المقالات
السياسة
إنتفاضة جودة وإفتراءات ” شاهد شاف كل حاجة“
إنتفاضة جودة وإفتراءات ” شاهد شاف كل حاجة“
05-09-2014 08:55 AM


فى إطار جهوده المثابرة على ترجمة الكثير من الكتابات فى المجالات السياسية والعلوم الإجتماعية والتاريخية والادبية المتعلقة بالسودان، قدم الأستاذ بدر الدين الهاشمي ترجمة إحتوت على تلخيص مستفيض لمقال لاستفني. ف. بيزويك (Stephanie F. Beswik) الاستاذة حالياً بجامعة بول بولاية إنديانا الامريكية بعنوان:

” ثقب كوستي الاسود: اغتيال معتقلين من البقارة على ايدي رجال بوليس من الشايقية في ثكنة بكوستي، السودان، 1956“

"The Black Hole of Kosti: the Murder of Baggara Detainees by Shaigi Police in a Kosti Barracks, Sudan, 1956," Northeast African Studies Vol. 2 No 1 (1995).pp 61-83
والغرض من هذا المقال هو التعليق على ما كتبه السيد على حمد ابراهيم حول الموضوع المترجم تحت عنوان” حول كتاب (ثقب كوستى الاسود) أو مأساة عنبر جودة للمؤلفة ستيلا بزويك“ بتاريخ 29 /4/2014

استخف السيد على حمد ابراهيم بمقال استفني. ف. بيزويك بوصفه له بالعمل البائس وتوبيخ المترجم على إضاعة الجهد الذى بذله فى ترجتمة؛ فهو يقول أن المقال المترجم ” حمل اخطاء تاريخية معيبة لا تليق باستاذة جامعية بل وابنة مدير عام مشروع جودة وكانت موجودة فى مدينة جودة اثناء تلك الحوادث. ولكنها كانت صغيرة السن وقتها. وواضح انها كتبت من ذاكرتها الصغيرة تلك عن تلك الاحداث ونقلت روايات شفاهية ممعنة فى الجهل بما جرى وما كان يجرى من احداث سبقت وتلت وقوع الكارثة.“ ولخص الكاتب "اخطاء المقال المعيبة" فى أن ” المزارعين فى مشروع جودة لم يكونوا من البقارة حصرا“ وأن تقدير عدد القتلى فى الأحداث مبالغ فيه.

وقع السيد على حمد ابراهيم فى أخطاء كبيرة تدل على عدم قراءته للمقال المترجم؛ فهو قد عزا المقال لإستيلا بيزويك بينما الكاتبة هى استفني.ف. بيزويك. والخطا الأفدح الذى ارتكبه الكاتب هو أن جانب الاحداث التى تتعلق بالعلاقات بين اصحاب مشروع جودة والمزراعيين التى ضمّنتها استفني. ف. بيزويك فى المقال لم تأتى من معايشة واقعية للمؤلفة بل هى إفادة شفهية لدوغلاس بزويك(Douglas Beswick) المفتش الزراعى للمشروع، وهذا الامر يتضح بشكل جلى لكل من قرا مُولَّفها؛ فهى ” لم تنقل من ذاكرتها الصغيرة“ كما تخيل الكاتب. واود ان أشير عرضاً الى أن أحد مصادر الكاتبة بحث أكاديمى لدكتور تيسير محمد على منشور فى الدورية التالية:

Taisier Mohamed Ali, “The Road to Jouda,” Review of African Political Economy, no. 26, 1983.

ومحتوى بحث د. تيسير مضمن فى كتابه: ”زراعة الجوع فى السودان“، مركز الدراسات السودانية (القاهرة)، 1994

وتناول د. تيسير لأحداث جودة يحتوى على عرض دقيق وشامل لعلاقات الانتاج فى مشروع جودة ووضعها فى إطار يشمل دراسة علاقات الإنتاج فى الزراعة السودانية للفترة (1956-64) والعمل الأكاديمى الذى أنجزه د. تيسير محمد على يعتبر مرجعاً لا غنى عنه لاى دارس أو باحث فى الموضوع.

بالعودة الى موضوعنا، فحول نسب بزويك المزارعين الى البقارة، الذى أثار غضب السيد على حمد ابراهيم المصطنع بعد ان تعجل تخطُّفه من عنوان مقال استفني. ف. بيزويك، نشير الى أن المترجم قد ذكر فى تقديمه للمقال تنبيهاً واضحاً الى خطل فكرة تصوير المتصارعين مزارعين ينتمون للبقارة وأن البوليس الذى قتلهم من الشايقية. وبدورنا نضيف الى ما ذكره المترجم ان القيمة الكبيرة لإفادة بيزويك الواردة فى المقال هى تسليطه الضوء على علاقة الانتاج بين أصحاب المشروع وجماهير المزارعين والاشكال التى إتخذها الصراع بينهما. وفى الجزء من شهادته الذى تناول فيه الصراع الدائر فى مشروع جودة بين المزارعين والمالكين، فإن بيزويك لا يُرجع الصراع لاسباب اثنية بل نتيجة لشراكة غير منصفة؛ هذا بالإضافة الى إبانته لممارسة الغش التى كان يمارسها أصحاب المشروع والصعوبات التى ظل يواجهها المزارعون في الحصول على نصيبهم المستحق من الأرباح السنوية للمشروع.

وبعد ان أصدر حكمه المتعجل على مقال الكاتبة، إكتفى على حمد إبراهيم فى مقاله بالاسترسال فى إطلاع القارئ على صلته بمشروع جودة ومعرفته بما كان يجرى امام عينه وإنه خلافاً للكاتبة يعالج أحداث جودة معتمداً على القول الدارج ” شاهد شاف كل حاجة “ قائلاً ” كنت ملما بما كان يجرى من حولى لاننى كنت اعايش ما كان يجرى صباح مساء من وقائع لأن اسرتى كانت فى قلب الاحداث . فجدى لأمى ، الشيخ اسماعيل يونس ، كان عمدة وزعيم البادية التى تسكنها عشائر ( نزّى )، احدى عشائر بوادى دار محارب. وهى العشيرة الاكبر فى المنطقة، والحاكمة. وخالى كان وكيل البادية بينما كان والدى احد كبار شيوخ الادارة الاهلية.“

لكن الشوف (الرصد من واقع المُعايشة) لا يعفى من التحرى الدقيق للاحداث المراد تحليلها والتحقق منها بتبنى إطار معرفى ينطلق من الواقع الموضوعى. وغير هذا يكون السرد مجرد ” طق حنك “وأحاجى!

من أجل أن يصور أحداث جودة على أنها أحداث عرضية، استخف على حمد إبراهيم بعِظم الاسباب التى أدت الى الصدام الدموى وتكذيب شهادة بيزويك فيما يخص عدد القتلى فى الحقل. ووصف أحداث جودة بأنها عرضية وهو الوصف الذى كان يردده وزراء حكومة الأزهرى التى قمعت إنتفاضة المزارعين.

أقحم الكاتب فى تعليقه المستخف بعمل استفني.ف. بيزويك الاكاديمى الاشارة الى انه صاحب رواية عن أحداث جودة نفذت فى ايام معدودة من نشرها، وصفتها صحيفة الأيام بأنها رواية لكل الاجيال وقرظتها جميع الصحف السودانية. وجدير بالذكر أن المترجم فى مقدمة مقاله أشار الى بعض الكتاب والادباء الذين كتبوا عن أحداث جودة وحددهم بصلاح أحمد إبراهيم و د. عبد الله علي إبراهيم و محجوب شريف وحسن العبيد مدني.

إن إنتفاضة جودة لم تكن حادثاً عرضياً إذ أنها شكلت معلما بارزا فى المفاصلة التاريخة التى ظلت تسم الصراع السياسى فى السودان، صعوداً وهبوطاً، بين القوى التقليدية والقوى الوطنية الديمقراطية. وهى المفاصلة التى وضع على عبد اللطيف أولى فصولها عندما أعلن التصدى للعمل الوطنى بإستقلال عن الزعماء الطائفيين والعمد والنظار والشيوخ الذين نزعوا الى مهادنة المستعمر آنذاك. مرت فترة من الزمن قبل أن يبرز الصراع بين القوى الطائفية والإدارات الاهلية السائرة فى ركابها والقوى الديمقراطية للسطح متخذاً شكلا حاداً خلال فترة الحكم الذاتى فى البرلمان السودانى الأول، وهذا إنعكس فى المداخلات البرلمانية لحسن الطاهر زروق فى ذلك الوقت. بلغت المفاصلة ذروتها بعد أقل من شهرين على إستقلال البلاد حيث واجهت القوى التقليدية مزارعى جودة بالقوة المفرطة لقمع حركتهم من أجل تحقيق مطالبهم المتمثلة فى دفع متأخرات استحقاقات المزارعين لموسمين زراعيين وزيادة نصيبهم فى الشراكة مع المالكين. لقد مثلت أحداث جودة تصميم القوى التقليدية على محاربة ومحاصرة القوى الوطنية الديمقراطية، التى تدعم النشاطات النقابية كحق التنظيم والاضراب، بكل ما تملك الدولة من أدوات قمعية.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1457

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#998981 [علي باحش الدكوك]
5.00/5 (1 صوت)

05-10-2014 02:32 PM
الدكتور/ محمود محمد ياسين لكم التحية والتقدير على التعقيب الذي تفضلت به رداً على مقال الدكتور/ علي حمد إبراهيم. وأتفق تماما معكم فيما ذهبت إلية بخصوص هذا المقال التمويهي. وقد علقت حينها مستنكراً على الدكتور علي حمد إبراهيم عن المعلومات الخاطئة التي أوردها عن كتاب إستيفاني بيسوك: ثقب كوستي الأسود. وقد خلصت أعتراضي على مقاله في الرد إدناه.

وفي هذا الرابط: http://www.alrakoba.net/articles-action-show-id-48935.htm

__________________________________________

سعادة الدكتور/ علي حمد إبراهيم
CC: الأستاذ/ شوقي بدري

بعد التحية والتقدير وبعد ،،،

لا أخفي عليك بأنني ومنذ قراءتي لمقالك بالأمس ما زلت مندهش أيما أندهاش من المعلومات الخاطئة،التي أحتوها مقالك أعلاه. ولولا درايتي الوثيقة بشخصك الكريم من خلال كتاباتكم، لظننت بك الظنون، أقلها بأنك على خطأ من أمرك أو أنك أعتمدت على ترجمة غير دقيقة أو أنك أطلعت على نسخة غير الأصلية من الكتاب. The Black Hole of Kosti: The Murder of Baggara Detainees by Shaigi Police in a Kosti Barracks, Sudan 1956

S. F. Beswick
Michigan State University

لذلك سارع شخصي بنشر الترجمة الكاملة للكتاب، لعلك تستدرك ما وقعت فيه من أخطاء جسيمة ومخلة بمضمون المقال محل تعقيبك ونقدك. الأخطاء الورادة في مقالك، جوهرية وتضرب في العض، بل في الهيكل العظمي للمقال وهي على النحو التالي:
1- عنوان المقال حسب المؤلف: ثقب كوستي الاسود: اغتيال المعتقلين البقارة على ايدي رجال البوليس الشايقية في معسكر بكوستي, السودان, 1956، بينما كان عنواك: "كتاب (ثقب كوستى الاسود) أو مأساة عنبر جودة"

2- أسم كاتبة المقال/ المؤلفة هي: أستيفاني ف. بيسويك، بينما شخصكم نسب المقال لأسم أخر مختلف: "للمؤلفة ستيلا بزويك".

3- ذكرت المؤلفة صراحة في مقالها بأن مصدر معلوماتها هو المستر دقلاس بيسوك وزوجته استيلا بيسويك "مصادري الاساسية للمعلومات الشفوية أتت من دوقلاس بيسويك2 , مفتش مشروع جودة3, حيث حدثت المعركة, وزوجته, استيلا بيسويك بويد, التي كانت حينها برفقته"، ولم تشير المؤلفة في أي من فقرات مقالها بأنها كانت حاضرة للأحداث أو أنها تروى عن ذكرياتها، بينما نسب شخصكم ما ورد بالمقال إلى ذاكرة المؤلفة، حيث ذكرت " المقال الذى ترجمه الاستاذ الهاشمى عن حادثة مشروع جودة التى اشتهرت باسم عنبر جودة حمل اخطاء تاريخية معيبة لا تليق باستاذة جامعية بل وابنة مدير عام مشروع جودة وكانت موجودة فى مدينة جودة اثناء تلك الحوادث . ولكنها كانت صغيرة السن وقتها . وواضح انها كتبت من ذاكرتها الصغيرة تلك عن تلك الاحداث"بأنه ".

4- وصفت المقال بالعمل البائس، وأردفت "ولا يكافىء حبر الاستاذ، الهاشمى الذى ترجمه"، متناسياً بأن المقال صادر عن دار نشر لمؤسسة أكاديمية أمريكية مرموقة، هي جامعة متشجان الولائية، والمؤلفة أكاديمية وأستاذة جامعية. وأنت الأكاديمي والعالم المدرك لمهنية ومصداقية المؤسسات الأكاديمية الغربية بصفة عامة والأميريكية بصفة خاصة.

5- المقال، الذي وصفته بالعمل البائس، والذي أوردنا ترجمته إدناه، يعتبر وحتى تاريخ اللحظة الوثيقة التاريخية والرسمية الوحيدة التي رصدت أحداث مأساة "عنبر جودة" من بدايتها إلى نهايتها. بدءاً بالأرهاصات الأولية وأسباب الخلافات. والأكثر تسلسلاً وأشملها والأكثر مصداقية ومطابقة مع شاهدات الناجين من الضحايا، مقارنة مع الكتابات والنشورات بهذا الصدد.

6- تحدثت عن نفسك، بأنك أبن منطقة جودة وشاهد عيان شاف كل حاجة بشأن مأساة عنبر جودة وأردفت "قلت كنت ملما بما كان يجرى من حولى لاننى كنت اعايش ما كان يجرى صباح مساء من وقائع"، ومع ذلك لم يصدر لك أو لأي أحد من زملاءك علماء السودان وأكاديميه أي كتاباً أو توثيقاً يضاهي مقال أستيفاني بسيوك الذي أنتقدته بشدة ووصفته بالعمل البائس، الذي لا يساوي حبر ترجمته.


وتفضل بقبول وافر الأحترام
أخوك/ علي الدكوك

[علي باحش الدكوك]

ردود على علي باحش الدكوك
United States [محمود محمد ياسين] 05-10-2014 08:48 PM
الاستاذ على الدكوك

أدهشنى ما كتبته حول الموضوع المثار - فتعليقك واضح ومحددوصحيح. كنت أتمنى أن يكون تعليقك فى شكل مقال منفصل لكى تعم الفائدة. فالهدف الاساس هو الذى حملته فى ثنايامقالك وهو دعوة لنا جميعا أن نعتنى ونطلب الدقة فى كتاباتنا او عند تعليقنا على ما يكتبه الآخرين وخاصة عندما يتعلق الأمر بالموضوعات والاحداث التاريخية. و يعن لى ان اشير الى النقطة رقم 6 من تعليقك، فهناك دراسات جيدة حول أحداث جودة ربما لم تحظ بالنشر الواسع وفاتت على الباحثين

لك التحية والتوفيق


د. محمود محمد ياسين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة