية النجومي يذكرونه ضابطاً مقيماً بينهم يحمل لهم الود في حزم ومرونة وحرص على مشاعرهم ومستقبلهم في توجيه وإرشاد سديد نحو كل سلوك قويم. رحم الله الأستاذ الطاهر اسماً ووصفا في أعلى عليين وجعل الفردوس الأعلى مقراً ومقاماً له بقدر ما علم وهدى وأرشد


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1053

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#997980 [aboahmed]
0.00/5 (0 صوت)

05-09-2014 09:35 AM
الرحمة له ولكل من وقف ممسكا بالطبشيرة معلمآ

[aboahmed]

الطيب السلاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة